مدخل- كتاب سلسلة الأنبياء-1

الحمد للّه تعالى الذي رزق عباده الضعفاء نشوة الإيمان و طمأنينته!

و الصلاة و السلام على سيد الخلق الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور!

أهمية القصص في القرآن الكريم

يُحدّثنا المولى  في القرآن الكريم عن حقائق التبليغ و الحكمة الإلهية بذكر خبر عن الأمم السابقة. و ينتهج القرآن الكريم في هذا أسلوب القص، و هو أسلوب يسهل على البشر إدراكه و فهمه. يقول الله :

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف، 3)

﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود ا، 49).

﴿وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود ،120)

الهدف من وجود القصص القرآني

كان لوجود القصص في القرآن الكريم أهمية كبيرة لتحقيق مجموعة من الأهداف المتصلة بالدين. و تعرض هذه الغايات لمحتوى محيطي واسع. لأن الغاية من هذه القصص تضم كل الأهداف و الغايات التي يدعو إليها القرآن تقريباً. فهي تضم أهداف مثل إثبات الوحي و النبوة و إثبات وحدانية الله تعالى و الوحدة بين الأديان و عدم وجود تعارض بينها و الترهيب و الترغيب و بيان الأماكن التي تجلت فيها قدرة الله عز وجّل و الخير و الشر و الصبر والتذمر و الشكوى و الشكر و جحود النعمة بالإضافة إلى عدد آخر من القيم والغايات الدينية و الأخلاقية التي عَمدتْ القصص القرآني إلى توضيحها و الحض عليها.

و يمكن تلخيص الأهداف والغايات الواضحة والمهمة للقصص القرءانية كما يلي:

1- إثبات و توضيح أسس الإيمان.

2- إثبات الوحي و الرسالة.

لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أُمياً لا يعرف القراءة و الكتابة. و لم يُعرَف عنه أنه جالس أو تسامر مع أحبار اليهود أو قساوسة المسيحيين. و على الرغم من هذا فقد نزل عليه القرآن الكريم به قصص أذهل المسيحيين و اليهود جميعهم. و قد فسرت القصص القرءانية في بعض مواضعها تفسيراً عميقاً ودقيقاً للأحداث؛ كما هو الحال في قصص إبراهيم و يوسف و موسى و عيسى عليهم السلام. وكثيراً ما يفصح القرآن الكريم عن تلك الغاية و ذلك الهدف سواء أكان ذلك في بداية تناوله لقصة من القصص أو في نهايتها:

﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص، 44 – 46)

3- التأكيد على أن كل الأديان من آدم  حتى نبينا صلى الله عليه وسلم هي جميعاً من عند الله، و أن المؤمنين كلهم أمةٌ واحدةٌ، و أن ربهم جميعاً هو الله وحده لا إله غيره.

4- بيان النعم التي أنعم الله عز وجّل على أنبيائه و من اصطفى من عباده.

5- التحذير من الشيطان بوصفه العدو الأزلي لبني آدم.

يقول الله :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، 168– 169)

6- الترويح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و المؤمنين كافة و تثبيت قلوبهم على الإيمان، و تقديم الله عز وجّل العون لكل الأنبياء و إهلاك المكذبين.

و لهذا أيضاً مقصد آخر و هو شد أزر نبينا صلى الله عليه وسلم و شد عزيمة من آمنوا به.

7- ضمان تربية و تزكية النفوس بشكل تدريجي.

و هناك عدد آخر كبير جداً من الغايات و الأهداف للقصص القرءانية. من هذه الغايات إثبات أن الله عز وجّل قادر على كل شيء لا تعجزه الخوارق و أظهار القصص القرءانية لهذا لهو من الأمر المهم. مثال ذلك خلق الله عز وجّل لآدم  من العدم و خلقه  لعيسى  من دون وجود أب.

خلاصة القول أن الله تعالى يُرشد بني آدم عن طريق القصص القرءانية إلى عدد لا حصر له من التعاليم العلوية الواضحة. فيشير إلى ما تَميَّز به كل نبي من الأنبياء و يُسكنها عقول البشر و إدراكهم. مثال ذلك:

لو أننا نظرنا إلى حياة سيدنا نوح ؛ لوجدنا أنه لم يَلق سوي نظرة البغض من أرباب الكفر بدون سببٍ غير أنه دعاهم للإيمان             و تحمّل و صبر على آذاهم.

أما سيدنا إبراهيم  فقضى حياته يحارب بلا هوادة ضد الشرك و يحاول القضاء على عبادة الأوثان، فأصبح نموذجاً فريداً في التسليم لأمر الله تعالى و توكله عليه، فحوّل الله تعالى له نار نمرود إلى بساتين.

و قضى سيدنا موسى  حياته يحارب فرعون و أعوانه، وأسس بعد ذلك بنصرته للحق لنظام اجتماعيٍ بين المؤمنين.

ووُصِف سيدنا عيسى  بأن له قلباً رقيقاً ملؤه الشفقة والرحمة في تعامله مع المؤمنين. كما لفت الإنتباه بتواضعه و حبه للعفو عن الناس.

أما سيدنا سليمان  ، فعلى الرغم من أنه حكم سلطنة مبهرة صارت حديث الألسنة، إلا أنه ارتقى في عبوديته للّه  و حافظ على قلبه متواضعاً  شاكراً.

و أيوب  الذي صار في حياته مظهراً عالياً في الصبر على البلاء و شكر الله تعالى في كل الأحوال.

و حياة سيدنا يونس   التي كانت مثالاً كاملاً أظهر اللجوء إلى الله تعالى و الندم على فعل الذنب.

