حضرة سيدنا صالح عليه السلام

نبي قوم ثمود الذين زلزلوا من أصولهم

بسبب رغباتهم وشذوذهم

حضرة سيدنا صالح عليه السلام

هو حفيد آدم عليه السلام من النسل التاسع عشر. وصالح عليه السلام هو نبي الله الذي أرسل إلى قوم ثمود.

قَالَ مُقَاتِلٌ: «فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالرُّكْنِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، مِنْهُمْ هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَقَبْرُ آدَمَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَيُوسُفَ، فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (الأزرقي، أخبار مكة، 1، 37)

قوم ثمود

إن قوم ثمود هم من خلال قصة هلاكهم قوم يذكرون على كل لسان. ويتحدث القرآن الكريم عن هذا القوم بعبرة في الكثير من المواقع والآيات والسور فيخبر بأنهم أهلكوا لما كانوا عليه من تلذذ لا حدود له وبعد عن الإيمان.

وهؤلاء القوم هم قوم ثمود الذي يصل بنسبه إلى سام ولد نوح . بعد وفاة هود ، توجه أحفاد ثمود إلى شمال شبه الجزيرة العربية، وتمركزوا في موقع الحجر في المنطقة ما بين الشام والحجاز. ومن ثم انتقلوا من ذلك المكان ليسكنوا في منطقة قوم عاد. وتكاثر نسل ثمود إلى أن أصبحوا أمة قائمة بذاتها. وكان يطلق عليهم اسم «عاد الثانية».

وحصل قوم ثمود مع مرور الزمن على نفس النعم التي حصل عليها قوم عاد في السابق. ولكنهم كما كان الحال في قوم عاد وقعوا في الغفلة والضلالة. وعللوا هلاك قوم عاد بسبب ما أصبحوا عليه من الجحود بأنه كان لأسباب أخرى غير العقاب الإلهي فقالوا:

«لقد هلك قوم عاد لأنهم لم يبنوا لأنفسهم البيوت المتينة. وكانت بيوتهم مبنية على الرمال. أما نحن فأنشأنا بيوتنا على الصخور. ولهذا لن تضر بنا الرياح القادمة…»

وأنشـأوا لأنفسهم القصور والفلل. ونحتوا الحجارة وأعطوها أشكالاُ جديدة. وزينوا قصورهم وفللهم بأشكال مختلفة. فنسوا دين التوحيد وجعلوا من أنفسهم شركاء للّه، وجعلوا مما عملت أيديهم أصناماً يعبدونها من دون الله. وكان سيد القوم هو «جُنْدَعُ بْنُ عَمْرٍو». ولم يتعظ قوم ثمود لما أصاب قوم عاد من عاقبة، فكان منهم أن استشاروا بعضهم البعض وطلبوا من قائدهم جُنْدَعُ بأن يجعل لهم صنماً لم يكن معبوداً من قبل أي من الأقوام السابقة. وفرح جُنْدَعُ لهذا الأمر. فصعدوا إلى صخرة كبيرة فحفروها. وجعلوا لها عينين وصدر ثور ورجل حصان وزينوها بمختلف أنواع الذهب والفضة والمجوهرات المختلفة، ومن ثم وقفوا أمامها وسجدوا لها.

ومن بعد هذا الصنم الجديد صنع قوم ثمود لأنفسهم معبداً للأصنام. وجعلوا لأنفسهم أصنام هي ود وجد وهد وشمس ومناف ومنات ولات، وبَدَؤُا بعبادة هذه الأصنام. وفي هذه الأثناء كان صالح  في قومه. وكان يعمل في التجارة ويـأكل مما كسبت يداه. وكان صالح بالفعل إنساناً يليق به التعظيم والإحترام. وكان قومه يحبونه جداً لما يجدون فيه من الصدق والقابلية والإحسان. وكانوا ينتظرون منه في المستقبل أشياء كثيرة. بل وكانوا على نية بأن يجعلوه حاكماً عليهم. ولكن الله تعالى أعطى صالحاً  النبوة.

