الإمام الربانيرحمه الله -2-

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“الفضيلة منوطة باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام الشريفة، والمزية مرتبطة بإحياء وإتيان الشريعة التي جاء بها. فمثلاً النوم بعد الظهر “القيلولة” اتباعاً للسنة النبوية أفضل من إحياء ألوف الليالي على غير وجه الاتباع لها… وإعطاء حبة زكاة بأمر الشارع أفضل من إنفاق جبل من الذهب من تلقاء ذاته”.[1]

إن وظيفة المؤمن هي تنفيذ أوامر الله تعالى لمجرد أن الله قد أمره بذلك، وبالشكل والأسلوب الذي طبقها به رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإن التحرك في هذا المجال – ولو بحسن نية – وفقاً لوجهة النظر الشخصية يخرج العبد خارج نطاق السنة النبوية، ويقوده للوقوع في الأخطاء. ولذلك ينبغي التعلم من السنة بشأن الأعمال الصالحة المطلوب القيام بها، وتوقيتها، وكيفيتها، وموازينها، وشكلها.

حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة، ومن استن بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني“.[2]

وإن الحادثة الآتية توضح هذه الحقيقة بشكل جلي:

فذات يوم رأى سعيد بن المسيب رحمه الله الذي يُعد من كبار علماء التابعين، رأى رجلاً يصلي ركعتين بعد صلاة العصر. (فلم يستحسن فعل ذلك الرجل لمصادفة صلاته وقت الكراهة) فقال له ذاك الرجل:

–    يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟ محاولاً الدفاع عن الخطأ الذي ارتكبه.

فقال سعيد بن المسيب رحمه الله:

–    لا! ولكن يعذبك على خلاف السنة!.[3]

ويقول الفضيل بن عياض في هذا الشأن:

“إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة”.

وعلى ذلك فإذا أردنا أن تكون أعمالنا محققة لرضا الله تعالى فلا بد أن نسعى لإخلاص النية في القلب، وأداء العمل بالشكل الوارد في السنة.

فمثلاً؛ أوصانا النبي عليه الصلاة والسلام بورد معين ومحدد بعد صلوات الفريضة وهو قول “سبحان الله” ثلاث وثلاثين مرة، و”الحمد لله” ثلاث وثلاثين مرة، و”الله أكبر” ثلاث وثلاثين مرة. فلا ينبغي أن نزيد على هذا العدد المحدد كأن نجعله أربعاً وثلاثين مرة بدعوى زيادة الثواب. فمثل هذا العمل ليس من مظاهر “التقوى”، وإنما على العكس حيث يُعد جرأة كبيرة على وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام بتقديم رأينا الشخصي عليها. بينما يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{… لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ …} [4]

فالنظر إلى آرائنا ومعاييرنا الشخصية على أنها أصوب من تعاليم صريحة واردة في الكتاب والسنة بشأن أمر معين يُعد من أشنع أنواع الغفلة والضلالة.

وقد جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه فقال له:

“يا أبا عبد الله! من أين أحرم؟[5]. قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم النبي عليه الصلاة والسلام. أي بما يتفق مع السنة. إلا أن الرجل قال: إني أريد أن أحرم من المسجد “النبوي”. فقال رضي الله عنه: لا تفعل. فقال الرجل: إني أريد أن أحرم من المسجد النبوي من عند القبر. فقال مالك رضي الله عنه: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. قال الرجل متعجباً: وأيّ فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها.فأجابه الأمام بقوله: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله؟! إني سمعت الله تعالى يقول:

{… فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}”[6]

فكما يتبين مما تقدم؛ ينبغي عدم المبالغة وتجاوز الحدود حتى في الأعمال الصالحة. فلا ينبغي الظن بأن الإفراط في العبادة يُعد ضرباً من “التدين والتقوى”.

حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد منع الصحابي الذي تحرك بمثل هذا الاندفاع المفرط وأراد صوم أيام السنة كلها، منعه من هذا السلوك، ولما أصر الصحابي على رغبته وتوجهه أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بصوم سيدنا داوود عز وجل كحد أقصى، وهو صوم يوم وإفطار يوم. وفيما بعد لما تقدم ذاك الصحابي في العمر وشق عليه صوم داود عز وجل صار يعبر عن ندمه على عدم اتباعه للرخصة التي قدمها له رسول الله عليه الصلاة والسلام وقت شبابه. [7]

كما أن إفراط المفرط المؤمن في التوجه إلى الأعمال الصالحة بناء على آرائه وأفكاره الشخصية يُعد خطأ، فكذلك إقلاله وإنقاصه منها بالطريقة ذاتها يُعد أيضاً خطأً. فعندما نأتي إلى توصية النبي عليه الصلاة والسلام بشأن عدد التسبيحات بعد صلوات الفرض والتي جعلها ثلاثاً وثلاثين مرة، ونقول “لنكتفي باثنتين وثلاثين مرة”، ينبغي أن نتذكر ما جرى لنبي الله يونس عز وجل في هذا الخصوص:

فسيدنا يونس عز وجل أُمر بالبقاء بين قومه أربعين يوماً لتبليغهم الدعوة الإلهية، إلا أنه في نهاية اليوم السابع والثلاثين غضب من قومه الذين لم يكونوا استجابوا لدعوته وآمنوا بعد، وترك التبليغ. بينما كان قد بقي على انتهاء المهلة التي أعطاه الله تعالى إياها ثلاثة أيام، إلا أن يونس عز وجل أصابه اليأس وفقدان الأمل، وهجر المكان. وبعد أن تعرض لأحداث مروعة في السفينة التي ركبها أدرك الخطأ الذي ارتكبه، إلا أنه قُذف في الماء. وبينما كان يؤنب نفسه وقد خيمت الندامة على خطيئته ابتلعه حوت كبير. فتاب يونس عز وجل إلى ربه واستغفره، وانشغل بالذكر والتسبيح وهو في بطن الحوت.

ويبين الله سبحانه وتعالى حالته هذه في القرآن الكريم، فيقول:

{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [8]

{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [9]

إذاً؛ يجب إطاعة أوامر الله تعالى بحزم وصبر تام. حيث أن الحق عز وجل يوجه تحذيراً آخر ضارباً مثلاً من جديد بيونس عز وجل:

{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ. لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} [10]

فكما يتبين مما سبق؛ إن العبودية مرتبطة بالتمكن من تنفيذ صحيح للأوامر الإلهية كما وردت – دون زيادة أو نقصان -. لأن المقصود من الأعمال الصالحة ليس تلك الأعمال بذاتها، وإنما المقصود هو التسليم، والمحبة والارتباط بالله ورسوله والذي سيظهر بواسطة تلك الأعمال. ولذلك فإن الله عز وجل يأمرنا بطاعة رسوله الكريم بتسليم تام.

حيث يقول الله عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ…}[11]

ويعبر الإمام علي كرم الله وجهه عن علو أفق ارتباطه القلبي بالنبي عليه الصلاة والسلام بعبارات جميلة، فيقول:

“لا تتبعوا شيئاً أفضل من سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام”.[12]

“قد رأينا رسول الله عليه الصلاة والسلام قام فقمنا وقعد فقعدنا”.[13]

فهؤلاء الصحابة الكرام كانوا عشاق النبي عليه الصلاة والسلام الذين أطاعوا أوامره بكل تسليم سواء علموا الحكم الكامنة في تلك الأوامر أو لم يعلموا. وأحد هؤلاء العشاق كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فذات مرة رأى عبد الله رضي الله عنه النبي عليه الصلاة والسلام يشرب من عين؛ فأخذ بين الحين والآخر يذهب إلى تلك العين ويشرب منها، ومرة رأى النبي عليه الصلاة والسلام يستظل تحت شجرة، فصار بين الحين والآخر يستظل بظل تلك الشجرة، وذات مرة رأى النبي عليه الصلاة والسلام جالساً في مكان وقد أسند ظهره المبارك إلى صخرة، فأخذ يمر أحياناً بذلك المكان فيجلس هناك مدة من الزمن وهو مسند ظهره إلى تلك الصخرة؛ وقال مبيناً الحكمة من تصرفاته هذه:

“إنما نفعل ما رأينا رسول الله عليه الصلاة والسلام يفعل”.[14]

ونحن بدورنا ينبغي أن نتخذ الصحابة الكرام نماذجاً ومثلاً لنا ونحاذر بشدة من الوقوع في أحد أكثر الأخطاء الشائعة والتي يقع فيها كثير من الناس في يومنا هذا ألا وهو مرض “الاستهتار بالسنن”.

لأن الحق عز وجل يقول عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(إنك) {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [15]

ولذلك فإن الصراط الأكثر استقامة بالنسبة لنا أيضاً هو بذل كل جهد ممكن للتشبه بالنبي عليه الصلاة والسلام والسير على نهجه المنير والتمسك به مثل الظل الذي يفارق صاحبه.

ونورد في هذا المضمار حالة من أروع أحوال عثمان بن عفان رضي الله الذي كان في غاية التسليم لرسول الله عليه الصلاة والسلام والصدق معه والإخلاص له:

لقد بعث النبي عليه الصلاة والسلام عثمان رضي الله عنه رسولاً له إلى مشركي مكة قبل عقد صلح الحديبية ليخبرهم بأن نية المسلمين من القدوم إلى مكة إنما زيارة بيت الله الحرام وأداء العمرة، إلا أنهم مع ذلك لم يأذنوا للنبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين معه بالدخول إلى مكة. وفوق ذلك كله احتبسوه وقالوا له:

– إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به!

كان المسلمون جميعاً يتحرقون شوقاً للطواف وقد وضعوا الكعبة المشرفة نصب أعينهم. حتى أن بعضهم كان يتخيل بأن عثمان رضي الله عنه يطوف بالبيت وأخذوا يغبطون على ذلك. إلا أن ذاك الصحابي المبارك الذي كان افتدى رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه قدم درساً رائعاً ومنقطع النظير في الصدق والإخلاص، فقال:

– ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله عليه الصلاة والسلام! والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله عليه الصلاة والسلام مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله عليه الصلاة والسلام.[16]

أي على الرغم من اكتواء قلب عثمان رضي الله عنه بنار الشوق والحنين إلى الكعبة إلا أنه مع ذلك منع نفسه من الطواف بها لشدة تعلقه القلبي بالنبي عليه الصلاة والسلام وإخلاصه له. فهو قد استحى من التقدم على النبي عليه الصلاة والسلام حتى في أداء إحدى العبادات.

وذلك لأن إخلاص ذاك الصحابي الجليل لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وتسليمه، ومحبته له كانت تستوجب منه هذا الموقف المشرف. فكان ذلك الصحابي المبارك يشرح معنى الحديث القائل: “المرء مع من أحب[17]، ويجسده على أرض الواقع بطريقة فريدة.

فها هي المحبة الحقيقية؛ إنها الخط الممدود بين قلبين. إنها القدرة على العيش بالقلب ذاته في أبدان متفرقة، وتبادل الأحاسيس والمشاعر القلبية ذاتها.

ومن جانب آخر، لما وصلت شائعة استشهاد عثمان رضي الله عنه إلى المسلمين الذين كانوا ينتظرون في الحديبية، فقد قابل النبي إخلاص عثمان بإخلاص وصداقة أبهى وأروع، إذ أخذ البيعة من الصحابة لقتال المشركين إذا استدعى الأمر ذلك. ثم بعد ذلك أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى يده اليمنى، وقال: “هذه يد عثمان“، فضرب بها على يده اليسرى، وقال: “هذه لعثمان“. [18] مظهراً بذلك تقديره ومحبته له. ثم ما لبث أن بعث المشركون برسول لهم لعقد الصلح مع المسلمين، وبعدها عاد عثمان رضي الله عنه سليماً معافى.