وسيدنا يوسف  الذي كان في ذروة التعلق باللّه تعالى والدعوة إليه حتى وهو في الأسر سجيناً. و عرض مثالاً عظيماً للعفة حتى في الوقت الذي دعته إليها امرأة جميلة ذات مال و جاه، امرأة تملكت منها الغريزة و هي تقول له “هَيْتَ لَكَ”. فكان قلبه الذي زُيِّن بتقوى عالية، مصدراً عظيماً لكمال السلوك.

و سيدنا داود  الذي امتلأت حياته بصفحات من العبرة و العظة أمام العظمة الإلهية. و كم هي كثيرة تلك العبر المستقاة من حمده و ثنائه و ذكره و تضرعه للّه  ساكباً دموع عينيه.

أما سيرة سيدنا يعقوب، فكانت نموذجاً عظيماً في التعلق باللّه و الصبر الجميل بدلاً عن الوقوع في اليأس في وقت أظلمت الدنيا من أمام عينيه، إلا أن أمله لم ينقطع من رحمة الله .

أما حياة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم فقد شملت الجميع بكماله و سموه بشكل تعجز الكلمات عن وصفه.

و الخصوصيات التي تُميز القصص في القرآن الكريم:

و يلفت القرآن الكريم الإنتباه إلى جوهر الأحداث. ولا يولي اهتماماً كبيراً لعنصري الزمان و المكان و أسمائهما. لأن الدخول في تفاصيل لا تخدم الغاية الأساسية من القصص من شأنه أن يزج بالمسألة في تفرعات لا طائل من ورائها و يجعل من العسير إدراك الهدف منها.

و ها هي خصوصية أخرى تجذب الإنتباه في القصص القرءانية:

فالقرآن الكريم إذا نقل لأي سبب من الأسباب قصة ما، فإنه يتناول الجزء الذي يحتوي على المقصد فقط. و لأن القرآن الكريم يولي الإهتمام بالغاية الدينية من القصة، لذا نجده لا يُلقي بالاً للتسلسل التاريخي، فيبدأ القصة من أولها أو منتصفها أو حتى من آخرها. و لا يترك القرآن الكريم الشخص المُخاطب يذهب بوقائع القصة بعيداً و يتعمق فيها؛ بل يوزع الإرشاد الديني و الحكمة و العظة في فواصل مختلفة.

و يستهل القرآن الكريم القصص بصفة عامة بمقدمة تجذب المُخاطَب. أي أنه لا يقدم الحوادث بشكل جاف يدعو إلى النفور منها. بل و على العكس من ذلك يعمد إلى تقديم الأحداث في شكل مجسد يمتلئ بالحركة و الحيوية. و تحتوي معظم التعبيرات القرآنية على صور تمثيلية. و يعرض المشاهد المهمة بوضوح تام؛ و يترك كثيراً من التفرعات الأخرى التي تحتويها القصة لفكر و خيال المُخاطب.

و تتضح هذه الحقائق كلها في القرآن الكريم عن طريق التكرار.

الحكمة من التكرار

و التكرار هو أحد أهم سمات القصص القرءانية. فتغلب صفة التكرار في القصص القرءانية بشكل أكبر من المواضيع الأخرى التي يتعرض لها القرآن الكريم. و التكرار المقصود هنا ليس تكراراً تاماً بمعنى انه يأتي بأسلوب يحتوي على تفاصيل مختلفة عن المرات السابقة.

لذلك فكل تكرار هو وسيلة لإستنباط عبر و عظات جديدة. و يفتح آلاف النوافذ العلوية من القلب نحو العوالم الغيبية. فعلى سبيل المثال لقد تكررت مسألة عدم سجود إبليس لآدم  سبع مرات في القرآن الكريم. و في كل مرة يلفت القرآن الكريم الإنتباه إلى واحدة من حيل و دسائس إبليس اللعين.

و تتضح الحكمة من التكرار في الآيتين الآتيتين:

﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (طه، 113)

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات،55)

إن المقصد الأساسي من التكرار هو تقديم المراد و لكن بأساليب مختلفة. لهذا السبب لم تتكرر الأحداث العادية. فعلى سبيل المثال لا نجد تكراراً لحوادث ميلاد و شباب و زواج موسى . و على النقيض من ذلك تكررت حادثة المباراة التي أقيمت بين موسى  و السحرة من بني إسرائيل لأن بها خصوصيات مهمة لهدف الرسالة.

و من ناحية أخرى، فإننا لو قمنا بتجميع كل المعلومات الخاصة بشخص واحد و التي وردت في أماكن مختلفة، فإننا سنشاهد بناءً كلياً متكاملاً بخصوص تلك الشخصية. و بذلك فهو يعرض كل قصة من القصص في وحدة متكاملة ذات موضوع واحد متوافق العناصر لا تضاد فيها أو اختلاف فيه.

و تكرار المعنى هو الذي يهم أكثر في القصص القرءانية. فالهدف الأساسي من ذلك هو نقش الغايات الإلهية العلوية على الأرواح و القلوب. فالإنسان يفهم و يدرك المسألة بشكل أفضل إذا تكررت بأسلوب تعبيرين مختلفين. و هذا يشير أيضاً إتباع كتاب الله لأسلوب تعليمي إلهي يتناسب مع الطبيعة النفسية للبشر.

و يعبر التكرار عن المعنى نفسه و لكن بقوالب و أساليب متعددة، و القرآن من المعجزات الإلهية التي أنزلها الله تعالى و أن البشر لا طاقة لهم أن يأتوا بمثله.

