الإسراف في التفكر

إن الله -عز وجل- منح الإنسان ميزات مثل العقل والمنطق والتفكر وجعله متفوقاً على المخلوقات الأخرى. كل الأمثلة الواردة في القرآن الكريم تبين أن الخطاب موجه لأصحاب العقول. وأمرَ مراقبة كل الكائنات بعين العبرة، ولهذا السبب دعا العباد إلى التفكر الدائم و لمرات عديدة في الآيات الكريمة:

أفلا تتفكرون؟ أفلا يعقلون؟ أفلا يتدبرون؟ أفلا يبصرون؟ ([1]) كي تتأملوا ، وتأخذوا العبر.

ورد في القرآن الكريم ذكر «يا أولي الألباب» ست عشرة مرة مشيراً إلى العقل الحائز على قيمته الحقيقية من خلال مضمون الوحي. ولهذا السبب فأصحاب العقول الذين يطلبون العيش بما يليق بالاعتبارات البشرية، يتوجب عليهم المرور بحياة تأملية ينيره القرآن.

لولا أفق التفكر الذي يظهره الإسلام للبشرية، لكنا عاجزين عن التعبير وإدراك حقائق كثيرة بعقولنا فقط، وفوق ذلك نهيّئُ نعمة التفكر في خدمة منافعنا النفسية. ومن هذا المنطلق فنحن بحاجة إلى تنبيهات وإرشادات السنة والقرآن. لذا فالقرآن والسنة، الدليلان الفريدان في بيان أساسيات العيش على الصراط المستقيم وتوجيه التفكر الإنساني إلى الوجهة الصحيحة.

التفكر من أهم العبادات. يتوجب تعميق العالم القلبي بالتفكر، للوقوف على أسرار وحكم الأحداث والكائنات، من أجل حياة عبودية مقبولة. وكذلك يجب أن تكون أهداف المؤمنين وآفاقهم متآلفة مع الرضا الإلهي في كل شيء، حتى تنفسنا ومشاعرنا القلبية وكل الأفكار التي تنشغل بها عقولنا. لذلك خلقنا الله -عز وجل- كي نقوم بالعبودية لهذه الذات العظيمة. فكل التصرفات والأفكار المخالفة لحكمة وجودنا، تقربنا من حدود الإسراف.

إن العقل الذي يعتبر من النعم العظيمة التي منحت للإنسان، لا يكفي بمفرده لإيصال الشخص إلى الحقيقة. إن أهمية التفكر الإنساني مرتبطة بعمل الوظائف القلبية والعقلية في توازن منسجم. لو تم إعطاء الأهمية للعقل والقلب فقط قد يصبح الإنسان رجل عصر ناجح، أي إنسان المنافع. ولكن كي يصبح مؤمناً كاملاً، يتوجب عليه إرشاد عقله وتأهيل قلبه الذي يعتبر مركز المشاعر بالتربية المعنوية. لذا فالقلب الذي يعتبر مركز الحس يوجه التفكر، والتفكر يوجه الإرادة. هذا يعني أن القلب هو الدافع الأساسي لكل الأفعال الإرادية، وفيه تستقر الأحاسيس و تتجذر. ومن وجهة النظر هذه فاستقرار القلب في إطار الأوامر الإلهية، لهو أكثر أهمية من الأعضاء الأخرى.

إن الشخص الذي استنار عالم قلبه بنور السنة والقرآن، يكون عقله مألوفاً للحقيقة. خلق العقل والقلب بشكل يوصلان الشخص إلى الخير والحقيقة بشرط أن ينهل من النبع الإلهي. لهذا السبب التفكر الحقيقي، يبدأ من نقطة التقاء القلب والعقل المتشرفين بالوحي.

إن القيام بالتفكر في مواضيع خارجة عن نطاق العقل، إسراف آخر في التفكر. من الضروري التفكر في خصوصيات بنية الإنسان والكائنات والقرآن وتجليات صفات الله -عز وجل-. ولكن يعتبر نوعاً من إسراف الذهن، القيام بالتفكر في مواضيع تتجاوز الطاقة البشرية. مثلاً محاولة حل كامل الحكمة في أسرار القدر، أوالتفكير في الذات الإلهية. وهذه الحالة مُنعت في القرآن والسنة.

