حضرة سيدنا إبراهيم عليه السلام

من تحدى ظلم وتهديد نَمْرود،

ومن حَوَّلَ لهيب النّار إلى حدائق للورد

حضرة سيدنا إبراهيم عليه السلام

ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام   في شرق مدينة بابل في المنطقة ما بين نهري دجلة والفرات. وبحسب إحدى الروايات فإن والده هو رجل مؤمن نقي اسمه طروح. وعندما توفي طروح تزوجت والدة إبراهيم  بآزر شقيق طروح. وبالتالي فإن آزر الوثني الذي كان يعبد الأصنام هو والد إبراهيم بالتبني (زوج أمه). وبحسب رواية أخرى، فإن طروح هو الاسم القديم لوالد إبراهيم . وعندما بدأ يعبد الأصنام غير اسمه فأصبح آزر. وبحسب الإمام السيوطي رحمه الله، فإنه يروي بناءً لحديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول بأن آزر ليس والد إبراهيم  وإنما هو عمه.

أرسل إبراهيم عليه السلام   إلى قوم الكلدانيين. ويعتبر بأنه أفضل (أو خير) البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكرمه الله تعالى بأن وصفه بقوله «خليلي» (يعني صديقي الخاص). ولهذا فإنه يعرف أيضاً باسم «خليل الرحمن»[1].

وأنزلت إلى إبراهيم عليه السلام   عشر صحف. وهي بحسب ما يروي إلينا الصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الصحف التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام   تحتوي على النصائح والعبر التالية:

“أيها الملك المسلَّط المُبتلَى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتُك لتردَّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله، أن يكون له ساعات: فساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكَّر فيها في صُنع الله  ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ” (أبو نعيم، حلية، 1، 167؛ ابن أثير، الكامل، 1، 124)

ومن صفات إبراهيم عليه السلام   أيضاً أنه «أبو الأنبياء» (أي والد الأنبياء). فأولاده إسماعيل  وإسحاق . وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو من نسل إسماعيل؛ ومن نسل إسحاق أتى أنبياء بني إسرائيل.

وذكر اسم إبراهيم عليه السلام   في القرآن الكريم في خمس وعشرين سورة تسعة وستون مرة مختلفة. ويصفه القرآن الكريم في هذه المواضع المختلفة بالعديد من الأسماء والصفات. ومن صفاته هذه: أواه (كثير الآهات، متضرعاً)،

حليم (صاحب الحلم، حلو المزاج)،

منيب (متجهاً بقلبه إلى الله)،

حنيف (المبتعد عن الشرك والضلالة المتمسك بشدة بدين التوحيد)،

قانط (العابد لله)،

شاكر (الكثير الشكر).

وتأميناً لمعيشته، كان إبراهيم عليه السلام   يتاجر بالقماش والألبسة قبل هجرته، ومن بعدها عمل في الزراعة أيضاً.

نَمْرود

لقد كان نمرود حاكم قبيلة الكلدانيين وكان في أول عهده حاكماً عادلاً ومنصفاً. وكان قومه يعبدون النجوم والأصنام. ومن ثم، توسعت سلطنة نمرود فأصابه الكبر وصنع أصناماً على شكله وخاطب قومه فقال لهم: «- أنا أيضاً إله. فاعبدوني!»

يروى أن نمرود شاهد في منامه نوراً يسطع في السماء ويخمد بنوره نور الشمس والقمر. وتذكر رواية أخرى أنه شاهد في منامه رجلاً يأتي غليه ويسقطه عن العرش فيقع على الأرض. فاستيقظ نمرود مضطرباً. فنادى المنجمين إلى قصره وقص عليهم منامه فقالوا له:

«- سيظهر دين جديد!. ومن سيأتي بهذا الدين سينسف ملكك ويسويه مع الأرض. فخذ حذرك منه!»

وبناءً عليه، وبحسب ما قام به من استشارات، أمر نمرود بقتل كل طفل يولد منعاً لحصول هذا التكهن. ولهذا قتل في تلك الفترة ما يزيد عن مئة ألف طفل حديث الولادة.

وفي تلك الفترة كانت أم إبراهيم عليه السلام   حبلى به. فقالت لزوجها آزر عند اقتراب فترة وضعها:

«- إذهب إلى المعبد وادْعُ لي هناك! فإذا ولدت صبياً أتيتك به. فتذهب به بنفسك إلى نمرود. ويقوم هو بقتله. وبهذا تزداد مرتبتك وقيمتك عنده»

وبعد أن ذهب آزر إلى معبد الأصنام ولد إبراهيم عليه السلام  . فقامت والدته على الفور بإخفائه في إحدى المغارات. وعندما عاد آزر إلى البيت أخبرته بأن الطفل ولد ضعيفاً جداً ومات على أثرها على الفور. وعند خروج آزر من البيت، ذهبت والدة إبراهيم  مسرعة إليه. وكانت تفعل ذلك كلما سنحت لها الفرصة. وكانت في بعض الأحيان تجد إبراهيم  يمتص أصابعه. ذلك أن جبريل  كان يضع بين أصابعه عصارة الزبد والعسل والحليب والتمر.

وقضى إبراهيم عليه السلام   مرحلة الطفولة في المغارة، ويروى أنه عندما خرج منها بدأ بتبليغ رسالة التوحيد.

تقول الآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ…﴾ (الأنبياء، 51)

إن الرُشْد هو أن يعرف المرء طريق الخير والصواب، وأن يميز بين الزيغ والصواب، وأن يصبر ويتمسك بطريق الحق، فيسير بشكل مباشر نحو الهدف الواضح المعلوم.

كان إبراهيم عليه السلام   يقول: ما من إله غير الله، هو ربي ورب كل شيء». وكانت والدته وأبوه يبكيان خوفاً من نمرود ويحاولون تحذير إبراهيم عليه السلام  . فكان إبراهيم عليه السلام   يرد على اضطرابهم فيقول:

«- لا تخافوا علي من نمرود أبداً. فاللَّه الذي حماني في طفولتي سيحميني في كبري أيضاً.»  (ابن إياس، بدائع الظهور، ص84)

ربي الله

كان آزر ينحت الأصنام ويعتاش من بيعها. وكان بقية أبناء آزر أيضاً يمتدحون الأصنام طلباً لبيعها. أما إبراهيم عليه السلام   فكان يأخذ ما يعطيه والده من الأصنام ليبيع، فيربطها بحبل من رقابها ويذهب إلى السوق فينادي مستهزئاً:

«هل منكم من أحد يشتري هذه الأصنام التي لا فائدة منها ولا ضرر؟» وكان يعود دون أن يشتري أحد منه أي صنم.واحتقاراً منه لهذه الأصنام كان يقوم بجرها على الأرض. ومن ثم كان يضع رأس الصنم في الماء ويقول:

«هيا! أنت عطشت، اشرب أنت أيضاً!»

إن إبراهيم عليه السلام  ، ودون أن يتلقى أي تعليم أو تربية من أحد، استطاع برشده الذي وهبه الله تعالى أن يكون دليلاً لنفسه إلى طريق التوحيد متآلفاً مع الحقائق الإلهية الكبرى. وتتحدث الآية القرآنية الكريمة عن معرفته بربه منذ سِني الشباب الأولى وخصوصية دعوته لقومه إلى هذه الحقيقة فيقول تعالى:

﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي َلأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هـذَا رَبِّي هـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَاْلأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام، 76-79)

إن الحقيقة الواضحة التي تظهرها هذه الآيات الكريمة هي أنها تظهر للمشركين الذين يسجدون لغير الله، بأن الطريق الذي يسلكونه ليس إلا طريقاً خاطئاً وإيماناً باطلاً. عندما يشاهد إبراهيم عليه السلام   نجماً في السماء يقول: (هل هذا هو الذي سيكون ربي!) لقد بدأ موعظته مبتدأً من النجم الذي رآه أبعد ما يكون عليه الإله، فحاول أن يلفت انتباه القوم من حوله موجهاً هذا التعجب. ولكن وقبل أن يمضي كثير من الوقت اختفى هذا النجم فقال إبراهيم عليه السلام  : «إني لا أحب الآفلين» مشيراً إلى أن المحبة هي الأساس الأول الذي يجب أن يكون بين العبد وربه، ومؤكداً في الوقت نفسه على أن الذهاب والغياب ليس صفة من الصفات التي تشير إلى وجود الله، بل على العكس إن هي إلا دليل على مخلوقية هذا النجم وبالتالي زواله بعد حين. ولهذا، فإن الإعتقاد بألوهية كائنات أو أشياء كهذه، ليس إلا انحراف لا ينتهي إلا بالخسران، وكأنه يؤكد بقوله هذا على ضرورة أن يكون الرب هو القدرة الخلاقة المبدعة منذ بداية الكون.

كما أن هذا المثال يضع أمام كل إنسان عاقل مفكر بأن طريق التفكر هي التي يمكنها أن ترسو به إلى بَرِّ الإيمان والمعرفة الضرورية لوجود ووحدانية الله الخالق. ولهذا السبب، ذهب بعض علماء أهل السنة إلى القول بأن كل إنسان على هذه الأرض مكلف حتى لو لم يصل الإسلام إليه بأن يؤمن بوجود الله ووحدانيته وصولاً إلى بر الأمان، ولكنه لا يمكن أن يكون مكلفاً بتأدية أعمال العبادة المذكورة في الإسلام لعدم وصولها إليه.

