المسؤولية

الإنسان، زينة الحياة الدنيا وأشرف الكائنات. وهب الله الإنسان نعماً لا تحصى فميزه عن المخلوقات الأخرى. ومقابل هذا الكرم والإحسان الاستثنائيين، جعله كائناً صاحب مسؤولية.

إن الله تعالى مَنَحَنا حرية الخيار بين الأساسين الموضوعين للنفس «التقوى» و«الفجور»،لإمتحاننا نحن العباد. ونتيجة لذلك بشرط الرضاء، منحنا خصوصية حرية الخيار بين الخير والشر.

ولموجبات الإمتحان الدنيوي، قدّر الظروف الحياتية لكل عبد على حدة. يعني خُلق الإنسان في حياة اجتماعية بمستويات مختلفة من الناحية المادية والمعنوية، بناءً على حكمة دائمة في انسجام واستقرار ونظام.

لو منح كل البشر الخواص ذاتها المادية والمعنوية، والقابلية المهنية، والموجبات نفسها. لما كان الخير والشر في المجتمع. ولا الحديث عن نظام الحياة أو الاستقرار. لذلك فلقد عُين الإنسان كي يستمر على حياته بفوارق تكمل بعضها كجزء من الكل بضرورة الحاجة للبعض ــ مثل اليد عند الغسيل للأخرى – في الحياة الإجتماعية.

هذا الحال يجلب معه بعض المسؤوليات والحقوق الوجدانية والعقائدية بين المؤمنين. أمر الله سبحانه وتعالى عباده المحرومين والعاجزين والضعفاء، التحلي بالصبر في الإمتحان للفوز بالأجر. ومقابل ذلك أمر عباده الأقوياء والأغنياء والمتفوقين بالشكر وعدم التكبر.

وفي الأصل يتحقق الشكر الحقيقي بصورة الكرم في النعم على المحرومين، وليس الكلام فقط. ومن أجمل مدلولات الشكر، محاولة كسب دعاء الضعفاء وتلافي حرمانهم، والوقوف معهم دائماً في سبيل رضاء الله -عز وجل-.

حقيقة علينا أن نسأل أنفسنا بين الفينة والأخرى «لماذا أنا سليم ومعافى، وفلان عاجز ومريض؟، لماذا أنا غني، وفلان فقير ومحروم؟» وعلينا القول عند الرد على أنفسنا: إن الله جعلني مسئولاً عنها وتركها أمانة لي. فواجب عليّ المثابرة في توزيعها على المحرومين!..»

لذلك قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- :

“ومَنْ لَم يَهْتَمُّ للْمُسْلِمِينَ عامة فَلَيْسَ مِنْهُمْ” (الحاكم، جـ 4، 294)حساسية المسؤولية التي تولد من الأخوة في الإيمان هامةٌ جداً. المؤمنون ملزمون بتلقي العيش كأعضاء جسد واحد بقلب واحد، على الرغم مـن كـونهم يــحملون أجساداً مختلفة. فكما أنَّ الجسد إذا اشتكى منه عضو تأثر به سائر الجسد. فالإحساس بمصائب الإخوة في الدين، امتحان لوجدان كل المؤمنين.

هذا المثال في تاريخنا يستعرض مدى رقة قلب هذا المؤمن:

من السلاطين العثمانيين الخان عبد الحميد الأول، بعد أن سقطت قلعة أوزي وأبيد سكانها الأبرياء قال:

«يا إلهي! أبنائي الجنود وأهاليَّ البريئين تشتتوا!» ومن شدة تأثره أصيب بالشلل وتوفي على أثره. هذه الحالة من تجليات إحساس عميق بالمسؤولية! سلطان عالـَم ٍ كبير، لرائعة جداً خصوصية إيمانه الذي أذاب قلبه بألم ودفع حياته ثمناً له لدرجة قول «آه!».

إذاً تــُخل المسؤولية و لن تراعى حقوق أخوة الدين ،عندما تـُفقد حساسية الإيمان هذه.

