الإسراف في العلم

يتطلب الأمر، لتكتسي الحياة بالروحانية والرهافة واللطف والمعنى وتتجمل، الإبتعاد عن الإسراف وما يشبهه من منكرات. لأن الإسراف هو نذير المصائب عند الفرد والعائلة والمجتمع جميعاً.

جميع النعم التي وهبها الله تعالى للإنسان هي عبارة عن أمانات. فإذا لم تصرف هذه الأمانات في محلها الصحيح، وتم إسرافها على ملذات النفس وأهوائها، حرمها الله -جل جلاله-، بركتهُ.

علينا ألا نفهم من الإسراف، فقط ما تعلق منه بالأموال والممتلكات، بل هو يشمل جميع وجوه الحياة. لنعلم أن قضاء العمر بلا جدوى هو إسراف، ولنعلم أيضاً أن الإنشغال بعلم لا نفع منه، أو استخدام العلم في غير محله ولتحقيق المنافع الشخصية، هما من ضروب الإسراف الكبير.

الإسراف في العلم

العلم هو نشاط سامٍ يرضي الفضول أو الميل إلى المعرفة والذي يوجد مع وجود الإنسان. العلم الذي يشكل ذروة الكبرياء البشرية،وهو يُوصِل المؤمن إلى معرفة الله -عز وجل- عن قرب، ويبلغ به رفعة تكريمه بالعبادات.

أكثر العلوم فضيلةً إنما هي معرفة الله -عز وجل-، أي التعرف إلى الله تعالى بالقلب. فكل الأنشطة العلمية، في عالمنا الفاني التي هي مدرسة للإمتحان، التي لا تبلغ بالعبد هذه النتيجة ولا تنقله إلى الحكمة، ولا تصله بالله تعالى، ليست غير إسراف في الميل الطبيعي عند الإنسان إلى المعرفة.

كلمة العلم، في القرآن الكريم، تُذكر في سياق ما يدفع الإنسان إلى مشاعر التقوى والخشوع في حضرة الله تعالى. جاء في القرآن الكريم:

﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر، 9)

حين نحلل هذه الآية الكريمة بالترابط مع ما قبلها وما بعدها، نرى أنها تبيّن لنا بوضوح شديد ما يعنيه كل من العلم والجهل عند الله -عز وجل-. وفقاً لهذه الآية، يتطلب الدخول في زمرة “الذين يعلمون” السر والحكمة والحقيقة بالمعنى الحقيقي للكلمة، الانتباه إلى النقاط الرئيسية التالية:

1- إقامة الليل في الصلاة والسجود، للحصول على التواصل القلبي مع الله تعالى.

2- الشعور بالقلق في كل لحظة وكل حال، من حساب الآخرة.

3-الدعاء واللجوء الدائم إلى رحمته تعالى.

4-ممارسة حياة التقوى التي تقربنا من الله تعالى، وحماية عالمنا الداخلي من الأوصاف المنكرة التي تبعدنا عنه.

5-أن يكون المرء من أهل الإحسان، بالأخلاق الجميلة والكرم، وأن يحس بأنه تحت مراقبة العين الإلهية دائماً.

6-بذل جميع الجهود لحماية القلب من رغبات القلب وأهوائه.

7-الصبر على المشقات التي يمكن أن تعترضنا في سبيل عزة الدين وتبليغه.

أما “الذين لا يعلمون” فهذه أهم صفاتهم:

1- الكفر والجحود.

2- التضرع إلى الله فقط حين يصبحون في ضائقة، والتوقف عن ذلك بعد انفراج كربتهم.