دعوة التوحيد

بعد إدراكه للحقائق الإلهية، وبعد أن مَنَّ الله تعالى عليه بعلم عن الذات الإلهية لا تعطى لأي كان، بدأ إبراهيم عليه السلام   دعوته للتوحيد متوجهاً في البداية إلى أبيه آزر. فقال له بنوع من اللطف واللين:

﴿إِذْ قَالَ ِلأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم، 42-45)

فغضب آزر منه وقال:

﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ َلأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (مريم، 46)

لكن إبراهيم عليه السلام   خاطب أباه مرة أخرى بأسلوب لين ورقيق فقال يرد عليه:

﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (مريم، 47)

ودَعَا ربَّه يطلب الغفران لأبيه. لكن دعاءه لم يستجب. لأن أباه كان عدواً لله. وعندما أدرك إبراهيم عليه السلام   هذا الأمر توقف مباشرة عن الدعاء لأبيه. ذلك أن الدعاء للكافر لا يمكن أن يكون بالغفران، وإنما يجب أن يكون دعاء بالهداية. يبين القرآن الكريم هذا الأمر فيقول:

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ ِللهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرهِيمَ َلأوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾(التوبة، 113-114)

ويتحدث القرآن الكريم مراراً وتكراراً عن مجادلة إبراهيم عليه السلام   لقومه وأبيه، وقوله لهم بخطأ طريق الشرك الذي هم فيه ذاهبون، ودعوته لهم إلى إيمان التوحيد مستخدماً أدلة العقل والمنطق. ويروي القرآن الكريم إحدى هذه المحاورات بين إبراهيم عليه السلام   ومن لم يؤمن من قومه وأبيه، فيقول:

﴿إِذْ قَالَ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ. قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّموَاتِ وَاْلأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾(الأنبياء، 52-56)

تحطيم إبراهيم عليه السلام  للأصنام

كانت قبيلة الكلدانيين تجتمع يوماً في السنة وتحتفل فيه. فيقول آزر لإبراهيم :

«- تعال معنا أنت أيضاً اليوم لنحتفل بهذا العيد!».

ويتحجج إبراهيم  في الطريق بالمرض ويعود. ومن ثم يذهب إلى معبد الأصنام. وكان فيه من الأصنام أنواع مختلفة من الفضة، والنحاس والخشب. وكان الناس يضعون أمام كل منها أنواعاً مختلفة من الطعام تبركاً بها. وكان كبير هذه الأصنام موضوعاً على عرش مصنوع من الذهب. أما ثيابه فكانت مطلية بالذهب، وعلى رأسه تاج.

حطم إبراهيم  كل هذه الأصنام مستخدماً الفأس إلا ذلك الصنم الكبير. ومن ثم علق ذلك الفأس على رقبة ذلك الصنم الأكبر. وعندما حل المساء، عاد أهل قبيلة الكلدانيين إلى معبد الأصنام من موقع العيد، فصدموا كثيراً أمام ما رأوه من مشهد فيه. وتخميناً منهم قالوا:

«- لا يفعل هذا الأمر أحد إلا إبراهيم!». فما كان منهم إلا أن بحثوا عن إبراهيم وقالوا له:

«- أأنت من فعل هذا؟»

فأجابهم إبراهيم  بقوله:

«-إن كبير الأصنام كان لا يريد أن يعبد أحد سواه. ولهذا غضب على الآخرين غضباً شديداً. فلعله في النهاية قرر تحطيمهم بالفأس ومن ثم علقها على رقبته. إن شئتم إسألوه هو أيضاً! وليخبركم هو بذلك الأمر!»

فأجابه القوم عبدة الأصنام:

«-إن الأصنام لا تتكلم!»

وبناءً على جوابهم هذا، قال لهم إبراهيم :

«-إذن، كيف لأشياء لا يمكنها أن تدافع حتى عن أنفسها أن تدافع عنكم؟ أفلا تعقلون؟»

يروي لنا القرآن الكريم تفاصيل هذه الحادثة فيقول:

﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ. مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ. فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (الصافات، 91-93)

﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء، 58-67)

ومن خلال هذه الأجوبة التي صرح بها إبراهيم ، ازداد الناس قناعة بأنه هو من حطم هذه الأصنام. وعوضاً عن العودة إلى الله تعالى من خلال رؤيتهم لعجز تلك القطع من الحجارة، لم يتمكن عبدة الأصنام لسوء طالعهم من استيعاب هذا الأمر، وصبوا غضبهم على سيدنا إبراهيم ، فقالوا:

﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء، 68)

إلقاء إبراهيم  في النار

أخبر عبدة الأصنام نمرود بما جرى من أمر. فدعى نمرود إبراهيم  إليه. وكان كل من يأتي لحضرة نمرود يسجد في بادئ الأمر أمامه. أما إبراهيم  فإنه دخل ولم يسجد له. وعندما سأل نمرود فضولاً وغضباً عن سبب ذلك أجابه:

«-لا أسجد لأحد إلا للذي خلقني وخلقك!»

فقال نمرود:

«-من هو ربك؟» فأجابه إبراهيم:

«- إن ربي هو الله الذي يحيي ويميت»

فقال نمرود:

«- أنا أيضاً أحيي وأميت.» ومن ثم أمر بإحضار اثنين من السجن. فقتل أحدهما وعَفَا عن الآخر. ثم قال:

«- أرأيت؟ أنا أيضاً أقوم بمثل هذا الأمر»

لكن نمرود بطيشه وقلة عقله لم يكن يدرك أن الإحياء هو نفخ الروح، وأن الإماتة هي سحب هذه الروح. قال له إبراهيم:

«-إن ربي يأمر الشمس فتشرق من الشرق. فإن كانت قوتك كافية فأمرها تشرق من الغرب!.»

يروي القرآن الكريم تفاصيل هذه الحادثة بقوله:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة، 258)

إن هذه الآية الكريمة تتحدث عن حجد نمرود وشهوانيته وإعلانه للحرب على الله جَلَّ وعلا. ويروي الإمام البيضاوي بأن نمرود كان أول أحمق على وجه الأرض يَدَّعِي الألوهية. فكان منكراً لله، وجاحداً له عوضاً عن أن يشكره على ما من عليه من مال وملك.

وهناك روايتان مختلفتان تتحدثان عن قصة لقاء إبراهيم  بنمرود:

1- عندما حطم إبراهيم  الأصنام حبسوه. ومن ثم أحضروه إلى نمرود بهدف إحراقه.

2- أصاب الناس في إحدى السنوات قحط. فكان نمرود يوزع الطعام على شعبه. وكان يسأل كل من يأخذ من هذا الطعام:

«- من ربك؟» ولكنه عندما وصل إلى إبراهيم ، أجابه:

«- إن ربي هو الذي يبعث فيحيي ويميت!»

ويغضب نمرود لهذا القول. ويمنع عن إبراهيم الطعام. ومن ثم يجمع أعوانه يستشيرهم في العقاب الذي يجب أن يعطيه له. ثم قرروا أن يحرقوه في النار، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:

أَشَارَ بِتَحْرِيقِهِ رَجُلٌ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسَ، كَانَ اسْمُهُ هِيزَنَ فَخُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (ابن الأثير، الكامل، 1، 89)

وقبل هذا الإقتراح. وبدأت التحضيرات إعداداً لهذه النار. فحمل الحطب إليها شهراً كاملاً. وكان الناس جهلاً وحماقة يقولون:

“- إن هذا الإنسان يخرج ويتحدى أصنامنا!” فيخرجون متطوعين لجمع الحطب. وجمع الحطب فصار كالجبل. وكان لهيب هذه النار يصل إلى السماء. ولا تستطيع حتى الطيور أن تطير من حولها لشدة حرها.

وعندما انتهت كل هذه التحضيرات، تجمع الناس حول هذه النار. وأحضر إبراهيم  إلى هناك مربوط الأيدي ومكبل الأرجل. ولكن هذا النبي العظيم، وعلى الرغم من أنه كان في موقف شديد جداً، إلا أنه ولكونه “خليل الله”، كان على قدر كبير من التسليم والتوكل. ولم يأت قلبه ذرة من الخوف أو القلق.

وفي تلك الأثناء، كان نمرود وجماعته يتشاورون حول كيفية إلقائه في النار. وأخيراً، قرروا إلقاءه فيها باستخدام المنجنيق.

وكان الملائكة في الأرض والسماء في حيرة كبيرة من أمرهم، فقالوا متضرعين: “- إلهي! إن إبراهيم أكثر الناس ذكراً لك يلقى في النار! إنه نبيك الذي لم يغفل عنك آناً واحدة! أتأذن لنا أن نتقدم لمساعدته يا الله؟”

وعندما أذن الله تعالى للملائكة بالذهاب لمساعدته قدم إليه أحد الملائكة فقال له:

“- لقد أعطيت أمر الرياح. إن شئت فرقت جمع هذه النار!”

وقال له ملك آخر:

“- أعطيت أمر الماء. فإن شئت أطفأت لك هذه النار في لحظة واحدة!”

وقال ملك آخر:

“- أعطيت أمر التراب. فإن شئت ابتلعت الأرض هذه النار”

فأجابهم إبراهيم  بقوله:

«- لا تدخلوا بين الخليل وخليله! فإني راض بما يشاؤه ربي! فإن أنقذني فمن لطفه. وإن حرقني فمن خطئي. وأنا إن شاء الله من الصابرين!» (انظر، أحمد، الزهد، ص 08؛ الطبري، التاريخ، 1، ص242؛ ابن الأثير، الكامل، 1، 98-09)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ” كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: (حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) (البخاري، التفسير، 3/13)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، «قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ  حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم» حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ} (آل عمران: 173) (البخاري، التفسير، 3/13)

وعندما كان إبراهيم  على وشك الإلقاء في النار، أتاه جبريل  وقال له:

«-أَلَكَ حَاجَةٌ يَا إِبْرَاهِيمُ؟». فرد عليه إبراهيم  وقال:

«-إِلَيْكَ فَلَا»

فسأله جبريل  في حيرة قائلاً:

« –لماذا لا تطلب الخلاص من الله؟». فقال مجيباً:

«-هو أعلم بحالي! من الذي يأمر النار فتشتعل؟ ومن يأمرها فتحرق؟» (انظر: ابن الأثير، الكامل، 1، 09)

ويرضى الله سبحانه وتعالى عن استغناء إبراهيم  حتى عن الملائكة وبجعله طلبه كاملاً من الله وحده، فيقول في القرآن الكريم مثنياً عليه:

﴿وَإِبْرهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم، 37)

كما يقول الله سبحانه وتعالى عنه:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة، 131) فيخبر بذلك عن روح التسليم التي تقدم وتلطف بها.

