التفكر

إنَّ التفكرَ مهارةٌ حياتيةٌ وَهبها اللهُ تعالى للمخلوقات كافة وليس للإنسان فحسب، فكلُّ مخلوقٍ يستخدم فكرَه بما يتناسب مع حياته وخِلقته، ولكنَّ أولَ ما يشغل فكر المخلوق هو تأمين احتياجاته الأساسية من مأكلٍ ومشربٍ وتناسلٌ والعيش في وضع أكثر راحة، وهذا هو القدر الذي يقف عنده فكرُ الحيوانات ويَنْصَبُّ عليه، ولا يتعداه إلى ما وراءه من أمور تتعلق بالكون والمستقبل لأن مهارة التفكير التي وهبها الله تعالى لها إنما تفي بحاجاتها فحسب.

أما الإنسانُ، فله شأنٌ آخر، حيث يقع على الإنسان عبءُ القيام بمسؤولياتٍ عِظَامٍ ومهامَّ جِسَامٍ بوصفه أشرف المخلوقات وأسمى الكائنات، وللوفاء بهذه المهمة الجليلة فقد تمتع بمهارةٍ متقدمةٍ في التفكير.

فالإنسانُ يتميز عن سائرِ المخلوقات أنه يتجاوز التفكيرَ في حاجاته الوجودية من مأكلٍ ومشربٍ وتناسلٍ إلى التفكيرِ بحاجاتٍ روحيةٍ نفسيةٍ، وبذلك تتكشف له أسرارُ ذاته، ويسمو إلى جنان الصلة بالله والتعرف على تجلياته وجماله.

فإذا أهمل الإنسانُ ما وهبه اللهُ تعالى من نعمةِ التفكُّر، ولم يسعَ إلى الترقي في مدارجِ الكمال البشري الذي أراده اللهُ له فإنه يتيه بين أهواء النفس وشهواتها، فينسلخ عن إنسانيته ويهوي إلى درك الحيوانات.

ويلخص أحدُ المفكرين – الذين أدركوا هذا العمق الروحي – هذه الحقيقة، فيقول: (هذا الكون إنما هو تفكرٌ، فالعقلاء يتفكرون في بديع صنعِ الله فيه، والحمقى تشغلُهم شهواتهم وملذَّاتهم عنه).

فالذي يجعل من الإنسان إنسانا إنما هو هذا السمو، أن يسمو في فكره عن حاجاتِه المادية ليلبي نداءَ الروح، فالله -عز وجل- يريد لعباده أن يكونوا على مستوى عالٍ من رهافة الشعور في إيمانهم وعبادتهم، ولن يتمَّ هذا إلا بما ذكرنا من السمو في التأمل والتفكر.

لذلك كان التعمقُ في التفكر والسمو بالروح من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق العبد، فبسموِّ الروح يَرِقُّ قلبُ العبد ويخشع في عبادته ويترقى في كمالات الأخلاق والمعاملات.

وحين نحلِّق في فضاءات الكون ونتفكر في أسراره نجد أنفسنا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، والتي تستتر إجاباتُها في أعماق أرواحنا، فمن أين أتينا؟ وإلى أين المصير؟ ولماذا خلقنا؟ وكيف نعيش؟ ومتى ستنتهي رحلتنا هذه؟ وما سر الموت الذي يختمها؟ وما هذا الكون الذي يحيط بنا؟ مَن خلقه ؟ ومَن يدبر أمره؟.

والتفكُّر في هذه الأسئلة والبحث عن إجاباتها يقود العبد إلى الفناءِ في الذات الإلهية والشعورِ بالعجز المطلق أمام قدرتها الغالبة، فيعلم يقينا سُخف من يدَّعي أن له وجودا أو كيانا أمام هذه العظمة الإلهية المطلقة، وعندها يتحقق العبد بعبوديته لله تعالى، ويتلقى منه سبحانه فيوضات رحمته وتجليات صفاته، وبهذا التفكر يدرك العبد أنه إن كانت الكعبةُ المشرفة قبلةَ الجسد في الصلاة فإن اللهَ تعالى هو قبلةُ الروح في تفكرها.

ولهذا يقول سيدُنا علي -رضي الله عنه-:

(لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا عمل به، ولا خير في تلاوة للقرآن لا تدبر فيها).

ويقول أبو الدرداء -رضي الله عنه-:

(ساعةُ تفكُّرٍ خيرٌ مِن عبادةِ أربعين سنة).

فالتفكُّر من شأنه أن يرتقيَ بالعبادةِ ويعمِّق الإحساسَ بها ويزيدَ الخشوع فيها والشكرَ عليها.