3- الإستسلام لرغبات النفس وانصراف الناس عن طريق الله -عز وجل- والشرك فيه. جاء في القرآن الكريم:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(الفرقان، 43)

إن جميع العلوم ما هي إلا تثبيت واكتشاف القواعد والقوانين التي وضعها الله تعالى للمخلوقات والحوادث. ويصبح تقدم العلوم ممكناً بزيادة هذه الإكتشافات. لكن مجرد التثبت من القواعد والقوانين التي وضعها الله -عز وجل- للكائنات والحوادث، لا يشكل العلم بالمعنى الحقيقي للكلمة التي تُوصل العبد إلى حكمة الخلق. ولا العلم هو مجرد المشاهدة.

العلم المقبول هو فهم سبب خلق الكائنات وزوالها، وهو فهم لسان حال المخلوقات، وهو كشف السر بمعرفة الحكمة.

أن تعلم، هو أن تشهد على تدفق آيات القدرة والجلال الإلهيين، وأن تنال نصيباً من تجليات الله وبركاته بواسطة القلب.

أن تعلم، هو اكتشاف ما يلبي الحاجة. أما الحاجة فهي «أن تموت مسلماً»[1] كما جاء في الآية الكريمة.

أن تعلم، هو أن تتحرر من سجن النفس قبل الموت لتستيقظ على صباح الحق. أن تعلم، هو أن تستطيع محاسبة نفسك قبل أن يحاسبك الله -عز وجل-.

مولانا جلال الدين الرومي-قدس سره- الذي تعمق في حقائق العلم فغاص في بحر معرفة الله -عز وجل-، لخّصَ مرحلته الأولى التي بلغ فيها ذرى علوم الظاهر، لكنه لم يتذوّق بعد لذة القرب من الحق بعبارة «كنتُ خاماً»، ومرحلته الثانية التي نال فيها قلبياً تجليات الحكمة، بعبارة «نضجتُ»، ومرحلته الثالثة التي انفتحت فيها أمام عينيه تجليات أسرار الكينونة كصفحات كتاب مفتوح، بعبارة «احترقتُ».

بالفعل، تزداد رقة الإنسان المتعمق في العلم ورهافته. فالعلم الحقيقي يجعل من المرء رحالةً في وديان الدهشة. كلما ازداد المرء معرفة بحكمة الكينونة وحقائقها، كلما ازداد معرفةً بعجزه ومحدوديته، أي بنفسه. ومن عرف نفسه فقد عرف ربه.

من يعلم، يعرف المالك الحقيقي للمخلوقات والممتلكات، فيصبح حضناً دافئاً للرحمة والرأفة تجاه المخلوقين بفضل خالقهم.

من يعلم يغفر، من يعلم يصبر، من يعلم يحب، من يعلم يسعى وراء رضاء ربه وقربه، وتتحول التضحية عنده إلى لذة.

من يعلم لا يؤذي ولا يتأذى، لسانه يوزع الرحمة.

من يعلم يختار مرضاة الله -عز وجل-، حين يضطر إلى الإختيار بين الدنيا والآخرة، أي بين مرضاة العبد ومرضاة الله -عز وجل-.

من يعلم يكون في سعي دائم إلى التقرب من الله -عز وجل-، سواء كان واقفاً أم جالساً أم مضطجعاً على جنبه[2]

من يعلم هو في حال من التفكر الدائم أمام العظمة الإلهية ودفقات القدرة الإلهية في الكائنات. بات اللطف والرهافة والرقة طباعاً أصلية فيه.

– من يعلم هو رجل القلب.

– من يعلم يجد الطمأنينة والسعادة في كل مكان وحال.

– من يعلم يشعر بمسؤوليته عن المجتمع.

– من يعلم يدرك أن الوطن والشعب والعَلَم عبارة عن أمانات ائتمن عليها. لأن حماية الإيمان والشرف والعرض والمال والروح، إنما تكون بحماية الوطن والشعب.

– من يعلم يسعى وراء حياة روحانية للتحرر من سجن النفس.

– من يعلم يكون قد تحرر من الانشغال بالألعاب المخادعة للحياة الدنيا، ويحمل خارج قلبه الممتلكات الزائلة التي بحوزته.

– من يعلم هو من نجا من شر المال والشهرة والشهوة.