تحول النار إلى حديقة للورد

وأمام تسليم خليل الله إبراهيم  بهذه الرفعة والتوكل على الحق سبحانه وتعالى وحده، يأمر الله تعالى النار قبل أن يصل إليها، فيقول:

﴿…يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرهِيمَ﴾ (الأنبياء، 69)

وَقِيلَ: نَادَاهَا جَبْرَائِيلُ، فَلَوْ لَمْ يَتْبَعْ بَرْدَهَا سَلَامٌ لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهَا، فَلَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ نَارٌ إِلَّا طُفِئَتْ ظَنَّتْ أَنَّهَا هِيَ. (ابن الأثير، الكامل، 1، 90)

ومن خلال هذا الأمر، يتحول المكان الذي سقط فيه إبراهيم بلحظة إلى حديقة للورود. كما ينفجر هناك نبع للماء الحلو ويبدأ بالتدفق. وبحسب إحدى الروايات، يتنزل عليه من الجنة قميص، ويلبسه إبراهيم . ومن ثم ينتقل هذا القميص منه إلى إسحق ، ومنه إلى يعقوب ، ومن ثم أخيراً إلى يوسف . وهو القميص نفسه الذي أرسل به يوسف  إلى أبيه يعقوب عندما عميت عيناه فكان وسيلة لإعادة بصره ورؤيته مرة أخرى.

أمام هذا الأمر، تعجب نمرود وتحمس، وقال:

«- يا إبراهيم! أرى أن إلهك كبير جداً، وأن عزته وقدرته هي إلى درجة تحميك من الأذى. يا إبراهيم! ما أجمله ربك من رب! انى ذابح له أربعة آلاف بقرة!»

فيقول له إبراهيم:

«- لا قيمة لهذه القرابين ما لم تعد عن شذوذك وتؤمن بالوحدانية.»

ولكن نمرود يقول:

«-لا أستطيع فداء ملكي وسلطنتي! ولكني على الرغم من ذلك سأذبح هذه القرابين!» وذبح بالفعل أربعة آلاف ثور. وأقلع عن محاربة إبراهيم . لكن حبه للرئاسة (أن يكون رئيساً)، وكبره، وغروره وعناده كانت أسباباً في عدم إيمانه، فكان من الخاسرين. وأمام ما كان من معجزة إلهية علنية، آمنت مجموعة من عبدة الأصنام فكانوا بذلك من الرابحين. (انظر: الدِّيار بَكْري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، دار صادر-بيروت، 1، 83)

ويذكر إبراهيم  بعد أن نجا من نار نمرود بمشيئة الله تعالى من بقي على كفره من الناس بالعذاب الإلهي فيقول:

﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيوةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْويكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (العنكبوت، 25)

هجرة إبراهيم

بعد حادثة الرمي في النار، يأمر الله إبراهيم ومن آمن معه من الناس بالهجرة ليتمكنوا من العبادة براحة، وحماية لهم من العذاب الإلهي الذي سيرسله الله على نمرود وشعبه من الكلدانيين. ولهذا يقرر إبراهيم ومن آمن معه من الناس الإبتعاد عن قومهم والهجرة. ويروي جناب الحق  حالتهم هذه ممتدحاً فيقول:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ…﴾ (الممتحنة، 4)

وهكذا، أخرج الله خليله والمؤمنين إلى السلامة والأمان:

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت، 26)

﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى اْلأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء، 71)

ونبي الله لوط هو ابن أخ سيدنا إبراهيم . وبالنظر لكونه من الأنبياء، فإنه لا يمكننا أن نعتقد بأنه كان على الكفر ومن ثم آمن. ولهذا، فإن هذه الآية الكريمة التي تشير إلى إيمان لوط ، إنما تشير إلى أن لوطاً  هو أول من صدق برسالة إبراهيم .

وهاجر إبراهيم  إلى بابل، ومن هناك أيضاً هاجر لوط  مع سارة وجمع من المؤمنين إلى قرية في جنوب مدينة أورفه تسمى حران[2]. وكان لوط ابن أخيه، وكانت سارة ابنة عمه.

واستجابة لأمر ربه، تزوج إبراهيم  من سارة. وكانت سيدتنا سارة امرأة صالحة ذات أخلاق حميدة. وكانت مطيعة بشكل كامل لإبراهيم .

كذلك الأمر، واستجابة لأمره تعالى، يهاجر إبراهيم مرة أخرى مع زوجته سارة إلى الشام، ومنها إلى مصر. ويهاجر لوط  إلى منطقة تسمى سدوم نبياً. (سدوم، هي المكان الذي يوجد فيه بحيرة لوط. ويقال عنها “المؤتفكة» في الآية القرآنية الكريمة لأن الله تعالى قلبها رأساً على عقب).

وكانت مصر في تلك الفترة تحكم من قِبَل عائلة الفراعنة وكانت هذه العائلة متكبرة وظالمة. فكانوا كلما مرت امرأة جميلة من حدود مصر أبلغوا فرعون عنها مباشرة. فإن كانت متزوجة يقتل زوجها، وإن كان لها أخ تطلب هذه المرأة منه.

ولهذا، عندما مر إبراهيم  مع زوجته سارة من حدود مصر، وصل هذا الخبر أيضاً إلى القصر. وأخبر أن امرأة ذات حسن وجمال دخلت إلى مصر. وعندما سُئِل إبراهيم  عن علاقته بسيدتنا سارة قال بأنها «أختي» بمعنى «أختي في الدين».

ولهذا، لم يقترب أحد من إبراهيم . وأخذوا سارة واتجهوا بها إلى القصر. وبهذا الشأن يروي لنا البخاري حديثاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:

“هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ  بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: لاَ تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي، إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ “، قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: ” قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِه “،  قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: “فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ[3] فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً ” (البخاري، البيوع، 100؛ أحمد، 2، 403)

وفي رواية أخرى:

“…فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ” (البخاري، الأنبياء، 9؛ مسلم، الفضائل، 154)

يأمرنا الله سبحانه وتعالى عباده بطلب العون منه صابرين ومتوسلين إليه بأعمالنا الصالحة فيقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوةِ…﴾ (البقرة، 153)

ولهذا، فإن سيدتنا سارة تمكنت من النجاة نتيجة لجوئها لله تعالى وذلك من خلال صلاتها وصبرها.

وأحبت ابنة فرعون حورية سيدتنا سارة جداً فأهدتها بعضاً من مجوهراتها. وعندما رأى إبراهيم  هذه المجوهرات قال لها:

«-خذي هذه وأعيديها، فهي لا تلزمنا». فأخذتها سارة وأعادتها. وعندما أخبرت حورية والدها بذلك، تعجَّبَ فرعون وقال:

«- لا بد أنهم قوم شرفاء ومتميزون. ويأتون من نسل نقي وأصيل».

ومن مصر يعود إبراهيم  وزوجته سارة وهاجر إلى فلسطين. وسكنوا في مكان هاديء وساكن يسمى السَّبْعَ . وحفر فيه إبراهيم بئراً. فخرج منه ماء براق عذب وشفاف. وبعد مدة، لم يبق لديهم من الطعام شيء. فأخذ إبراهيم  طريقه إلى المدينة. وبينما هو في الطريق فكر. وعاد لأنه لم يكن يمتلك المال. ولكي لا تقلق سارة وهاجر فجأة، أخذ كيسه وملأه بالتراب والحجارة.وترك الكيس ونام مباشرة.

فقالت سارة لهاجر: «-إفتحي الكيس!»

لقد تحول ما فيه إلى قمح. فطحنتاه وصنعتا منه طحيناً وخبزتا الخبز. وعندما استفاق إبراهيم تعجب لذلك جداً وشكر ربه.

ومع مرور الزمن، حلت البركة على بلدة السَّبْعَ ، وكثرت نعم الله فيها. وأتى إليها الذاهب والقادم وسكن فيها واكتظ أهلها. ولكنهم في النهاية جحدوا وأنكروا إبراهيم  وأرادوا منعه من الماء الذي حفر بئره بنفسه. فغضب خليل الله غضباً شديداً. وأمام غضب نبي الله بهذا الشكل جفَّ الماء. وبدأ عهد من قلة الماء.

وعندما رأى الغافلون هذا الأمر ندموا كثيراً. واعتذروا لإبراهيم  على ما كان منهم من غفلة. وطلبوا منه الدعاء ليغفر لهم. وقبل منهم إبراهيم  لما لديه من حلم كثير، والتجأ إلى الحق سبحانه وتعالى فعادت المياه وافرة كما كانت عليه. (انظر: ابن الأثير، الكامل، 1، 92)

هلاك نمرود وقبيلة الكلدانيين

بعد هجرة إبراهيم  إلى بابل، سلط الله سبحانه وتعالى على من لم يؤمن من قوم الكلدانيين تكبراً وغروراً، قُطْعاناً من الذباب بكثرة كحبات الرمل. فشربت دماء عبدة الأصنام. فهلك الناس الخاسرون بعد أن نشفت أجسادهم. ودخلت ذبابة من أنف نمرود وصولاً إلى دماغه. فظل نمرود المغرور يطرق رأسه بالمطرقة لشدة ألمه. وأخيراً، وبضربة أتت بسرعة تحطم رأسه.

