مقالات من كتبه

رمضان بوصفه تربية روحية للإنسان

لقد حدد ربنا تعالى، من أجل سعادة عباده الأبدية، في تقويم الحياة، بعض مواسم للكسب المعنوي تكاد تطغى فيها الرحمة والمغفرة الإلهيتين. أكثر هذه المواسم بَرَكَةً بلا ريب إنما هو شهر رمضان الكريم.

ففي هذا الشهر تم تنزيل دليل هدايتنا القرآن الكريم.

وخصت بهذا الشهر، فريضة الصوم بوصفها وسيلة استثنائية للنضج الروحي.

ويضم هذا الشهر ليلة القدر التي هي خير من أَلْفِ شهر.

وتحلت ليالي هذا الشهر ببركات الإفطار والتراويح والسحور.

كثير من القلوب المعذبة بأنواع العوز والحرمان، تغرق بقدوم هذا الشهر في الأمل والفرح. فعبادات من نوع الزكاة والصدقة والإنفاق، ترسم الإبتسامة على وجوه نَسِيَتْها، في هذا الشهر.

وفي هذا الشهر تفتح أبواب السماوات والجنة.

وتغلقُ أبواب جهنم، بفعل الإتقاء من الآثام والكف عن أعمال الشر.

ويتم تقييد الشرور والشياطين بسلاسل تقوى المؤمنين الكاملين.

وهكذا يفتح شهر رمضان أبواب السعادة الأبدية أمام المؤمنين، كما يفتح أبواب المستقبل أمام الأمة جمعاء.

رمضان والقرآن الكريم

جاء في كتابه العزيز:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة، 185)

بعدما تبيِّن الآية الكريمة أن القرآن اُنزل في شهر رمضان، وأنه كتاب مملوء بنور الحكمة والحقيقة التي تسمح للإنسان بالتمييز بين الحق والباطل والخير والشر، تعلنُ أن من يدخلون هذا الشهر المبارك، مكلفون بالصوم في ظل تربية القرآن.

ينبغي، من زاوية النظر هذه، أن ندرك جيداً العلاقة العميقة والمرهفة بين القرآن الكريم وشهر رمضان.

يحكي عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- فيقول:

«كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (البخاري، بدء الوحي، 5 – 6، الصوم 7؛ مسلم، الفضائل، 48 و50/2308)

علينا أن ندرك خير إدراك، المعاني المترتبة على هذه الحقيقة. بهذا المعنى علينا، لكي نستفيد من بركات شهر رمضان وفيضه على أفضل وجه، أن ننشغل فيه بالقرآن الكريم أكثر من أي وقت آخر.

في الأصل ينبغي ألا يمر يوم واحد على المؤمن من غير تلاوة القرآن، أما في شهر رمضان المبارك، فعلينا أن نسعى دائماً إلى زيادة ذلك. علينا أن ندخل عالم معاني القرآن الكريم، لنعمل ونسلك وفقاً لمقتضاها، ونقيس سلوكنا ونهجنا على التعاليم الربانية، ونسعى لتلافي نواقصنا وعيوبنا.

فاستقرار الفرد والمجتمع يتحقق بدخول الحياة الروحانية للقرآن الكريم. فهو نور إلهي يضيء عالمي المؤمن الخارجي والداخلي. وهو دليل السعادة الأبدية الذي يرشد الإنسان بواسطة العبر والحكم والقصص، فيصله بالحق.

القرآن الكريم هو صوت الهداية الأكثر بثاً للطمأنينة الذي من شأنه أن يقود «السائرين في طريق الأبدية» الذين ضاقت بهم السبل في مجاهيل الحياة والمستقبل، وهزَّتهم الفلسفات المشوّشة بحيرتها وتعقيداتها، إلى الهدوء وطمأنينة الروح.

كذلك ليس غير القرآن الكريم بمضمونه الشاسع، ما يمنح العزاء لمن أشقتهم تقلبات الحياة الفانية، وما يقدِّم طمأنينة السعادة الأبدية للعقول المحشورة بين شاهدتي القبرِ.