و أحياناً ما يكون التكرار للتفصيل، أو للإجمال في أحيان أخرى. و قد عمد القرآن الكريم إلى إتباع هذا الأسلوب حتى يتمكن من خطاب كافة المستويات الذهنية المختلفة. لأن هناك من الناس من يهتم بالإجمال و البعض الآخر يفضل التفصيل. و لأن القرآن الكريم يخاطب الإنسانية جميعها بعوامها و خواصها. و بذلك يستطيع الناس من أي مستوى و طبقة و مرتبة و أي قدرة عقلية، يستطيعون أن يستفيدوا مما جاء فيه.

لقد عمد القرآن الكريم  إلى تكرار الكلمات و الجمل حتى يضمن تحقيق كل صفة من صفات البلاغة مثل إثارة الدهشة و الحيرة و إفادة التحذير. مثال ذلك ما جاء في سورة “القارعة” فنجده يكرر كلمة القارعة ثلاث مرات، و هو في ذلك يستثير خيال المُخاطَب ليجعله يشعر بفزع القيامة.

و الحال نفسه في سورة الرحمن فنجده بعد أن يُعدّد النِعم التي خلقها الله تعالى للإنس و الجن، نجده يقول:

﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

و يظل يكرر نفس العبارة واحداً و ثلاثين مرة، و هو بذلك يريد أن يزيح ستار الغفلة عن العباد و يحثهم على الإعتراف بالنعم الإلهية و تذكيرهم أن يشكروا الله تعالى على نعمائه.

إضافة إلى أن أسلوب قراءة هذه الجملة المكررة واحداً و ثلاثين مرة في ثنايا سورة الرحمن بشكل طمأنينة دون ملل أو ضجر، هي خصوصية استثنائية لا نظير لها في الأدب العربي.

وفي سورة المُرْسلات يكرر القرآن الكريم ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ عشر مرات. و تأتى هذه الآية بعد آيات تحدث فيها عن كثير من الحقائق الإلهية و يخبر أنه من يكذب بهذه الحقائق ستكون عاقبته الخسران المبين و سيلقى عذاباً أليماً.

لهذا السبب كان المفسرون كُلّمَا تعرضوا لمثل هذه الآية، كانوا ينظرون إلى المعاني الواردة قبلها و يفسرونها قائلين:

“ويل لكل من يكذب بيوم الدين و آيات الله تعالى و قدرته المطلقة و نعمائه التي لا تُعد و لا تحصى، ويل لكل من يكذب بجهنم التي هي محل العذاب و بالجنة التي هي محل الثواب.!”.

و القرآن الكريم هو كتاب للدعاء و الذكر و هو المرشد الذي يهدي الناسَ للحقيقة. و لا يكون الدعاء و لا يظهر ولا يصبح له تأثير إلا بالتكرار.

فتكرار قراءة الفاتحة في كل ركعة من الركعات في الصلاة، و تسبيحنا دبر كل صلاة عدداً مختلفاً مثل ثلاث و ثلاثون و تسع و تسعون و مائة و عشرة مراتٍ و تسبيحنا في الركوع و السجود، كلها أمور مباركةٌ الهدف منها طبعها جميعاً بشكل جيد داخل القلب.

و كما أنه من شأن هذه العبادات النوعية تقوية الصلة بين العبد و ربه، فإن الصلوات الشريفة من شأنها كذلك تقوية الرابطة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. و سيأتي يوم تُؤمِّن فيه هذه الأذكار التي تتكرر بكثرة، انتقالها في القلب و في الإدراك إلى حقيقة الذكر.

جاء رجل إلى جُنيد البغدادي – قُدس سره – و سأله قائلاً:

– أستاذي، ما معنى “لا إله إلا الله”؟

فأجابه هذا الرجل العارف باللّه تعالى و قال:

– “أكثر من تكرار هذه الكلمة كثيراً يا بني حتى تصل إلى معناها الحقيقي”.

و من ناحية أخرى هناك تأثيرات مختلفة و متنوعة لسور القرآن الكريم التي تتكرر بتلاواتها القرآنية بنغمتها القلبية و اللغوية.

لذلك قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن فضل الآيات الثلاثة الأخيرة من سورة الحشر:

من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ،وكَّلَ اللهِ  به سبعين ألف مَلَكٍ يصلّون عليه حتى يمسي،وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين ُيمسي كان بتلك المنزلة” (الترمذي، فضائل القرآن، 22، 2922)

و يضم القرآن الكريم عدداً كبيراً جداً من التجليات المشابهة لذلك فمثلاً من قرأ سورة الواقعة فلن تُصيبَه الفاقة،  و هناك آيات أخرى إذا قرأها المرء شُفي من الحسد.

و لأن القرآن الكريم من ناحية اللفظ و المعنى هو نفحة إلهية، لذلك ينال الإنسان كسباً معنوياً من تكرار الآيات سواء أكان المحتوى هو نفسه أو بتكرارها بألفاظ مختلفة و الموضوع هنا هو تأثير ذلك التكرار على الناحية المعنوية للإنسان وعلى الناحية المادية له أيضاً في نطاق من الإرادة الإلهية. و لعل حادثة سيدنا على رضي الله عنه مع البدوي من أفضل الأمثلة التي تعرض الحاجة إلى القوام القلبي الذي نتحدث عنه:

قصد أحد الفقراء من البدو ذات يوم سيدنا عليّاً طالباً الصدقة. و لم يكن لدى سيدنا علي رضي الله عنه في تلك اللحظة شيء يعطيه إياه، فأخذ حفنة من الرمل و نفخ فيها و هو يقرأ أشياءً. ثم سكب ما بيده من رمل في كف البدوي و قد صار ذهباً. فتملكت البدوي الدهشة لما رأى، و توسل إلى سيدنا علي رضي الله عنه أن يفسر له كيف تحول الرمل الذي في يده إلى ذهب.