تتحدث الآية في القرآن الكريم بقوله تعالى:

﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ اْلأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء، 70)[4]

وبالتالي، وفي عبرة للإنسانية جمعاء، تحول نمرود ومن معه من القوم الخاسرين بسبب ما تبعوه من كبر وغرور بسلطنة الدنيا، إلى «إنسان جاف» بسبب امتصاص الذباب الكثيف الذي امتص دماءهم.

إحياء الطير

قال إبراهيم :

«يا ربِّ، أريد أن أرى بعين الدنيا تجلي قدرتك في إحياء الموتى!»

ويروي القرآن الكريم هذه الحادثة بقوله:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة، 260)

لقد أراد إبراهيم  أن يشاهد كيف يمكن إحياء الميت مرة أخرى، فطلب من ربه أن يريه ذلك. فأجابه الله تعالى، كما هو مذكور في الآية الكريمة، بمثال مادي دون أن يوضح له ماهية هذا البعث. لأن قدرة العلم الإنساني ليست كافية لاستيعاب حقيقة البعث من جديد بشكل كاف ولائق. ولهذا نجد في ما سبق هذه الآيات، أن هذه الأمور التي أعطيت للأنبياء لم تكن إلا معجزات لهم. وما يهم في هذا الأمر هو الإيمان تأكيداً بأن الله تعالى سيبعث كل الخلق من جديد فيحاسب كل إنسان على أعماله.

ومما لا شك فيه أيضاً، أن الله الذي هو قادر على كل شيء، وكما هو قادر على البعث والإحياء بنفسه بالطريقة التي يشاؤها، هو قادر أيضاً على فعل ذلك من خلال أيدي عباده. والحادثة التي نروي عن سيدنا إبراهيم  هي مثال على تحقق قدرة الله هذه من خلاله . ومن المؤكد أيضاً أن إبراهيم  الذي يقول:

﴿…رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ…﴾ (البقرة، 258)

والذي قال بعدها لربه “يا ربي” “يا من بيده قدرة الإحياء والموت!”، هو عندما يخاطب ربه بقوله: “أرني كيف تحيي الموتى» هو وكأنما يقول له سبحانه جَلَّ وعلا: «أعلم أنك تحيي الموتى، ولكن لأني لا أعلم كيف تقوم بذلك، فهل تمن علي برؤية هذه الحقيقة وهذا الإحياء أمامي؟ أرجو أن تريني ذلك».

وأمام هذا الطلب الذي تقدم به إبراهيم  لربه، يخاطبه ربه محذراً: «أولم تؤمن لي؟»، فيرد عليه إبراهيم  بقوله: «كلا يا ربي! بل آمنت بك، ولكن، وكما مننت علي بالحياة بمشيئتك، فأنت قادر أيضاً على أن تريني كيف تبعث الموتى، وما أريد ذلك إلا اطمئناناً لقلبي، ولكي أريح قلبي المتعطش بشوق الإيمان وحرارة الأمل، فأنتقل به من درجة الإيمان اليقيني (القاطع)، إلى درجة المشاهدة والرؤية». مؤكداً على أن ما يبتغيه من هذه الرؤيا هو تنقية قلبه من أي نوع من أنواع الشوائب أو النقص، لكي يتمكن عبر ذلك من الوصول إلى «مقام حلي» (مقام المحبة من عمق الفؤاد) ولكي يتمكن أن يكون بحق «خليل الله».

إن وظيفة العقل الأولى هي الإيمان باللَّه. لكن العقل يبحث في كل أمر عن مصدر وعن نقطة انطلاق وعن دليل. يجب على المرء التسليم بعزة الله تعالى، والإلتصاق به بقبضة متينة، والإمتثال لحكمته تعالى.

وهناك روايات متعددة حول طلب إبراهيم  من الله  أن يريه كيف يحيي الموتى. فبحسب الرواية التي جاء بها سعيد بن جبير أن الله تعالى عندما جعل من إبراهيم عليه السلام «خليلاً» له، جاءه جبريل  يزف إليه هذه البشرى، فسأله إبراهيم :

«وما هي علامة ذلك؟» فقال له جبريل :

«- إن الله تعالى يقبل دعاءك. ويمكنك من خلال دعائك أن تحيي الموتى». فكان من إبراهيم عليه أن سأل ربه قائلاً مناجياً:

«- يا ربي، أرني كيف تحيي الموتى!».

وفي تفسير حزين يوجد هذا الإيضاح:

يجد إبراهيم  على ضفة النهر حيواناً ميتاً. فكانت الأسماك تأكل منه وهو في الماء، وعندما تأتي موجة تقذف به إلى ناحية اليابسة تأكله حيوانات البر.وأمام هذا الوضع الغريب، يجلس خليل الله يفكر في كيفية جمع الله تعالى لكل هذه الأشلاء التي تبعثرت في الماء وأجواف الحيوانات. وأثناء ذلك، يجري بينه وبين الله تعالى ما كان من قصة.

أما أبو السعود أفندي، فيروي تلك القصة في تفسيره فيقول:

يقول نمرود لإبراهيم :

«-هل رأيت بأم عينك إعادة البعث من خلال إعادة الروح، وأخذ الروح بقبضها؟»

فيسكت إبراهيم ، وتتحقق بعد ذلك مباشرة ما كان من قصة معبرة. يأخذ إبراهيم  دجاجة، وحمامة وديكاً وغراباًً بناءً لما أمره الله جل جلاله به. ويقطع هذه الطيور الأربعة إلى أجزاء متعددة. ويخلطها جميعها ببعضها البعض. ويقسمها إلى أربع أجزاء يضع كل جزء منها على تلة من التلال. ثم ينادي عليها. فتطير جميعها قادمة إليه.

نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ خَاصَمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَأَتَاهُ بِعَظْمٍ قَدْ بَلِيَ فَفَتَّتَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: أَتُرَى يُحْيِي الله هذا بعد ما رَمَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:

نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ” فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَاتِ (تفسير البغوي، 7، 28؛ الواحدي، أسباب النزول، ص 379)

﴿أَوَلَمْ يَرَ اْلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس، 77-79)

ويبين المفسر البيضاوي حكمة اختيار هذه الطيور الأربعة فيقول: «كان اختيار الدجاجة في إشارة إلى ضرورة كسر شوكة النفس وإضعاف حديثها عن اللذة وزينة الحياة الدنيا. واختيار الديك لما هو معروف عنه من صفة الغضب لديه إشارة إلى ضرورة كبح الغضب الذي هو عادة السبب الرئيسي في الثورة والهجوم بشدة والعدوانية. واختيار الغراب الذي هو مضرب المثل في الصفات الذميمة كالحسد وغياب الكرامة في إشارة إلى ضرورة الإبتعاد عن مثل هذه الصفات الذميمة. واختيار الحمام في إشارة لضرورة إزالة هوى النفس وهوسها. وبالتالي، فإن هذه القصة تؤكد لكل من أراد أن يبعث في الحياة الأبدية أن عليه أن يعمل على تربية رغبات نفسه وأن يوجهها نحو الخير مستخدماً طريق إرضاء الحق جَلَّ وعَلا».

زواج إبراهيم  بأمِنا هاجر

لم يرزق إبراهيم  أولاداً من سيدتنا سارة. وكانوا يتقدمون بالسن شيئاً فشيئاً. فقامت سيدتنا سارة بتحرير جاريتها هاجر وزوجتها لإبراهيم . وبنتيجة هذا الزواج ولد إسماعيل . وانتقل النور المحمدي إلى إسماعيل .

وكانت سيدتنا سارة تعتقد بأن هذا النور سينتقل إلى ولد من صلبها. فحزنت لذلك كثيراً. وطلبت من إبراهيم  أن ينتقل بسيدتنا هاجر إلى بلدة أخرى. فقام سيدنا إبراهيم  بناءً لأمر ربه تعالى بالانتقال بسيدتنا هاجر وولدها سيدنا إسماعيل  إلى مكة التي كانت بلدة في الصحراء خاوية.

وكان جبريل  دليله في هذه الرحلة. حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَقَالَ جِبْرِيلُ: انْزِلْ يَا إِبْرَاهِيمُ

قَالَ: حَيْثُ لَا ضَرْعَ وَلَا زَرْعَ؟

قَالَ: نَعَمْ، هَاهُنَا يَخْرُجُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ ذُرِّيَّةِ ابْنِكَ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا (ابن سعد، 1، 164)

ويروي ابن عباس رضي الله عنه هذه القصة كما وردت في صحيح البخاري فيقول:

«أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم، 37) (البخاري، الأنبياء، 9)»

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هـذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة، 126)

إن الله تعالى يرزق أيضاً الكافرين في هذه الدنيا، ويمكنهم من الإستفادة من نعم الدنيا كيفما شاءوا. ولهذا، فإن الحصول على نعم الدنيا، ليس مرتبطاً بالتدين. فالنعمة تعطى لكلا المؤمن والكافر. ونِعَمُ الدنيا هي نوع من أنواع الإمتحان. ولا يعرف خيرها أو شرها إلا عند نتيجتها. فإن كانت الثروة والملك هي وسيلة للعبادة، فإنها تكون إذاً سعادة في الدنيا والآخرة. وإن كانت سبباً في الضلال والشقاء، فإنها تكون حينها سبباً في خراب الحياة الآخرة، وبالتالي تكون كارثة لا سعادة.