بداية التبليغ

عندما بلغ صالح  عليه السلام سن الأربعين، جاءه جبريل  يبلغه النبوة. وفي بداية الأمر تردد صالح . فقال له جبريل عليه السلام:

«يا صالح! هيا ادع قومك إلى التوحيد!»

ومن ثم قال:«يا صالح! أنت ستشاهد أحوالاً لم تكن في زمان نوح وهود!» ومن ثم صعد إلى السماء.

وأمام هذا الموقف، ذهب صالح  في بداية الأمر إلى سيد القوم جُنْدَعُ يدعوه إلى التوحيد. وقابل جُنْدَعُ هذه الدعوة بشكل منصف ومعقول وقال:«لأبلغن قومي بذلك». ومن ثم جمع جُنْدَعُ قومه وأبلغهم بنبوة صالح  ودعوته للتوحيد.

فقال له قومه: « يا جُنْدَعُ، فَلْيَأْتِ هو ويخبرنا!». وبناءً عليه، أتى صالح  قومه وأبلغهم رسالة ربه. ويقص الله سبحانه وتعالى علينا إرشاد صالح لقومه فيقول:

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود، 61)

وتروي سورة الشورى الأحداث المتعلقة بهذا الشأن فتقول في الآية الكريمة:

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء، 141-145)

وهكذا، وبعد أن بدأ صالح  بدعوته في العلانية، تغير موقف قومه منه في آن واحد. وبدأ قومه يتجمعون في جبهة واحدة ضده.

وكما كانت الحال مع الأنبياء السابقين، لم يؤمن بدعوة صالح وعقيدته للتوحيد إلا قليل. أما من بقي منهم استمر بالإنكار:

﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود، 62)

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود، 63)

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النمل، 46)

وعلى الرغم من هذه النصائح المليئة بالحكمة والحقيقة التي قالها صالح ، إلا أن قومه اتهموه ببهتانهم بأنه كاذب مسحور:

﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (الشعراء، 153)

ثم قالوا فيما بينهم:

﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ(القمر، 24)

ويكملون بقولهم:

﴿ءَاُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (القمر، 25)

ويرد الله تعالى على هذا الإتهام المحفوف بالجهل لقوم ثمود فيقول لهم مهدداً بشكل كبير:

﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ اْلأَشِرُ﴾ (القمر، 26)

﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ (المؤمنون، 40)

*

وصبر نبيُّ اللهِ صالحٌ ولم يصب باليأس. وعلى الرغم من كل شيء، فإنه استمر يدعو قومه محاولاً إبعادهم عما كانوا يعبدون من الأصنام. واستمر بنصحهم ووعظهم وتبليغهم فيقول:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ. وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء، 146-152)

وعندما أدرك قوم ثمود أنهم لن يتمكنوا من منع صالح، اقلعوا عن التعرض له. وبَدؤُا يحاولون بإقناع من تبعه من المؤمنين. وأرادوا أن يتركوا نبي الله منفرداً. فكانوا يقولون لمن آمن منهم:

﴿…أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ…﴾ (الأعراف، 75)

فكان من وصل إلى السعادة ممن آمن به بحق يقول:

﴿…إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف، 75)

وأمام هذا التصميم الذي يخلوا من أي نوع من أنواع الشك بدون أي قيد أو شرط، تفاجأ المنكرون من قوم ثمود وقالوا بتعجب:

﴿…إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونََ﴾ (الأعراف، 76)

فكانوا بذلك مصرون على عدم الخروج من مستنقع الضلالة. فكان هؤلاء المنكرون يتهمون صالح بالسوء ويضيقون على قومه لحملهم على الإنكار.