فرد عليه سيدنا علي رضي الله عنه بأنه لم يفعل شيئاً سوى أنه قرأ سورة الفاتحة بخشوع. فقام البدوي مغتبطاً و اغترف حفنةً من الرمل في يده و بدأ يقرأ الفاتحة و هو ينفخ عليها. و لكن شيئاً لم يتغير و ظل الرمل كما هو رملاً. فسأل سيدنا عليّاً رضي الله عنه سبب ذلك. فلخص سيدنا علي رضي الله عنه المسألة للبدوي في قوله:

((هذا لأن القلب مختلف)).

ويتمكن أي شخص يتعسر في قراءة القرآن الكريم كاملاً؛ سواءً أكان ذلك لغفلة منه أو لضعف مقدرته على ذلك، يتمكن من قراءة أي سورة من السور الصغيرة بسلاسة. لأجل هذا أدرج الخالق  أهم الرسائل –أحياناً بشكل جزئي و أحياناً أخرى بشكل كلي– في قصار السور في شكل شِفرات علوية محددة النقاط و عادةً ما كان يجعل كل واحدة منها في شكل حكم قرآني صغير.

و في ذلك يقول الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ:

((لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ، لَوَسِعَتْهُمْ)). (ابن كثير، التفسير، سورة العصر)

الأنبياء و القصص في القرآن الكريم

يُقدم الأنبياء في القرآن الكريم بوصفهم أفضل و أصلح أناس في البشرية. و أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بجهد أو عمل عملوه بل باختيار و اصطفاء إلهي[1]. يقول الله :

﴿… وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الأنعام، 87 ).

﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج، 75 )

وقد فصل القرآن الكريم في آيات مختلفة ما يميز كل نبي ورسول من فضائل وعلامات فارقة. وفيما يلي ذكر لبعض هذه الآيات:

﴿…وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء، 125)

﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ. وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ﴾ (سورة ص، 44– 48)

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً. وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً. وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً. وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ (مريم، 51– 57)

أما نور الخلق سيدنا الرسول الذي خاطبه المولى قائلاً “حبيبي”  فقد اجتمعت لديه فضائل كل الأنبياء. و نزلت بحقه الآية الكريمة:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[2] (الأنبياء، 107)

بيد أن اختيار الله تعالى للأنبياء و اصطفاءهم ينطوي على مسؤلية عظيمة ثقيلة. و الله تعالى يعرف أنهم عاجزون، كما أنه لا يمكن إسناد صفة الألوهية إليهم على الإطلاق لأجل هذا قال الله :

﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف، 6)

فالأنبياء بالشكل الذي بينته الآية الكريمة و إن كانوا آمنين، إلا أن الله تعالى سيسألهم عن درجة اعتنائهم و اهتمامهم بتبليغ رسالات ربهم. و تذكر احدى الروايات أن سليمان  سيدخل الجنة متأخراً عن باقي الأنبياء بسبب ما أعطي إليه من عظمة و ثروة في الدنيا[3].

و لا أحد غير الأنبياء آمن بعد ذلك[4].  و الإنسان العاقل هو الذي ينظر إلى حال نفسه المعنوي، و يسعى لأن يحقق الكمال في قلبه، أما في نواحي المادة فيجب أن يبذل الجهد كي يعيش حياته شاكراً للّه و أن ينظر إلى من هو أدنى منه.

و قد جاء في الحديث الشريف:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه” ( البخاري، الرقاق، 30، 6490 )

و يبين المولى  في الآيات الآتية مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم أن جميع الأنبياء مسؤلون أمام الله :

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة، 109)

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة ،44 – 47)

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (النساء،41– 42)

حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:

اقْرَأْ عَلَيَّ“.

قلت: يا رسول الله، اقرأ عليك وعليك أنزل؟

قال: “إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي“.

فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾.

قال: “أَمْسِكْ“.

فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. (البخاري، فضائل القرآن، 32؛ مسلم، المسافرين، 247)

عظمة القرآن الكريم و فضائل النبي صلى الله عليه وسلم

ورد في الآيات الكريمة التي سبق ذكرها أنه إلى جانب كون النبوة مسؤلية عظيمة، فإن كل ما ينطق به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو وحي أوحى به الله تعالى إليه. و يوضح هذا الكتاب العظيم تلك الحقيقة في الآية الكريمة:

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة، 2)

و مما لاشك فيه أن هذا الكتاب قد نزل من عند الله ، و أن هذا يستوجب أن يكون كاملاً بشكل يتلاءم و العظمة الإلهية. فكان الإعجاز القرءاني واحداً من أهم الخصوصيات التي تشهد على كماله. كما أن تأمينه السعادة للإنسان في الحياة الدنيا و في الآخرة هو سبب و مظهر آخر من مظاهر هذا الكمال.

و قد أنعم الله تعالى بآخر الكتب المقدسة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكبر معجزة ستستمر حتى قيام الساعة. لأن الله تعالى أعطى كل نبي مجموعة من المعجزات يستطيع بها إثبات صدق نبوته في زمانه. فشاهد الناس هذه المعجزات الإلهية الخارقة للعادة، فقال من أضاءت قلوبهم بنور الهداية:

–    ((أنت رسول الله!)) و صدقوا رسولهم.

أما التعساء الذين حُرموا الهداية فقالوا:

–    ((ما أنت إلا ساحرّ)).

وبذلك كان المؤمنون والجاحدون كذلك مرغمين على تصديق المعجزات الخارقة للعادة التي أتى بها الرسل. فقد شاهد كل أهل مكة معجزة انشقاق القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جزأين.

و لكن اختلفت طريقة تقبلهم لهذه المعجزة، و انعكس ذلك في إيمان البعض و استمرار البعض الآخر في الكفر و فق قلب كل منهم.