قَبِل الله  دعاء إبراهيم  الذي دعاه به. وبخير هذا الدعاء، أصبحت هذه البلدة تمتليء بمحبة أفئدة المؤمنين الذين يحجون إليها ويعتمرون، وتمتليء فيها أرواحهم بالراحة والسكينة. كما تمتليء هذه البلدة الطيبة بالتمر ومختلف أنواع الفاكهة الأخرى بركة فيها ورحمة.

كما أن دعاء إبراهيم  هذا، كان وسيلة بخروج ماء «زمزم» من هناك:

نفذت سقاء الماء التي أحضرها إبراهيم . فركضت سيدتنا هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات متتالية. والمسافة بين هذين الجبلين تقدر بأربعمة متر. فكانت سيدتنا هاجر تركض من ناحية، وتنظر إلى إسماعيل  من ناحية أخرى. ولكنها لم تجد هناك إنساً ولا طيراً حتى. فلم يكن هناك أي نوع من أنواع الحياة. وبينما كانت سيدتنا هاجر على جبل المروة سمعت صوتاً يقول لها:

«- صه، واسمعي جيداً!». وكان هذا صوت جبريل  الذي أكمل بقوله:

«- لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله».

وأمام هذا الخطاب، عادت سيدتنا هاجر إلى جانب ولدها إسماعيل. ووجدت أن الماء يخرج من موضع قدم إسماعيل . فشكرت ربها بفرحة كبيرة. وجعلت تحفر في التراب مكونة بركة من الماء خوفاً من أن ينفذ. وهي تقول للماء «زم، زم!» أي «قف، قف!».

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ – أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ -، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا” (البخاري، الأنبياء، 9)

إن الماء الذي كان ثمرة التوكل والتسليم، سيستمر في تدفقه إلى يوم القيامة يمد الأمة بالشفاء.

وهكذا، تمكن إبراهيم  وسيدتنا هاجر من الحصول على بركة كبيرة نتيجة ما كان منهما من تسليم للًه . ومن هذه البركة أيضاً، أن يستمر المؤمنون إلى يوم القيامة يرددون ما قامت به سيدتنا هاجر من السعي بين الصفا والمروة ركناً من أركان الحج والعمرة.

وكانت الأم وولدها يتابعان حياتهما في هذه البلدة الهادئة المقفرة. وتمر قبيلة الجرهم على مقربة من ذلك المكان فيشاهدون طيراً يحلق فوق مكان محدد يطير وينزل إليه باستمرار.

فاستيقنوا بوجود ما يدل على الحياة في هذا الموقع فأرسلوا باثنين من رجالهم يستطلعون الخبر. وعندما رأوا ما كان من ماء زمزم  قالوا لسيدتنا هاجر يستأذنونها: «أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟»

فقالت لهم: «نعم، ولكن لا حق لكم في الماء». وهكذا، أصبحت قبيلة الجرهم هي أول قبيلة سكنت في مكة.

 إمتحان الذبح

بينما كان إبراهيم  في طريقه من بابل إلى الشام قال:

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات، 99-100)

إن في هذه الآية إشارة إلى اتصال قلبي مباشر، أي في العالم الداخلي بين الله وخليله. وتتحدث الآيات الكريمة التي تلت هذه الآية فتبشر إبراهيم  بولده إسماعيل ، ومن ثم تسرد لنا قصة ذبحه وفدائه. يقول تعالى:

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اْلآخِرِينَ. سَلاَمٌ عَلَى إِبْرهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات، 101-111)

بعد أن ترك إبراهيم  سيدتنا هاجر وإسماعيل  في مكة، عاد إلى جوار سيدتنا سارة. وكان يذهب إليهم بين الحين والآخر ليطمئن عليهم. وفي إحدى المرات التي كان فيها بمكة شاهد رؤيا في منامه. وكانت الرؤيا كما تتحدث الآية الكريمة بأنه كان يذبح ابنه إسماعيل تقرباً لله. وتردد إبراهيم  بين أن تكون هذه الرؤيا هي من عند الشيطان أو أنها ربانية من عند الله. ولكن نفس الرؤيا تكررت له ثلاث ليال متتالية. وهذه الأيام الثلاثة هي يوم التورية ويوم عرفة ويوم العيد الأول في موسم الحج.

وتقول إحدى الروايات أن إبراهيم  كان يقول:

«- إن رزقني الله بولد فإني سأذبحه تقرباً لله تعالى!» فكانت هذه الرؤيا امتحاناً له على هذا العهد.

وأمام ما كان من أمر إلهي شهده في الرؤيا، أمر إبراهيم  سيدتنا هاجر بأن تغسل ولده إسماعيل  وأن تطيبه بعطر حسن لأنه يريد أن يصطحبه إلى أحد أصدقائه. ونبه إسماعيل  لأن يأخذ معه حبلاً وسكيناً وقال له:

«- بني، سأذبح قرباناً لله إرضاءً له!»

وساروا معاً إلى المكان الذي يقف فيه حجاج بيت الله في عرفات. وفي هذه الأثناء، تمثل الشيطان لسيدتنا هاجر على شكل إنسان وقال لها:

«- أتعلمين إلى أين يأخذ إبراهيم ولدك؟»

فقالت له:

«- إلى صديق له»

فقال الشيطان:

«- كلا، بل ليذبحه»

فتجيبه سيدتنا هاجر:

«- إنه يحب ولده كثيراً»

فيتابع الشيطان وسوسته بقوله:

«- سيذبحه امتثالاً لأمر الله!». فتجيبه سيدتنا هاجر عندها:

«- إن كان الله – جل جلاله – قد أمر بذلك فهو شيء جميل. نتوكل عليه».

وعندما رأى الشيطان أنه لن يتمكن من خداع سيدتنا هاجر تركها وذهب إلى جوار سيدنا إسماعيل . وسأله هو الآخر:

«- أتعلم إلى أين يأخذك والدك؟»

فيجيبه إسماعيل : «- إلى صديقه»

فيقول الشيطان:

«- كلا، بل إنه آخذك ليذبحك. فهو يعتقد بأن الله أمره بذبحك!»

فيجيبه إسماعيل  بقوله:

«- إن كان الله هو من أمر بذلك، فإننا سنستجيب له بكل حب وإقدام»

وهكذا، لم يتمكن الشيطان من خداع إسماعيل  أيضاً. فتوجه هذه المرة إلى إبراهيم  وقال له:

«- أيها العجوز! إلى أين تأخذ طفلك؟ لقد خدعك الشيطان بالرؤيا! إنها رؤى شيطانية».

فيقول له إبراهيم :

«- أنت شيطان! إبتعد من أمامنا!».وأخذ سبع حجارة بيده ورجم الشيطان فيها في ثلاثة مواقع مختلفة. وهكذا ابتدأت بهذا الشكل منذ ذلك اليوم إلى يوم القيامة ركن رجم الشيطان في الحج. فكان حالهم ذلك مثالاً إلى الأمة على التوكل والتسليم.

وبينما كان إبراهيم  يسير مع ابنه من جبل منى إلى جبل عرفات، كانت الملائكة في السماء متحمسة جداً. وكانوا يقولون بحيرة لبعضهم البعض:

«سبحان الله! نبي يأخذ نبياً ليضحي به!».

ويروي إبراهيم  حقيقة هذه الرحلة لابنه سيدنا إسماعيل فيقول:

«- يا بني! إني رأيت في المنام أني أذبحك»

فأجابه إسماعيل  سائلاً:

«- يا أبت، آلله أمرك بهذا؟»

فيقول إبراهيم :

«- نعم!». عندها يتوجه إسماعيل إلى والده ويقول له:

«- يا أبت افعل ما تؤمر! ستجدني إن شاء الله من الصابرين!». فأخبره بأنه على أكمل الإستعداد ليفدي نفسه. وبعد أن قال لوالده هذه العبارة التي أثلجت صدر أبيه قال:

«- يا أبت! صبرتَ عندما رماك نمرود في النار. ورضي الله عنك. وأنا أرضى بأن أذبح قرباناً لله. وإن شاء الله ستجدني إن شاء الله صابراً. عندما أفترق عنك إلى ربي؛ وعندما أبتعد عن نعم الدنيا سأصل إلى الجنة. إن كل حزني هو أن تعيش حياتك في لوعة الولد الذي ستقدمه قرباناً بيدك. يا أبت! ليتك أخبرتني قبل ذلك فأتمكن وأمي من الوداع!».

فيقول إبراهيم :

«- يا بني، إني خفت أن تعترض أمك!».

ويروى أن إسماعيل  كان في تلك الفترة في السابعة أو الثالثة عشر من عمره[5].

عن سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: لَمَّا أُرِيَ إبراهيم ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ، رَأَى رَجُلًا عَلَى فَاحِشَةً فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ عَلَى فَاحِشَةٍ فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ عَلَى فَاحِشَةٍ فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَهْلًا! فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُسْتَجَابٌ لَكَ، وَإِنِّي مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّةً يَذْكُرُونِي، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَلَّى فَجَهَنَّمُ مِنْ وَرَائِهِ. (التفسير من سنن سعيد بن منصور، دار الصميعي للنشر والتوزيع، 1417، 5، 29)

ويروى أن السبب الآخَر في امتحان الله تعالى لإبراهيم  بذبح ولده قرباناً هو لما ذكر في الحادثة أعلاه من شدة أظهرها إبراهيم  لمن يعصي الله من الناس، فكان قليل الرحمة بهم.

