الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي رحمه الله (4651-4261م)

ولد الإمام الرباني رحمه الله في بلدة سرهند التابعة لدولة الهند في شهر شوال سنة 179 هـ. ويُلقب ب “الفاروقي” لأن نسبه يعود إلى سيدنا عمر بن الخطاب t.

كان والده السيد عبد الأحد صاحب فضل رفيع، ومن أهل العلم والعرفان، حيث كان مجازاً من الطريقة الجيشتية والقادرية، ومتمماً للظاهر والباطن فيهما.لقد بدأ أحمد السرهندي تعليمه الأولي بحفظ القرآن الكريم، وصار حافظاً له خلال فترة زمنية قصيرة. تلقى أغلب علومه من والده، مع أخذه لجزء منها من كبار علماء عصره. وبعد تلقيه العلوم من أبيه والعلماء المحيطين به توجه إلى سيالكوت التي تُعد مركزاً علمياً كبيراً. وأخذ هناك العلوم العقلية والنقلية على يد مختلف العلماء، وأولى السرهندي أهمية خاصة وكبيرة لعلوم التفسير، والحديث، والفقه.

ولما بلغ السرهندي السابعة عشر عاماً من عمره كان قد قطع أشواطاً متقدمة وكبيرة في تحصيل العلوم الظاهرية فعاد إلى أبيه وبدأ بإلقاء الدروس إلى جانبه. وفي هذه الفترة أخذ الإجازة  في التفسير والحديث من قاضي بهلول بداخشاني.[1]

وعندما بلغ الثامنة عشرة أو العشرين عاماً من عمره ألف كتاباً أسماه “إصابة النبوة” تصدى به علماء البلاط الغافلين المنحرفين نحو الضلال الذين أبدوا إعجاباً فريداً بالفلاسفة وأقاموهم في مرتبة أعلى من الأنبياء تقريباً. فتناول فيه الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت أهمية النبوة ولزومها. وألف كتباً أخرى في هذه الفترة.

وبعد مدة من الزمن انتسب إلى أبيه وأخذ يداوم على حضور مجالسه بصورة مستمرة. فكثف كل جهوده وهمته على التربية التصوفية. ولازم والده ملازمة تامة حتى يتفادى التقصير في القيام بخدمته والبر به، فلم يذهب إلى مكان آخر أبداً. توفي والده عبد الأحد سنة 7001هـ / 9951م. وكان قبل وفاته بمدة قصيرة قد أعطى الخلافة لابنه الإمام الرباني أحمد الفاروقي.

وبعد وفاة والده خرج الإمام الرباني في شهر ربيع الآخر من عام 8001هـ من بلدة سرهند قاصداً مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. كان عمره وقتئذ سبعة وثلاثون عاماً. ولما وصل إلى دلهي زار الباقي بالله بناء على نصيحة من أحد أصحابه. وبعد أن حضر مجلسه لمدة من الزمن انتسب إليه.[2]

مكث الإمام الرباني رحمه الله عند الشيخ الباقي بالله مدة تقارب الشهرين والنصف إلى ثلاثة شهور. ثم عاد إلى بلدته لأن موسم الحج كان قد فاته. وأخذ يعلم شيخه بالأحوال الروحية التي يمر بها من خلال المراسلة، وبعد فترة من الزمن زار أستاذه مرة أخرى، وأعطي في هذه الزيارة إجازة الإرشاد “الخلافة”. وبعد أن أمضى شهرين في كنف شيخه عاد مجدداً إلى بلاده وبدأ بإرشاد الناس وفقاً لأصول الطريقة النقشبندية. أحس في هذه الفترة بنقص في الناحية الروحية والمعنوية وفكر بالانكفاء والانزواء بنفسه، إلا أن إصرار مريديه دفعه إلى التراجع عن فكرته ومتابعة الإرشاد.[3]

في زيارته الثالثة لأستاذه صادفه في الطريق فأبدى اهتماماً وحفاوة بالغة به وأحال إليه مهمة تربية الكثير من مريديه.

على الرغم من نيل الإمام الرباني الكثير من الأحوال والفضائل السامية والرفيعة إلا أنه كان يتصرف أمام شيخه بغاية الأدب والتواضع. فذات مرة كان أستاذه قد أرسل أحد التلاميذ في طلب الإمام، ولما سمع الإمام الرباني بدعوة أستاذه له امتقع لونه في الحال وبدت عليه حالة من الارتجاف التي تظهر على الشخص المتعرض لخوف وفزع شديد. وكان أستاذه يبادله المعاملة ذاتها، حيث كان يظهر له احتراماً ومحبة بالغة.[4]

وبعد وفاة الشيخ الباقي بالله استمر الإمام الرباني رحمه الله بالإرشاد في سرهند، وأخذ يبعث بالرسائل إلى مريديه القاطنين في أماكن بعيدة عنه، وإلى رجال الدولة. كان يتناول في الرسائل التي يبعث بها إلى تلامذته المسائل الدقيقة للتصوف، وأما الرسائل التي كان يوجهها إلى رجال الدولة فقد كان يركز فيها بشكل أكبر على أسس ومبادئ الإسلام، وعلى المواضيع العامة مثل تلك المتعلقة بمذهب أهل السنة.

لقد كان الإمام الرباني يذهب كل عام في ذكرى وفاة أستاذه المصادفة لشهر جمادى الآخرة لزيارة قبره، ثم يعود مجدداً إلى سرهند. [5]

علاقاته مع السلاطين

لقد كان سلطان بابور أكبر شاه في البدء مسلماً متديناً وصاحب عقيدة فطرية صافية وسليمة. وكان أمياً لا يعرف القراءة والكتابة. إذ كان قد حرم من المعرفة والتحصيل العلمي بسبب الأحوال السياسية والهجرات التي نتجت عنها. ولهذا فقد انحرف نحو الأباطيل والأفكار الضالة تحت تأثير العلماء المحيطين به والذين كان كل همهم الوصول إلى المصالح المادية الدنيوية. فكان رجال العلم هؤلاء يحاولون التقرب إلى السلاطين ورجال الدولة، وكانوا يبذلون كل ما بوسعهم للظهور لطفاء ومقبولين أمامهم، فكانوا يتسببون بإثارة وإيقاظ الكثير من الشكوك والشبهات في الأذهان تجاه الإسلام. وكانوا يضللون الأغنياء عن طريق إثارة المسائل الاختلافية والتركيز عليها.[6]

وبالنتيجة قام أكبر شاه الذي فقد الاستقامة الدينية بإسناد الوظائف المهمة في إدارات الدولة لغير المسلمين؛ وأدخل بعض النساء الهندوسيات إلى حرمه. وأقدم بتشجيع من المقربين إليه على إيجاد دين جديد باسم “الدين الإلهي” بذريعة التوحيد بين الإسلام والهندوسية. وتم هدم المساجد في بعض الأماكن ليشيد عوضاً عنها المعابد الهندوسية.

وبدأ أكبر شاه بإصدار أمر إلى الناس للسجود في حضرته تعبيراً عن إظهار الاحترام والتبجيل له. ولم تكن هذه الحالة تشكل مسألة ذات أهمية بالنسبة للهندوسيين، إلا أنها كانت تُعد مشكلة بالغة العظمة بالنسبة للمسلمين الصادقين المخلصين. وكان أهل الأهواء والدنيا من اللاهثين خلف المنافع، وعلماء الغفلة والسوء الذين يسعون إلى كسب رضا وود السلطان يصدرون الفتاوى بجواز السجود في حضرة السلطان مبررين الأمر بأن السجود بنية السلام والاحترام وليس بنية العبادة.

فذهب الإمام الرباني رحمه الله إلى العاصمة آغرا “أكبر أباد” فالتقى ببعض المقربين إلى السلطان، وقال لهم:

–    إن السلطان قد وقع في معصية الله تعالى ورسوله، فذكروه بأن ملكه وسلطانه سوف يتصدع وينهار. فليتب من معصيته، وليعد إلى سلوك سبيل الله ورسوله!”

لقد كان بعض رجال الدولة ممن يشغلون مناصب عالية ومرموقة يظهرون احتراماً كبيراً للإمام الرباني رحمه الله، وقد بذلوا جهوداً كبيرة من أجل إعادة السلطان إلى الطريق القويم، إلا أن السلطان كان غارقاً  في أمواج الدين الجديد الذي أوجده، ولم يُعر أي اهتمام بالنصائح التي قدمها له هؤلاء الرجال. وبصورة مفاجئة أخذ منجمو أكبر شاه يتنبؤون بقرب انهيار حكمه وملكه، فأصيب السلطان بحزن شديد نتيجة لهذه التنبؤات، وفوق ذلك فقد رأى حلماً عجيباً في تلك الأيام. ونتيجة لذلك فقد أصدر قراراً مفاده:

–    من أراد اعتناق الإسلام فليفعل، ومن أراد اعتناق الدين الإلهي فليفعل. فلا إكراه ولا إجبار لأحد من الناس في اعتناق ما لا يريده.