لذا فإن للعقل طاقة في الإدراك، كما للأذن حدوداً للسمع، وللعين مدى للنظر. لهذا السبب فالعقل بحاجة إلى إرشاد من الوحي. إن التفكر في الحقائق الإلهية، يعتبر وقوعاً في خسران الآخرة نتيجة إسراف الإنسان عند القيام بأعمال تتجاوز طاقاته، وتتجاوز حدود عقله، الأمر الذي يعتبر من أسباب الهلاك.

ينساق الإنسان إلى الشذوذ والشهوات الشيطانية، فيخرج التفكر العقلي من مجراه الأصلي، في حالة حرمان من إرشاد قلبي سليم تحت تسلط الآفات القلبية كالتكبر والغرور، على أرضية الرغبات النفسية. يقول مولانا جلال الدين الرومي – قدس سره -:

«لو كان للشيطان عشقاً مثل عقله، لما وقع إلى درك إبليس»

هذا يعني أن العقل بمفرده لا معنى له، وواجب عليه توجيه القلب إلى الحساسيات. لو تمكنا من إكساب الروحانية والتربية المعنوية للأحاسيس القلبية، لكان بالإمكان توجيه العقل لإستلام قيادته. من الصعب جداً وضع الأحاسيس تحت المراقبة. ولكن يتوجب علينا المثابرة على تآلف مشاعرنا مع الرضا الإلهي. وسبيل ذلك هو التفكر في فضاء السنة والقرآن. الآفاق المفتوحة بتأمل كهذا توصلنا إلى حالة تآلف الرضا الإلهي مع أحاسيسنا وتفكيرنا بكرم ولطف الله -صلي الله عليه وسلم-.

القلب يعتبر مكان الأحاسيس، وهو في نفس الوقت مركز الإيمان. لأن الإيمان إحساس سامٍٍوشعور جليل. لأن الإيمان ليس إقرار بالعقل بل بالقلب. إن الكشف عن الأسرار الإلهية في الكائنات لا يتم إلا بواسطة عقل مرتبط بقلب مؤمن. ولهذا السبب الإيمان من أهم المسائل في الدين وأكثرها حساسية. لذلك الإيمان لا يقبل التساهل مع النفس ولا أي تنازل على الإطلاق. لأنه لو كان في الزجاج خدش كشعرة، فإن هذا الخدش يتسع مع الزمن وفي النتيجة ينكسر الزجاج. يتوجب أن يكون الإنسان مرهفاً ويقظاً دائماً لكي لا تظهر الخدوش، أي بقع سوداء في عالم قلبه.

إن الخشوع في العبادات يزيد الثواب؛ ومقابل ذلك فإن الغفلة تتسبب في إنقاص الثواب. ولكن انحراف التفكر إلى النفسانية يخلق ثغرة في القلب، ويعرض الإيمان للخطر. أما الغفلة في الإيمان ــ معاذ الله ــ فهي مفتاح السقوط.

وقارون مثال من الأمثلة التي لا تحصى على ذلك. لقد وهبَ الحق تعالى قارون ثروة كبيرة تكريماً لماضيه عندما كان عبداً صالحاً. ولكنه ادعى بأنه جمع الثروة بدرايته مخادعاً نفسه، فتجبّر وتكبّر، حتى أنه ذهب أبعد من ذلك حين اختلف مع سيدنا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فدفنه الله تعالى مع ثروته التي يستند إليها في أعماق الأرض. الآية الكريمة تبين عاقبته على الشكل التالي:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص، 81)

إن انحراف القلب عن أساس الإيمان يشبه من يجرح أصبعه بسكين عند سهوه لحظةً أثناء تقطيعه الخبز. فانزلاق السكين حدث آني. والأحاسيس تتطور هكذا بشكل آني. إن القلب يعتبر مركز الأحاسيس وأكثر الأعضاء حرية في الجسم. فالميول القلبية تتغير في أية لحظة كما فيه نصيب من الصفات الإلهية « المُضل» فيه أيضاً من الصفات الإلهية « الهادي». ومجهولٌ لمن ستكون الغلبة.