وتتحدث رواية أخرى فتقول:

﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَاْلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام، 75)

يفسر الراوي هذه الآية بأن إبراهيم  كان يصعد في كل ليلة إلى السماء. وفي إحدى الليالي التي صعد فيها إلى السماء، وجد من الناس من يعصي الله فقال:

«- يا إلهي! إن هذا الرجل يأكل من رزقك، ويمشي بمشيئتك، وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يأتمر بأمرك. فأهلكه!».

فيهلك الله تعالى ذلك الإنسان. وعندما يرى إبراهيم  عبداً عاصياً آخر، فإنه يدعو عليه بالهلاك أيضاً فينادى بقوله:

«- يا إبراهيم! أقلع عن الدعاء بهلاك عبادي! وتعامل معهم رويداً رويداً لتمهلهم! لأنني أرى عصيانهم كل يوم ولكني برغم ذلك لا أهلكهم!»

وعندما يعود إبراهيم  إلى الأرض يشاهد تلك الرؤيا التي ذكرت في القرآن الكريم. وبعد أن قال له إبنه بكل تسليم: «يا أبت افعل ما تؤمر» تحضر خليل الله لذبح ابنه وأخذ السكين في يده وناجى ربه فقال:

«- يا إلهي! إن هذا ابني. وهو فاكهة قلبي وأحب الناس إلي.»

فيسمع نداء الله تعالى يقول له:

«- أتذكر ليلة دعوتني أن أهلك عبدي؟ أتعلم أني رحمن ورحيم بعبادي كما أنت رحيم بولدك؟ أنت دعوتني لأهلك عبدي. والآن أطلب منك أن تذبح ولدك!» (محمود سامي رمضان أوغلو، إبراهيم ، ص. 44 – 46)

ويكلم إسماعيل  والده إبراهيم  وهو يعلم أنه سيكون قرباناً لله طاعة لأمره فيقول له:

«- يا أبت! إن لي بضعة مطالب:

1- إربط يدي ورجلي بشكل محكم فلا أتخبط من الألم فأقصر في حق ربي.

2- أمسِك لباسك فلا يصلن دمي إليها.

3- فلتكن سكينك حادة ليكون تقديم الروح سهلاً! ويسهل عليك أيضاً ما تقوم به.

4- عندما تسحب سكينك فلا تنظر إلى وجهي! فيصيبك من رحمة الأب فتؤخر أمر الله بما يحل بك من رحمة.

5- خذ قميصي إلى أمي! علها تجد فيه عوضاً! وقل لها: «لقد ذهب ابنك شفيعاً إلى الله».

وبينما كان إبراهيم  يستمع إلى هذه الكلمات امتلأت عيناه بالدموع. وبكى بشدة وقال:

«- لكم تساعدني يا بني بشكل رائع لأتمكن من تنفيذ أمر ربي». ومن ثم رفع يديه إلى السماء وقال:

« يا ربي، ألهمني الصبر على ما أنا عليه الآن من حال! وارحمني بكبر سني!».

وقال إسماعيل :

«- يا ربي، ألهمني الصبر والتحمل في هذا الأمر!».

«يا أبتي، فتحت أبواب السماء. والملائكة في حيرة من أمرهم يسجدون لله يقولون: «يا ربي، إن نبياً هو على وشك أن يذبح نبياً إرضاءً لك… فارحمهم»

ومن ثم قال مثبتاً أباه على الطاعة:

«- يا أبت، إن شرط المحبة أن لا تؤخر الأمر! هيا افعل ما تؤمر!»

ويمدد إبراهيم ، إسماعيل  ويقول:

«- يا بني! وداعاً إلى يوم القيامة! أراك مرة أخرى في يوم القيامة!». وأخذ سكينه بشدة إلى رقبة إسماعيل . وفي تلك اللحظة يأمر الله تعالى جبريل فيقول:

«- إلحق واقلب السكين». فيتجه جبريل في آن من السدرة إلى السكين فيقلبه. فيشد إبراهيم  السكين مرة أخرى بشدة أيضاً ولكنها لا تتمكن من القطع مرة أخرى.

ويقول الله :

«لقد صدق إبراهيم الرؤيا. وأظهر إخلاصه».

ومن ثم وامتثالاً منه لأمر الله تعالى، يأخذ جبريل  خروفاً من الجنة ويكبر بقوله:

اَللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ

وعندما سمع إبراهيم  هذا التكبير قابله بقوله:

لاَ اِلهَ اِلاَّ اللهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ

وأكمل إسماعيل  بقوله:

اَللهُ أَكْبَرُ وَِللهِ الْحَمْدُ

وبهذا الشكل، اكتملت أجزاء «تكبيرات التشريق» التي تبدأ في يوم عرفة من صلاة الصبح انتهاءً بصلاة العصر من اليوم الرابع من عيد الأضحى المبارك.

وعاد الأب والإبن إلى منزلهم شاكرين حامدين. وضمت سيدتنا هاجر إسماعيل  إلى صدرها. وعاد إبراهيم  مرة أخرى إلى جوار سيدتنا سارة.

اُمْتُحِن إبراهيم  يوم ألقي في النار في نفسه، وامتُحِنَ بأمر الذبح بولده، ولكنه كسب في كلا الإمتحانين بتسليمه وتوكله على الله. ثم جاء دوره ليمتحن في ماله. حيث تقول إحدى الروايات أن إبراهيم  كان يمتلك من الماشية 12.000 رأساً. وكان لديه كلاب كثيرة تحمي هذا القطيع. وكان يضع على أعناق هذه الكلاب قلادات من الذهب تحقيراً لمن يتمسك بهذه الدنيا. وبحسب هذه الرواية، يأتي جبريل  إلى سيدنا إبراهيم  على شكل رجل ويقول له سائلاً: «- لمن هذه الماشية؟»

فيجيبه إبراهيم  بقوله:

«- هي لله ربي. وأنا مستودع عليها!».

فيقول جبريل : «- هلا تبيعها لي؟»

فيقول إبراهيم :

«-أُذكر الله مرة أعطيك ثلثها، واذكره ثلاثاً أعطيك جميعها!» فيقول جبريل : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّنَا وَرَبُّ الْمَلئِكَةِ وَالرُّوحِ

فيقول إبراهيم :«- خذها، وقُدْها، هي جميعها لك!»

فيقول جبريل :

«- إني ملك، لا أستطيع أخذها!».

فيقول له إبراهيم  إجابة على قوله:

«- إن كنت ملكاً فأنا خليل الله. ولا أرد ما أعطيت!».

وفي نهاية الأمر باع إبراهيم  هذا القطيع واشترى به أرضاً كبيرة. وجعل منها وقفاً يستفيد منه المسلمون. وهكذا كان إبراهيم  أول من ابتدأ عملية الوقف[6] في سبيل الله.

وبهذا الإمتحان الذي تخلى فيه إبراهيم  عن كل ثروته في سبيل الله في آن واحد، أثبت مرة أخرى أنه بحق “القريب المحب لله” (خليل الله). ويعرج الله جل جلاله على ذكر هذه الحادثة المتميزة لإبراهيم  هذه فيقول:

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ…﴾ (البقرة، 124)

ولادة إسحاق

أمام ما تقدم به إبراهيم  من وفاء لربه تعالى مقدماً ابنه قرباناً لله تعالى وطلباً لرضاه، جاءت مكافأة الله تعالى إليه بأن أحسن إليه ورزقه، على الرغم من كونه شيخاً كبيراً، ابناً آخر. وتتحدث الآيات الكريمة عن هذا الإحسان الإلهي فتقول:

﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات، 112-113)

وكان إبراهيم  في تلك الفترة قد ناهز 120 عاماً، وكانت سيدتنا سارة تبلغ 90 أو 99 عاماً.

يروي ابن عباس رضي الله عنهما بأن جبريل  أتى إبراهيم  مع وفد من الملائكة يبشره ويفرحه بإسحاق . ومن ثم يتوجه مع هذا الجمع من الملائكة ليهلك قوم لوط.

ولقد أتى الملائكة لِزيارة إبراهيم  على هيئة البشر من الضيوف. ولهذا، لم يعرفهم إبراهيم في باديء الأمر فقام لما هو عليه من إكرام الضيف بإعداد لحم البقر لهم ووضعه أمامهم ليأكلوا. لكنهم، ولكونهم من الملائكة، لم يأكلوا منه شيئاً. ففهم إبراهيم  أنهم من الملائكة. ولكنه خاف في باديء الأمر من مجيئهم على هذا الشكل لكونه لم يكن على علم بما أتوا به من البشارة بولادة إسحاق . فقال لهم:

«- هل حدث شيء أغضب الله؟ أو أنكم أتيتم لتهلكوا قومي؟» معبراً عن قلقه وخوفه. وللتأكد من كونهم ملائكة قال لهم: «ألا تأكلون؟» فقالوا:

«- نحن لا نأكل بلا أجر!».

فقال إبراهيم عليه السلام  في البداية «بسم الله» وفي النهاية «الحمد للّه». فقال الملائكة:

«- نعم الخليل، ونعم المحب الصادق!».

ومن ثم قالوا له :

«- لا تخف يا إبراهيم، إنا ذاهبون من هنا إلى قوم لوط لنهلكهم!».

ففهم بهذا القول بشكل واضح سبب تركهم للطعام وقدومهم إليه بهذا الشكل.

وعندما تبدد عنه الخوف، بشر الملائكة إبراهيم  بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.