شهر رمضان كفرصة في نعمة الحياة

يُقسم ربنا تعالى في القرآن الكريم بالزمن، ليذكِّرنا بأن نهر حياتنا يتدفق بشدة، وأن أعمارنا الفانية تنتهي بسرعة كبيرة. ويبين بوضوح أن حياة الدنيا ما هي إلا شريحة صغيرة من الزمن، وأن الحياة الحقيقية إنما هي حياة الآخرة. بهذه الطريقة ينبهنا تعالى من الغفلة. على المؤمن إذن:

أن يتأمل في نعمة الزمن التي وهبنا إياها الله تعالى، وأن يستثمرها في سبيل أسمى الغايات، وبخير الوسائل وأكثرها بركة.

وأن يدرك وجوب ملء حياته بالأعمال الصالحات.

وأن يعجِّلَ في الدعاء والتوبة قبل اكتمال أجله.

يجب التفكير في هذا الشبه الكبير بين حياة الدنيا التي تتألف من أيام معدودات، وبين شهر رمضان الذي يتألف بدوره من أيام معدودات. بهذا المعنى يجب إحياء شهر رمضان بانتباه ورهافة كبيرين، فهو موسم استثنائي للكرم والكسب المعنويين.

تحكي عائشة -رضي الله عنها- فتقول:

«كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-َ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» (مسلم، الاعتكاف، 8/1175)

«كَانَ النَّبِيُّ -صلي الله عليه وسلم- إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (البخاري، فضل ليلة القدر، 5)

من يحيون شهر رمضان المبارك بما يليق به، ينالون من النعم ما لا يعد. أما من لا يبالون به فيتعرضون لحرمان رهيب. في هذا المعنى يقول سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-، في حديثه الشريف:

… إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْتُ: آمِينَ..” (حاكم، جـ4، 170\7256؛ الترمذي، الدعوات، 100\3545)

اعتصموا بالصوم

لا شك أن النقطة الأهم التي ينبغي الإنتباه إليها، فيما يتعلق بإحياء شهر رمضان الكريم، إنما هي فريضة الصوم. يذكِّرُنا الصيام بأننا مسافرون إلى الآخرة ستؤخذ من أيدينا نعم الحياة الدنيا الفانية. تربية النفس هذه التي تتحقق، في ظل روحانيات القرآن الكريم، بواسطة الحرمان من بعض النعم الزائلة، هي بشير نعم الجنة الأبدية. قال أُمامة -رضي الله عنه-، ذات يوم:

«يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ»

فقال له سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام:

عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ” (النسائي، الصيام، 43)

وأشار إلى فضيلة السحور وقيمته بما يلي:

َتسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعٍ مِنْ مَاءٍ” (عبد الرزاق، مصنف، جـ4، 227\7599)

تسحروا فإن في السحور بركة” (البخاري، الصوم، 20)

إن صيام رمضان يعلمنا أن نستخدم حتى ما هو حلال بتقشف وزهد. تعلمنا هذه الحالة وجوب الإبتعاد عن كل ما هو حرام أو تشوبه شائبة الحرام، بحرص شديد.

يقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:

«حتى لو أصابكم النحول لكثرة الصلاة، فأصبحتم بنحول قوس، وحتى لو ذبتم من كثرة الصوم فأصبحتم كمسمار، فلن يقبل الله عباداتكم ما لم تتجنبوا الحرام والمشبوه»

ما أجمل ما قاله مولانا جلال الدين الرومي في هذا الجانب التربوي من الصيام، المتعلق بتجنب الحرام والمشبوه:

«يقول الصوم: يا ربي، لم يأكل هذا الشخص حتى اللقمة الحلال، خضوعاً لمشيئتك، فلم يشرب حين عطش، فكيف لهذا الشخص أن يمد يده إلى الحرام؟»

فالصيام إذن، هو انضباط روحي يقيٍّدُ وحش النفس في داخلنا، ويهيئُ لتجلي مشاعر الرحمة والرأفة المكنوزتين في أعماق الإنسان بالفطرة.