إذاً؛ إن ما يجلب رضا الله عز وجل، ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام هو الإخلاص، والمحبة، والتسليم، والطاعة التي يحملها العبد في قلبه. ولا شيءٌ يملأ الفراغ الذي يحدث فقدان أو نقصان هذه الأمور. ولهذا السبب يجب الانتباه كثيراً إلى مراعاة أوامر الله ورسوله. ويجب التحرك بفراسة وبصيرة تامة مرجحين العمل أو الشيء الأهم على ما هو أقل أهمية منه وذلك بحسب ما تستلزمه الأحوال والظروف.

وفي هذا الخصوص نورد حادثة جرت مع الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، والتنبيه الذي وجهه إليه النبي عليه الصلاة والسلام، إذ يحمل دلالة مهمة لما تحدثنا عنه:

“بعث النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة. فغدا أصحابه، وأما هو فقال لنفسه:أتخلف فأصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم ألحقهم.  فلما صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام رآه، فقال له:”ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟” فقال عبد الله بن رواحة: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: “لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم!”. [19]

إن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه هو الصحابي الذي حضر بيعتي العقبة، وبُشر بالشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ يتشوق لها ونالها في معركة مؤتة، وهو الذي قدم ماله لبيت مال المسلمين، ونفسه لله تعالى ليحلق إلى الجنة العالية. فعلى الرغم من تمتع هذا الصحابي الجليل بهذا الفضل والمقام الرفيع فقد أحزن قلب نبينا عليه الصلاة والسلام وعرض نفسه لهذا التنبيه والتحذير لمجرد تلكؤه وتأخره البسيط عن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام وتنفيذ أمره مع أنه كان حسن النية، إذ كانت نيته البقاء بجوار النبي عليه الصلاة والسلام وصحبته لمدة أطول.

ولهذا ينبغي الإسراع إلى تنفيذ أوامر الله ورسوله كما وردت دون تأخير – سواء علمت الحكمة منها أم لم يعلم -. إن اتخاذ قرار مناف أو مخالف لما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام في مسألة ما بشكل واضح – ولو كان بنية حسنة – يمكن أن يتسبب بخسارة كبيرة كما تقدم.

وينبغي التذكر بأن الحماس المفرط الذي ينسي إطاعة الأمر، والآداب المفرطة التي تصل إلى درجة الحيلولة دون إطاعة الأمر، تُعدُّ نوعاً من العصيان. فالإنسان عندما يتحرك بناء على رأيه واعتقاده الشخصي فإنه قد يُساق أحياناً للوقوع في هذا الصنف من الأخطاء وهو يظن بأنه يفعل الصواب. ولذلك يجب عدم تجاوز ما جاء به الله ورسوله أبداً، أي يجب تجنب الرأي الشخصي، وقول “حسب رأيي” عندما تكون هناك أحكام واضحة وبينة في الكتاب والسنة.

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“حافظ على صلاة التهجد! فمن أراد نيل حظ من المقام المحمود مقام الشفاعة فعليه بصلاة التهجد وعدم تفويتها!”.[20]

وجاء في القرآن الكريم:

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [21]

إن صلاة التهجد فرض خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. وأما بالنسبة لنا فهي سنة هامة ومؤكدة. فعندما أمر الله عز وجل حبيبه عليه الصلاة والسلام بالتهجد، وإحياء الأسحار بالصلاة وتلاوة القرآن والذكر، فإنه بالمقابل بشره بالمقام المحمود.

والمقام المحمود هو مقام الشفاعة العظمى لأهل المحشر والذي يغبطه جميع الناس من الأولين واللاحقين.[22]

كان النبي عليه الصلاة والسلام يولي التهجد أهمية كبيرة ومتميزة جداً، فلم يكن يهمل التهجد أبداً، سواء في الحضر أو في السفر. وكان يوصي أصحابه الكرام أيضاً بهذه العبادة.