وكانت سيدتنا سارة تستمع إلى هذا الحديث من وراء ستار، فغطت وجهها بكِلْتا يديها لما كانت عليه من شدة الحياء والخجل. وتعجبت من هذه البشرى لكونها وسيدها قد أصبحا كباراً في السن من العجائز. فقال لها الملائكة:

«- أتعجبين من أمر الله وتقديره؟»

ولكن إبراهيم عليه السلام  ، ومع فرحته بما جاءه من البشرى، حزن كثيراً لما سمعه من إهلاك لقوم لوط لأنه لم يكن يعلم أن المؤمنين من قومه سيكونون مستثنين من هذا العذاب. وأراد أن يلتجيء إلى الله طلباً برفع هذا العذاب. فأخبره الملائكة أن لا فائدة بعد الآن من طلب الدعاء، وأكدوا له بأن هذا العذاب لن يصيب من كان منهم من المؤمنين. فاستبشر إبراهيم عليه السلام  .

يتحدث القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود، 69)

(بحسب رواية ابن عباس، كان الرسل هم جبريل  ومعه اثنانِ من الملائكة. وهم بحسب ما يرويه ميكائيل وإسرافيل)

﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود، 70-74)

ذلك أن إبراهيم عليه السلام   كان خائفاً لما كان يظنه من أن غضب الله تعالى وعذابه الذي سيصيب الكافرين من قوم لوط سيصيب لوطاً  ومن آمن معه من الناس، فكان شديد الإصرار على ربه طلباً لرفع هذا العذاب. يقول تعالى:

﴿إِنَّ إِبْرهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود، 75)

وتتحدث هذه الآية عن أوصاف ثلاثة مهمة لإبراهيم :

الحلم: الصبر الشديد والصبر على عدم أخذ الثأر والإنتقام المباشر ممَّن يرتكب الخطأ  والجريمة وتحمّلهم.

أواه: التأسف الشديد على الأحوال السيئة والعاقبة المحزنة والمؤلمة للناس بكثرة الآهات.

منيب: المتجه بقلبه إلى الله، والراجع إليه. كان إبراهيم عليه السلام   يرجع إلى الله تعالى في كل أموره ويثق بحكمه ويعتمد عليه.

بعد أن توجه إبراهيم عليه السلام   إلى السماء سابقاً فدعا ربه بإهلاك من رآه من العاصين، وما كان من التحذير الإلهي إليه عن الإبتعاد عن ذلك، أصبح قلب إبراهيم عليه السلام   مليئاً بالرحمة تجاه غيره من العباد. ولهذا، كان يلتجيء إلى الله تعالى راجياً وطالباً رفع العذاب عن قوم لوط.

لكن قوم لوط كانوا قد ابتعدوا كل البعد عن الرحمة الإلهية، وكانوا أكثر ما يكون عليه أحد من الإثارة والرذيلة، ولهذا، لم يكن هناك من ملجأ آخر يصيبهم غير ذلك العذاب. لأنهم أصروا على طلب العذاب، واستمروا على ما أتوا عليه من ملعنة وأفعال شنيعةٍ. بل وصلوا إلى درجة لا يتحملون فيها وجود الطاهرين بينهم؛ فكانوا يقولون: «أَخرجوهم من قريتكم، إنهم أناسٌ يتطهرون!». ولهذا، يقول رب العزة والجلال:

﴿يَا إِبْرهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾(هود، 76)

ويكرر الله تعالى هذه الحقيقة في سورة الذاريات في الآيات 24 إلى 30 ليؤكد على أهمية هذه الحقيقة بأسلوب مختلف آخر.

ومن أوصاف إبراهيم عليه السلام   الفارقة أيضاً هي إكرامه للضيف. فكان يُطْعم ويَسقي كل من يمر عليه. عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ   يُكَنَّى أَبَا الْأَضْيَافِ». (ابن سعد، الطبقات، 1، 47)

كان نبياً كثير الحب لضيوفه، كثير الإكرام لهم، كريماً جداً ومشرفاً. بل كان في الأيام التي لا يأتيه ضيف فيها يبحث في الطرق عن ضيف يكرمه ويدعو كل من يعبر تلك الطرق إلى بيته ليستضيفه ويكرمه.

إن إكرام الضيف هي صفة من صفات الأنبياء. على الرغم من أن الإعتدال في الأكل والشرب هو أمر يستدعي منا الحذر والإنتباه، إلا أن أنه لا إسراف في إكرام الضيف وما يقدم إليه من طعام يؤكل. مع التأكيد على ضرورة أن يكون هذا الإكرام والضيافة هي أمر خالص لله تعالى، بعيداً عن أفكار المنافع الدنيوية والنفسية.

زيارة إبراهيم عليه السلام   لسيدنا إسماعيل

يتزوج إسماعيل  من فتاة من قبيلة جٌرْهُمْ. فقد أحبه أهل هذه القبيلة كثيراً. وتعلم منهم اللغة العربية. وتوفيت والدته سيدتنا هاجر عندما بلغت تسعة وتسعين سنة. ودفنت في موقع «الحجر» على مقربة من الكعبة.

يروي الحديث النبوي الشريف قصة زيارة إبراهيم عليه السلام   لولده إسماعيل  بقوله:

بعد أن تزوج إسماعيل ، ذهب إبراهيم عليه السلام   لرؤية ابنه. ولكنه لم يجد إسماعيل . فسأل امرأته عنه فقالت:

«- خرج يبتغي لنا».

ثم سألها إبراهيم عليه السلام   عن معيشتهم وهيئتهم فقالت:

«- نحن بشر، نحن في ضيق وشدة» فشكت إليه!

فقال إبراهيم عليه السلام  :

“- فإذا جاء زوجك فاقرئي ، وقولي له لِيُغَيِّرْ عتبة بابه!”

فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً (أي فهم مما شعر فيه من ريح طيبة بقدوم والده وذهابه)، فقال:

“- هل جاءكم من أحد؟” قالت:

“- نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فَسَأَلنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة”

قال (إسماعيل ):

“- فهل أوصاك بشيء؟”

قالت (زوجته):

“- نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك”

قال (إسماعيلُ لزوجته بعد أن فهم لطيفة أبيه):

“- ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارِقَكِ، إالحقِي بأهلك”، فطلقها، وتزوج منهم أخرى،

فَلَبِثَ عنهم إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته ( الجديدة التي تزوجها إسماعيل )  فسألها عنه، قالت:  “- خرج يبتغي لنا”

قال إبراهيم عليه السلام  :

“- كيف أنتم؟” وسألها عن عيشهم وهيئتهم،

قالت:

“- نحن بخير وسعة”، وأثنت على الله.

فقال إبراهيم عليه السلام  :

“-ما طعامكم؟” قالت: “اللحم”،

قال إبراهيم عليه السلام  :

“فما شرابكم؟” قالت: “الماء”.

فقال (إبراهيم  يدعو الله لهم):

“اللَّهم بارك في اللحم والماء!”.

ثم قال لزوج إسماعيل :

“- فإذا جاء زوجك فاقرئي ، ومريه يثبت عتبة بابه”،

فلما جاء إسماعيل (أحس مرة أخرى بقدوم والده من العطر الجميل الذي استشعره في البيت) قال:

“- هل أتاكم من أحد؟” قالت:

“- نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته” ثم تابعت حديثها فقالت:

“-فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير،

فقال إسماعيل : “- فهل أوصاك بشيء؟”،

فقالت زوجته:

“- نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك!”،

فقال إسماعيل :

“- ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك”. (البخاري، الأنبياء، 9)

ونستطيع أن نفهم من هذه القصة أن الشكر هو وسيلة لزيادة النعمة واستمرارها. وبأن استصغار هذه النعمة والشكوى هو نوع من أنواع الجحود. ونتيجته إذاً هي نقصان هذه النعمة والحرمان والخسارة.

بناء الكعبة

“…ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ ابراهيم  مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) ، قَالَ: فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولاَنِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) (البخاري، الأنبياء، 9)

“…حَتَّى ارْتَفَعَ البِنَاءُ، وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ نَقْلِ الحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ المَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ وَيَقُولاَنِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) (البخاري، الأنبياء، 9)

بحسب الروايات التي تتحدث عن إنشاء الكعبة، يلتقي آدم  وحواء في الأرض بعد إخراجهما من الجنة في أرض عرفات، ويسيران سوية باتجاه الغرب إلى أن يصلا إلى موقع الكعبة هذا. وفي هذه الأثناء يفكر آدم  بوسيلة يشكر الله تعالى فيها على التقائه بحواء. فيدعو الله أن يعيد عليه عامود النور الذي كان يطوف حوله متعبداً في الجنة. فيتجلى عمود النور في تلك المنطقة ويبدأ آدم  بالطواف من حوله متعبداً.

ولكن عمود النور هذا يغيب في زمن سيدنا شيث  ويبقى في مكانه حجر أسود. فيقوم سيدنا شيت بإنشاء بناء مكانه يشبهه في شكله على أربع زوايا ويضع هذا الحجر الأسود في ركن من أركان هذا المبنى. وبحسب الراوي فإن ذلك هو الحجر الأسود المعروف. وبعد طوفان نوح، يبقى هذا المبنى فترة كبيرة من الزمن مغموراً بالتراب.

فيأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام   بأن يذهب إلى المكان الذي توجد فيه الكعبة، ويترك إسماعيل  وأمه هناك. ومن ثم وبأمر من الله تعالى يقوم بحفر المكان الذي توجد فيه الكعبة. فيجد أساسات البناء الذي بناه سيدنا شيث. فيبني على هذه الأساسات الكعبة الموجودة حالياً. والعبارة الموجودة في الآية الكريمة: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت» تشير إلى هذا الأمر.