– من يعلم يملك قلباً قادراً على الاستعاذة بالله أمام جاذبية الثروة والشهوة والشهرة[3]

– من يعلم يدرك أنه لا شيء أمام عظمة العلم الإلهي. فمن يعلم هو من يعلم أنه لا يعلم.

– من يعلم يتغلب على الحماقة ويدرك ما يتوجب عليه أن يعلم.

– من يعلم قد نال عذوبة الإيمان، لذلك فهو يتلذذ بالرحمة والخدمة والتواضع التي هي من ثمار الإيمان.

– من يعلم يدهش أمام جاذبية روائع الخلق الفني في الكون.

– من يعلم يفهم لغة العالم، لأن كل شيء يتحدث إلى من يعلم.

– من يعلم يحيا في تناغم مشاعر العقل والقلب.

– من يعلم يحيا في حماسة وجد الإيمان وعشقه.

– من يعلم ينال نصيبه من العرفان.

– من يعلم يصل من السبب إلى المسبب، ومن الأثر إلى المؤثر، ومن الفن إلى الخالق المطلق.

– من يعلم ربه ويعرفه معرفة القلب، يعلم كل شيء. ومن لا يعلم به تعالى، لا يعلم أي شيء. فهو غارق في الحمق وعمى القلب.

يقول الذروة في معرفة الله -صلي الله عليه وسلم-، فخر الكائنات -صلي الله عليه وسلم-، في ذلك:

وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ، تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ” (ابن ماجة، الزهد، 19/4190)

حين توفي عمر -رضي الله عنه-، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:

«خسرنا تسعة أعشار العلم»

فقال له الصحابة الكرام:

«ما زال بيننا علماء»

أما ابن مسعود -رضي الله عنه-، فقد قال لهم:

«أنا أعني علم المعرفة»

جاء في القرآن الكريم:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (فاطر، 38)

نفهم من هذه الآية الكريمة أن علماً لا يحرك في القلب مشاعر التقوى والخشية من الله -عز وجل-، ليس ذلك العلم المقبول من الله -عز وجل- الذي تتحدث عن فضائله آيات القرآن والأحاديث الشريفة. والحال هذه، ما أشد الضلالة في تقديم بعض التنازلات بخصوص أوامر الله ونواهيه، في تحصيل العلم، بذرائع متهافتة، وفي مواربة الباب أمام بعض وجوه الضعف المعنوي، واختلاق الأعذار لها.

لا شك أن العلوم الدنيوية ضرورية أيضاً، على أن يتم استخدامها في محلها وبشكل صحيح. فالعلوم الدنيوية تقدم بدورها براهين جديدة على العظمة الإلهية، من خلال التقدم الذي تحققه. وبهذه الطريقة يتم إدراك عظمة الخلق الرباني وتجلياته الخارقة على أساس أكثر متانة وعمقاً. إن تقدم العلوم في زماننا هذا، سواء في ميدان اكتشاف الفضاء أو تقدم العلوم الجينية أو الإختراعات التكنولوجية الخارقة، يعرض أمام عيون الإنسان بكل وضوح دفقات القدرة الإلهية.

جاء في الآية الكريمة:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت، 53)

إن الغاية من العلم الحقيقي هي الوقوف على الأسرار الإلهية المكنوزة في العالمين المادي والميتافيزيقي، وصولاً إلى معرفة الله -عز وجل-. أي إضافة إلى حقيقة الوجود الإلهي للخالق العظيم، الإنتقال إلى دفقات القدرة الإلهية وتجليات العظمة الإلهية. ولكن بالرغم من كل التقدم العلمي والكشوف العلمية، هناك قلوب مريضة بالغفلة عاجزة عن الإنتقال إلى معرفة الخلق الإلهي. وا أسفي على تلك القلوب.