نُصبت في أحد الاحتفالات خيام لأتباع الدين الإلهي، وأخرى لأتباع الإسلام. وكانت خيام أنصار الدين الإلهي الجديد مصنوعة من أفخر وأجمل أنواع القماش، وفيها موائد تتضمن أطيب وألذ أصناف الطعام والشراب والفاكهة، وأما خيام المسلمين فكانت متواضعة من حيث القماش والطعام، وتظهر عليها علامات الفقر والحرمان.

فجاء الإمام الرباني رحمه الله مع أتباعه إلى خيام المسلمين ونزلوا فيها. ثم أخذ الإمام حفنة من التراب بيده وألقى بها تجاه خيام أنصار الدين الإلهي، فهبت عاصفة شديدة على تلك الخيام، وتعرض أكبر شاه وأنصاره للحظات عصيبة، بينما بقيت خيام المسلمين هادئة ولم يتعرض لشيءٍ مما أصاب السلطان وأنصاره. وأمام هذا التحذير الإلهي الجلي والصريح تراجع بعض أركان الدولة وضباطها عن مواقفهم، وأصبحوا مريدين للإمام الرباني.[7]

توفي أكبر شاه في عام 5061 وتولى العرش من بعده ابنه جيهانجير . سُر الإمام الرباني كثيراً بهذه الحالة، لأنه كان يعتقد بأن جيهانجير إنسان متمسك بالإسلام.

أرسل الإمام الرباني الكثير من مريديه كخلفاء له إلى مناطق مختلفة من البلاد من أجل القيام بمهمة التبليغ والإرشاد. وعلى سبيل المثال تلميذه مير محمد نعماني، فقد أعطاه الخلافة وأجازه ثم أرسله إلى “دكن”. وقد التف حوله في تكيته المئات من الناس، حيث كانوا ينشغلون بذكر الله تعالى ومراقبته، وبتحصيل العلم. وكذلك أعطى الخلافة للشيخ بديع الدين سهارنبوري ثم بعثه في البدء إلى بلدته، ومن هناك أرسله إلى “آغرا”. وبذلك فقد انضم الكثير من رجال الدولة إلى حلقات الذكر والإرشاد، وتاب الآلاف من ضباط العسكر على يد الإمام الرباني رحمه الله.

أرسل الإمام الرباني رحمه الله سبعين شخصاً برئاسة مولانا محمد قاسم إلى أنحاء تركستان. وبعث بأربعين شخصاً تحت قيادة مولانا فروح حسين إلى أنحاء السعودية، واليمن، وسوريا، والأناضول. وأرسل عشرة أشخاص ممن بلغوا مرتبة الكمال برئاسة مولانا محمد صادق باتجاه كاشغار، وكذلك أرسل ثلاثين شخصاً آخرين بقيادة الشيخ أحمد بكري إلى أطراف تركستان، وبداخشان، وخراسان. لقد حقق هؤلاء الأشخاص نجاحات باهرة في الأماكن التي أُرسلوا إليها، واستفادت جماهير غفيرة من الناس من علمهم وإرشادهم.[8]

كان التفاف الناس حول الإمام الرباني يزداد يوماً بعد يوم. ولكثرة تجمع الناس واحتشادهم حوله كانت زيارات الأشراف وكبار الموظفين في إدارات الدولة للإمام تواجه صعوبات كبيرة بسبب الازدحام الشديد. فامتعض السلطان جيهانجير من تعلق الناس الشديد بالإمام مما دفعه إلى استدعائه في عام 9161 إلى العاصمة آغرا. وأخذ يحاسبه عن عبارات تصوفية واردة في إحدى مكتوباته، ثم اقتنع بالتوضيحات العقلية التي قدمها الإمام الرباني له.

إلا أن بعض الأشخاص المقربين من السلطان أخذوا يوغرون صدره تجاه الإمام بقولهم:

–    إن هذا الشيخ لم يسجد لك سجدة التحية والسلام، وإن له الكثير من المريدين داخل الجيش. ولربما يثير في القريب فتنة في البلاد من خلال مريديه ويلحق الضرر بملكك. ولطالما أن للشيخ أحمد عدد كبير من المريدين ضمن العسكر فإنه لربما يخرج عليك ويدعي الملك لنفسه.

لقد كان أغلب وزراء السلطان وموظفو الدولة في تلك الفترة يعتنقون مذاهب باطلة. ولذلك فقد كانوا يغتاظون كثيراً من مكتوبات الإمام الرباني التي تنتقد المذاهب الخارجة والمنحرفة عن الشريعة، وتشكل رسالة مستقلة بذاتها. وهؤلاء هم الذين كانوا يحرضون السلطان أيضاً. [9]

ونتيجة لكل ذلك قام السلطان جيهانجر بحبس الإمام الرباني الذي كان قد بلغ الخامسة والخمسين عاماً من عمره في قلعة “كوفاليار”. واستولى على كتبه، وبستانه، وبئره، وداره، ورحل عائلته إلى مكان آخر.

فأخذ الإمام الرباني رحمه الله خلال السنة التي قضاها في القلعة يعلم السجناء هناك الإسلام ويرشدهم إلى سبيل الهداية. وقد صار سبباً في دخول البعض منهم إلى الإسلام.[10]

وبسبب المعاناة والآلام التي كان يتحملها في سبيل الله عز وجل  فقد كان يرتقي أكثر روحياً ومعنوياً. [11]

وبعد انقضاء سنة على حبسه ندم السلطان جيهانجر  على ما فعله به، وأطلق سراح الإمام بشرط “الإقامة الجبرية” في معسكر ما.[12]

طلب السلطان جيهانجر من الإمام الرباني رحمه الله أن يكون مستشاره في المسائل الدينية، فناقش الإمام هذا الأمر لمدة، ولما علم صدق وإخلاص جيهانجر قبل طلبه بالشروط الآتية:

  1. أن يلغي السلطان سجدة التسليم والتحية بين يديه
  2. أن يعاد بناء وإصلاح كل المساجد التي تم هدمها وتخريبها.
  3. أن تُلغى القرارات التي تمنع ذبح الأبقار.
  4. أن يراعي القضاة، والمفتون، وموظفو الدولة تطبيق الأحكام الإسلامية في أعمالهم.
  5. أن يُعاد أخذ الجزية من جديد.
  6. أن تُلغى كل البدع وتُطبق أحكام الشريعة الإسلامية.
  7. أن يُطلق سراح جميع الذين سُجنوا بسبب التدين.

كما يتبين من الشروط المتقدمة فليس للإمام الرباني رحمه الله أي مطلب شخصي. إذ أن هدفه الوحيد كان تلافي التخريبات والمفاسد التي ارتكبت في عهد السلطان السابق، والحيلولة دون تكرار تلك المفاسد والمضايقات في ظل حكم السلطان اللاحق.[13]

اعتبر الإمام الرباني رحمه الله أن وجوده قريباً من السلطان فرصة جيدة وثمينة من أجل التشجيع على الأسس والمبادئ الإسلامية. فأصبح يغشى مجالس السلطان ويتحدث عن المسائل الدينية، وكان الحاضرون في تلك المجالس يصغون إلى حديثه باهتمام بالغ.[14]

أخذ السلطان جيهانجر الذي تعرض للانتقاد من قبل الإمام الرباني رحمه الله في الفترات الأولى لحكمه بسبب صمته عن هدم وتخريب المساجد، أخذ يبني المساجد ببركة هذه المجالس والإرشادات، وتعلق بالإسلام لدرجة أنه صار يضحي بالأبقار.

بقي الإمام الرباني رحمه الله بجانب السلطان جيهانجر لمدة أربع سنوات. وفي هذه الأثناء كان يستمر بكتابة الرسائل إلى أصحابه. وفي سنة 3301هـ حيث أُعيدت له حريته الكاملة عاد الإمام الرباني مع أولاده الذي قدموا لزيارته إلى سرهند، وقضى السنة الأخيرة من عمره في بلدته.