حقاً فالصيام هو شعور سامٍ عند العباد يعلِّمهم قيمة النعم، ويدفعهم إلى الشكر والحمد، ويعلِّمهم أن يفهموا أحوال الفقراء، ويوقظ في القلوب مشاعر الرحمة أمام استغاثات المعوزين، ويرفع من شأن الرحمة والرأفة فوق كل مشاعر الحب الزائلة، وينعش الرغبة في مساعدة البائسين. كذلك فالصيام مدرسة تربوية ما أجملها تهدِّئ من غلواء الجشع والطمع في القلوب، وتعلِّمُ فضيلة الصبر.

ولا ريب في أن أهم جوانب هذه المدرسة التي تربي النفوس، هي بعض أنواع الامتحان التي تُعَرِّض لها تلامذتها. بمقدار استجابة الناس لهذه الامتحانات، بمقدار ما يتمكنون من تجاوز العقبات التي تعترضهم بصبر، يقتربون من حقيقة الصيام وجوهره.

عبر الحديث الشريف عن أحد تلك الإمتحانات التي ينبغي على الصائم تجاوزها بالصيام، كما يلي:

وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم” (البخاري، الصوم، 9/1904)

إن المنازعات والمجادلات مع الناس، هي سلوك غير صائب أصلاً في جميع الأوقات. غير أن تورط الصائم في سلوك مشابه، يؤذي روحانية صيامه ويضيِّعُ ثوابه. يبين لنا الله تعالى السلوك الواجب في كل الأوقات، بالقول:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان، 63)

لذلك علينا أن نؤدي فريضة الصيام بعمق روحي، بالإبتعاد عما لا يعنينا، وبالسلوك المهذب والرهيف واللطيف. لا يكتمل الصيام بمجرد تجويع البطن. فالصيام المقبول يتطلب منا لجم النفس بما يحقق حماية جميع أعضاء الجسم من الحرام والمشبوه.

يحكي عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-، فيقول:

كانت هناك امرأتان صائمتان، جاء شخص قرابة الظهر وقال لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

«يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ سَكَتَ. ثُمَّ عَادَ – وَأُرَاهُ قَالَ: بِالْهَاجِرَةِ – قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ قَدْ مَاتَتَا، أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا؟»

فقال له سيدنا فخر الكائنات:

ادْعُهُمَا

قَالَ: فَجَاءَتَا. قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ. فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: ” قِيئِي “. فَقَاءَتْ قَيْحًا وَدَمًا وَصَدِيدًا أَوْ لَحْمًا، حَتَّى مَلَأَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ. ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: ” قِيئِي “. فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ، حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ. ثُمَّ قَال -صلي الله عليه وسلم-َ:

إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ (بمعنى اغتابتا الناس)” (أحمد، جـ5، ص 431/23703؛ الهيثمي، جـ3، 171)

معنى ذلك أنه كما يجب الحرص على ألا يدخل شيء فمنا ونحن صيام، كذلك يجب الإنتباه إلى كل كلمة تخرج من الفم. على لساننا أن يكون لسان رحمة، لا شوكة تغرز في القلوب. لكي نحيا في شهر رمضان الكريم حياة تقوى وفيض، يجب أن نتمتع بقلب مرهف تشبع بحكم القرآن الكريم، وبوجهٍ بشوش يعكس الوجه البهيّ للإسلام.

الإخلاص والعبودية

شهر رمضان الكريم هو أيضاً تربيةٌ جميلة على العبودية للخالق. إن من لا يكونون عباداً لله تعالى بقلوب صادقة، سينتهي بهم الأمر إلى عاقبة وخيمة هي العبودية للعبد. وهذا يعني الإساءة إلى شرف الإنسان وكرامته.