والمثال الآخر «بلعام بن باعوراء» الذي روي قِصَصُه بعبرة في القرآن. كان دعاؤه مقبولاً، وله كرامات لا تحصى. كان حينها من عباد الله الصالحين. ولكن هذا العبد الصالح أيضا أهلكته الميول النفسية الآنية. واتباعه أهواءه الآنية، أي تركه زمام عقله لأهوائه كان سبباً لهلاكه. القرآن الكريم يبين حاله هذا على الشكل التالي:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف، 176)

كما تبين آنفاً، إن إعمال العقل في مجاراة الرغبات النفسية وخارج الوحي يسوق الإنسان إلى الحمق ويوقعه في الإرتباك الذي أورده القرآن مثالاً، ولهذا السبب كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في أدعيته يقدم لنا حالة روحانية لمؤمن مثالي قائلاً:

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ[2]

هذا يعني للمحافظة على إيماننا، يتوجب علينا دائماً توجيه تأملنا بإتباع تأهيل الإحساس بين «الرجاء والخوف» أي «الأمل والخوف». ويجب علينا أن نكون في يقظة ورقة قلب طوال حياتنا، كي نكون على الإيمان حتى آخر نفس من حياتنا. لذلك قال الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران، 102)

مثلاً، يعتبر هلاكاً معنوياً أن تشعر بالكره تجاه من يستحق المحبة وتحب من يستحق الكره، كما أنها غير مقبولة من الله -عز وجل-. من الضروري توجيه الخصومة لمن يستحق، والمحبة للجدير بها. فيُمنح الصالحون السعادة والمحبة، قال تعالى في الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، 119)

ومن جانب آخر فالشغف لأحد أعداء الدين يجلب الدمار. ومن هذا المنطلق قال تعالى في الآية الكريمة:

﴿…فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام، 68)

هذا يعني من الضروري تأهيل مشاعرنا بالنهل من النبع الإلهي كي يستند تأملنا على أساس مقبول.

وقال الله -عز وجل- في آية كريمة أخرى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب، 72)

ذُكر نعت الإنسان بصفتي (جهول) و(ظلوم) في الآية الكريمة، لأنه لم يقـّدر بالشكل اللائق ثقل الأمانة الإلهية التي يحملها. وهو بنفس الوقت دعوة للإنسان من أجل تنبيهه وإبراز ثقل الأمانة.

وخلاصنا من صفات «الظلوم» و»الجهول» مرتبط بتحويل معارفنا العلمية الباطنية والظاهرية بالتفكر وأن نكون من صالحي الأعمال. لذلك أمر الله -عز وجل- بضرورة حضور العبادات الجماعية وأوصى بالصبر والحق، وأن نكون من صالحي الأعمال والإيمان, من أجل خلاص الإنسان من الخسران كما ذكر في سورة «العصر». وبسبب احتواء سورة العصر على حقائق عميقة وجوهرية قال الإمام الشافعي ـ رحمة الله عليه ـ :

«لو تدبر الناس هذه السورة، لوسَعتهم» (ابن كثير، تفسير سورة العصر)

ربنا يستعرض لنا آفاقاً تأملية شاسعة في القرآن الكريم. وبهذه الدلالة يقول في الآية الكريمة:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران، 191)

إن تجليات القدرة الإلهية في الزمان كالليل والنهار والمكان كالسموات والأرض، تدعو ذوي العقول للتقرب من الله -عز وجل- دائماً. إن الحق تعالى يرغب أن نكون ملمين بلسان حال الكائنات. لذلك كل الكائنات تتكلم مع الإنسان العطِش للبهجة الإلهية القلبية. كل شيء تذكر الإنسان بعظمة ربنا من الذرة حتى الكرة الأرضية.

إن التفكر في تجليات العظمة الإلهية يأخذ العبد إلى مناخ العدم والتواضع. إن نضوج المؤمن مرتبط بإدراك حدوده وعجزه أمام الله. يتوجب على الشخص كي يبعد علل التكبر والغرور عن نفسه، أن يعترف في كل لحظة بضعفه وعجزه وعدمه أمام ربه.

لذلك قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في أدعيته مستغفراً:

يا ربي! ما عرفناك حق معرفتك …” (المناوي، جـ2، 520)

إن النفس البشرية التي لم تر العجز والقنوط في الحياة، تتحول إلى ثور هائج من أمثال فرعون ونمرود وقارون وهامان… فيكون وقع الظلم بالنسبة لهؤلاء مثل أنغام لحن جميل.

ومن جانب آخر، في الحقيقة تَلقّي الشخص الدروس من مصائبه وأمراضه وعلله متألماً في عجز سيجلب له الخير. لذلك سيأخذه يأسه إلى مناخ التواضع، والزوال، والعدم والعجز؛ وهو يصرخ من أعماق قلبه «آه يا ربي».