فقد جاء في الحديث النبوي الشريف:

أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل (أي الذين يقومون بالليل)”.[23]

وقال النبي عليه الصلاة والسلام موصياً عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه:

يا عبد الله! لا تكن مثل فلان! كان يقوم الليل فترك قيام الليل“. [24]

ويقول عمر بن عبسة رضي الله عنه:

أتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله! هل من ساعة أقرب إلى الله عز وجل من أخرى؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

نعم جوف الليل الآخر، فصلِّ ما بدا لك فإنها مشهودة حتى تصلي الصبح“.[25]

كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله والذي يُعد من كبار أهل الحق قد بدأ تعلم القرآن الكريم وقراءته وهو ما يزال صغيراً. وذات مرة بينما كان يقرأ القرآن وصل إلى قول الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [26]

قال لأبيه:

–    يا أبت! من الذي يقول الله تعالى له هذا؟  فقال أبوه:

–    يا بني ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.

فقال أبو يزيد:

–    يا أبت مالك لا تصنع كما صنع النبي عليه الصلاة والسلام؟. فأجابه أبوه:

–    يا بني! إن قيام الليل خُصص به عليه الصلاة والسلام وبافتراضه دون أمته. فسكت عنه أبو يزيد. وتابع قراءة القرآن فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى:

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ …} [27]

قال:

–     يا أبت! إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون الليل، فمن هذه الطائفة؟ ” فقال الأب:

–     يا بني! أولئك الصحابة رضي الله عنهم.فقال أبو يزيد رحمه الله:

–     يا أبت! فأي خير في ترك ما عمله النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟  قال الأب:

–     صدقت يا بني!

وبدأ أبوه بعد ذلك يقوم من الليل ويصلي.

وذات ليلة استيقظ أبو يزيد رحمه الله فإذا أبوه قائم يصلي. فقال:

–     يا أبت! علِّمني كيف أتطهر وأصلي معك! فقال أبوه:

–     يا بني! ارقد فإنك صغير بعدُ!.فأجابه أبو يزيد بقوله:

–     يا أبت! إذا كان يومُ يصدر الناس أشتاتًا لِيُرَوْا أعمالهم أقول لربي:

–     إني قلت لأبي: كيف أتطهر لأصلي معك؟ فأبى، وقال لي: “ارقد، فإنك صغير بعد”، أتحب هذا؟ ، فقال له أبوه:

–     لا والله يا بني! ما أحب هذا وعلمه. فكان أبو يزيد من حينها يقوم الليل ويصلي معه وهو ما يزال صغيراً. [28]

وقال أبو يزيد البسطامي رحمه الله:

“لم يُفتح لي شيءٌ (سر) إلا بعد أن جعلت ليلي نهاراً”.

فمتى ما تمكن المؤمن من استثمار أوقات السحر وفقاً لوصايا النبي عليه الصلاة والسلام وعلى نهجه، فعندها يصير ليله أكثر نورانية من نهاره. ولكي يستطيع العبد تحقيق الفائدة على الوجه الأمثل من مناخ الليالي الممتلئة بالفيوض والروحانية فلا بد من أن يحمل الفيض القلبي والروحي للأسحار إلى يومه، ويحفظ نهاراته من المعاصي.

وفي هذا الخصوص قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله لرجل كان يعاني من عدم قدرته على الاستيقاظ وقت السحر:

“لا تعص الحق عز وجل بالنهار، وهو يقيمك بين يديه في الليل”.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:

“إن العبد ليُذنب الذنب فيُحرم به قيام الليل”.

إذاً؛ إن الرغبة في عبادة الليل تكون بقدر شدة العشق الإلهي في القلب. وإن إحياء الأسحار بالعبادة والذكر أجمل تعبير من العبد عن مشاعره الجياشة بالمحبة والتعظيم لربه عز وجل. ولهذا يُقال عن إحياء الأسحار بعبارة مشهورة بأنه: “ليس من شأن كل إنسان، وإنما هو عمل المرابطين”.