لقد تحولت عصا موسى  و هي المعجزة التي أعطاه الله إياها، تحولت إلى حية وجدت صدى عند بني إسرائيل فقضت على سحرهم. و أُعطي عيسى  معجزة إحياء الموتى و هي المعجزة التي لم يستطع عالم الطب الوصول إليها. فوقف عالم الطب عاجزاً حائراً أمامها.

أما في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فكان الشعر و البلاغة يعيشان عصرهما الذهبي. و كان يُرتب لأسواق مثل سوق عكاظ و ذو المجاز و مجنّي حيث كان يتبارى الأدباء و الشعراء مع بعضهما البعض. و من يُحرز منهم قصب السبق، تُكتب آثاره على قماش ذي اللمعان و تُعلق على جدار الكعبة. و قد عُلقت سبعة أشعار على جدار الكعبة و أُطلق عليها اسم ((المعلقات السبعة)).

و مع نزول القرآن الكريم ببلاغته المُعجِزة و خطابتها اضطربت أسواق الأدب تلك التي استمرت كتقليد تعودوا عليه حتى لعصور. و لم تَفُز أشعار أي شاعر بعد ذلك لتُعلق أشعاره على جدار الكعبة.

و ستستمر قدرة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم التي أعجزت حتى أعتى الخطباء و أشدهم بلاغة، ستستمر لتشمل كل مكان و زمان حتى قيام الساعة، لهذا السبب فاقت معجزة القرآن كل ما أُعطي الأنبياء السابقين جميعهم من معجزات و صلاحيات.

و من الضروري هنا الإشارة إلى نقطة مهمة، و هي أن كل الأنبياء السابقين قد انحصرت رسالاتهم في زمان و مكان محدودين. لهذا السبب لم ينتقل إلينا عنهم منظومة واسعة ثرية تبين سلوكهم و تصرفاتهم. هذا في الوقت الذي شملت فيه بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كل زمان و كل مكان إلى أن تقوم الساعة، لهذا السبب انتقلت إلينا أدق تفصيل سيرته بروايات صحيحة و سيظل هذا الموروث متسلسلاً إلى أن تقوم الساعة.

و تتحدث الآيات الكريمة الآتية عن شمولية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للعالم كله:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف، 185)

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ، 28)

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً.  الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (الفرقان، 1 – 2)

ويأتي السبب وراء ذلك إلى أن الله تعالى أراد لأمة آخر الزمان الذي بُعث فيها النبي  صلى الله عليه وسلم أن تكون”أسوة حسنة” أي نموذج و قدوة يقتدون بها.

من أجل هذا أنعم الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد من المعجزات حتى تتجلّى إرادة الله . فالغرض من المعجزات هو تحقيق طاعة الناس للأنبياء و طاعة وجهاء القوم و أكثرهم سطوة كذلك، و قد استند سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب عدد من المعجزات الأخرى التي أعطاه الله إياها، استند إلى معجزة القرآن الكريم الذي حاز الكمال في الإعجاز بشكل تجاوز كل المعجزات الأخرى.

و على الرغم من أن المعجزات هي أحوال خارقة تصدر عن الأنبياء، إلا أن القرآن الكريم بوصفه معجزة لا نظير لها، كان أكثر تأثيراً على مسامع و قلوب الناس، و ظلَّت الوسيلة الأساسية التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الرسالة.

و لهذه الأسباب أصبح إعجاز القرآن الكريم الذي قدمه الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى البشرية بيديه مضيئاً كالمشعل لا ينطفئ إلى الأبد، و أصبح المؤثر الأساسي الذي ضمن طاعة إنسان “عصر السعادة” الذي فقه الفصاحة و البلاغة، للنبي صلى الله عليه وسلم.  ففي الوقت الذي مضىفيه سيدنا عمر رضي الله عنه قاصداً أقبح الغايات مثل إطفاء شمس السعادة الأبدية، نجده يتحول بسرعة البرق بعد أن استمع بالمصادفة لبعض آيات القرآن الكريم، انتقل إلى الهداية كما لو كانت آيات القرآن الكريم قد انتقلت به من قطب الشرك إلى قطب الإيمان.

و كذلك الأمر مع ابنة الشاعر الشهير امرؤ القيس التي تملكتها الدهشة و الذعر لما استمعت إلى جزء صغير من القرآن الكريم، وقالت من كثرة دهشتها:

“إنه ليس بكلام البشر! فلو كان في الدنيا حديث مثله، لوجب إنزال أشعار أبي من فوق جدار الكعبة! اذهبوا فأنزلوه، وعلقوا هذه الآيات بديلاً عنه!..”.

و هذا  مثال واحد فقط من الأمثلة التاريخية الشاهدة على هذه الحقيقة الإلهية[5].

لقد ألجم القرآن الكريم بجلاله حتى المشركين و هم يستمعون إليه لدرجة أنهم كانوا على وشك الإيمان لولا أن هناك من أخذوا يصيحون حتى يعيقوا و يمنعوا الناس من الإستماع إليه. و قد تحدث القرآن الكريم في الآية التالية عن هذه الحقيقة بقوله :

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت،26 )

و على الرغم من هذا فقد كان بعض المشركين يستمعون خفيةً للقرآن الكريم. فقد كان ألد المشركين مثل أبو جهل يستمعون إلى القرآن الكريم من وراء الجُدر،  وكانوا يتأثرون به حتى لو لم يؤمنوا، فغلبهم كفرهم و عنادهم، و كان الواحد منهم يفر من أخيه حتى لا يراه و هو يستمع إلى القرآن الكريم.