أولئك الذين يجعلون من العلم أداة لأطماعهم الدنيوية الوضيعة ويظلمون المجتمع، إنما يخونون العلم ويقعون بالتالي في إسراف قلبي وذهني فظيع. في حين أن العلم النافع يتطلب من الإنسان التغلب على مختلف أوجه الضعف في النفس، وتربية العقل والإرادة على ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. إن علماً تم تحصيله محروماً من هذه التربية، من شأنه أن يجر الإنسان إلى دروب منكرة، فيصبح وسيلة من وسائل الضلال.

للأسف الشديد لا ينظر اليوم في التحصيل العلمي، إلا إلى إمكانيات الشخص الذهنية، ولا يعير أحد اهتماماً لإمتلاكه الفضائل والمزايا القلبية التي ستساعده في حمل أعباء العلم، أو عدم امتلاكه لها. في حين أن التحصيل الظاهري للعلم ليس كافياً من أجل السعادة والسلامة الأبديتين.

إن شخصاً لم يتمكن من تحويل علمه إلى عرفان، وعلى افتراض أنه درس الحقوق، من المحتمل أن يتحول إلى ظالم أو جلاد، بدلاً من توزيع الحقوق والعدالة على الناس. بالمثل، إن شخصاً درس علوم الطب، من المحتمل أن يتحول إلى جلاد، بدلاً من مساعدة الناس على الشفاء من أمراضهم. وأما الشخص المحروم من الرأفة و الرحمة والمحبة، فيمكنه أن يتحول في غمضة عين إلى طاغية يظلم المؤتمرين بأمره، بالرغم من إمكاناته العلمية. إن أشخاصاً من هذا النوع يمكنهم، بفضل ما يملكونه من علم، ارتكاب الأذى بما يفوق قدرة الجاهل أضعافاً مضاعفة، وبسهولة شديدة. كذلك فهم يتعرضون للخسران الأبدي بسبب إسرافهم لعلمهم عن طريق استخدامه في الاتجاه الخطأ.

يمثل مولانا جلال الدين الرومي-قدس سره- على هذه الحقيقة، في المثنوية، بالمثال التالي:

«الشخص الموهوب العارف هو شخص جيد. ولكن اعتبر بإبليس فلا تُضْفِ قيمة رفيعة بأكثر مما تستحق على نفسك، ما لم يحصل التناغم بين علمك وقلبك. لا تنس أن إبليس اللعين المطرود من الرحمة الإلهية، كان طوال مئات آلاف السنوات من أقرب المقربين إلى الله تعالى -عز وجل-، وكان أمير الملائكة. جرفه علمه وعبادته إلى الغرور، فأساء إلى آدم -عليه السلام- بأن نظر إليه بازدراء، فانفضح كقذارة وانتهى أمره»

بالفعل، إن علماً يدفع بالمرء إلى الغرور والكبرياء، ويُغرقُهُ في نهاية المطاف في متاهات الهلاك، قد يكون في ظاهره جميلاً ونافعاً، لكنه ليس في الحقيقة غير وبال. لهذا السبب كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، حين يطلب العلم من الله -عز وجل-، يتضرع إليه قائلاً:

“…اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ…” (مسلم، الذكر، 73)

نفهم من ذلك أنه كما تشكل علوم الدين فرض عين على المسلم، كذلك هو الأمر مع معرفة التوكل والإخلاص وتجنب الرياء وما إلى ذلك. إن إهمال هذه الصفات وعدم تطبيقها في الحياة، يستوجب الهلاك في الآخرة. أولئك الذين لا يحصلون على العلم النافع، يُحرمون من الوصال مع الحق الذي هو الحقيقة الكبرى، مهما كانت معارفهم كثيرة.