والعبادةُ – حين تؤدَّى بخشوعٍ يرققُ الشُّعور، وبتفكرٍ ينفُذ إلى القلب – ضروريةٌ للمسلم كما العقيدة الصحيحة، فبها يزداد العبدُ قرباً من مولاه ورسوخاً في الإيمان به، وهذا من أهمِّ ما تميَّز به الصحابةُ الكرامُ والمؤمنون الصادقون، أنهم ملكوا قلوباً سلميةً وأرواحا متبتلة.

فربنا جل وعلا يأمرنا أن نتفكر في قدرته وعظمته الإلهية، وفي كرمه وفضله على خلقه، وأن نتدبر أسرار وحِكَم نظام هذا الكون العظيم، وأن ندرك – نتيجةً لهذا التفكر – أن هذه الدنيا فانيةٌ زائلة وأنَّ الحياة الباقية هي الدار الآخرة، فنكون عندئذ من عباده المتقين والمحبين له سبحانه، المتواضعين لعظمته والزاهدين بغيره.

يقول سيدنا بشرٌ الحافي رحمه اللهُ تعالى:

(لو تفكَّر الناسُ في عظمة الله تعالى لما عصوه).

و إلى جانب الآيات المبثوثة في أرجاء الكون والتي لا تُعدُّ ولا تُحصَى نجد الله تعالى يعرض في كتابه العظيم أمثلةً تدعو عبادَه للتأمل والتفكُّرِ في الكون:

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر، 21).

ويصوِّر القرآنُ الكريم الذين يقيدون عقولهم عن التحليق في فضاءات التفكُّر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾   (محمد، 24).

وتقوم حياة نبينا -صلي الله عليه وسلم- نموذجا صارخا على ضرورة التفكُّر للوصول إلى الكمال الروحي الذي يريدنا عليه ربُّنا سبحانه وتعالى، فنبينا كان يُمضي لياليه عابداً متبتلا حتى تورمت قدماه، وكان قلبه متيقظا دائما وإن نامت عيناه، ولم يغفل لحظةً واحدةً عن ذكر الله تعالى ومراقبته والتفكر في آلائه. وفيما يلي تعرض لنا أمنا السيدة عائشة -رضي الله عنها- مثالا على رقة قلب النبي -صلي الله عليه وسلم-، فتقول:

(لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟!، قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾)[1].

وهكذا ظل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ليلة نزول هاتين الآيتين يبكي حتى الصباح بدموع تغبطه عليها قطرات الندى فوق الورود، وكذلك تكون هذه الدموع التي يسكبها المؤمنون – بتفكرهم في تجليات القدرة الإلهية – زينة في لياليهم الفانية، وسراجا في ظلمات قبورهم، وبشرى بين يدي جنانهم المنتظرة.

لقد بدأ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حياة التفكر والاعتكاف في غار حراء قبل أن يَشرُفَ بمهمة الرسالة، وكان تعبُّده في غارِ حراء وهو يشاهد الكعبة يشبه تفكُّرَ جده إبراهيم وهو يتأمل في ملكوت السموات والأرض، يستوحي من القدرة الإلهية مواعظ وأسرار هذا الكون العظيم. وعلى هذه الحال من الحزن والهم امتدت أيام رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، فكان حديثه ذكرا وصمته فكرا.

فقد جاء في الحديث الشريف:

(إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا، وَصَمْتِي فِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً)[2].

(تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ)[3].

(… وَلَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ…)[4].

والخلاصة… أنه لابد – حتى نتأسى بنبينا المصطفى -صلي الله عليه وسلم- ونكون على سنته ونهجه – أن نجعل التفكر سلوكا وعادة لا نحيد عنها، وأن نصغي بقلوبنا للحِكَم العميقةِ والأسرارِ المنثورة في جنبات الكون. فلن نكتشف الروحَ وأسرارها، ولا الكونَ وآياته إلا عن طريق التفكر، ولن نطل على هذا العالم من نافذة الإيمان إلا إذا نظرنا إليه بعين العبرة والتأمل.

وعندها ستنساب فيوضات الحكمة الربانية في قلوبنا، وتشع أنوارها على جوارحنا، وهذا مراد التصوف من العبد، وليس مراده التلفعَ بالخرقة والتغنيَ بالأوراد.

فالتصوف قبل أي شيء هو تفكرٌ فيما علينا من مسؤوليات، ومحاسبة أنفسنا بأنفسنا، والسير إلى الله بوعي وإدراك.

التصوف هو التخلص من أهواء النفس كلها، والتعمق في التفكر والتأمل الروحي، والترقي من مرحلة إلى التي تليها وصولا إلى الوصال الأبدي.

[1]      صحيح ابن حبان، باب التوبة، 620.

[2]      مسند الشهاب، 1159.

[3]      المعجم الأوسط للطبراني، 6319.

[4]      شعب الإيمان للبيهقي، باب تعديد نعم الله، 4326.