وإضافة إلى إنكارهم للإيمان، عمد قوم ثمود إلى تبيين أسباب ذلك الرفض إلى صالح  فقالوا:

“-أن تريد أن تستولي على أموالنا، وأن تغصبها من بين أيدينا. وأنت تطمع بأن تكون رئيساً علينا!”

ومن ثم واستنتاجاً منهم عبر منطق بدائي قالوا:

“-نحن لدينا أصنامنا. فهل نترك ما نرى ونشاهد لنعبد إلهك الذي لا نرى؟!” وأكملوا يقولون:

“-وبأي طريقة كلفك الله الذي لم تراه؟!”

فإن كنت تقول الحقيقة، فافعل أمامنا ما لم يفعله قبلك أحد قط!”

﴿مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(الشعراء، 154)

معجزة الناقة

حزن صالح  حزناً شديداً أمام جهل قومه وغفلتهم. وقام لفترة من الزمن بتركهم والإبتعاد عنهم. وعندما عاد إليهم مرة أخرى، أظهر الله تعالى صالحاً  أمام قومه بهيبة النبوة. ففزع قومه من هيبته هذه.

وذهب صالح إلى سيد القوم جُنْدَعُ مرة أخرى. فقال له جُنْدَعُ:

«-سنمتحنك إن كنت صادقاً!» وكانت هناك صخرة تسمى في ذلك الزمن «الكاتبة». وقصد جُنْدَعُ في كلامه تلك الصخرة فقال:

«- سنذهب معك إلى هناك. وليخرج لنا ربك من هذه الصخرة ناقة أنثى على وشك الولادة حمراء الوبر! وليكن لون مولودها بنفس لون أمه!»

وأكمل قومه مُسْتَهْزِئين:

«- وليكن حليبها بارداً في الصيف، ساخناً في الشتاء! وليشفى كل من شرب من هذا الحليب، وليتخلص كل فقير شرب من هذا الحليب من فقره!»

وكانت الناقة الحمراء بالنسبة لهذا القوم هي أثمن شيء عندهم. ولهذا فهم أرادوا من صالح  أن يخرج لهم من هذه الصخرة ناقة حمراء اللون.

واجتمع جميع قوم ثمود. ووقف صالح يصلي. والتجأ إلى الله تعالى. وابتدأت الصخرة بالنمو. وبدأت أصوات المخاض تتعالى. ومن ثم خرجت منها ناقة حمراء اللون وهي تقول:

»لاَ اِلهَ اِلاَّ اللهُ صَالِحٌ نَبِيُّ اللهِ«

وقبَّلَ جُنْدَعُ صالحاً  من جبينه. وآمن مع مئة آخرين من الناس. وخاطب قومه فقال لهم:

“- يا قومي! كفى هذا العمى! إنني آمنت باللَّه الذي لا مثيل له ولا معبود غيره، وآمنت بصالح نبياً له!”

فقال رئيس معبد الأصنام:

“- ما بك تؤمن بهذه السرعة لشيء من السحر! سأريكم ما هو أكبر من ذلك!”

وهكذا، استطاع أن يغير ما في قلوب من أراد أن يؤمن من الناس –ومن بينهم شقيق جُنْدَعُ نفسه-. وأخذ التاج من رأس جُنْدَعُ ووضعه على رأس أخيه وقال: “- من الآن وصاعداً أنت رئيسنا!”

أما جُنْدَعُ، فذهب إلى بيته وحطم سائر الأصنام فيه. وأخذ ماله وقسمه بين المؤمنين ممن قبل بعقيدة التوحيد. ولبس لباساً خشناً متموجاً. وبدأ يدعو الناس إلى التوحيد. وأصبح من أكثر الناس مساندة لصالح .