يعبِّر محمد إقبال عن بؤس الإبتعاد عن الله وعبادة العبد للعبد، كما يلي:

«لم أر حتى كلباً ينحني أمام كلب آخر»

إذن، فالقدرة على فهم شهر رمضان الكريم وإحيائه، بما يليق بهذا الشهر الفضيل، يرتبط بالتعمق في حقيقة التوحيد والإقتصار في العبودية للحق وحده. ولكي نتمكن من ذلك، يتوجب علينا أن نسعى إلى الرفع من سوية روحانيتنا، بما يتناسب وموسم الخير والبركة الذي يمثله شهر رمضان المبارك.

والعملة الأكثر صلاحاً في هذا الصدد، إنما هي الإخلاص. إن ما يزيد من كمال العبادات هو نقاء القلب وصفاء النية والصدق. ولا خير يؤمل من عبادةٍ تشوبها المنافع الشخصية، وتشرك فيها غايات سوى مرضاة الحق. بهذا المعنى جاء في الحديث الشريف:

رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ” (ابن ماجة، الصيام، 21/1690)

ذلك أن الأعمال التي لا توصل إلى رضى الله -عز وجل- ولا تشكل رأسمالاً للسعادة الأخروية، تلقي بالمستقبل الأبدي في التهلكة. فالرحلة إلى الآخرة بدون زوادة طريق، هي أكبر أسباب الخسران. العبادات التي لا تقام بإخلاص وخشوع، تجعل العبد خالي الوفاض في الآخرة.

العبادات التي تؤدى في شهر رمضان، موسم الكسب العظيم، يجب أن تؤدى، لا كما لو كانت من تقاليد وعادات هذا الشهر، بل بشعور صادق بالعبودية لله تعالى. وإلا فقدت هذه العبادات روحانيتها، فتحول الصيام إلى حمية، وصلوات التراويح التي تقام على عجل إلى وسيلة من وسائل هضم الطعام، لا أكثر.

في حين أنه يجب إبداء الكثير من العناية ورهافة الحس نحو العبادات في أيام رمضان ولياليه المفعمة بالفيض الإلهي. علينا أن نؤدي صلواتنا بوصفها لقاءات استثنائية مع ربنا. لأن صلاةً تقام بالمعنى الحقيقي للكلمة، هي اعتراف المؤمن أمام ربه بعيوبه ونواقصه وعجزه، وبسط كل احتياجاته المادية والمعنوية.

لكي تكون الصلاة كاملة ومقبولة ينبغي، كما أوصى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أن تقام جماعةً بالنسبة للرجال. ذلك أن مشاعر المؤمنين في حال الجماعة تزداد عمقاً. بهذا المعنى فعبارة «إياك نعبد وإياك نستعين» التي نكررها في سورة الفاتحة، تخاطب المؤمنين كجماعة وتحث فيهم روح الجماعة.

والدعاء الذي يشكل جوهر العبادات، هو تجرد العبد من نفسه واحتماؤه بالله، وهو بمثابة الرابطة المعنوية الأهم بين الله والعبد. من يقطعون هذه الرابطة إنما يفقدون بذلك قيمتهم عند الله -عز وجل-. بهذا المعنى تقول الآية الكريمة:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (الفرقان، 77)

من جهة أخرى يشكل السحور موعداً للتربية المعنوية بغية الإستفادة من فيض الغسق. إن وقت الغسق هو لحظة الدعوة الخاصة الموجهة من الحق تعالى إلى عباده. ينبغي على العبد أن يعتبر هذه الدعوة الموجهة إليه من ربه نعمةً، وأن يستقبلها بالشكر والحمد. جاء في الآية الكريمة:

﴿…وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران، 17) في سياق الإمتداح.