اتباع الشريعة قبل كل شيءٍ

لقد بذل الإمام الرباني رحمه الله الذي كان يشاهد بقلق بالغ تسلل الكثير من البدع والخرافات إلى حياة المسلمين، بذل جهوداً جبارة في سبيل إعادة تطبيق أحكام الله U. وقد كان يتناول هذه المسألة بكثافة في مجالسه، ومكتوباته، وكتبه، ويقول:

“للشريعة أقسام ثلاثة: العلم، والعمل، والإخلاص. فلا يمكن تطبيق الشريعة دون تحقيق هذه الثلاثية. ومتى ما طُبقت الشريعة فحينها يُكتسب رضا الله عز وجل الذي يفوق السعادة الدنيوية والأخروية معاً. إذ يقول الله عز وجل:

{… وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ…} [15]

فالشريعة تؤمن كلاً من السعادة الدنيوية والأخروية معاً، وليس لنا بعد الشريعة غاية أخرى نحتاج إليها.

وأما الطريقة والحقيقة التي يعكف عليها المتصوفون فإنها ليست إلا خدمة

للشريعة، حيث أنها تكمل وتتم القسم الثالث للشريعة والذي هو الإخلاص. وعلى ذلك فيكون القصد من الطريقة والحقيقة هو إتمام الشريعة، وبالتالي فإنها ليس شيئاً غير الشريعة.

إن الأحوال، والالهامات، والعلوم والمعارف المعنوية والروحية التي تُعطى للمتصوفة أثناء السير والسلوك ليست غايات ومقاصد بحد ذاتها. وإنما على العكس، فهي أوهام وخيالات أبناء الطريقة التي خضعت للتربية، فينبغي المرور بكل هذه الامور وتجاوزها والوصول إلى مقام الرضا الذي هو نهاية مقامات السلوك والجذب. وذلك لأن غاية اجتياز منازل الطريقة والحقيقة ليست سوى تحصيل الإخلاص الذي يُعد ضرورياً ولازماً للوصول إلى مقام الرضا”.[16]

العلم ضروري للإنسان. ولكن ينبغي أن يقود العلم الإنسان إلى التقوى، أي أن يبلغه إلى خشية الله ومعرفة الله. وذلك لأنه جاء في الآية القرآنية:

{… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ …} [17]

فينبغي على العبد العمل بعلمه، ولكن يتوجب أن يؤدي أعماله بإخلاص، لأن الأعمال لا تُقبل إلا إذا ترافقت بالإخلاص. يقول ذو النون المصري رحمه الله:

“الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العالمون، والعاملون كلهم (مغترون) إلا المخلصين! والمخلصون على خطر عظيم” .[18]

والحاصل؛ فإن العلم، والعمل، والإخلاص عناصر مكملة لبعضها البعض.

كان الإمام الرباني رحمه الله يقول بأن الشريعة والتصوف لا يختلفان عن بعضهما، ولبيان ذلك كان يذكر قول بهاء الدين نقشبندي:

“المقصود من السير والسلوك كون المعرفة الإجمالية تفصيلية والاستدلالية كشفية”.[19]

ووفقاً لذلك فإن الطريقة هي الوصول إلى حقيقة الشريعة. وإلا فإنها ليست شيئاً متميزاً عن الشريعة والحقيقة.[20] وإن الباطن متتم للظاهر ومكمل له.[21]  ولهذا السبب ليس من المناسب القبول بالكشوف المخالفة لظاهر الشريعة، ولإجماع علماء أهل السنة.[22]

وقد كان الإمام الرباني يقول:

“إن الأحوال الروحية مرتبطة بالشريعة؛ وأما الشريعة فليست مرتبطة بالأحوال. وذلك لأن الشريعة صحيحة وقطعية، وعن صحتها ثابتة بالوحي. وأما الأحوال فهي ظنية، ووهي ثابتة بالكشف وعلم الحال”.[23]

“يا ولدي! اصرف الأوقات في الذكر الإلهي جل شأنه على الدوام، وكل عمل يصدر وفق الشريعة الغراء فهو داخل في الذكر وإن كان بيعاً وشراءً، فينبغي مراعاة الأحكام الشرعية في جميع الحركات والسكنات لتصير كلها ذكراً، لأن الذكر عبارة عن طرد الغفلة، ومتى ما حصلت مراعاة الأوامر والنواهي في جميع الأفعال فقد تيسرت النجاة من أسر الغفلة، وحصل دوام ذكره تعالى”.[24]

وينصح الإمام الرباني رحمه الله التوجه إلى التصوف بعد تعلم العلوم الشرعية، ويقول:

“إن المقصود من الولوج إلى التصوف هو التمكن من القيام بالأعمال الصالحة بسهولة ويسر، والقضاء على كل من الكسل، والعناد، والخصام وما شابه من الخصال الذميمة التي تصدر عن النفس الأمارة”.[25]

“ينبغي التوجه إلى الباطن بعد جعل الظاهر محلى ومزيناً بأداء الأحكام الشرعية، لئلا يكون العمل مختلطاً بالغفلة. لأن التحلي ظاهرياً بالأحكام الشرعية بدون إمداد الباطن متعذر.

وإن وظيفة العلماء الإفتاء، وشغل أهل الله العمل، والاهتمام بالباطن مستلزم للاهتمام بالظاهر، والذي يهتم بالباطن ويعجز عن الظاهر فهو ملحد وزنديق، وإن أحواله الباطنية التي بلغها ما هي إلا استدراجات له.[26]  وعلامة صحة حال الباطن هي تحلي الظاهر بالأحكام الشرعية، وهذا هو طريق الاستقامة”.[27]

والحاصل؛ إن الظاهر والباطن عنصران مكملان لبعضهما البعض. وبدون توفر أحدهما يكون الآخر ناقصاً دائماً.

أهل السنة والجماعة

لقد كانت الأفكار الفاسدة والتيارات الباطلة قد كثرت وتعاظمت بدرجة كبيرة في عهد الإمام الرباني رحمه الله. وكانت عقائد الكثير من المسلمين قد تعرضت لهزات شديدة، وفسدت عباداتهم ومعاملاتهم.

وكان الإمام الرباني رحمه الله الذي حزن وتأثر كثيراً بأحوال المسلمين هذه يبذل أقصى جهوده وطاقاته في سبيل تعليم الناس وتعريفهم بطريق أهل السنة والجماعة وإعادتهم إليه من جديد. لقد كان يعمل من خلال مكتوباته دون كلل أو ملل، ودون تذمر وتراخٍ على تشجيع الناس على التمسك بعقائد أهل السنة والجماعة مجدداً، ويشرحها ويبينها لهم بكل تفاصيلها ودقائقها. وكان يحيل التفاصيل المتعلقة بالمسائل والمعلومات الفقهية إلى كتب الفقه وعلم الحالة.

ويرى الإمام الرباني بأن أي مرشد ينبغي أن ينبه المريد الجديد المنتسب إليه حديثاً إلى عدم إيلاء أدنى أهمية وبصورة مطلقة للرؤى والكشوفات التي تبدو مخالفة ولو بشكل بسيط جداً للقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. وبالإضافة إلى ذلك ينبغي عليه أن يصحح له عقيدته بما يتوافق مع عقيدة أهل السنة، ويعلمه الأحكام الفقهية الضرورية له ويوصيه بالعمل بها.[28]

وكان الإمام الرباني يقوم بدوره بإقراء مريديه مختلف الكتب الفقهية العائدة لعلماء الدين، وكان يصر ويذكر على الدوام وكلاءه في المناطق البعيدة من خلال الرسائل “المكتوبات” التي يرسلها إليهم بإقراء تلامذتهم ومريديهم هذه الكتب. ونذكر بعضاً من هذه الكتب:

ففي التفسير كتاب البيضوي، وفي الحديث صحيح البخاري ومشكاة المصابيح، وفي الفقه البزدوي والهداية، وفي العقيدة شرح المواقف وحاشية العضودي، وفي التصوف عوارف المعارف.[29]

على الرغم من حفظ الإمام الرباني رحمة عليه المسائل الفقهية، ومعرفته العميقة بها، وتمكنه في أصول الفقه إلا أنه مع ذلك كان يسارع عند ظهور أي مسألة فقهية إلى مراجعة الكتب الفقهية الموثوقة احتياطاً من الوقوع في الخطأ، ولم يكن يتخلى عن تلك الكتب أبداً. وكان يعمل بالفتاوى والترجيحات الصادرة عن كبار الفقهاء. [30]

دقته وحرصه الشديد باتباع السنة النبوية

كان الإمام الرباني رحمه الله شديد الحرص على اتباع سنة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في كل شاردة وواردة، وكبيرة وصغيرة، يوصي الناس جميعاً على مراعاة هذا النهج.

