مقدمة – كتاب سلسلة الأنبياء-1

يقدم الله عز وجّل العون لعباده حتى يصلوا إلى الهداية، بإلقاء تلك المسؤلية على أُناسٍ من بينهم ممن لهم صفات الصلاح بالإضافة لما اختصهم به الله عز وجّل من أخلاق رفيعة، حتى يقوموا بدور المُرشد و المُوَجِّه للناس. و أكرمهم سبحانه و تعالى بالوحي و جعلهم أنبياء. و أمر الله عز وجّل هؤلاء الرسل المباركين الذين يمثلون قدوة للأمم، بثلاثة أمور:

أ- أن يتلوا آيات الله و يبلغونها.

ب- أن يُطهروا أنفسهم و يزكونها.

ج- أن يُعلموا الناس الكتاب و الحكمة.

و بدأ اللّه سبحانه بآدم  حتى تكون الكيفية التي يتم بها إرسال الرسل الذين يمثلون مساعدة ربانية استثنائية للناس، حتى تكون شاملة للإنسانية كلها. فكان آدم  هو أول إنسان و أول نبي في الوقت نفسه.

و إن ظل هذا الطريق المبارك للهداية الذي أيده و قوّاه الله عز وجّل بسلسلة من الأنبياء بلغت مائة و عشرين ألفاً و نيِّفاً، فإنه لم يجد الكمال إلا بمجيء سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مُتّبعاً لمسيرة تكامل وتعادل الإرتقاء الذي حققته البشرية. لقد أكرم الله عز وجّل الإنسانية كلها بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرشد الهداية لها حتى قيام الساعة، و هو الذي أبهر المؤمنين و أعجز الكافرين بما فيه من معجزات.

لقد أُرسل القرآن الكريم لهداية الناس كي يمنحهم السعادة في الدارين؛ الدنيا و الآخرة. و حتى يتحقق هذا المقصد، فإنه يتعرض للكثير من الموضوعات. و نجد قصص الأمم السابقة من أكثر الخصوصيات القرآنية أهمية والتي تخدم هذه الغاية.

و هناك حكمة من وجود القصص في القرآن الكريم مثل تحذير الناس من الوقوع في الضلال و حثهم على العبودية للّه  بواسطة الأحداث التي لا تخلو من العبر و العظات التي عايشها الأقوام السابقين. فيتجسد في القرآن الكريم السلوك الضال و ما يقابله من تجلٍّ للعدالة الإلهية، كما يتجسد السلوك القويم و ما يقابله من مكافآت باعثة على السعادة. و هو الأمر الذي يخدم غاية أخرى مثل الترغيب في الأعمال التي تصل بالإنسان إلى السعادة، إلى جانب أخذ العظة و الدرس للحذر من الأخطاء المماثلة.

لقد أولى القرآن الكريم أهميةً كبيرةً للإرشاد بواسطة قصص الأمم السابقة. و يتضح ذلك من إفراده مساحةً واسعةً للغاية من القرآن الكريم بلغت الثُلث لمثل هذه القصص.

يقول مولانا جلال الدين الرومي – قُدس سره – في معرض حديثه عن أهمية هذه القصص:

“القرآن الكريم هو حال و وصف للأنبياء. فإذا أنت قرأت القرآن الكريم بخشوع و طبقت ما جاء فيه، فكأنك التقيت بنفسك مع الأنبياء و الأولياء. فكلما قرأت قصص الأنبياء كلما بدأ قفص الجسم يصير ضيقاً على طائر الروح!”

“ونحن لن نتحرر من قفص هذا الجسد إلا بهذه الوسيلة. فلا يوجد مفر للخلاص من هذا القفص سوي بهذا الطريق أي طريق التوحيد!…”

” ألم تر ما فعلته الريح بقوم عاد؟ ألم تسمع عمّا فعله الماء في الطوفان؟”

“ألم تر كيف أهلك بحر الحقد ذلك (البحر الأحمر) فرعون، و كيف خُسفت الأرض بقارون…”

“ألم تر ما فعلته الطيور الأبابيل بجيش الفيل، ألم تسمع كيف أكلت ذبابة صغيرة للغاية مخ نمرود الذي ادعى الإلوهية…”

“هل تعرف كيف أمطرت السماء حجارةً فوق قوم لوط الفاسقين و كيف دُفنوا في الظلام تحت ماء بحيرة ملوث؟”

“و ماذا لو تحدثتُ بإسهاب عن العون الذي قدمته الجمادات التي نظن انه لا روح فيها للأنبياء…”

“كم كان المثنوي عظيماً كبير الحجم لدرجة تعجز معها أربعون ناقة عن حمله…”

وقد تناول القرآن الكريم في هذه القصص تبليغ الأنبياء للرسالة و موقف أمة كل نبي منهم، و ذلك لتقوية عقيدة التوحيد في القلوب.

و يمكن تلخيص الهدف من القصص في شكل يتناسب مع الغاية من نزول القرآن الكريم، على النحو التالي:

يمكن القول أن الهدف من وجود القصص في القرآن الكريم هو إثبات نبوة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم و بيان أن كل الأنبياء قاموا بنشر عقيدة التوحيد، و حتى يأخذ المُخاطبون بحديث القرآن الكريم العبرة و العظة و حتى يثير انتباه القلوب فتُغبِط الصالحين و تنحو نحوهم و يحذر الناس من الفاسقين. و هو بذلك يُعلِّم الناسَ أن يصبروا  متخذين المثل في ذلك من الأنبياء الذين عانوا المحن و الإبتلاءات.