فليعلم المؤمنون الذين يحملون هذا الشعور، أن من مهامهم الالتزام بالمحبة والتعاون والحرص وتتبع أمور بعضهم، نيلاً لرضا الله -عز وجل-.

وأيضاً المؤمنون بحاجة لبعضهم في الدعاء والخير دائماً. فالمؤمنون الضعفاء والمحتاجون بحاجة إلى عطف المؤمنين الأقوياء والأغنياء،والمؤمنون المقتدرون بحاجة إلى أدعية خيرة من المؤمنين الضعفاء.

عبّر مولانا جلال الدين الرومي عن هذه الحقيقة بكلام جميل:

«كما أن الأشخاص الذين أنعم الله عليهم بصفة الجمال يبحثون عن مرآة براقة وصافية، فالسخاء يطلب أناساً فقراء وعاجزين. المرآة تظهر مفاتن جَمالهم، وجمال الكرم والإحسان يرى الحياة بوجود الفقراء والمساكين»

ومن جانب آخر، يتوجب على الذين يعانون متاعب حياتية مختلفة من الأذى والعنف أن لا يتلقوها كجزاء. وليعلموا أنها من مقتضيات الامتحان الإلهي. وعلى أية حال يجب طلب الأجر بالحمد والصبر.

ولهذا السبب يتساوى الأغنياء الشاكرون والفقراء الصابرون، من حيث نيل رضا الله -عز وجل-. الفارق الوحيد هو امتحان الأول بالثراء والثاني بالفقر.إن الله تعالى يرينا مثالاً على ذلك حال سيدنا سليمان وسيدنا أيوب عليهما السلام:

كان سليمان -عليه السلام- ــ صاحب ثراء لا متناه ـــ في حالة شكر دائم لله تعالى صاحب النعم، ولم يُشغل قلبه بالنعم الدنيوية قط، ولم يكن مغروراً أبداً. وبسبب سلوكه الجميل فاز بثناء الله «نِعمَ العبد»[1]

ومن جانب آخر أُمتحِن أيوب -عليه السلام- بالأمراض والحرمان، فلم يشك أبداً، وكان في حالة رِضىً دائم، مفكراً بأن ذلك تقدير من الله تعالى وامتحان له. نال رِضىً وقناعة ــ أيوب -عليه السلام- مثل سليمان -عليه السلام- ــ الثناء من الله «نِعمّ العبد»[2]. فليس مهماً بأية صورة يمتحن العبد، ولكن المهم كيف يستجيب لهذا الإمتحان.

لهذا السبب وقبل كل شيء يتوجب على كل مؤمن حقيقي أن يوجّه إرادته باستقامة رضاء الله -عز وجل-. ولتعميق هذا الحس عليه أن ينظر إلى من هم أكثر فضيلة منه في المسائل المعنوية ويتخذهم قدوة له. ومقابل ذلك عليه أن يكثر الشكر عندما ينظر إلى من هم دونه في المسائل المادية. وأن لا يشكو من حرمانه الذي قدره الله سبحانه وتعالى بالذات. وأن يفكر بكمال الدنيا والآخرة، معزياً نفسه بالتفكير في تخفيف مسؤوليته في العالم الأبدي.

لأجل ذلك فالله تعالى سيحاسب العباد الذين نالوا نعماً قليلة حساباً أقل من العباد الذين نالوا نعماً كثيرة. يعني ذلك أن حساب الآخرة يكون بمقدار النعم الممنوحة في الدنيا، فتتجلى العدالة الإلهية بهذا لشكل.

وعلى هذا الإعتبار لا يمكن مقارنة المسؤولية في خصوص قبول الحقائق الدينية، الشخص الذي يعيش في دولة متمدنة ومتدينة بظروف مواتية لدرجة لا يمكن القياس مع شخص يعيش في مجتمع ضال أو شخص ينتسب إلى أقوام بدائية فتح عينيه للدنيا مثلاً في أفريقيا. لذلك فالعناصر التي تُبَين نصاب التكليف وتحدد حدود المسؤولية هي كل النعم الممنوحة للعبد.