وكذلك ينضج الإنسان روحياً بنسبة العوائق التي يجتازها والمصائب التي يتحملها. إن الله تعالى بناءً على هذه الحكمة مرّر رسله وعباده الصالحين في إطار الزهد بحسب درجاتهم. فكان ذلك وسيلة لنضج روحانيتهم،وتحولها إلى تجليات لطف خاص جداً لهم.

قال الشيخ سعدي الشيرازي:

«بالنسبة لأصحاب الإدراك كل ورقة في الشجرة كتاب مفصل في خصوص معرفة الله، أما بالنسبة للغافلين كل الأشجار لا تساوي ورقة»

إن وصول إدراكنا وإحساسنا إلى حالة تقبل الأسرار الإلهية في الكائنات، يتطلب قلباً عميقاً وإدراكاً مجبولاً بالتفكر.إن انسياب القدرة الإلهية في الكائنات لقصائد إلهية أبدية صامتة. تتعمق هذه القصائد الإلهية بنسبة الأحاسيس القلبية.

إن أصحاب الحق الذين يملكون عالم قلب رحيب، ينظرون إلى المعجزات الإلهية في الكائنات وكأنهم يبصرون إلى أعماق بئر عميق. ومن هناك يقطعون المسافات في فضاء المعاني.

الألسنة عاجزة والكلمات غير كافية في التعبير عن حال قلب يبصر، وفؤاد يسمع، إذاً الذين يبصرون الكائنات بهكذا حساسية قلبية، يصلون إلى نشوة المعجزات الإلهية. وتكون آذانهم صاغية لبيانات سر «لسان حال» الكائنات ويراقبون النسيج الرائع في أجنحة الفراشة التي لا يتجاوز عمرها الأسبوعين، والفاكهة التي تُعرض بأشكال مختلفة لا متناهية ورائحة ولذة وألوان الأشجار والبنفسج والأزهار والأوراق المتنوعة الألوان نباتات من أرض رأسمالها واحد. وبالنسبة لهم تكون كل الكائنات كتبٌ جاهزة للقراءة.

أما الغافلون الذين يكونون في حالة سطحية وعمياء في عالمهم القلبي والعقلي، يراقبون الأشياء من قشورها، فيبقون جاهلين الجواهر المعنوية داخلها. مولانا جلال الدين الرومي يعبر عن ذلك بشكل رائع:

«الذين يرغبون بالدنيا يشبهون الصياد الذي يصطاد الظلال. كيف ستكون الظلال رأسمالهم؟ لذلك قام صياد أحمق بالإمساك بظل عصفور، ظناً منه أنه العصفور. حتى العصفور احتار من أمر الأحمق وهو على الغصن»

قال صاحب حق:

«هذا الكون بالنسبة للعقلاء، هو فرجةٌ على البدائع، في حين أنه للحمقى طعامٌ وشهوة»

بالفعل إن القلوب العارفة التي تبصر بنظرة الحكمة والعبرة إلى العالم، تجني الحِكم من هذا العالم لإحساسها بنقطة مميزة في كل شيء. أما الغافلون فيقولون موسعين الظلام والهوة في قلوبهم: «آه يا روحي، اليوم تلذذ من الدنيا، وهل ستعود إلى الدنيا مرة أخرى!»

إن مولانا جلال الدين الرومي يدعونا إلى التفكير بحكمة وجودنا في هذا العالم والتفكر بأحوالنا برجاحة عقل، قائلاً:

«راقب هذا التجمع البشري بعبرة!..لِمَ تعمي بصرك وتتحامق وأنت ترى انسياب القدرة الإلهية وعظمتها في العالم الذي تعيشه، لماذا ترى رغبات جسدك ومنافعه كبيرة كالجبال، وترى التفكر السليم صغيراً كالنملة؟ أيها الواقع في أسفل السافلين؟ أنت تجهل عالم التفكر كما يجهل الحجر كل شيء، للأسف حرمت نفسك من النشوة الكبرى بتبديدك لتأملك!»