وقال عبدة الأصنام لجُنْدَعُ:

“عار عليك! أتومن أنت أيضاً لسحر صالح!” ولكن جُنْدَعُ لم يكن يكترث لقولهم وكان لا يفارق صالحاً . ويقول الله تعالى لصالح:

﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ (القمر، 27)

وامتثالاً للوحي الإلهي، وضع صالح  قانوناً يتعلق بهذه الناقة فقال:

﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود، 64)

﴿قَالَ هذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء 155- 156)

وكانت الناقة تأكل الحشيش مع مولودها وتسبح الله تعالى. وكانت بقية الحيوانات تهرب خوفاً من هيبتها. وكانت الناقة تقول بلغة الناس: “- من كان يريد الحليب فليأت وليأخذ!”.

وكان أهل ثمود يأتون ويَملؤن أكوابهم ويذهبون. وكانت الناقة تستمر بالتسبيح كلما شربت الماء. وكان يشفى كل من شرب من حليبها من المؤمنين.

الجحود

وعجز الكافرون أمام هذه المعجزة الخارقة واعتزموا لشدة قهرهم أن يقتلوها. ولكنهم كانوا يخافون أن يأتيهم العذاب الإلهي بعد هذا القتل. وعلى الرغم من هذا الخوف، كانت هناك امرأتان من قوم ثمود تحث الناس من غير المؤمنين على قتل هذه الناقة لما تسببه لهما من أضرار في قطيعهما. وكانت إحدى هذه النساء هي عنيزة بنت غانم. وكانت امرأة عجوزاً ولكن لها بنات جميلات. وكانت الأخرى هي امرأة غنية وصاحبة جمال تسمى محيى.

وكانت كلتا المرأتين تطلب من الكافرين قتل هذه الناقة. لأن لكلتا هاتين المرأتين قطيع كان لا يمكنه أن يشرب عندما تشرب ناقة صالح . إذ أن شرب الماء كان مناوبة بين الحيوانات، يوم للناقة ومولودها، ويوم لباقي الحيوانات.

وتنادي محيى ابن عمها مستا وتقول:

«- إن قتلت هذه الناقة أتزوجك ويصبح كل ما أملكه لك!»

وقبل مستا هذا الطلب. وكان يلزمه من يقوم بمساعدته. فوجد له عابداً للأصنام يسمى قدار. وأغراه ببنات عنيزة. وكان أن اختار هذا الأخير واحدة من بين بناتها وقبل بهذا الطلب أيضاً.

وجمع هذان الرجلان إلى جانبهم بعض المشؤمين الآخرين وأصبح عددهم تسعة. وبدأ هؤلاء التسعة يبثون ادعاءات بين الكافرين من عبدة الأصنام وأقنعوهم بقتل الناقة. يقول الله تعالى:

﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اْلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ (النمل، 48)

ووقع هؤلاء التسعة في مستنقع الضلالة. فرمى مستا الناقة بسهم فجرحها. وهجم قدار ومن معه ووثبوا على الناقة. يقول تعالى:

﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ…﴾ (الأعراف، 77)

وأمام هذا المشهد خاف وليد الناقة وهرب إلى الجبل. وبحسب إحدى الروايات فإنهم ذبحوه أيضاً وأكلوا لحمه. وعندما سمع صالح  بهذه الحادثة حزن حزناً شديداً. وذهب إلى جوار الناقة وبكى. وعندما بادر بالدعاء بالهداية لقومه قابله قومه بقولهم:

﴿…يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف، 77)

﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف، 79)

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (النمل، 47)

*

لقد أَنَّب صالحٌ  قومه حين قال: “ولكن لا تحبون الناصحين”.