فالأسحار هي الأوقات التي تقبل فيها الدعوات أكثر من كل الأوقات، وقد اعتبرها أنصار الحق غنيمةً. قال محمد إقبال في ذلك:

«عثرتُ على طريقٍ يؤدي إلى خارج قبة السماء التي تغطي الأرض، حيث شكاوى واستغاثات الناس في وقت الغسق، تطير نحو الله بسرعة تفوق سرعة التفكير، وتقطع المسافات نحو الوصال»

إن الإنشغال في وقت السحر بالعبادة والابتهالات، يفتح أمام القلب آفاقاً جديدة للأسرار والحكم. قال مولانا جلال الدين الرومي في ذلك:

«أفق واسْتيقِظْ ليلاً وامشِ نحو الحق. لأن الليل سيقودك إلى أرض الأسرار. حين الناس نائمين، ستهطل أسرار العشق الإلهي ولذَّات المعنى على قلبك كالمطر المبارك. لأن نوافذ القلب تُفتح في الليل، وتستقبل نصيبها القادم من بعيد. لكن هذه الأحوال تخفى عن أعين الغرباء»

علينا، في هذا الشهر المبارك أيضاً، أن ننشغل كثيراً بذكر الله تعالى، وأن نطهِّر أنْفُسَنا معنوياً حتى الهواء الذي نتنفسه.

لكي نستفيد كما ينبغي، من شهر رمضان الكريم الذي أوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره وسيلة من وسائل النجاة من نار جهنم، علينا أن نؤدي عباداتنا بصدق وإخلاص، وأن نكثر منها بقدر ما نستطيع. فالأعمال الصالحات في موسم الخير هذا، هي خير زاد لنا في رحلتنا إلى الآخرة. قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، في ذلك:

وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُسْمَعُ خَفْقُ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالصَّوْمُ عَنْ شِمَالِهِ، وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ، وَالْمَعْرُوفُ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ. فَيُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ. وَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ شِمَالِهِ فَيَقُولُ الصَّوْمُ: لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ. ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ، وَالْمَعْرُوفُ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ: لَيْسَ مِنْ قِبَلِي مَدْخَلٌ…” (الهيثمي، جـ3، 51/4269)

مشيراً بذلك إلى أن عباداتنا سترافقنا في قبورنا.

وقال عمر بن عبد العزيز، رحمة الله عليه:

«استعدوا للسفر كما تشاؤون لرحلتكم أن تكون»

ليلة القدر

ليلة القدر هي إحدى أكثر الكنوز المعنوية غنىً، وهدية وهدايةً استثنائية خص بها الله تعالى أمة محمد وحدها من بين الأمم. تم التبشير بعظمة هذه الليلة وجلالها وقيمتها وأهميتها، بسورة مستقلة وعدد كبير من الأحاديث الشريفة.

بين الله تعالى جلال هذه الليلة كما يلي:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ (القدر ،1-5)

ليلة القدر هي تلك الليلة التي تنورت بنزول القرآن، وفاضت بنزول الملائكة على الأرض موجة بعد موجة، وعلى رأسهم جبرائيل -عليه السلام-. هي ليلة كرم إلهي خير من ألف شهر، مملوءة بالفيض والبركة، تتدفق على القلوب المؤمنة فيها المغفرة والسلامة.

إن الفضيلة الإستثنائية لليلة القدر هي السبب في أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، نشدها بنفسه بين ليالي رمضان، وأمر أمته بنشدانها.

إن في عدم تحديد موعد ليلة القدر التي هي أفضل من ثلاثة وثمانين سنة، تحديداً دقيقاً، حكمةٌ خاصة. وفقاً لبيان الحديث الشريف، ينبغي البحث عن ليلة القدر بين الليالي ذات الترتيب المفرد في الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، وخاصةً في الليلة السابعة والعشرين. لكن هذا لا يعني أن ليلة القدر هي بين تلك الليالي بصورة قاطعة.

وقد بيّن كل من الإمام الأعظم ومحي الدين ابن عربي، أن ليلة القدر تدور داخل دائرة السنة، ولا تخص شهر رمضان بصورة مطلقة.

