التصوف والفلسفة

إذا أردنا تعريف الفلسفة بعيدًا عن أصلها اللغوي الذي يعتريه لغط كبير، فإن معناها الاصطلاحي أو المتعارف عليه هو ذلك العلم الذي يسعى إلى وضع أحكام عامة للعلوم كلها، وقواعد كلية للعقل يتوخاها في بحثه عن الحقيقة عبر كل العلوم البشرية الظاهرية.

وعليه فإن الفلسفة هي أم العلوم، محرابها العقل، وديدنها القوانين الطبيعية، ورغم سعيها إلى الحكمة عبر محاولة تفسير الأحداث والعلوم، فإن قصورها ناتج من اعتمادها على العقل وحده، والمبالغة في ذلك أحيانًا إلى درجة تصل به إلى القداسة.

فإذا رجعنا إلى قيمة العقل ومكانته في الإسلام وجدناه أحد الشروط الأساسية للفرائض والعقائد والعبادات، وهو مناط التكليف؛ إلا أنه ليس المنهاج الأوحد للوصول إلى الحق والحقيقة، بل صنوه الذي لا يفارقه هو «النص»، أو «النقل».

وهو ما يدفعنا إلى القول بقصور العقل منفردًا عن الإحاطة بحكمة «الشارع»، وإدراك حقيقة «الخلق» و«الخالق» سبحانه.

فما السبيل إذًا إلى مواصلة البحث فيما وراء الطبيعة، والكشف عن الحقائق الميتافيزيقية واستكناه علومها؟

هنا يأتي دور التصوف؛ حيث يوظف الإمكانات كلها: العقل، والنقل، والقلب، والكشف، ثم هو يتخطى إلى أفق أرحب، فيربي العقل تربية روحية تمنحه إمكانات أعلى في الاستيعاب والإدراك، وكذلك تضبط حركة «الكشف والإلهام» بضوابط «النقل» فلا تقبل قدسية العقل، ولا تقبل أيضًا شطحات الكشف؛ إنما تصهر إمكانات الجميع في بوتقة واحدة تكون نتيجتها مقبولة من الجميع، فكرًا وعقلاً ونقلاً وقلبًا، يقبلها النقل والعقل، ويتقبلها الناس على اختلاف مستويات مداركهم ومشاربهم. أما إذا كان «الفتح» أوسع وأعمق، والكشفُ أكثرَ لطفًا ودقةً من أن تدركه العقول، أو تحتمله النصوص ظاهريًا، فثمة قانون صوفي مؤداه أن ما يكشفه الصوفي بقلبه وروحه لا يُجبَر غيرُه على التصديق به؛ هذا القانون يقول:

«الكشف دليل لأهل الكشف لا لغيرهم».

لكن المحير في الأمر أن الرغبة الجامحة في الوصول إلى الحقيقة، وفي كشف الغموض، وحب الاستطلاع هي رغبات فطرية مركوزة في الجِبِلَّة الإنسانية، وربما كانت هذه الرغبة هي الدافعَ لحيرة الفلاسفة وتعدد المناهج والمدارس الفلسفية، وربما السبب الآخر في قصور هذه الفلسفات والتيارات الفكرية كلها هو اعتمادها فقط على العقل؛ ذلك العقل الذي يبذل أقصى طاقاته، ويستنفذها في حل مشكلات الفلسفة، والإجابة عن تساؤلاتها الأزلية، لكنه في النهاية يعلن عجزه واستسلامه، ومن ثم يأتي فيلسوف جديد بمنهج جديد وفلسفة جديدة، لا تستطيع هي الأخرى أن تجد الإجابات المطلوبة، لكنها تستطيع فقط أن تنقد وتنقض الإجابات السابقة التي اقترحتها الفلسفات السابقة.

كل ذلك التيه الذي يعيشه الإنسان في فلسفته كان سببه عدم إيمانه، فلا دين يمنحه الحقائق الكبرى، ولا إيمان يهدي قلبه وفكره، ولا تقوى تهدهد روحه، وتطفئ ظمأها للحقيقة، إنما الموجود فقط عقل، وعقل بلا هدى.

فالعقل وحده غير كاف على الإطلاق، وهو سلاح ذو حدين، قد يقتلك أو يقتل عدوك، هذا العقل يمكنه أن يقودك إلى الخير والبر والصلاح، فترتقي درجات الكمال الإنساني إلى مرتبة {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، وقد يسوقك العقل إلى الغواية والبلايا والرزايا، فتهوى في دركات البهيمية إلى حضيض {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.