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً يكلم أهل قريش بعد غزوة بدر فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ:

يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟”

فسمع عمر رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: “يا رسول الله! كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟” فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا

ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ(بئر) بَدْرٍ (مسلم، الجنة، 77)

كذلك الأمر، عندما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال:

“لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح. (وقد تحققت معجزتهم فأخرج الله الناقة من الحجر) فكانت ترد من هذا الفج  وتصدر من هذا  الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله  من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله ”

قيل: (أي سأله الصحابة الكرام):

“من هو يا رسول الله؟” قال:

هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه” (أحمد بن حنبل، المسند، 3، 296؛ واقدي، المغازي، 3، 1007-1008)

هلاك القوم الضالين بالصيحة المرعبة والزلزلة

لم يتمكن صالح  مع كل ما قدمه من دعوة ونصيحة من أن يصلح قومه ويخرجهم من وضعهم المحزن الذي كانوا عليه. فاستمر العاصون من الناس بعنادهم وإنكارهم أمام نبيهم. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الأمر أن يستحقوا العذاب الإلهي. وفي الختام، أتاهم الأمر بأن ينتظروا ثلاثة أيام سيأتيهم في نهايتها العذاب الشديد:

﴿…فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود، 65)

وبحسب الرواية فإن هذه الأيام الثلاثة هي يوم الأربعاء والخميس والجمعة. في اليوم الأول ستصفر وجوههم. وفي اليوم الثاني ستحمر؛ أما اليوم الثالث فإنها ستسود؛ واليوم الرابع هو يوم الهلاك. وفي صباح تلك الليلة ظهرت علامات غريبة. إذ بدأ الدم يتدفق من الأرض التي كانت تسير عليها الناقة. واحمرت أوراق الشجر. وتحول ماء النبع إلى لون الدم الأحمر. واصفرت وجوه سيئي الطالع من الناس. وقال التسعة الذين قتلوا الناقه: “- إن صالحاً يسحرنا! فلنقتله وعائلته!” وتتحدث الآية الكريمة عن حيلتهم هذه فتقول:

﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (النمل، 49)

وينبه صالح  بحيلة هؤلاء المنكرين. فيترك صالح وعائلته ومن تبعه من المؤمنين تلك المدينة. وبهذا تتحقق حادثة الهجرة.

أما هؤلاء التسعة من عصابة الجاحدين، فيحاصرون منزل صالح  ليلاً لتنفيذ خطتهم. وعندما لم يجدوا أحداً داخل ذلك المنزل تعجبوا. ومن ثم أمر الله تعالى جبريل  فقتلهم رجماً بالحجارة. يقول تعالى:

﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل، 50)

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الأعراف، 78)

ولم يبق أحد من المنكرين أو الضالين إلا وقد هلك. وأصبحت المدينة مثل الخرابة في مشهدها.

ويترك صالح  ومن تبعه من المؤمنين (يعتقد بأنهم كانوا أربعة آلاف) تلك البلدة. تقول الآية الكريمة:

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (هود، 66)

﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (النمل، 53)

وبعد أن ترك المؤمنون البلدة، احمرت وجوه المنكرين في اليوم الثاني. أما في اليوم الثالث فلقد أصبحت شديدة السواد. وكانوا ينظرون في شتى الاتجاهات يترقبون من أين سيأتيهم العذاب في خوف ودهشة. ويأمر الله تعالى جبريل  بأن يقلب بيوتهم المنيعة التي اغتروا بها ووثقوا بها رأساً على عقب. فأصبحت بيوت القوم الظالمين في آن واحد متساوية مع الأرض. تقول الآية الكريمة:

﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (النمل، 52)

وتأتي قوم ثمود صَيحةٌ كانت بحسب ما كتب عنها فخر الدين الرازي شديدة لدرجة أنها فجرت أجسامهم لشدتها وأهلكتهم. وتتحدث العديد من الآيات عن هذه العاقبة فتقول:

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون، 41)

﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (هود، 67)

اعتقد قوم ثمود مغترين بثروتهم وأملاكهم ومساكنهم المتينة التي بنوها أنهم ناجون من العذاب. ولكن أياً من هذه الأمور لم ينفعهم عندما حل عليهم القهر الإلهي:

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الحجر، 83-84)

عندما رفض قوم ثمود أخذ العبرة من الأقوام الذين هلكوا من قبلهم، أصبحوا هم أيضاً نموذجاً للعبرة لمن سيأتي من بعدهم.

﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذلِكَ َلآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء، 158-159)

وحسب ما تذكر كتب التفسير فإن هناك العديد من الأقوام الذين هلكوا بالصيحة وكان قوم صالح  أي قوم ثمود منهم. فهم هلكوا بصيحة أتتهم من أسفل منهم فأصبحوا ظاهرين للقهر الإلهي. ومن هذه الأقوام أيضاً قوم شعيب . وهؤلاء الآخرون عاقبهم الله فسحقهم بصيحة أتتهم من فوقهم. ومنهم أيضاً كما هو مذكور في سورة يس أصحاب القرية الذين لم يؤمنوا بأنبيائهم.

ويخبر القرآن الكريم متحدثاً عن يوم القيامة بأنه سيبدأ بـ”صيحة واحدة».  ولهذا، فإن هلاك هؤلاء الأقوام إن هو إلا مشهد من مشاهد يوم القيامة ويذكر به.

*

ويوصي صالح  من آمن معه من الناس بعد هلاك قومه فيقول لهم:

“ يا قوم! إن مما لا شك فيه أن هذا المكان هو مكان عذب الله فيه شعبه. فهاجروا من هنا واذهبوا إلى حرم الله وتمتعوا بالأمن”

وأمام هذا الأمر، أحرم المؤمنون الذين نجوا من عذاب الله وركبوا النوق الحمراء وساروا في طريقهم. ووصلوا إلى مكة وهم مستمرون في التكبير طيلة ذلك الطريق.

وبعد مدة من الزمن، عاد المؤمنون إلى تلك المدينة التي أصبحت كالخربة. وشاهدوا بأم أعينهم نتيجة الجحود والإنكار الوخيمة. وشكروا الله تعالى على ما رزقهم من الإيمان. ومن ثم عاد صالح  وقومه إلى المدينة التي هاجروا إليها. وبقوا إلى آخر حياتهم فيها.

أسباب هلاك قوم ثمود

  1. أصروا على الكفر واستهزؤا بنبيهم.
  2. تكبروا واتبعوا أهواءهم بضلالة.
  3. اتخذوا آراءهم فوق آراء الدين. وبهذا لم يعيروا أسماعهم إلى دعوة أنبيائهم.
  4. لم يستمعوا إلى النصيحة.
  5. اتخذوا لهم موقعاً مع التسعة المشؤومين الذين قتلوا الناقة.
  6. رضخوا لأقوال النساء الفاسدات. واتبعوا أمر قدار بن سالف وميستا وعنيزة ومحيى. فكان اغترارهم بهاتين المرأتين الفاسدتين سبباً في ضلالهم.
  7. كانوا يتهمون أهل الخير بهتاناً. فكانوا يقولون لصالح :

«لم تأتنا مصائب مماثلة قبل أن تأتي نبياً علينا!»

  1. اغتروا بملك الدنيا.
  2. نقضوا عهدهم. لأنهم طلبوا معجزة الناقة وعاهدوا على الإيمان.
  3. خانوا الأمانة. لأنهم قتلوا الناقة التي هي أمانة الله المقدسة عندهم برغم ما أعطوه من عهد.
  4. أظهروا الرضى أمام ما قام به أهل المعصية. فقتل الناقة تسعة أشخاص، لكن الباقين لم يردعوهم عن ذلك ولم يزجروهم.
  5. لم تكن الناقة ملكاً لأحد. فكانت وكأنها من الأوقاف. وكان حليبها كالسبيل. وكان صاحبها هو الله تعالى. ولكنهم بقتلهم الناقة قدموا إهانة كبيرة.
  6. كان فساد تسعة أشخاص، قد تجاوز حدوده كثيراً. فكانوا يأخذون أملاك الآخرين عنوة، وكانوا يغتصبون حقوق العباد. وأصبحوا وكأنهم مركز الشر.