قال الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (البقرة، 286)

هذا يعني المسؤولية تُقدر بنسبة القوة والإمكانات الممنوحة من الله -عز وجل-. والمفهوم المخالف للآية الكريمة، اعتبار العبد مسؤولاً عن الإجراء الذي لم يقم به وهو قادر على فعله.

يعني يتوجب علينا الإنتباه بأننا سنُحاسب يوم الآخرة على الخدمات الناجمة عن ابتعادنا عن الشر والظلم والتوصية بالخير والحق مثلاً والحسنات التي قمنا بها ونحن قادرون عليها.

في هذه النقطة تظهر مسألة في غاية الأهمية لنا نحن المؤمنين، وهي أنه من السهل علينا تثبيت التخلص من المسؤولية في المقدار المدفوع أي النِصاب المادي لفريضة مثل الزكاة، ولكن من الصعب تعيين المقدار التي تستجلب نصاب مسؤولية العبد،على كل النعم المادية والمعنوية الممنوحة من الله -عز وجل- تعالى للعبد. فمثلاً المثابرة في سبيل الله -عز وجل-، فريضة ودين على كل البشر بتكليف من الله تعالى، ولكن بخلاف الزكاة، لا نصاب ولا نسبة له.

بعض الناس، يكون حجم نصاب ــ الفرض ــ مسؤوليته بحجم «الكأس»، لقلة النعم الممنوحة له. مع العلم أن البعض الآخر حجم نصاب ـــالفرض ــ مسؤوليته واسعة مثل «القِدر». ذلك يعني أنه فُرض علينا التكليف بنسَب ٍ مختلفة،يعود تقديرها لله تعالى. فكما أن المكلف بزكاة مقدارها ألف ليرة، بدفعه مائة ليرة لا يوفي دينه، فحامل القِدر، عندما يأخذها وفي أسفلها كأس من الماء، تكون بمثابة الفارغة، فالمسؤولية التي تولدها النعم الأخرى هي نفسها.

ولهذه الرؤية، يتوجب علينا أن لا نعتمد أصلاً على قيامنا بالخيرــ الحسنات والصلاة ــ التضرع، لعدم إمكانية معرفتنا لنصاب المسؤولية بشكل تام التي تتولد من النعم الممنوحة لنا. لذلك ربما تضيع أعمالنا الصالحة داخل الوعاء، لكون سعة وعاء مسؤوليتنا كبيرة.

في عصر السعادة أمثلة كثيرة تتعلق بالموضوع. جاء أعرابي إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، قائلاً إنه سيؤدي الفرائض فقط. فقال عنه رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

أفلح إن صدق[3] لأن وعاءه مؤلف من الكأس.

مقابل ذلك، فرسول الله -صلي الله عليه وسلم- كان يقول في كل مرة، لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- الذي كان من الصحابة المختارين وأهل للفضيلة: «وهذا لا يكفي!» وبعد تقديم النصائح المتعددة قال له:

أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ

قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ

قَالَ: “كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ:

ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ[4]

وأخيراً من ناحية حجم المسؤولية، لا يمكننا معرفة ماهية ما نحمله بشكل قطعي، فيما إذا كان كأساً أم وعاءاً كبيراً. أصلاً أنفسنا لا تريد أن نعرف ذلك. لأنه ربما لدينا وعاء كبير، ولكننا نخفف عن أنفسنا بالقول «ستنقذني أعمالي الصالحة، ويكفيني كل هذا الخير و الحسنات، يعني هذا يكفيني، فأنا أملك كأساً». يظن أغلب أصحاب الأوعية الكبيرة، وهم يقيسون أنفسهم بأصحاب الكؤوس: «أنا ملأت وعائي». وأغلب الناس يخففون عن وجدانهم بمقارنة أحوال المجتمع بأحوالهم، وهم في غفلة كمن يريد أن يقيس البحرالأبيض المتوسط بِبَحر مَرْمَرهَ (بحر صغير بتركيا).