ذات يوم كان أحد تلامذته استأذن من الإمام أن يكتب الأدعية، والأوراد، والصلوات النافلة اليومية التي يؤديها. فقال الإمام الرباني رحمه الله:

–    إن الأعمال الأولى بالاتباع هي أعمال رسول الله r. فاطلعوا على كتب الحديث وتعلموا منها!.

ولما أصر التلميذ على طلبه بقوله:

–    يا سيدي! إن اعمالكم بالتأكيد مطابقة لأعمال رسول الله r!

قال الإمام الرباني رحمه الله:

–    اكتبوا إذاً! ولكن انتبهوا جيداً! اكتبوا تلك الأمور الموافقة للسنة القولية والفعلية، ولا تكتبوا تلك المخالفة لها!.[31]

عبادته

كما أن الإمام الرباني رحمه الله كان يولي أهمية كبيرة للعبادات، فقد كان يوصي تلامذته أيضاً بالإكثار منها والاهتمام بها، فيقول:

“على الرغم من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حبيب الله تعالى وقد بلغ أعلى المراتب والدرجات، إلا أنه كان يتعبد ربه ويطيل التعبد حتى تتورم قدماه الشريفتان. وإن جميع أهل الحق الذين يتبعونه بأفضل صورة يفعلون مثله… فالمرء كلما زاد من طاعته وعبادته لله تعالى كلما قطع المسافات وتقرب إليه أكثر”.[32]

كان الإمام الرباني رحمه الله يرى بضرورة النظر إلى النوافل من العبادات المضافة إلى الفرائض على أنها غنائم ينبغي أن يحوزها المسلم ويحافظ عليها. وقد كان رحمه الله في الحضر والسفر، وفي الصيف والشتاء يستفيق من نومه في الليل بعد مرور نصفه أو ثلثيه، فيقرأ الأدعية المسنونة الخاصة بذلك الوقت، ثم يتوضأ بعناية فائقة مراعياً فيه كل آدابه. ولم يكن يطلب من أحد أن يصب له الماء من أجل الوضوء، وإنما يتولى ذلك بنفسه، وكان يحرص حرصاً شديداً على عدم الإسراف في الماء، ويظهر اهتماماً بالغاً بالتوجه نحو القبلة أثناء التوضؤ. ولكنه عند غسل رجليه كان يستدير إلى جهة أخرى، وكان يستعمل السواك عند كل وضوء. كان يغسل أعضاء الوضوء بعناية فائقة، وفي كل مرة يغسل فيها عضواً كان يمسحها بيديه حتى لا يبقى هناك احتمال لتقطر الماء من العضو المغسول أو من يديه، وكان يفعل ذلك احتياطاً لوجود اختلاف حول طهارة الماء المستعمل في الوضوء أو عدم طهارته. وأثناء الوضوء كان يردد الأدعية المذكورة في الأحاديث النبوية الشريفة.

وبعد الانتهاء من الوضوء كان يقرأ دعاء التهجد، ويبدأ بالصلاة. وكان يؤدي صلاة التهجد بحضور قلب وبخشوع تام، ويقرأ خلالها طوال السور. وفي بداياته كان الإمام رحمه الله يقرأ سورة يس بصورة متكررة في صلوات التهجد، وفي عهوده الأخيرة أخذ يميل أكثر إلى أسلوب ختم القرآن الكريم في صلواته. وبعد الانتهاء من صلاة التهجد كان الإمام الرباني يغرق بالمراقبة والتأمل والتفكير ويسيطر عليه خلال ذلك خشوع تام. وكان ينام قبل صلاة الفجر مدة معينة اتباعاً للسنة النبوية، ثم يستيقظ قبل بياض الصباح فيتوضأ من جديد ويصلي صلاة الصبح.

كان رحمه الله يؤدي سنة الفجر في بيته، ويردد في الوقت الفاصل بين صلاة السنة والفرض بصمت عبارة:

“سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم”

وبعد أداء صلاة الفجر مع الجماعة كان يقوم بإتمام أوراده في المسجد مع أصحابه حتى وقت الشروق. ثم بعد ذلك كان يصلي أربع ركعات صلاة الإشراق بتسليمين ويقرأ خلالها طوال السور، وينشغل بعدها بالأدعية والتسبيحات المأثورة الخاصة بذلك الوقت.

ثم بعد ذلك كان يذهب إلى بيته فيتفقد أحوال زوجته وأولاده، ويتحدث معهم عن الأعمال التي يجب القيام بها، ثم يدخل إلى غرفته وينشغل بتلاوة القرآن الكريم. وبعدها كان يدعو تلامذته، ويسأل عن أحوالهم. ويقدم لهم توصيات ونصائح حول ضرورة التوجه نحو الأهداف السامية، واتباع السنة النبوية، والمداومة على الذكر ومراقبة الله، وإخفاء أحوالهم الروحية، وقراءة كتب الفقه.

كان الإمام الرباني يمضي أغلب أوقات مجالسه ومصاحباته بالسكوت، وكان شديد الحرص على تجنب الخوض في غيبة الناس، وتتبع عيوب المسلمين. ولم يكن المقربون إليه يخوضون في أحاديث الغيبة بحضوره لما كانوا يشعرون به من الاحترام والهيبة تجاهه. وكان رحمه الله يبدي عناية كبيرة في إخفاء أحواله المعنوية والروحية. كان الإمام يصلي ثمان ركعات صلاة الضحى في غرفته، ثم يخرج لتناول طعام الفطور مع زوجته وأولاده. وإذا لم يكن أحد من أولاده أو العاملون لديه حاضراً في تلك الأثناء كان ينحي له نصيبه من الطعام جانباً ويحفظه له.

وكان أثناء الطعام ينشغل بشكل كبير بإطعام غيره وبالسؤال عن أحوالهم وأمورهم. وكان لا يقوم عن المائدة حتى وإن لم يكن يشعر بالحاجة إلى الطعام، ويظهر بأنه يتناول شيئاً ما، وكان يبدو أنه يعمل على اتباع السنة النبوية في ذلك.

وبعد طعام الغداء كان ينسحب للقيلولة مدة معينة اتباعاً للسنة النبوية أيضاً، وأما بعد صلاة الظهر فكان يستمع إلى تلاوة جزء من القرآن الكريم من أحد الحفاظ، وإن كان هناك موعد لأحد الدروس كان يلقيه على تلامذته.

كان الإمام الرباني يؤدي صلاة العصر في أول وقتها، ولم يكن يترك سنتها أبداً. وبعد الانتهاء من صلاة العصر كان ينشغل هو وتلامذته بالمراقبة والتأمل بحالة سكون تام.

وكان يقيم صلاة المغرب في أول وقتها أيضاً، وكان بعد الانتهاء من الفرض وقبل القيام من مجلسه يردد سراً ولعشر مرات:

“لا إله إلا الله وحده لا شريك له”

وكان بعد أداء سنة المغرب يصلي صلاة الأوابين.

وكان رحمه الله يقرأ بشكل عام في الركعة الأولى من صلاة الوتر سورة الأعلى، وفي الركعة الثانية يقرأ سورة الكافرون، وأما في الركعة الثالثة فكان يقرأ سورة الإخلاص. وكان يؤدي صلاة الوتر أحياناً بعد صلاة العشاء، وأحياناً أخرى يؤديها بعد صلاة التهجد.

كان الإمام الرباني يراعي في صلواته اتباع كافة السنن، والمندوبات، والآداب، وكان يبدي اهتماماً بالغاً بأداء ركعتي الوضوء، وتحية المسجد.

وكان رحمه الله يخلو إلى الراحة بعد الانتهاء من صلاة العشاء فوراً، وقبل النوم كان يقرأ الأدعية المأثورة، ويكثر من الذكر، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وكان يفعل ذلك بشكل خاص ليلة الجمعة والاثنين. وكان ينصح ويوصي بإلحاح الذين يقومون على خدمته، والذين يلتزمونه ولا يفارقونه، يوصيهم بالإكثار من الذكر والمراقبة والاهتمام بهما.

وأما المستمعون إلى تلاوته للقرآن الكريم فكانوا يصلون إلى أعماق الشعور بأسرار وحكم القرآن، وكان الإمام رحمه الله إذا ما قرأ في الصلاة وخارجها آيات الترهيب، أو تلك التي تثير الدهشة والحيرة في القلوب يتطابق أسلوب وطريقة تلاوته مع مضامينها، وكأن معاني تلك الآيات تظهر في صوته وعلى سيماه المبارك. وكان دائم التلاوة للقرآن الكريم حتى أثناء سفره وهو على راحلته، أو في استراحاته.