و للقرآن الكريم تأثير عظيم من شأنه أن يغير فهم الإنسانية التي تعيش الكفر و الجحود، أن يغير فهمها عن الكون و الحياة والإنسان، و بالتالي تنهض البشرية و تحقق أعظم انقلاب لها. ولعل أبرز مثال على ذلك هو تحول المجتمع الجاهلي إلى مجتمع مسلم يسير على طريق الهداية. و القرآن كلام عظيم، يتجاوز تأثيره الإنسان إلى الحيوان كذلك.

و قد رُوي عن أُسيد بن حضير رضي الله عنه:

بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجْتَرَّهُ  رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ“.

قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريباً، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال:

وتدري ما ذاك“. قال: لا، قال:

تِلْكَ المَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ” (البخاري، فضائل القرآن، 15، 5018 )

و تكمن الحكمة في أن تأثير القرآن الكريم وأحكامه تشمل الموجودات كلها في تشكيل منظومة  كاملة للوحي تنتهي فيها حلقة النبوة بخاتم الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و توضح أن ما سيأتي من زمان بعد ذلك و حتى الأمكنة هي نطاق لنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً.

أي أن هذا الكتاب الإلهي الأخير يحتوي من القواعد ما سيلبي مصالح و أمور الناس ما دامت الدنيا موجودة. و من هنا كان محتوى و معنى القرآن الكريم عبارة عن منظومة من حكم و إعجاز لا نظير له. وسوف تستمر هذه الهبة الإلهية حتى يوم القيامة مثبتةً صدق الرسول و صدق النبوة.

و لم ينل أي نبي من الأنبياء كتاباً مثل القرآن الكريم بفصاحة أسلوبه و بلاغته و بما يحوي من أحكام و بامتداد حكمه لكل زمان و مكان. ولعل أبرز علامات هذا التفوق أنه سيستمر حتى يوم القيامة وستأتي امة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أكثر الأمم عدداً.

و كل ما يحوي القرآن الكريم؛ من تعبير و أسلوب و معجزات و تاريخ و أي شيء آخر كلها أمور خاصة باللّه . و بناءً على ذلك يكون ترتيب نزول الآيات هو أيضاً من أمر الله تعالى و لم يتدخل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بأي حال من الأحوال.

و بالطريقة نفسها تكون نغمة الصوت في القرآن مثلها مثل الأسلوب القرآني أمر راجع للّه  أيضاً. فالتصرف في القرآن الكريم بإحداث أي تغير في نظمه سواء بالتقديم أو بالتأخير من شأنه إحداث خلل في التناغم بين آيات القرآن. و قد تحدث محمد حميد الله و هو من علماء الإسلام المعاصرين، عن التناغم في القرآن الكريم على هذا الشكل:

((حدثني احد الموسيقيين الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام قائلاً أن قراءة سورة النصر على هذا الشكل (في دين الله أفواجاً. فسبح… ) أمر غير متزن موسيقياً.

فوضحت له الأمر بقولي أننا لا نتوقف في القراءة عند كلمة (أفواجاً) بل نقرأها (أفواجاً فسبح…) أي أننا ندمج بين النون (التنوين) في أفواجاً و الفاء في بداية كلمة ( فسبح ).

فرد عليَّ أخونا الموسيقي الفرنسي على الفور قائلاً:

– (أنا الآن أُجدد إيماني. فلم يعد عندي بعد ما أوضحت لي الآن أي اعتراض على القرآن الكريم من ناحية التناغم الموسيقي. ويمكنني القول أن القرآن الكريم به انسجام يفوق المعايير البشرية. فهو يعرض في معظمه روعة في التناغم. فهل هناك ثمة أحد يمكنه التفكير في أن يأتي بشيء  بشري على غرار القرآن الكريم؟!)) (محمد حميد الله، تاريخ القرآن الكريم، ص 94-95)

لقد استنهض القرآن الكريم بخاصيته تلك تأثيراً قوياً في قلوب الناس. فجاء العرب من كل فج عميق و استمعوا إليه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به.

و فيما يلي مثال يعود لتاريخ قريب يدل على روعة القرآن و تأثيره:

عمل إمام و خطيب جامع “ير آلطي” السيد علي أسكداري إماماً للسرايا في فترة حكم عبد الحميد خان. ويُروى وفق ما نقله السيد محمد علي صاري و إسماعيل قره تشم و هم من طلبة معهد الإسلام العالي، يُروى أن ملك المجر قد وجه الدعوة لعلي أسكداري بصحبة وفد آخر لزيارة المجر. و بعد أن شارك في الأنشطة الثقافية المختلفة هناك، استدعاه الملك على وجه الخصوص و بعد عدة لقاءات بينهم طلب ملك المجر من علي أسكداري أن يقرأ عليه القرآن الكريم. فظل يقرأ عليه القرآن من مقام النهاوند الموسيقي وفق رواية محمد علي. و كان علي أسكداري وقتها في ريعان شبابه و كان حافظاً للقرآن الكريم و قد حباه الله بصوت عذب جميل و أداء حسن في قراءته للقرآن. لهذا السبب أخذ الآيات التي قرأها لُب الملك، لدرجة أنه التفت إلى الملكة و حدثها ببعض الكلمات. فأصاب الفضول علي أسكداري كي يعرف ماذا قال الملك، فتحدث إلى المترجم و قال:

– ((ماذا قال جلالة الملك للملكة؟)) فرد عليه المترجم و قال بأن الملك خاطب الملكة قائلاً:

– ((إن هذا الكلام المقروء لا يمكن أن يكون كلام بشر. فكلام البشر لا يؤثر بهذا الشكل في الإنسان… )).