ويقول الله عز وجل عن عباده السعداء المخلصين والمتقين الذين يهجرون دفء الفراش وحلاوة النوم في أوقات السحر ثم يعكفون على عبادته وذكره:

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [29]

وتُعد أوقات السحور في ليالي شهر رمضان المبارك أيضاً وسيلة لكسب “فضيلة إحياء الأسحار”. فهي بمثابة التمارين السنوية التي تفضل الله بها علينا للاعتياد على قيام الليالي.

كذلك يُعد شهر مضان بمثابة موسم لا مثيل له للكسب المعنوي والروحي لاحتوائه على ليلة القدر التي يعادل فضل إحيائها ألف شهر من الأشهر العادية، هذه الليلة التي تعتبر مكرمة إلهية خاصة بأمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام…

فنحن إذا ما تمكنا من مد فضيلة إحياء الأسحار إلى كافة أيام السنة بما في ذلك أسحار شهر رمضان المبارك عملاً بالمبدأ القائل: “اعلم أن كل ما تراه هو الخضر عز وجل، وكل ليلة هي ليلة القدر”، فإن عمرنا كله سوف يمتلئ – بإذن الله تعالى – بالفيوضات والروحانية، ويتحول إلى شهر رمضان الذي تحيا لياليه بالتقوى؛ وتصبح لحظة أنفاسنا الأخيرة مثل ليلة الزفاف.

نسأل الله العلي القدير أن لا يخرجنا بلطفه وكرمه من شهر رمضان إلا وقد تطهرنا من ذنوبنا وخطايانا، وينعم علينا بحياة نحياها بأجواء رمضانية فياضة بالروحانية، وأن يجعل لفظ أنفاسنا الأخيرة هادئاً مطمئناً مثل سكينة صباح العيد المنفتح إلى السعادة الأبدية.

آمين!


[1]          انظر: الإمام الرباني، المكتوبات، 1، 418، رقم 114.

[2]          عبد الرزاق: المصنف، 11، 291.

[3]          الدارمي: المقدمة، 39 / 442.

[4]          الحجرات:  1.

[5]         يمكن ارتداء لباس الإحرام قبل محل الميقات حيث تبدا محظورات الإحرام. إلا أن هذا لا يُعد دخولاً في الإحرام. وإنما الدخول في الإحرام يكون بارتداء لباس الإحرام قبل مكان الميقات أو في مكان الميقات و “عقد النية الإحرام”. وتبدأ محظورات الإحرام بعد عقد هذه النية. وإن المقصود ب “دخول الإحرام” في هذه الحادثة هو الإحرام الذي تبدأ معه محظورات الإحرام.

[6]       النور: 63. الشاطبي: الاعتصام، 1، 97.

[7]       انظر: البخاري، الصوم 55، 56، 57، التهجد 7، الأنبياء 37، النكاح 89؛ مسلم، الصيام 181- 193.

[8]           الأنبياء: 87.

[9]           الصافات: 143 – 144..

[10]          القلم: 48 – 49.

[11]          الأنفال: 24.

[12]          أحمد: مسند، 1، 121.

[13]          أحمد: مسند، 1، 83.

[14]        ابن ماجه: الإقامة، 73؛ أحمد: 2، 65، 94، 4، 78.

[15]        يس: 4.

[16]        أحمد: مسند، 4، 324.

[17]        البخاري: الأدب، 96.

[18]        البخاري: أصحاب النبي، 7.

[19]        الترمذي: الجمعة، 28 / 527؛ أحمد: 1، 256؛ البيهقي: 3، 187.

[20]        محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 291.

[21]        الإسراء: الآية، 79.

[22]        انظر: روح البيان،  جـ 11، ص 239، منشورات الأرقم 2010.

[23]        المناوي: 1، 522.

[24]        البخاري: التهجد، 19.

[25]        النسائي: مواقيت الصلاة، 35.

[26]        المزمل: 1 – 2.

[27]        المزمل: 20.

[28]        شمس الدين السفيري: المجالس الوعظية، 2، 293.

[29]        الذاريات: الآية، 15 – 19.