إلى جانب كونه رحمه الله يبدي عناية خاصة في شهر رمضان الكريم، ويختم القرآن العظيم في هذا الشهر ثلاث مرات على الأقل. وكان يعجل في الإفطار، ويؤخر تناول السحور اتباعاً لما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة. وكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.

وأما الزكاة فكان يتوقف عليها بحساسية ودقة بالغة، فكان إذا ما جاءته هدية من مكان ما يسارع إلى حساب قيمتها دون انتظار حولان الحول عليها، ثم يؤدي زكاتها بصورة مستعجلة. علاوة على إعطاءه الأولوية في دفع أموال الزكاة للعاملين في حقل وأنشطة الإصلاح والإرشاد، والأرامل والمطلقات، والمحتاجين، وذوي القربى. كما كان يزور المرضى وكبار السن، ويقرأ عندهم الأدعية المأثورة، ويستجيب للدعوات، إلا أنه لم يكن يحضر المجالس التي تنطوي على ارتكاب الذنوب والمحرمات.

ولم يكن ترديد ألفاظ التسبيح والحمد تفارق لسان الإمام الرباني رحمه الله، وكان يشكر الله شكراً كثيراً حتى على النعم الصغيرة. وفي هذا المجال كان يكثر من الاستغفار حتى عندما يكون مشغولاً بالقيام بأعمال الخير. وكان إذا أصابته مصيبة أو بلاء يقول: “إنما هذه المصيبة بسبب أحوالنا وأعمالنا السيئة”. إلا أنه مع ذلك كان ينظر إلى تلك البلايا على أنها مطهرة من الذنوب كالصابون الذي ينظف الأوساخ، ويقول بأن مواجهة البلايا بالرضا والتسليم سبب للارتقاء والسمو الروحي.[33]

ومع أن حياته كانت مليئة بالأعمال الصالحة، وفياضة بالعبادة فقد كان يتمتع بتواضع منقطع النظير، وينظر إلى نفسه دائماً على أنه مقصر.

أخلاقه الحميدة

لقد كانت الأخلاق الحميدة والفاضلة مثل لين الجانب، والتواضع، والرحمة والرفق بمخلوقات الله تعالى، والرضا بكل ما يأتيه من الله قد بلغت أعلى درجاتها في عالم قلب الإمام الرباني رحمه الله. وقد تعرض الإمام وأهل بيته لمظالم كثيرة على يد رجال السلطة والدولة، إلا أنه لم يشتك أو يتذمر يوماً من هذه المظالم ولو بكلمة واحدة. وكما أنه كان دائماً في مقام الرضا، فقد كان يوصي المقربين منه أيضاً بالصبر والرضا.

كان يتصرف بغاية الرفق واللين مع الناس، فكان إذا ما جاء أحد للقائه ينهض احتراماً له، ويجلسه في صدارة المجلس، ويخاطبه بأعذب الكلمات وبما يتناسب مع حاله. ولمن يكن يقوم لغير المسلمين – سواء كانوا من أصحاب المناصب العالية في الدولة، أو من الوجهاء وأصحاب الشأن في المجتمع -. وكان يبادر أولاً بإلقاء التحية والسلام. وكان الإمام الرباني رحمه الله شديد الحرص والتحفظ في مسألة حقوق العباد، وكان إذا ما جاءه خبر عن وفاة أحد من الناس يترحم عليه، ويتلو قول الله تعالى:

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [34]

كان يشارك في تشييع الجنازات، ويدعو ويقرأ القرآن فيها ثم يهدي الثواب للميت.

وكان يرتدي أجمل ثيابه لدى الخروج إلى صلاة الجمعة، والعيدين، وكان إذا ما اشترى ثوباً جديداً يلبسه أولاً لأحد خدمه أو أفراد عائلته. كان يجتمع حوله في غالب الأحيان ما بين 05 – 06 شخصاً، ويصل العدد أحياناً إلى المائة. وكان يحضر مجالسه على الدوام العلماء، والعارفون، والمرشدون، وحفاظ كتاب الله، وأصحاب المناصب والمقامات العالية، وكان يُقدم الطعام للجميع من مطبخ بيته.[35]

كان الإمام رحمه الله شديد التعظيم للشعائر الدينية. فذات يوم كان قد رأى أحد حفاظ القرآن الكريم عند ابتدائه بالتلاوة يجلس على فراش أخفض من الفراش الذي يجلس عليه هو، فنهض على الفور من موضعه وجلس في مكان أخفض من الحافظ.[36]

كان الإمام الرباني رحمه الله بغاية التواضع. وإن الأسلوب الذي اتبعه في تدوين مكتوباته وكتبه يظهر بكل وضوح تواضعه العالي. إذ كان يعرف عن نفسه دائماً بعبارة “الفقير” أو “الدرويش”. [37]

وقال في أحد مكتوباته:

“… إن هذا الفقير يريد أن يضع نفسه في خدمة ونصرة الإسلام، ويسعى جاهداً في هذا الطريق بقدر استطاعته وإمكاناته. وأرجو وفقاً لمقتضى الحديث القائل: “من كثر سواد قوم فهو منهم” [38] أن يكون هذا العبد الضعيف والعاجز داخلاً في تلك الزمرة. إن مثلي كمثل عجوز جاءت بغزلها إلى السوق الذي عرض فيه نبينا يوسف عليه السلام للبيع لتشتريه به”. [39]

عجز العقل وضرورة الأنبياء

يرى الإمام الرباني رحمه الله بأن العقل والإلهام عاجزان عن فهم ذات الله تعالى وصفاته حق الفهم وبما يليق به، وعن الوصول إلى العلمي اليقيني، وعن إدراك الحقائق بشكل تام ودون قصور، وعن الوصول إلى المعلومات التي تكون خارج نطاق الإدراك. فلا يمكن أن تكون النتائج والمعلومات التي يتوصل إليها العقل والإلهام خالية تماماً من مخاطر الشبهة، والاضطراب، والخطأ، والنقصان، والسهو.

وبناء على ذلك فلا يمكن تحقيق الفهم الصحيح لمعنى الحياة والكون، ومعرفة الله تعالى بشكل متوافق مع الحقيقة الأصلية إلا بواسطة الأنبياء الذين يفيض عليهم الوحي الذي يُعد المنبع الأساسي للحقائق المطلقة. فكما أن قدرة وطاقة العقل وقوة فهمه واستيعابه خارج الحواس مثل البصر والسمع وفوق طاقتها، فكذلك قدرة وإمكانات الأنبياء وصلاحيتهم هي فوق طاقة العقل. فلا يمكن لأحد أن يدلنا إلى الطريق الصحيح لتعظيم الله تعالى، وعبادته، وإطاعة الأوامر الإلهية، ومعرفته إلا الأنبياء.

وقد وقع الفلاسفة الذين اعتقدوا بأن العقل كائن ذو قدرة وطاقة لا متناهية في مجال الوصول إلى الحقائق ثم أخذوا يقيسون كل شيءٍ بمقاييسه، وقعوا في أخطاء فادحة ومثيرة للسخرية في مسألة معرفة الله تعالى. وكما أنه لا يوجد شيءٌ يسمى العقل المجرد والنقي، فكذلك لا يمكن القول بأن هناك إلهاماً نقياً، ومتحرراً من رغبات وأهواء النفس، ومن المؤثرات الخارجية التي توجه نحو الخطأ أو الصواب. ويُشبه هذا بطائر العنقاء، إذ أنه موجود في الفكر، ولكن لا وجود له في الحقيقة. وقد وقع الإشراقيون الذين ادعوا بأن الحقائق تشرق في داخل نفس الإنسان، وكذلك الذين اهتموا بتطهير وتنقية النفس فقط ببعض الرياضات والتأملات، وقعوا أيضاً ضحايا في شرك الأوهام، والشبهات، والجهالة.

إن القول بكون العقل صاف، ونقي، وخالٍ من القصور غير ممكن. وذلك لأن العقل يتأثر بالقناعات، والأفكار الإيمانية، والمؤثرات الخارجية. ولا يمكن التخلص من نقاط الضعف المتمثلة بالجشع، والطمع، والغضب، والخصومة، والهوى وغيرها؛ ولا من صفات النقص مثل النسيان، والخطأ، والشرود. فكثير من الأحكام التي يتوصل إليها العقل تظهر إلى العلن وهي مختلطة ومصبوغة بهذه الملونات الخارجية. ولهذا السبب فإن العقل ليس بمصدر خالٍ من الخطأ، وإنما على العكس فهو مصدر عاجز ومتصف بعدم الكفاية.