و قد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمته ستكون أكبر الأمم بالنظر إلى الأمم السابقة، و أن السبب في ذلك ما في القرآن الكريم من إعجاز عقلي علوي و ماله من تأثير على من يسمعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ” (البخاري، الإعتصام، 1، 4980)

رأينا في الحديث الشريف كيف ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين زيادة عدد أمته و بين معجزة القرآن الكريم. و يمكن رصد الحكمة من ذلك فيما يلي: القرآن الكريم ليس مثل باقي المعجزات التي جاءت و انتهت في زمن بعينه، فالقرآن الكريم معجز في ألفاظه ومعانيه التي تخاطب عقل الإنسان. و سيظل الإنسان يتفكر في آيات القرآن الكريم طالما وجد العقل و العلم لتظهر مع الوقت ما يحويه من دقائق.

لا ترتبط المعاني التي يحويها القرآن الكريم بزمن أو أمة بعينها، بل تحيط بكل الأزمنة و كل الناس. و سيظل العلماء في كل عصر يمر يشهدون على إعجاز القرآن، و بهذه الوسيلة ستستمر أمة رسول الله في التزايد.

و ستعاود الإكتشافات العلمية التي ستظهر بعد عصور، و تلقي الضوء على إعجاز القرآن الكريم، و ستؤيد كونه كلام الله تعالى و لا دخل للبشر فيه. و تؤكد لنا الأبحاث العلمية التي يجريها العلماء في مجالات خلق الإنسان و أسرار الكون و الأرض و الشمس و حال القمر بل، و الأبحاث الأكثر دقة في مجالات الفيزياء و الجغرافيا و الاجتماع و ما شابه ذلك من مجالات أخرى، ستؤكد جميعاً على هذه الحقائق الواردة في القرآن الكريم.

و إذا وجب علينا أن نضرب مثالاً على هذا لقلنا أن هناك أبحاثاً تجري مؤخراً مفادها أنه يمكن نقل الأشياء عن طريق الإشعاع و هو أمر مقبول من الناحية العلمية و يمكن تحقيقه. و قد نجح العلماء للمرة الأولى في تفكيك جزيئات مقدار من الماء و نقلها لمكان آخر بواسطة الإشعاع. و لم يتصور أحد أو يقبل بإمكانية حدوث مثل هذا الشيء قبل خمسة عشر قرناً، و مع هذا فقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك. فتذكر الآية 40 من سورة النمل كيف تم نقل عرش بلقيس ملكة سبأ في طرفة عين مسافة لا تقل عن ألفي كيلو متر.

من أجل هذا يزداد فهمنا كل يوم يمر لحديث مولانا جلال الدين الرومي عن القرآن الكريم، حيث يقول:

((يمكننا أن نخط كلمات القرآن الكريم بحبر مِحبرةٍ واحدةٍ. أما إذا أردنا أن نكتب كل الأسرار التي يحويها فلن يكفي لذلك بحر مترامي الأطراف من الحبر، و لن تكفي أشجار الدنيا كلها لو أنها صُنعت أقلاماً لهذا الغرض)).

*

لقد تحدى الله تعالى الإنس و الجن حتى يوم القيامة أن يأتوا بمثل القرآن الكريم. و ظل هذا التحدي الإلهي قائماً منذ يومها دون جواب من أحد. و تشير الآية الكريمة إلى هذه النقطة في قوله :

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء، 88)

و على الرغم من أن الله تعالى قد ضيّق مجال التحدي وحصره في أن يأتوا بعشر سور منه فقط، إلا أن الإنس و الجن وقفوا عاجزين مجدداً. تبين ذلك الآية الكريمة الآتية:

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود، 13)

وزيادة في التحدي ضيق المولى  مجال التحدي أكثر وحصره في أن يأتوا بسورة واحدةٍ كي يظهر للعيان مدى العجز البشري و أن القرآن الكريم هو كلام الله . و تحدثتا الآيتان الكريمتان الآتيتان عن ذلك في قوله :

﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[6]. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة، 23- 24)

و يحدثنا مولانا جلال الدين الرومي –قدس سره– عن ضرورة أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم بقلب صاف براق،  عندها فقط تكتسب القلوب الحكمة والعبرة  وأسرار القرآن الكريم:

((هيِّيء نفسك جيداً قبل أن تقرأ آيات القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة! فإن لم تَشْمُم الروائح الجميلة في بساتين الورود، فابحث عن العيب في أنفك أو في قلبك و ليس في البستان!…))

يقول الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد، 24)

يحتاج الإنسان كما ورد في الآية الكريمة إلى قلب سليم حتى يتمكن من فهم القرآن الكريم و إدراكه و حتى يشعر و يحس بأنه يقف على أسراره. لأن القرآن الكريم يفيض على كل قلب من أسراره حسب حالة هذا القلب أو ذاك. يقول الله :

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ[7]﴾  (الشعراء، 193 – 194)

لهذا السبب يجب أن نأخذ القرآن الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تماماً كما فعل الصحابة الكرام. و تتوقف الإستفادة الحقيقية على درجة الإهتمام و الإستعداد لذلك. يقول رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم:

مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به” (البخاري، العلم، 20، 79)

-يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم النوعين الأولين من أنواع الأراضي الثلاثة المتباينة في خواصها، يشبهها بأناس عرفوا و تفقهوا فيه و انتفعوا مما أتى به. أما الصِنف الثالث، فهو مثل شخص لا يرفع حتى رأسه كي ينظر لأي شيء حوله و هو الذي لم يقبل بالهداية التي أُرسل بها رسول الله-

قلب العلماء هو أرض خصبة بماء العلم الإلهي و الهداية الممتلئه بماء الحياء، و هي أرض اخضرت أوراقها و أعطت محصولاً مباركاً. يقول الله تعالى:

﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا …﴾ (الرعد،17)

و فسر بن عباس هذه الآية قائلاً:

((الماء المقصود في الآية هو العلم أما الأودية فهي القلب)).

و لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم مفسر لآيات القرآن الكريم، فقد أتى تفسير ما يرد في القرآن الكريم في الأحاديث الشريفة.

يقول الله تعالى في الآيتان الكريمتان:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل، 43 – 44)

و أعظم المفسرين الذين جاؤا بعد سيدنا النبي هم أولياء الله الذين عملوا بعلمه، و أخذوا حصةً من حياته صلى الله عليه وسلم القلبية.[8]

و تُحرم القلوب السوداء من أن تنال أي حصة من القرآن الكريم. فالقرآن الكريم لا يفيض بأسراره على المشركين و لا يهبهم الهداية، حتى إن ملكوا من علوم الدنيا الظاهرية؛ ذلك لأنهم حُرموا من الحياة القلبية. يقول :

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف، 146)

لهذا السبب استخدمت كلمة “لاَ يَهْدِي”[9] في آيات كثيرةٍ مع الظالمين والكافرين والفاسقين.

كم هو كتاب عظيم هذا القرآن الكريم الذي نستقي منه لِزَمَنِنا الحاضر العبر والإرشاد والتحذير من خلال تناولنا لعدد من القصص التي وردت ضمن محتواه العميق.

اللّهم اجعل لنا نصيباً من الخصال الحميدة كالصبر و الشكر على النعم و التوكل و التسليم بقدرك و الرحمة و الشفقة و التواضع و إنكار الذات  وهي صفات ذخرت بها حياة أنبيائك الواردة في القرآن الكريم، ربنا ولا تحرمنا نصيباً من أن نعيش عباداً لك حقاً!…

آمين!…


[1]–  توضح الآيات الكريمة الآتية أن النبوة هبة من الله  و ليست كسب:

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الجمعة، 4 )

﴿وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهِ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام، 124)

﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ (القصص، 86 )

[2]– رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رحمة للعالمين في الدنيا والآخرة. فهو الهادي في الدنيا والشفيع في الآخرة. فقد ورد كثيراً في الأحاديث أن الناس سيتجمعون في أرض المحشر يوم القيامة وهي يومئذٍ أرض واسعة مستوية. و أن الناس الذين سيتجمعون منتظرون حسابهم سيكونون في هم وفزع شديدين، وأنهم سيبدؤن في البحث عن من يخلصهم مما هم فيه. وأنهم سيذهبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم و يتوسلون إليه بعدما يئِسوا من مساعدة الأنبياء الذين لجئوا إليهم. لذلك سيتوجه نبينا ويسجد تحت عرش الرحمن و سيطلب من الله أن يُشفِّعه في أمته. فيعطيه الله إياها فيشفع لأناس يدخلون الجنة مباشرةً ثم يشفع بعد مدة معلومة للعُصاةِ الذين لا يملكون من الخير سوى قولهم كلمة الشهادة فيدخلون الجنة كذلك. (البخاري، الرقاق 51، التوحيد 36؛ مسلم، الإيمان، 322، 326، 327 )

[3]–  انظر: الطبراني، المجمع الكبير، 5، 94– 95.

[4] – على الرغم من هذا فهناك أشخاص بشرهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، لهذا يمكن اعتبارهم من الآمنين.

[5]  – الكلمة تُذكِّر بصاحبها. و بقدر ما للمتحدث من شأن و مقدرة، يقدم  الجلال و الكمال. لهذا السبب تركت بلاغة و فصاحة القرآن الكريم بسبب قدرة و عظمة شأن صاحبه و هو المولى عز و جل، تركت البشرية جمعاء مشدوهةً عاجزة. فوصف القرآن الكريم بأنه السهل الممتنع، هو سر إلهي آخر، فكلنا يدرك كم هو القرآن سهل البيان، و لكن ليس بمقدور أي شخص على الإطلاق أن يأتي بمثله.

[6]  – فكما أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بسورة مثله، فإنهم بالقدر نفسه لن يستطيعوا أن يلحقوا ثمة ضرر بالقرآن الكريم. أي أنهم لن يستطيعوا تحريف القرآن الكريم كما حدث مع الكتب الإلهية السابقة. لأن الله  يحفظه و يحميه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر، 9). و لعل المثال الروسي هو أبرز النماذج التي تدل على مدى حماية الله  للقرآن. فلم يدخر الروس وسعاً حتى يثنوا ملايين المسلمين عن دينهم. و مع هذا فلم يمسوا حرفاً واحداً من حرف القرآن الكريم.

[7]  – الإنذار: هو الأمر و النهي و التحذير ببث الخوف من وخامة الفعل.

[8]– في هذا الخصوص يقول السيوطي و هو من علماء الإسلام و عظام المحدثين و المفسرين للقرآن الكريم:

“لا ينهض أي شخص لتفسير القرآن الكريم دون أن يلم بتلك العلوم; اللغة، النحو، الصرف، الإشتقاق، المعاني، البيان، البديع، القراءات، الكلام، أصول الفقه، أسباب النزول والقصص، الناسخ، المنسوخ، الفقه، الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم و علم الموهبة. و يُقصد بالعلم الأخير; العلم الذي يهبه الله  للشخص الذي يعمل بعلمه. وفي الحديث الشريف (من عَمل بما يَعْلَم ، عَلَّمَه اللهُ ما لا يَعلم) إشارة لذلك. (السيوطي، الإتقان، 3، 213 – 215 )

[9]– “لاَ يَهْدِى”: أي لا يمنحه الهداية. و قد تكررت هذه الكلمة في 26 آية في القرآن الكريم:

(…وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ( البقرة، 258)

(…وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة، 264)

(…وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة، 108)