طبعاً، النعم الممنوحة من الله للأشخاص تختلف عن النعم الممنوحة للمجتمع. لذلك علينا أن لا ننظر للخدمات الذي نقوم بها في سبيل الله كافية، وأن لا نفكر بوصولنا لنهاية الخدمات التي نقوم بها. وأن نثابر بكل ما أوتينا من قوة وحتى آخر نفس فينا، للقيام باللازم من أجل المسؤولية التي ولـَّدتها النعم الممنوحة لنا.

وأيضاً علينا تجنب رؤية أنفسنا معفيين من المثابرة في سبيل الله بسبب الحرمان. في هذا الخصوص تضحيات الصحابة مثال رائع:

شارك الصحابي عبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه-، في حملة القادسية قائلاً: «وأنا أحمل الراية» قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ رَاكِبًا وَعَلَيْهِ دِرْعٌ وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ. (تفسير القرطبي، سورة عبس، 1-4)

على الرغم من إعفائه من الحملة لكونه كفيفاً. أعفي صحابي فقير من الحملة أثناء غزوة تبوك، لعدم تأمينه مركوباً له، وعلى الرغم من ذلك لم يتوانَ عن السفر، مشاركاً أحد الفرسان في المركوب، مقابل الغنائم التي سيهبها له عند الحصول عليها في حال النصر (أبو داود، الجهاد، 113، رقم: 2676). لذلك فهؤلاء الصحابة المباركون، كانوا يعلمون جيداً بأن قيامهم بالتضحيات وتحمـُّلهم الأذى عند فعل الخير، وسيلة لتضاعف أجرهم.

إن وسيلة التقرب من الله -عز وجل- بلوغ النضج القلبي، هي في كل الخدمات المخلصة من أجل البحث عن رضا الله -عز وجل-.

وبهذه الحالة؛ علينا أن نقوم بالخير بالقدر المستطاع ونخدم دين الله -عز وجل-، بالتغلب على العقبات الفانية، وأن لا نجلس جانباً قائلين: «أنا معذور» بسبب حرمانات مختلفة مثل الفقر والعجز والمرض.

قال الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد، 7)

لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة!..

في عصر الأمويين، وصلت الجيوش الإسلامية التي تريد نيلَ بشرى رسول الله بالفتح، إلى مشارف اسطنبول. عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ:

” إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا “، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة، 195) فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ “، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: «فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ». (أنظر: أبو داود، الجهاد،22/ 2512؛ الترمذي، التفسير،2 /2972)

كان عمر بن عبد العزيز في حالة محاسبة وجدان دائمة، حيث قام بأعمال كبيرة خلال فترة خلافته القصيرة التي دامت سنتين ونصف السنة في التاريخ الإسلامي. حيث قال عمر بصوت حزين لزوجته التي كانت تخفف عنه: «يا فاطمة، غداً في يوم الحساب، إذا سألني ربي عن الناس الذين أحمل مسؤوليتهم في عنقي، وإذا عاتبني رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ولامني، فماذا أقول؟» فتتغير ملامحه كطائر جريح سقط في الماء يتراقص ألماً.

قال الله تعالى في الآيات الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران، 102)

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحِجر، 99)

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الانشراح، 7ــ 8).

بموجب الآيات الكريمة هذه، علينا المثابرة على زيادة عشقنا للخدمة دائماً، وإلى آخر نفس فينا. وفي هذا الخصوص أن نتخذ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدوة لنا. هو الذي كان يصلي الليل حتى الصباح مستغفراً وباكياً، على الرغم من مغفرة كل ذنوبه الماضية والمستقبلية. كان يحمل الحجارة على ظهره المبارك أثناء بناء المسجد. ويجمع الحطب من أجل الطهي عند خروجهم للخلاء.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ نَتَعَاقَبُ ثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- فَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- يَقُولَانِ لَهُ: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ فَيَقُولُ:

إِنِّي لَسْتُ بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا، وَلَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي” (الحاكم، المستدرك، جـ2، ص 001، رقم 2453)

الخلاصة أنه يتوجب علينا أن نضحي بأنفسنا في سبيل خدمة الحق بقدر طاقاتنا، ولآخر نفس فينا، لعدم إمكانية تعيين نصاب إمكاناتنا وقابليتنا الممنوحة من الله تعالى لنا نحن العباد.