يقول الإمام الغزالي في وصاياه الداعية إلى تجنب الإسراف في الزمن والجهد فيما يتعلق باكتساب العلوم:

«على العلوم التي تقرأها أن تنير قلبك وتُجَمِّلَ أخلاقك. إذا علمتَ، على سبيل المثال، أنه بقي من عمرك أسبوع واحد، فلا بد أنك ستهتم، في هذا الزمن القصير جداً، بعلم ينفعك. ستقوم من فورك بتفحص قلبك، وتقطع صلتك بالأطماع والمنافع الدنيوية وتسعى للتجمل بالصفات الجميلة. والحال أنه من المحتمل أن يموت المرء في كل يوم من حياته. لذلك على العلوم التي تختارها وتنشغل بها أن تدفعك إلى التأثر أمام العظمة الإلهية»

الخلاصة أن العلم يتصل بالشقاء. تتجلى حقيقة العلم من خلال الاختبار. إن علماً لا تختبره في حياتك هو عبءٌ بلا معنى أو كما جاء وصفه في الآية الكريمة «كمثل الحمار يحمل أسفاراً»[4]. يكون العلم علماً إذا كان يدفع المرء إلى الحق والحقيقة والتقوى والعمل الصالح. وإلا فقد كان إبليس أيضاً ذا علم، ومثله قارون. لكن العلم نفخ في غرورهما وكبريائهما، فشعرا بثقة مفرطة بنفسيهما.

بهذا المعنى، ما لم يتم هضم العلم كما ينبغي ويتحول إلى عمل وينعكس في أخلاق المرء، ما لم يصبح جزءاً من شخصية المرء ويتسامى إلى عرفان، ما لم يدفع العبد إلى مشاعر التواضع والعدم والإنمشحاء، فإن كل الجهود المبذولة في تحصيل هذا العلم تعتبر إسرافاً.

علينا أيضاً ألا ننسى أن الله -عز وجل- قد وهب الإنسان كل الحقائق والأسرار بواسطة القرآن الكريم. ففيه جوهر جميع العلوم. إن حقيقة كل ما هو «رطب ويابس»[5] مكنوز في القرآن الكريم. قال تعالى:

﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(الرحمن، 1-4)

فالقرآن هو آخر تعاليم الله -عز وجل- للنسل البشري وآخر رسائله إليه.

أكثر ما تحتاجه أمتنا والبشرية اليوم من علوم، هو علم القرآن. لذلك ينبغي الترويج أكثر لتعليم القرآن في أيامنا هذه. لكن فهم القرآن كما ينبغي يتطلب دخول جوه الروحاني وامتلاك التقوى التي هي جوهر معنوي. يحذِّرُ القرآن الكريم المؤمنين في ذلك بالقول:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان، 73)

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الزمر، 27)

فالقرآن الكريم إذن قد بيّن لنا وجوب إقامتنا لعلاقة قلبية معه. لكن ذلك يتطلب بدوره طهارة القلب بقدر طهارة البدن، أي التربية المعنوية للنفس. جاء في القرآن الكريم أيضاً:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد، 24)

﴿قد أفلحَ من زكَّاها﴾ (الشمس، 9)

يدعونا القرآن الكريم الذي هو دليل هدانا إلى التأمُّل. ولأن القرآن الكريم يعبِّرُ عن الإرادة الإلهية، فإن المقربين من الله تعالى يفهمونه أفضل وأحسن من غيرهم. جاء في القرآن الكريم:

﴿…وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ…﴾ (البقرة، 282)

لذلك فكل آيةٍ تنفتح لنا وتتعمق بمقدار سويتنا القلبية.

جاء في القرآن الكريم هذا التحذير للأمة في شخص سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-:

﴿… وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (الرعد، 37)

كما يتضح من هذه الآية الكريمة، حيث يصف الله -عز وجل- القرآنَ بالعلم، علينا نحن المؤمنين أن نولي ثقافة القرآن الأولوية بين ما ينبغي علينا تحصيله من علوم. ولا يمكن تصور حياة علمية بلا قرآن. ولكن المؤسف أن بعض الناس في زماننا يدفعون بتعلم القرآن إلى المرتبة الثانية بل والثالثة في سلم أولوياتهم.