وبالمقابل فإن الملاك الذي ينزل بالوحي على الأنبياء والرسل بعيد عن كل هذه النواقص، وغير قابل للتأثر بأي من هذه المؤثرات السلبية. ولذلك فإن المصدر الخالي من النقص وغير قابل للوقوع في الخطأ والسهو هو النبوة فقط. فبدون النبوة لا يمكن تحقيق التزكية الحقيقة للنفس.[40]

ويقول المؤرخ وعالم الاجتماع الإسلامي الكبير ابن خلدون في هذا المجال:

“العقل ميزان صحيح ، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. وشبيه بالرجل الذى رأى الميزان الذى يوزن به الذهب، فطمع “لما رأى فيه من الدقة” أن يزن به الجبال! فهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق. وكذلك للعقل حداً “في القدرة على المعرفة، والكشف، والفهم” يقف عنده، ولا يتعدى طوره”.[41]

إن الفلسفة والتيارات والسبل المشابهة لها تدعي السعي بجهودها نحو الوصول إلى الحقيقة وفهما دون الحاجة إلى تبليغ وإرشاد الأنبياء. إلا أن هذه الحقائق لا يمكن فهمها ومعرفتها دون وساطة عباد الله الاستثنائيين الذين أكرمهم بميزة النبوة. فهم يُعتبرون أعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية جمعاء. إذ أن العلوم العظيمة التي قدموها للإنسانية حول ذات الله تعالى وصفاته دون انتظار أدنى ثمن او مقابل، لا يمكن للناس جميعاً الوصول إلى جزء بسيط منها عن طريق الأفكار الفلسفية، والبحث، والدراسات، والاختبارات، والكشوفات، ووسائل الارتقاء بالنفس وتنقيتها ولو استمروا في ذلك لآلاف السنين.

{… ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} “.[42]

كلمة التوحيد والذكر الدائم

يقول الإمام الرباني رحمه الله عن مكانة كلمة التوحيد وعلو شأنها:

“أجد هذه الكلمة الطيبة مفتاح خزينة تسع وتسعين رحمة، أعني ما جعلت ذخيرة لأجل الآخرة. وأعلم أنه لا شيء أشفع من هذه الكلمة الطيبة في دفع ظلمات الكفر وكدورات الشرك…ولا يُعلم في البلد تمنٍ يساوي لتمني أن يقعد الإنسان في زاوية منعزلاً عن الناس متلذذاً ومحتظاً بتكرار هذه الكلمة الطيبة، ولكن ما نفعل، فلا تتيسر جميع التمنيات، ولا بد من الغفلة والاختلاط بالخلق…”.[43]

ومن العبارات التي كان الإمام الرباني يوصي بها الناس المداومة على حالة الذكر:

“ينبغي على طالب هذا الطريق بعد تصحيح العقائد بموجب آراء أهل الحق شكر الله تعالى سعيهم، وبعد تعلم الأحكام الفقهية، والعمل بمقتضى العلم أن يصرف جميع أوقاته في ذكر الله جل شأنه، بشرط أن يكون ذلك الذكر مأخوذاً من الشيخ الكامل المكمل، فإنه لا يحصل الكامل من الناقص… وينبغي أن يشتغل بالذكر بوضوء وبغير وضوء، قائماً وقاعداً، ولا يخلو منه في مجيئه وذهابه، وعند أكله ونومه”.[44]

“اعلم وتنبه أن سعادتك، بل وسعادة أبناء آدم جميعاً وفلاحهم وخلاصهم كل ذلك مرتبط بذكر مولاهم جل سلطانه، فينبغي استغراق جميع الأوقات بالذكر الإلهي جل شأنه قدر الإمكان، ولا يجوز الغفلة لحظة واحدة…”.[45]

اللقمة الحلال

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“نصيحتي لكم: الاحتياط في اللقمة، فلا ينبغي للإنسان أن يأكل كل ما وجده، ومن أي محل كان من غير ملاحظة الحل والحرمة الشرعيتين، فإن الإنسان لم يخلق سدىً لكي يفعل كل ما يريد، بل له مولى جل شأنه كلفه بالأمر والنهي، وبين له ما يرضاه وما لا يرضاه بواسطة الأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات الذين هم رحمات للعالمين، والمحروم من السعادة من يسير خلاف مرضى مولاه، ويتصرف في ملكه وملكوته بلا إذنه ورضاه…”.[46]

“ينبغي أداء الصلوات الخمس بالجماعة وتمييز الحلال من الحرام… وينبغي أن لا تكون الملذات الفانية، والنعم الهالكة منظوراً إليها”.[47]

أهمية الصحبة “المجالسة”

كان الإمام الرباني رحمه الله يذكر بصورة مستمرة بأهمية “الصحبة” في الطريقة النقشبندية، وبكونها أساس هام من أسسها، وكان يروي الحادثة الآتية عن الخواجة أحرار رحمه الله:

“قال الخواجه عبيد الله أحرار رحمه الله: كنا مع جماعة من الدراويش، فجرى الكلام بيننا في الساعة المستجابة المودعة في يوم الجمعة بأنها إذا تيسرت فماذا ينبغي أن يُطلب من الله تعالى فيها. فقال كل أحد كلاماً، وقلت:

ينبغي أن يطلب فيها صحبة أرباب الجمعية[48]  فإن جميع السعادات ميسرة في ضمنها…”.[49]

ويبين الإمام الرباني أهمية “الصحبة” في مكتوب آخر من مكتوباته، بقوله:

“لا تعدل بالصحبة شيئاً أياً ما كان، ألا ترى أن أصحاب رسول الله قد فُضلوا بالصحبة على من عداهم سوى الأنبياء عليهم السلام، وإن كان أويس القرني، أو عمر بن عبد العزيز المرواني مع بلوغهما نهاية الدرجات، ووصولهما غاية الكمالات…

ولو علم أويس القرني فضيلة الصحبة بهذه الخاصية لما منعه مانع من الصحبة، ولما آثر شيئاً من الأشياء على هذه الفضيلة…”.[50]

استغلال الفرصة

كان الإمام الرباني رحمه الله ينظر إلى الحياة الدنيا القصيرة على أنها فرصة كبيرة، ويوصي تلامذته بالعمل على استغلالها بأفضل صورة. فيقول في أحد مكتوباته:

“أيها الولد الأعز! إن الفرصة مغتنمة، فينبغي أن لا يُصرف تمام العمر في أمور لا طائل فيها، بل ينبغي أن يصرف تمامه في مراضي الحق جل وعلا، ينبغي أن تُؤدى الصلوات الخمس بالجمعية والجماعة مع تعديل الأركان، وينبغي أن لا تترك صلاة التهجد، وأن لا تضيع الاستغفار في الأسحار مجاناً،  وأن لا ينخدع بالحظوظ العاجلة، وأن يجعل تذكر الموت وأهوال الآخرة نصب العين.

وبالجملة ينبغي أن يكون معرضاً عن الدنيا ومقبلاً على الآخرة، وأن يشتغل بالدنيا بقدر الضرورة، وأن يُعمر سائر الأوقات بالاشتغال بأمور الآخرة.

وحاصل الكلام؛ هو أنه ينبغي أن يتخلص القلب من رقية الأغيار وكل ما سوى الله، وأن يكون الظاهر مزيناً ومحلى بالأحكام الشرعية.

هذا هو الأمر والباقي خيالات، وبقية الأحوال بالخير والسلام”.[51]

ويقول الإمام في مكتوبات أخرى:

“بمقتضى مبدأ (ما لا يدرك كله لا يترك كله) ينبغي أن يلتزم بكون المعاملة والمعيشة خلال أيام قليلة وفق السنة واتباع صاحب الشريعة عليه وعلى آله الصلاة والسلام. فإن التخلص من عذاب الآخرة والفوز بالتنعمات السرمدية مربوطة بسعادة هذا الاتباع…”.[52]

“إن وقت العمل إنما هو عهد الشباب. والعاقل من لا يضيع هذا الوقت ويغتنم الفرصة. فإن الأمر مبهم، فعساه أن لا يبقى إلى زمن الشيخوخة، ولئن بقي فلعله لا تتيسر له الجمعية، ولئن تيسرت فلعله لا يقدر على العمل في أوان استيلاء الضعف والعجز. والحال إن أسباب الجمعية كلها ميسرة الآن…

إن أفضل زمن للعمل واستغلال الفرص هو زمن القوة والاستطاعة. فبأي عذر يمكن أن يؤخر شغل اليوم إلى الغد، ويختار التسويف؟”.[53]

“أيها الأخ العزيز! إن الزمن زمن العمل، وليس زمن الكلام والحديث. فيجب ربط القلب ظاهراً وباطناً بالله عز وجل. وما ينبغي النظر إلى ما سوى الله تعالى من دون إذنه، فهذا هو العمل الحقيقي، وكل ما عداه لغو وهباء”.[54]

“أيها العزيز! قد تمضي أوقات الاشتغال بالعمل، وكلما يمر آن ينقص شيءٌ من العمر ويقرب الأجل المسمى، فلو لم يحصل التنبه اليوم لا يكون نقد الوقت غداً غير الحسرة والندامة.