كلام الإمام الشعراني بهذا الصدد ينطوي على أهمية كبيرة:

«قناعتي هي أن ليلة القدر يتغير ميعادها كل سنة، لأنني شهدتها في شهور شعبان وربيع الأول ورمضان. لكني شهدتها أكثر ما شهدتها، في شهر رمضان، وفي أيامه الأخيرة»[1]

بناءً على هذه الحكمة، أشار أنصار الحق وأوليائِه إلى أهمية الإنتباه والتيقظ في جميع أشهر السنة. لأن ليلة القدر مخبوءة داخل السنة، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-:

«كل من يحيي السنةَ كلها، يبلغ ليلة القدر»

وهكذا باتت عبارته القائلة: «اعتبر كل شخص تراه خضر، وكل ليلة من لياليك ليلة القدر» دستور حياة للمؤمنين الصالحين.

العيد

أيام العيد ولياليه مملوءة أيضاً بالتجليات النورانية التي يمكن للأرواح المرهفة أن تدركها، وللقلوب العميقة الحساسة أن تشعر بها.

جاء في الحديث الشريف:

مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ(ابن ماجة، الصيام، 68/1782)

إن رمضان هو مدرسةٌ للتقوى، شهادتها الروحانية هي العيد. العيد يومٌ مبارك يعيش فيه المؤمنون إحدى تجليات يوم الوصال السعيد في الحضرة الإلهية، بعد اجتيازهم امتحان التقوى بنجاح.

العيد الحقيقي هو رضاء الله -جل جلاله- علينا. لهذا السبب علينا أن ندخل الفرحة إلى قلوب اليتامى والفقراء والمعوزين، في هذا اليوم المبارك بخاصة، لكي ننال نصيبنا من تجليات الرحمة الإلهية. جاء في الحديث الشريف:

ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” (أبو داوود، الأدب، 58/4941)

علينا ألا ننسى أن الأعياد ليست أبداً أيام سعادة فردية كالإجازات أو اللهو. لا يمكن للإنسان أن يعَيِّد وحده على انفراد. فكما لا يمكننا تصوّر صلاة عيد فردية أو معايدة فردية، لا يمكننا أيضاً تصوّر عيد مهدور للسعادة الشخصية أو العائلية.

بالعكس، فالأعياد هي أيام عبادة تحتضن المجتمع جميعاً، وتشكل مناسبةً لصلات الرحم وتذكر أمواتنا بالخير وإبهاج أرواحهم وإحياء الأخوّة في الإيمان على مستوى المجتمع.

الخلاصة أن رمضان هو عبارة عن تربية روحانية للحياة. لا يقتصر الإسلام على طقوس تخص رمضان أو أياماً محددة، بل هو حياة تقوى تمتد على مدى العمر.

يقول الإمام الشعراني:

«يتمتع شهر رمضان بحرمةٍ لا تتمتع بها الأشهر الأخرى. وإدخال الله تعالى لرمضان في جملة الأشهر القمرية، هو بغية نشر رفعة رمضان وبركته على جميع أشهر السنة»[2]

من هذا المنظور، فكما أن الله شرَّفّ جميع أشهر السنة بشهر رمضان المبارك، علينا أن نكرس عمرنا كله في العبادة بحساسية شهر رمضان ولطفه، آملين خيره وبركاته. ولذلك علينا ألا ننسى أبداً الذكريات المعنوية للتربية الروحية التي تلقيناها في شهر رمضان. فمهما بدت الأعمار طويلة في ظاهرها، فهي أقصر من شهر رمضان بالقياس إلى حياة الآخرة.

ليتقبل الله عباداتنا وأعمالنا الصالحات التي سنؤديها لكرامة هذا الشهر المبارك الفضيل. وليجعل من نصيبنا أن نصل شهر رمضان الذي دخلناه، بشهر رمضان للعام القادم، بنوايا مخلصة وبمقاييس التقوى. ليجعل الله -عز وجل- من نصيبنا أن نحيا حياتنا في روحانية رمضان بصورة دائمة. ليجعل الله من شهر رمضان الكريم وسيلةً للطمأنينة والسعادة لوطننا وأمتنا وجميع العالم الإسلامي. آمـين…


 

[1]         عبد الوهاب الشعراني: الكبريت الأحمر، ص 98، وقف كلية الشريعة في إزمير، 2006.

[2]      عبد الوهاب الشعراني: الكبريت الأحمر، ص 110.