ويضع إبراهيم عليه السلام   الحجر الأسود في إحدى أركان الكعبة في إشارة منه إلى الناس للبدء في طواف الكعبة. هذا الحجر الأسود كان عندما خرج من الجنة أبيض من الثلج ولكن ذنوب البشر كانت سبباً في اسوداده. (ابن جنبل، 1، 307)

وكانت الحرائق التي حصلت في عصري الجاهلية والإسلام من الأمور التي كانت سبباً أكبر في اسوداده أيضاً.

وعندما انتهى بناء الكعبة، دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الله تعالى فقالا:

﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (البقرة، 128-129)

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يتعلق بهذا الدعاء فيقول:

“…أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي رَأَتْ” (أحمد بن حنبل، 5، 262؛ الحاكم، المستدرك، 2، 453)

وبالحديث عن نسب شمس الضياء وفخر الكائنات سيدنا ونبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كالتالي:

محمد صلى الله عليه وسلم- عبد الله- عبد المطلب، (وكان يقال له شيبة الحمد)- هاشم – عبد مناف، (واسمه الأصلي مغيرة) – قصي، (وكان يسمى أيضاً زيد)- حاكم، (كلاب) – مرة كعب لؤي غالب – فهر، (قريش) مالك النَّضْرِ كنانة حزيمة مدركة إلياس مُضَر نزار معاد – عدنان:

يصل نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أجداده إلى عدنان. ويعرف بأن عدنان هو من سلالة إسماعيل . لكن الفترة الزمنية بينهما هي فترة غير معروفة.

وكخلاصة، إن إرسال الأنبياء من نسل إبراهيم عليه السلام  ، وبخاصة تشريف البشرية بفخر الكائنات ونور الوجود محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو أمر يجعله  ذو مكانة استثنائية وعناية خاصة في تاريخ الأنبياء. ومناسك الحج والعمرة مليئة بالأركان التي ستبقى ذكريات روحانية  تستمر إلى يوم القيامة تذكرنا بإبراهيم . كما أن ملايين المسلمين يذكرون إبراهيم عليه السلام   كل يوم في صلواتهم الخمسة حين يرددون في صلاة التحيات صلاتهم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إبراهيم عليه السلام  .

يحدثنا أبو محمد كعب بن عجرة رضي الله عنه فيقول:

إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا:

“- قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فقال: “قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌٌ” (البخاري، الدعوات، 32؛ الترمذي، الوتر، 20؛ ابن ماجه، الإقامة، 25)

حجة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الأولى

ودعوة الناس للحج

عندما اكتمل بناء الكعبة، أتى جبريل  إلى إبراهيم عليه السلام   فقال له: “طف بالبيت!”. فكان إبراهيم عليه السلام   وابنه يطوفان الكعبة ابتداءً من الحجر الأسود (يُسَلِّمانِ عليه) في كل شوط[7]. وصليا خلف مقام إبراهيم عليه السلام  ركعتين. وأديا كامل أركان الحج التي كان جبريل  يدلهم عليها الواحدة تلو الأخرى. ومن ثم أخبر جبريل  إبراهيم عليه السلام   بأن يدعو الناس للحج. وعندما سأل إبراهيم عليه السلام  عن كيفية قيامه بذلك، قال له جبريل  مكرراً ثلاث مرات:

“- أذِّنْ في الناس بقولك » يا أيها الناس، أجيبوا دعوة ربكم «

ثم سأل إبراهيم عليه السلام   لربه تعالى فقال:

“- يا ربي، كيف يصل صوتي إلى كل البشر؟”

فيوحي الله تعالى إليه بقوله:

“- عليك النداء، وعلينا البلاغ إلى كل البشر”

تعرج الآية القرآنية الكريمة على هذه الحقيقة فتقول:

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾(الحج، 27)

وبعد تلك الحجة الأولى، كان إبراهيم عليه السلام   يعود في كل سنة إلى مكة يحج فيها. وبعد إبراهيم عليه السلام  ، استمر أنبياء الله ورسله ومن آمن معهم من الناس بالحج إلى مكة. وكان كل نبي أو رسول يتحقق بأمته أمر الله وغضبه، يهاجرون إلى مكة ويسكنون فيها حتى آخر يوم من حياتهم يطوفون فيها ويتعبدون ويشتغلون بالعبادة. ولهذا، يروى أن أكثر من تسعة وتسعين نبياً دفنوا بعد وفاتهم في مكان يقع بين مقام إبراهيم عليه السلام  وماء زمزم، وأن سبعين من الأنبياء صلوا في المسجد الموجود في منى.

أدعية إبراهيم عليه السلام ومناجاته

إن من أكثر الأنبياء الذين نقلت أدعيتهم في القرآن الكريم هو نبي الله ورسوله إبراهيم عليه السلام . إذ أننا نجد أنه كان لا يترك وسيلة إلا واتخذها سبباً لمناجاة ربه من القلب. وإضافة لما ذكرناه أعلاه، فإن القرآن الكريم ينقل إلينا عنه هذه الأدعية أيضاً:

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فَي اْلأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾ (إبراهيم، 38)

﴿الْحَمْدُ ِللهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمعِيلَ وَإِسْحقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم، 39)

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (إبراهيم، 40)

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (إبراهيم، 41)

كما نجد في سورة الشعراء هذا الطوفان الرائع من المناجاة التي تنبع من فؤاد إبراهيم عليه السلام ، يقول تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اْلآخِرِينَ. وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَاغْفِرْ ِلأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء، 83-89)

والقصد من القلب السليم هو من يصرف أمواله بفعل الخير، ويعلم أولاده الحق والحقيقة، الذي يسلم قلبه من فساد المال والأولاد، والجهل في الدين، ومن الأخلاق الذميمة ومختلف أنواع الإساءة.

وبحسب أبي القاسم الحاكم فإن للقلب السليم ثلاث علامات أساسية:

أن لا يضر بأحد ولا يؤذيهم.

أن لا يتأذى من فعل أحد.

أن لا ينتظر إحساناً من أحد على خير فعله.

علماً أن من لا يؤذي أحداً من الناس يأتي ربه تعالى يوم القيامة ورعاً تقياً، ومن لا يتأذى لفعل أحد يأتيه وفياً، ومن لا ينتظر إحساناً على خير فعله يأتيه يوم القيامة مخلصاً.

نصائح إبراهيم عليه السلام

يروى أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام  فقال:

“من المؤكد أنك خليلي وأنا خليلك. احذر أن يشتغل قلبك بغيري عندما أكون مطلعاً؛ فأقطع عنك محبتي. لأنني أعطي محبتي إلى من أختاره بشكل لو حرقت فيه قلب عبدي فإنه لن يلتفت بقلبه إلى غيري ولن ينشغل عني بغيري. فإن كان على هذا الشكل وضعت محبتي في قلبه. وأُكْرِمُه وألْطُفُ بهِ. بل وأُقَرِّبُه إلي”.

ويتجه إبراهيم عليه السلام  لرجل طلب منه النصيحة فيقول:

“ إذا اشتغل الناس بأمور الدنيا، فعليك أن تشتغل عنها بأمور الآخرة. وإن اشتغلوا بتزيين المظاهر عليك أن تشتغل بتزيين قلبك. وإذا اشتغلوا بإعمار الحدائق والكروم والقصور فاشتغل أنت بإعمار قبرك. وإذا اشتغل الناس بذم عيوب بعضهم البعض، فاشتغل أنت بعيوبك”.

وكان إبراهيم عليه السلام  ذا شأن كبير وفضيلة جعلت كل الأمم تعترف به ولا تنكره. فاعترف مشركوا العرب بفضله ورفعته باعترافهم بأنهم من سلالته ونسله. وإضافة للمشركين، عظم من شأنه كل من المسلمين والمسيحيين واليهود، واعترفوا جميعاً بقدره ومكانته. واعتراف أكثرية العالم بفضله ومرتبته الرفيعة، لم يكن لأحد قط كما هو بالنسبة لإبراهيم .ولهذا، تحدد الآيات القرآنية صفة إبراهيم عليه السلام  وتقطع كل ادعاءات غير المسلمين بحقه فيقول الله تعالى:

﴿مَا كَانَ إِبْرهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران، 67-68)

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا خير البرية” (أي يا أفضل من خلق الله)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ذاك إبراهيم ” (مسلم، كتاب الفضائل، 150)


[1]      لكون إبراهيم  هو من كبار الأنبياء وأشهرهم، ولكونه أصبح كالملحمة على الألسن بتوكله وتسليميته، وزيادة على كل ذلك ما وصفه الله تعالى به بأنه “خليل الله: أي صديق الله” فإنه كان دائماً من الأنبياء المحبوبين بشكل خاص في مجتمعنا الإسلامي بحيث أن الكثير الكثير من الناس من يسمي ابنه “الخليل إبراهيم”  تكنياً به  وإظهاراً لحبه واحترامه.

[2]      تأخذ حرّان  في تركيا اسمها نسبة إلى أخ إبراهيم   حرّان الذي كان أول من أنشأها وعاش فيها.

[3] آجر: هي هاجر أم إسماعيل .

[4]      أنظر:  الصافات ، الآية 98

[5]      أنظر: الحاكم، المستدرك، 2، 605-606؛ الطبري، التاريخ، 1، 263-278

[6]      الوقف: هو الشكل المؤسسي للمحبة والرحمة والمساعدة من الخالق إلى مخلوقه. أي بكلمة أخرى، هو الملك الذي يتقرب به العبد إلى ربه فيجعله موقوفاً له لا يمكن بيعه أو شراؤه.

[7]      الشوط: هو الطواف لمرة واحدة حول الكعبة المشرفة ابتداءاً من الحجر الأسود وانتهاءً عنده أيضاً.