ومن جانب آخر، إن قيامنا بإرشاد وتبليغ الناس المخطئين والمحرومين من الإيمان بوجه إسلامي بشوش ولسان حسن، من أجمل أشكال إيفاء ديون الشكر التي ولدتها نعم الإيمان. ولكن علينا الإنتباه إلى أن الغضب لا يفيد المذنبين بل الرحمة تفيدهم لأنهم مثل الطيور الجريحة. ذلك يعني يجب أن لا يطهر شعور كره الخطيئة إلى المخطئ. فلا يقوم ذلك إلا في مناخ ومحيط تسامحي مستوعباً التصوف بجدارة والأبعد من ذلك بإحساس عميق ونزيه.

أغلب الناس في أيامنا هذه، يعانون من علل عجز إرادة الدين لديهم، علينا أن نكون في حس طبيب ٍيتجـوَّل في ممرات المشفى داخل المجتمع، كما أن مسؤولية الطبيب الإنساني والوجداني تقتضي إيجاد الحلول لمعالجة المريض، يتوجب علينا تحمـُّل مسؤولية إرشاد الناس المبتلين بأمراض معنوية.

لأجل ذلك قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

الدين النصيحة” (البخاري، الإيمان،42)

وكرر قوله ثلاث مرات ٍللإشارة إلى لزوم تكرار النصائح.

لا تثقْ بعملك!…

لا يمكن إيفاء ديون شكر النعم الممنوحة بشكل تام بأي عمل يقوم به العبد. ولهذا السبب يرجو كل العباد الصالحين والعارفين وحتى الأنبياء أن يُحاسبوا بالرحمة و عفو الله -عز وجل-، ليس مقابل أعمالهم فقط.

لذلك قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- داعياً أصحابه أن يعيشوا حياة عبدٍ متوازنة، بعيدة عن الإفراط والتفريط:

قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله

فسأله الصحابة بدهشة:

«يا رسول الله ولا أنت؟». فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل(مسلم، المنافقين، 76، 78)

يقول رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في حديث شريف آخر:

” لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ، مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ، هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” (أحمد، جـ 4، ص 185)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النِّبِيِّ -صلي الله عليه وسلم-َ قَالَ:

“لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ، إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللهِ، لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ ” (أحمد، جـ 4، ص 185)

يعني ذلك أن العابد المؤمن يدرك بأن أعماله ليست كافية لخلاصه. على الرغم من قيام رسول الله -صلي الله عليه وسلم- للصلاة في الليالي إلى درجة تورم قدميه، إلا أنه كان يتوسل لله -عز وجل- دائماً مبيناً عجز الإنسان في هذا الخصوص:

اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ” (مسلم، الصلاة، 222)

لذلك يتوجب علينا أن نرجو العفو والكرم من الله -عز وجل- وأن لا نخفف عن أنفسنا نتيجة أعمالنا، وإلى جانب ذلك أن لا نتخلى عن المثابرة والمواظبة على عبادة الله -عز وجل-.

*

الخلاصة، من المحقق أن أعباء المسؤولية الإلهية ستثقل أكثر فأكثر علينا في أيامنا هذه التي هلكت في سراديب الأزمات الروحية وحصار النزوات النفسية واللذات الفانية.

ربنا! اجعل من نصيبنا المثابرة والمواظبة بالقدر المطلوب للقيام بمسؤولياتنا! واعف عن أخطائنا ونواقصنا وشرِّفنا بجنتك وجمالك أجمعين! آمــين…  


 

[1]      سورة ص،03

[2]      سورة ص، 44

[3]      انظر من أجل تفصيلات الحديث: البخاري، الإيمان، 34، الصوم، 1،

الشهادات، 26؛ مسلم، الإيمان، 8-9.

[4]      انظر تفصيلات الحديث: الترمذي، الإيمان، 8؛ ابن ماجة، الفتن، 12/3973.