ولا ينكر أحد عبقرية جنكيز خان أو ذكاء هولاكو، ورغم ذلك لم يحجزهما عقلُهما عن ارتكاب أشنع الجرائم التي ما زالت وصمة عار في جبين الإنسانية، ومع ذلك لم يندى لهم جبين خجلًا مما فعلوه، ولا رف لهم جفن من تأنيب الضمير.

إذًا، فالعقل لابد له من هدى، وليس يهدي العقلَ سوى خالقه سبحانه، فإذا ما انضبط العقل بضوابط الشرع، والنص، والنقل، وتربى على منهاج الله تعالى قرآنًا وسنة، وتربية صوفية، كان في ذلك خلاصه من تيه الفلسفة وحيرتها.

ولو كانت العقول العظيمة لها القدرة وحدها على تدبير أمر البشرية لاستطاع الفلاسفة أن يوجدوا «المدينة الفاضلة» ولاستطاعوا أن يدلوا الناس على طريق السعادة، أو لأغنوا عن إرسال الأنبياء لهداية البشرية، ولما احتاج الناس إلى «هدى» من السماء ينزل به الوحي.

وقد لاحظ بعض الفلاسفة هذه الحقيقة، واعترفوا بعجز العقل، لذلك بدؤوا بالبحث عن وسائط أخرى يستخدمونها في بحثهم عن الحقيقة، ومن هؤلاء الفلاسفة الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941) الذي قبِل «الحدسَ» وسيلة من وسائل الوصول إلى الحقيقة، وكلمة «الحدس» هذه كان أهل الكشف يستخدمونها في الماضي لنشاطاتهم القلبية، وكانت تسمى «السوانح القلبية».

ويقول برغسون أنه من الخطأ واللامنطقي رفض الحقائق الميتافيزيقية التي يتلقاها المتدينون حين يصلون إلى مرتبة معنوية محددة بعد تطهير القلب وعبر الرياضات الروحية (الذكر الصوفي وغيره)، لأن هذه الحقائق لا تخضع للتحليل التجريبي مثل الحقائق الفيزيائية، وأوضح أن الحقائق المجردة مثل تلك الموجودة في التجارب الصوفية لا يمكن أن تكون موضوعًا في تجارب المختبرات، وهذا يظهر أن جزءاً صغيرًا من الفلسفة يلائم الفكر الديني، وبالتالي فهو يلائم التصوف.

أما البقية من الفلاسفة فما زال العقلُ محرابهم، وما زالوا يتخبطون في ذلك القفص الحديدي الضيق الذي حبسوا فكرهم فيه، ولم يفتحوا له آفاق الروح والقلب والمشاعر والدين، فصاروا في غيِّهم يترددون ويناقضون.

وعلى النقيض تمامًا نرى العقل الذي غذاه الوحي، وهداه أنبياء الله الذين كانوا جميعا ينهلون من معين واحد، ويصدرون عن أمر واحد[1]، ويدينون بدين واحد، ويؤمنون برب واحد.

ويقول الإمام الغزالي ~:

«ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضًا غير وافٍ بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلًّا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات»[2].

ويوضح نجيب فاضل قيساكوراك موقف الإمام الغزالي بين العقل والمعرفة في أحد مؤلفاته قائلًا: «إن المفكر الكبير المعروف بـ(حجة الإسلام)… كان مما قاله في المرحلة التي ترك فيها أمور الإدراك العلمية والفكرية كلها، وتوجه إلى المعرفة الحقيقية: وجدت أن كل شيء هو عبارة عن اللجوء إلى روحانية نبي الأنبياء، وسائر ما تبقى ما هو إلا كذب ودجل، ووهم وخيال!.. أما العقل فهو لا شيء… مجرد حدود!

وهذا الرأس العبقري العظيم الذي لم ير العالم مثله قد تراجع عن تساؤلاته كلها، والتجأ إلى روحانية نبي الأنبياء، ووصل إلى اللاحدود»[3].

ذلك هو العقل العاجز المحدود، وهذا هو التصوف بعالمه الرحيب اللانهائي، فإذا لم تكن تملك مفاتيح عالم الحقيقة الأبدية، وهي حياة قلبك ومشاعر روحك، فلن يستطيع مفتاح العقل وحده أن يلج بك إلى ذلك العالم المنشود.

[1]   في ذلك يقول الحق -عز وجل-: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (الشورى، 13).

[2]   الغزالي، المنقذ من الضلال، ص28.

[3]      نجيب فاضل قيساكوراك، من جيش الأولياء، ص213.