و يضم هذا الكتاب الذي بذلت أنا العبد الضعيف الجهد في تأليفه بتوفيق و لطف من اللّه، يضم الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم من أول صفحة فيه حتى آخر صفحة و ما في حياتهم من حكم و عِبر. فيحتوي هذا المؤلف:

سيدنا آدم  الذي أُمرت الملائكة بالسجود إليه.

إدريس  الذي حمل سر الإعجاب السماوي.

نوح  الذي تطهرت الأرض من الكفر في عصره بالطوفان.

هود  نبي قوم عاد الذين سوّت الريح العاتية بدارهم الأرض.

صالح  نبي قوم ثمود الذين اهتزت ديارهم الفارهة بالزلازل.

إبراهيم  الذي حوّل بخضوعه لأمر اللّه عز وجّل نيران نمرود الظالم إلى بستان من الورود.

إسماعيل  الذي صار بإخلاصه و صدقه و توكله و تسليمه لأمر اللّه مثلاً أعلى. و سيظل يُذكر بين المؤمنين حتى يوم القيامة.

إسحاق  الذي جاء من نسله بني إسرائيل.

لوط  النبي الذي ظل يدعو قومه الطغاة الفاسقين للهدايه حتى اللحظة الأخيرة.

ذو القرنين  الذي حمل راية التوحيد من الشرق إلى الغرب.

يعقوب  الذي انكوى بنار الشوق و المحبة و صار مثلاً أعلى في الصبر.

يوسف  الذي صار بنوره الذي يوازي نور البدر سلطاناً لمصر و للقلوب بعد ما مر به من الأسى و محنتي العبودية و السجن و اغترابه عن بلده و إحساسه بالوحدة و الألم و مجاهدته للنفس.

شُعيب  الذي لُقِّب بـِ”خطيب الأنبياء” بخطابته التي أسرت القلوب.

موسى  الذي أغرق بعصاه المُعجزة فرعون الأحمق في دوامات البحر الأحمر

هارون  الأخ الصالح الذي صار عوناً لسيدنا موسى .

داود  الذي جيّش بأذكاره الجبال و الحجارة و حتى الحيوانات المتوحشة.

سليمان  الذي لم تستأثر ثروته و جاهه و سلطانه العظيم في الدنيا على قلبه.

عُزير  الذي أحياه اللّه بعد مائة عام ليكون مثالاً لإحياء الموتى يوم القيامة.

أيوب  الذي صبر على البلاء بتَفكُّره العميق.

يونس  الذي جاشت نفسه فتخطى الظلمات و تعمق في حقيقة الذكر و الدعاء.

إلياس  الذي خلّف من بعد ذلك شهرة بقول اللّه عز وجّل عنه ” سلام على إلياس”

إليسع  الذي رُفع على العالمين.

ذو الكِفل  النبي الصالح الذي استحق رحمة اللّه.

لُقمان الحكيم  شيخ الحكماء ظاهرهم و باطنهم.

زكريا  النبي الذي ظُلم و ظل متوكلاً خاضعاً لأمر اللّه و لم يَتَأَوَّهْ و القوم  يشُقونه بالمنشار.

يحيى  الذي لقي الشهادة مثل أبيه.

عيسى  الذي زكى نفسه و كان يشفي المرضى و يحيي الموتى بتضرعه و لجوئه إلى اللّه .

و الخلاصة هي أننا قد بذلنا الجهد كي ننقل شرارة الحكمة من الأحداث التي مر بها كل الأنبياء و أممهم، حتى يمكن أن تكون مداراً يدرك منه الناس في زماننا احتياجاتهم الروحية و ما يمر بهم من محن فتضيء لهم مثل هذه الأحداث أي لَبْس قد يحدث. و في الوقت نفسه حاول العبد الفقير بإمكانياته المحدودة و بما أسعفته قدرته أن يبين أن الأنبياء قد كُلفوا بتجهيز و إعداد الأرضية البشرية على شكل قافلة من المبشرين (حاملي البشرى) في تسلسل يعقب أحدهما الآخر، من أجل نقطة كمال النبوة التي سيرسلها اللّه هداية للعالمين، من أجل نور الوجود و سر الخلق من أجل محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد تم إعداد كتابنا ” سلسلة الأنبياء ” ليكون أكثر تفصيلاً وأدق دلالة بناءً على رغبة عامة لذلك. و إني لأتوجه بالشكر الخاص لأصدقائي الأكاديميين و أعضاء اللجنة الذين بذلوا الجهد في إعادة تجهيز الكتاب على هذا الشكل، و أرجو من اللّه عز وجّل أن يتقبل هذا العمل صدقةً جاريةً منا.

أعوذ برحمة اللّه و مغفرته التي لا حدود لها و أتضرع إليه أن يسامحني لخطأ أو سهو وقع مني تقصيراً أو سهواً.

و ما التوفيق إلاّ من عند اللّه عز وجّل …

عثمان نوري طوبّاش

2341هـ/1102م

أسكدار – اسطنبول