ينبغي الاهتمام بالقيام بالمعاملة وفق الشريعة الغراء في هذه الأيام المعدودة، حتى تتصور النجاة. إن هذا الوقت وقت العمل، لا وقت الراحة. وإن الراحة التي هي ثمرة العمل أمامنا. والاستراحة في وقت العمل تضييع للزراعة ومنع لها من الإثمار”.[55]

ترك النفس

يُعد ترك اللذات الشرط الأول للارتقاء الروحي. ولا يمكن نيل المحبة الإلهية من دون ترك النفس وحظوظها. ويعبر الإمام الرباني عن هذه الحقيقة بقوله:

“إن القلب لا تتعلق محبته بأكثر من واحد. فما دام التعلق بذلك الواحد قائماً لم تتعلق محبته بما سواه. ولو أنه يرى كثرة مراداته، وتعلق محبته بالأشياء الكثيرة حوله كالمال والولد، والرياسة، والمدح والرفعة والمكانة عند الناس فإن محبوبه في الحقيقة لا يكون إلا واحداً وهو نفسه، وما محبته لهؤلاء إلا فرع لمحبته لنفسه، إذ أنه لا يريد هذه الأشياء إلا لنفسه، لا لأنفسهم هم. فإذا زالت محبته لنفسه زالت محبتهم بالتبعية أيضاً. ولهذا قيل:

إن الحجاب بين العبد والرب هو نفس العبد لا العالم. إذ أن العالم في ذاته غير مراد للعبد حتى يكون حجاباً، وإنما مراد العبد هو نفسه، فلا جرم يكون الحجاب هو العبد لا غير، فما لم يتخل العبد عن مراد نفسه كلية لا يكون الرب مراده، ولا يسع قلبه محبة الله U”.[56]

وكما قال مولانا جلال الدين الرومي رحمه الله:

“وليس القرب من الحق هو الذهاب إلى الأعلى أو النزول إلى الأسفل، إن قرب الحق هو الخلاص من حبس الوجود (النفس)”.[57]

ويقدم الإمام الرباني رحمه الله النصيحة الآتية لأولاده لكي يتمكنوا من تخليص القلب من محبة الكائنات الفانية وتوجيهه نحو المحبة الإلهية، فيقول:

“ينبغي أن لا يكون شيءٌ من غير مرضيات الحق جل وعلا مرضياً ومراداً لكم، فإنا لو ذهبنا، ذهبت هذه الأشياء كلها، فلتذهب في حياتنا، ولا تتفكروا فيها. فقد ترك الأولياء هذه الأمور باختيارهم”.[58]

وفاته رحمه الله

أخذ الإمام الرباني رحمه الله يتعرض لضيق التنفس قبل وفاته بعدة شهور. وفي الأيام الأخيرة قال لأولاده:

“يا أولادي الأعزاء! لم يعد لي في هذه الدنيا شيءٌ أنظر إليه، أو يربطني بها. وإنما يهيمن علي التفكير بالعالم الأبدي فقط، وهذا يدل بأنه قد اقترب موعد رحيلي”.

ثم بعد ذلك قطع كل صلاته وعلاقاته بالعالم الخارجي، وفضل الانعزال والاختلاء بنفسه. ولم يكن يخرج من عزلته إلا لأداء الصلوات الخمس جماعة، ولصلاة الجمعة. وكان يمضي كل أوقاته بالذكر، والاستغفار، وبالانشغال بظاهره وباطنه. فكانت حالته هذه تطبيقاً لما جاء في قول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [59]

كانت الدموع ملازمة لعينيه في غالب الأوقات من شدة الشوق إلى لقاء الله تعالى، ولم تكن عبارة “اللهم الرفيق الأعلى” تفارق لسانه. ومرت في هذه الأثناء عدة أيام وقد عادت إليه الصحة والنشاط نوعاً ما، فخيم الهدوء والسكون قليلاً على القلوب العليلة والمهمومة والمتكدرة. وأما هو فقد أخذ يقول:

“لم أعد أشعر في هذه الأيام الصحيحة بالمتعة واللذة الروحية التي كنت أشعر بها في مرضي!”.

وفي تلك الأيام كان يكثر من الصدقات وأعمال الخير، ولما رأى أحد أصحابه إكثاره من الصدقات وأعمال الخير سأله قائلاً:

–     هل كل هذا من أجل دفع البلاء؟. فقال الإمام الرباني:

–     لا، ليس لدفع البلاء، وإنما شوقاً للوصال!

وذات يوم رآه أولاده وهو يبكي، ولما سألوه عن السبب، قال الإمام:

–     إني أبكي فرحاً بلقاء الله تعالى!. ولما قال له أبناؤه:

–     إنك على غير عادتك تحرمنا في الأيام الأخيرة من اهتمامك والتفاتاتك إلينا، فما سبب ذلك؟. فقال الإمام:

–     السبب هو محبة الله التي هي أكثر من محبتكم!

وفي آخر أيامه أخذ يتوقف على مكرمات الله تعالى اللامتناهية ونعمه التي لا تُحصى ويتحدث عنها. وقام بتوزيع كل ثيابه على الفقراء والمحتاجين. ولأنه لم يبق على جسمه ثوب قطني سميك يقيه من البرد فقد عادت حرارته إلى الارتفاع لبرودة الطقس، فانهارت صحة الإمام الرباني من جديد كما حصل مع النبي عليه الصلاة والسلام عندما تعافى من مرضه الذي توفي فيه قبل انتقاله إلى الرفيق ثم ما لبث أن ثقل عليه. وبذلك فإنه قد صار متبعاً لهذه السنة أيضاً.

لم يتخل الإمام عن أداء الصلاة مع الجماعة حتى في تلك الأيام التي تعرض فيها للضعف وفقدان طاقته. وكان دائم الانشغال بالدعاء والابتهال والذكر، ولم يغفل عن المراقبة للحظة واحدة. وكذلك لم يغفل أبداً عن أوامر ومبادئ الشريعة والطريقة، وظل محافظاً على صلاة التهجد حتى ليلته الأخيرة.

وكان الإمام الرباني يوصي من حوله باتباع السنة، والحذر من البدع، والمداومة على الذكر والمراقبة، ويقول:

“لم يتوان صاحب هذه الشريعة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم لحظة واحدة عن العمل لخير أمته، والسعي في إصلاحهم وهدايتهم اتباعاً لمبدئه القائل: “الدين النصيحة“. [60]فينبغي اتباع الكتب الدينية المعتبرة والعمل بمقتضاها. واتبعوا السنة النبوية بدقة في أمور تجهيزي وتكفيني، ولا تدعوا سنة من السنن تفتكم!”.

وقال لزوجته راجياً:

“يبدو أن ارتحالي إلى الآخرة سيكون قبلك! فاجعلي نفقات أعمال التجهيز والتكفين من مال مهرك!”. لأن أحد أكثر الأموال حلاً مهر المرأة.

وكان الإمام دائم الوضوء لحرصه على أن تدركه المنية وهو على وضوء.

وفي لحظاته الآخيرة عندما أوى إلى الفراش تمدد على شقه اليمين، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن اتباعاً للسنة النبوية، وانشغل بالذكر. ولما لاحظ أولاده تسارع وتيرة تنفسه، سألوه:

–     كيف أنت؟. فقال الإمام:

–     نحن بخير. وثم لم يعد يذكر شيئاً غير لفظ الجلالة “الله”. ثم بعد مدة قصيرة سلم الروح لبارئها.

ودع الإمام الرباني رحمه الله هذه الحياة الفانية في الثامن والعشرين من شهر صفر لعام 4301 هـ الموافق للعاشر من شهر كانون الأول لعام 4261م، وله من العمر ثلاث وستون سنة.