إن بعض الناس ينظرون إلى مسألة تعليم القرآن لأولادهم، لا بجدية تحصيل العلم، بل كما لو كان برنامجاً بسيطاً للعطلة الصيفية أو نوعاً من ملء وقت الفراغ. أي أنهم يتعاملون مع الأمر كالتخلص من واجب مفروض عليهم. ما أكثر ما يثير هذا السلوك من الأسف! إن واحداً من أكبر وجوه إهمال الأبوين لواجباتهم نحو أولادهم، يتمثل في عدم اهتمامهم بمعاني القرآن ومحتواه، بقدر اهتمامهم بتلاوته لفظاً.

إن عدم الإهتمام بالقرآن الكريم الذي هو أكبر ما وهبه الله -عز وجل- الإنسان من هبات، بما يستحقه من اهتمام، والإستخفاف بدورات حفظ القرآن بالقياس إلى العلوم الأخرى، ليس غير البحث عن المستقبل في الطرق المسدودة. ذلك لأن الإنسان يحتاج إلى الغذاء المعنوي أكثر من حاجته للغذاء المادي.

ما أجمل ما قال في ذلك مولانا جلال الدين الرومي:

«لا تهتم بالإفراط في تغذية الجسد وإنمائه. فليس هذا غير أضحيةٍ ستقدم في النهاية إلى التراب. عليك الإهتمام بتغذية قلبك. فهذا هو ما سيرتفع ويسمو ويتشرف. أعطِ الروح غذاء معنوياً. قدم له التفكير الناضج والفهم المرهف والغذاء الروحي، ليذهب إلى مقصده قوياً قادراً»

إن المنافع الذاتية هي بمثابة سلاسل حديدية تقيد حياتنا الروحية. فلا يتوجه المؤمن إلى ربه بقلب نفعي. إن الميل إلى رغبات النفس كحجر ربط إلى الخصر، لا يمكن معه الطيران ولا السباحة. إن لم يشغل المؤمن نفسه بالحق، شغله الباطل. ما أجمل ما قال سعدي الشيرازي في ذلك:

«إن أرواح الناس المتمرغين في متعهم تشمئز من نفسها»

يا لها من ضلالة مفجعة أن يأمل المرء السعادة من رغباته السفلية! إن من سيهب الناس السعادة في المستقبل، ليس شهادات الفانين، بل الله تعالى. ما أكبر هذا التحذير في الآية الكريمة:

﴿… وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون، 7)

علينا ألا ننسى أن الروح التي ستعجن المجتمعات بالعلم والعرفان الحقيقيين، ليست روح المتعلمين الأنانيين المنكبين فوق مجلداتهم السميكة، بل هي روح المؤمنين الصالحين من أهل الخدمة ممن عمقوا قلوبهم بحكم القرآن، وكانوا منهل الرحمة والطمأنينة للبشرية.

يلخص الشاعر محمد عاكف أرصوي -الذي نظم النشيد الوطني التركي- الوصفة التي تحتاجها السلالة البشرية التي تعيش في أزمة كبيرة، ومحتوى العلم الذي من شأنه منح الكرامة للعباد.

يا ربِّ! احفظنا من الوقوع في خسران البؤساء المحرومين من سعادة القرآن الذين يظنون بؤسهم سعادةً. اجعل من نصيبنا أن نحاسب أنفسنا قبل أن تتم محاسبتنا في حضرتك الإلهية، وأن نستحق عبوديتنا لك بقلب أكثر رهافة. احفظنا من الإسراف في حياة سعادتنا الأبدية بسبب أهواء النفس وغفلتها اللتين من شأنهما أن تدفعا بنا إلى تجاوز الحدود في الحياة الدنيا. آمـين…


 

[1]      انظر: سورة آل عمران، 102.

[2]      انظر: سورة آل عمران، 191.

[3]      انظر: سورة يوسف، 23.

[4]      انظر سورة الجمعة 5.

[5]      انظر: سورة الأنعام، 59.