لما جيء بجثمان الإمام الرباني الطاهر من أجل الغسل وجد الناس أن يداه مطويتان على صدره بوضعية الوقوف للصلاة. ففرق من تولى الغسيل يديه عن بعضهما، إلا أنهما عادتا بعد الانتهاء من الغسل إلى وضعيتهما السابقة. وبعد التكفين رأى الناس من جديد بأن يداه قد ربطتا وفقاً للسنة النبوية.

فقال أولاده:

–    طالما أن الإمام يريد ذلك فلندعه هكذا!. كان الناس يبكون حول الجثمان، وأما الإمام فقد كانت تعلو وجهه ابتسامة نورانية تعجز الكلمات عن وصفها. وكأن التصوير الشعري الذي قام به أحد الشعراء يصف حالته، حيث يقول:

أنت الذي ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً

والقوم حولك يضحكون سروراً

فاحرص على عمل تكون به إذا بكوا

في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

فتمت إجراءات الغسل والتكفين بما يتوافق تماماً مع السنة النبوية، ودفن في مسقط رأسه في بلدة سرهند التابعة لدولة الهند. [61]

إن الإمام الرباني ليس بالعالم المنحصر بعصره، وإنما هو ذاك العالم الذي يُعد من أهل الله والذي ذاع صيته ولمع نجمه في العالم كله في عصره والعصور اللاحقة له وأرشد الكثير من الناس إلى الطريق الحق. وما زال مستمراً في إرشاد الناس إلى اليوم من خلال كتبه وأعماله.


[1]       محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 128؛ بدر الدين السرهندي: حضرات القدس، 2، 31 – 32.

[2]       محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 138 – 140؛ بدر الدين سرهندي: حضرات القدس، 2، 34.

[3]          الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 726، رقم 234؛ 2، 319، رقم 290.

[4]          محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 144، 148 – 152.

[5]          محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 144.

[6]       الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 30، رقم 67. يقول الإمام الرباني رحمه الله عن مثل هؤلاء العلماء:

“يجب أن يعلم أهل الإسلام بأن مساعدة وإعانة السلطان المسلم هي دين في ذمتهم. وهذا يقتضي توجيه السلطان نحو تقديس الشريعة وتقوية الدين. والمساندة المقدمة للسلطان تكون بشتى الوسائل سواء بالقول أو بالفعل. وإن المساعدة الأكثر إلحاحاً وعجلة هي تلك القولية، وأفضل هذه المساعدة القولية هو بيان المسائل الشرعية، ومبادئ العقيدة بما يتوافق مع القرآن، والسنة، وإجماع الأمة. وبذلك يُحال دون تمكن المضللين والمبتدعة الذين يظهرون في المجتمع أحياناً من سد الطريق وإفساد أحوال الناس. إن هذا النوع من العون والمساعدة مخصوص بعلماء أهل السنة الذين يضعون الآخرة نصب أعينهم. وذلك لأن صحبة العلماء الذين كل همهم السعي وراء الأشياء الدنيوية وتحقيق جملة من المنافع الزائلة سم قاتل، إذ أن فسادهم يتعداهم ويسري إلى غيرهم من الناس المحيطين بهم.

وفي الواقع فقد كانت المصائب التي تحل بالأقوام في السابق إنما تقع بسبب هؤلاء المفسدين. فهؤلاء هم الذين أخرجوا أضلوا السلاطين والملوك السابقين، ولم يكتفوا بتضليل الملوك فقط، وإنما أصبح هؤلاء العلماء المنحرفين السيئين قادة للفرق الضالة التي بلغت اثنتين وسبعين فرقة. فليس هناك من أحد يسري انحرافه وضلاله إلى الناس الآخرين بقدر علماء السوء. إن غالبية الجهلاء الذين يتشبهون بالمتصوفة اليوم هم بحكم علماء السوء، وذلك لأن أفكارهم المنحرفة والفاسدة تؤثر على الآخرين أيضاً. (الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 243، رقم 47).

[7]       مجدد: روضة القيومية، 1، 221 – 227؛ محمد حليم شاركبوري: الإمام الرباني (ترجمة: علي كنجلي) قونية 1978، ص 29 – 33.

[8]       أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص، 156.

[9]       بداخشي  Bedahşî: مناقب الحضرات، 39أ- 40ب.

[10]      بداخشي: مناقب الحضرات، 41أ؛ محمد مراد قازاني: ترجمة أحوال الإمام الرباني، معرب المكتوبات (الدرر المكنونات النفيسة) مكة 1317، 1، 58 – 59؛ نجدت توسون: الإمام الرباني أحمد السرهندي، اسطنبول 2005، ص 29.

[11]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 180، رقم 5؛ 3، 182، رقم 6.

[12]      بداخشي: مناقب الحضرات، 41أ – 41ب.

[13]      خليل إبراهيم شيمشك: التجديد في العهد العثماني، اسطنبول 2004، ص 66 – 67.

[14]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 318، رقم 43.

[15]      التوبة: 72.

[16]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 206، رقم 36.

[17]      فاطر:  28.

[18]      البيهقي: شعب الإيمان، 5، 345.

[19]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 346، رقم 84.

[20]      الإمام الرباني: معرفة اللدنية، ص 71، قسم 25.

[21]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 219، رقم 41.

[22]      الإمام الرباني: مكاشفات عينية، ص، 29.

[23]      محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص، 197 – 212؛ أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص، 182 – 188.

[24]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 540، رقم 25.

[25]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 174، رقم 266.

[26]      الاستدراج هو: إغداق الله سبحانه وتعالى بالنعم على الضالين والمنحرفين عن الطريق القويم وتزيين أحوالهم أمام أعينهم  كابتلاء لهم وزيادة ضلالتهم. وكذلك فإن الاستدراج يعني إجراء الخوارق الشبيهة بكرامات الأولياء على يد الكافرين، والفاسقين، والمتمشيخين على الرغم من انحرافهم وضلالهم. وهذا النوع من الأحوال يدفع النفس إلى الغرور، وبدلاً من تقريب الشخص إلى الحق سبحانه وتعالى فإنه يبعده عنه أكثر.

[27]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 87 – 88، رقم 87.

[28]      الإمام الرباني: المبدأ والمعاد، ص، 36، قسم 10.

[29]      بدر الدين السرهندي: حضرات القدس، 2، 89.

[30]      أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص، 182.

[31]         كيشمي: بركات أحمدية، ص، 427 – 428. لقد ألف محمد صالح كلابي الذي أخذ هذا الإذن كتاباً باسم “هدية الطالبين أو هداية الطالبين”. انظروا: كتاب دولة بيازيد، قسم البيازيد. 3823، 1أ-17أ.

[32]      محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص، 201.

[33]      محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص، 217.

[34]      البقرة:  156.

[35]      أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص، 18 – 188.

[36]      محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص، 199.

[37]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 120، رقم 261.

[38]      ابن مبارك: كتاب الزهد، 1، 12؛ الزيلعي: نصب الراية، 4، 346؛ العجلوني: كشف الخفاء، 2، 374.

[39]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 244، رقم 47.

[40]      انظر الإمام الرباني: المكتوبات، 150، رقم 266؛ 3، 239 – 242، رقم 23؛ أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص، 203 – 204، 227.

[41]      ابن خلدون: المقدمة، ص، 473.

[42]         يوسف: 38. أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني: ص، 211 – 212.

[43]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 591 – 594، رقم 37.

[44]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 454، رقم 84.

[45]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 569، رقم 190.

[46]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 44، رقم 69.

[47]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 467، رقم 143.

[48]      هي حالة تجمع همة السالكين في نقطة التوجه إلى الله، والانشغال به وترك كل ما سواه. وبعبارة أخرى هي حالة الاجتماع، والحضور، والمعية الروحية الحاصلة في القلب مع الله تعالى.

[49]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 398، رقم 70.

[50]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 428، رقم 120.

[51]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 552، رقم 31.

[52]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 298، رقم 70.

[53]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 307، رقم 73.

[54]      الإمام الرباني: مكاشفات غيبية، قسم. 20.

[55]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 81، رقم 89.

[56]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 163 – 164، رقم 24.

[57]      مولانا: المثنوي، ج 3، البيت 4514.

[58]      الإمام الرباني: المكتوبات، 3، 170، رقم 2.

[59]      المزمل:  8.

[60]      مسلم: الإيمان، 95.

[61]         انظر؛ كيشمي: بركات أحمدية، ص 300- 315؛ أبو الحسن الندوي: الإمام الرباني، ص 174 – 179؛ بدر الدين السرهندي: وصال أحمدي (الناشر: غلام مصطفى خان)، كاراجي: 1388/ 1968، ص 6، 12، 26.