إنه من المحزن أن تضع نِعم التفكر في خدمة رغبات النفس. عدم التفكر علامة الحمق وكسل القلب. وعدم الإحساس يعني بقاء القلب كفيفاً وأصم. بقاء القلب بلا إحساس أمام كل هذه التجليات الإلهية، لا يتناسب مع الاعتبارات الإنسانية. إنه هلاك معنوي، مراقبة الكائنات بهيئة غافلة وعبوسة وغبية. الآية الكريمة تبين الحالة على الشكل التالي:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج، 46)

إن مولانا جلال الدين الرومي يشبِّه استعمال نِعم التفكر في غير موضعها بـ «وضع المهملات في وعاء ذهبي». وهذا يعني الرضوخ للرغبات الدنيئة والوضيعة، الإسراف بنِعم التفكر التي هي أغلى من الذهب.

وأخيراً يجب التفكرُ في أرضية سليمة وبالشكل الصحيح. وعلى عكس ذلك يسوق التفكر الشخص إلى الخسران عندما لا يكون في مجراه الأساسي. لذلك ستكون عاقبة من خسر نِعم تأمله في سبيل رغبات النفس – الغافلين عن التنبيهات الإلهية – ندم في الآخرة. والآية الكريمة تبين ذلك:

﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (فاطر، 37)

هذا يعني أنه من الضروري استعمال العقل في مكانه من أجل سلامة الحياة الأبدية في الحياة الدنيا. فيتوجب على أحاسيسنا وأفكارنا النهل من النبع الإلهي، لا من رغبات النفس والشيطان. قال مولانا جلال الدين منبهاً إلى لزوم اليقظة في هذا الخصوص:

«كل ما يتولد في داخلنا من أفكار شيطانية تقلقنا وأحلام ووساوس تخزُّ قلوبنا، عبارة عن أشواك لا ترى. هذه الأشواك تخزُّ قلوبنا آتية ليس من شخص، بل من آلاف الأشخاص»

لذلك يتوجب الإبتعاد عن الوساوس الشيطانية والنفسية التي تفسد تأملنا و مَلكاتنا الخاصة، وأن لا نخل بانسجامنا القلبي. فمصير القلب الهلاك نتيجة الغفلة والأحاسيس الخاطئة، كمثل الراديو عندما يصدر أصواتاً غير مفهومة بسبب عدم التوصل إلى التردد الصحيح. تستمر الأسماك في حياتها وسط البحار، والمخلوقات البرية وسط الهواء. أما روح الإنسان فتنال السعادة في الفضاء النوراني للقرآن والسنة.

إن التفكير بالموت هو، بلا شك، من أهم آفاق التفكر الذي يجعل الإنسان صاحب قلب نبيل ويخلصه من نشوة الإبتهاج النفسي والانخداع بالأهواء الشيطانية. قال الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق، 91)

وفي الحديث الشريف قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

أكثروا ذكر هاذم اللذات” يعني الموت (الترمذي، القيامة، 26)

الناس الناضجون، هم الذين حضّروا أنفسهم للعالم الآخر بحل لغز ما تحت الأرض وهم أحياء. فلن نتوصل إلى أسرار الديار المستقبلية بدون التعمق في لغز ما تحت الأرض بالمثابرة والتفكر. من الواجب على كل صاحب عقل سليم، الإدراك بالشكل اللائق في مناخ تأملي وقلب يقظ هذه الرحلة القصيرة من المهد إلى اللحد. ويمكن ذلك بإصغاء القلب لإرشادات الوحي، حل غموض المستقبل الذي لا يمكن إدراكه بتأمل بشري. وعلى عكس ذلك يكون الهرب من الموت، تعبٌ عبثي وخوف أعمى.

يدعونا الله تعالى نحن العباد إلى جنانه. ولهذا السبب يحذرنا من الضلال. لذلك قال الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون، 115)

وعلى هذا الأساس كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يتوسل إلى الله -عز وجل- حتى لا نكون أسرى الدنيا في تأملنا وخصوصياتنا فكان يدعو الله قائلاً:

وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا(الترمذي، الدعوات، 79/3502)

وأيضا بين رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وجوب أن نكون في حالة شكر وحمد دائمين لله تعالى، والتفكير في حال المحتاجين،ودعانا إلى التفكر حتى في أدعيته التي يقرأها ليلاً.كما قال -صلي الله عليه وسلم-:

الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي” (مسلم، الذكر، 64)

في الحقيقة من وظائف العبودية المهمة شكر الله تعالى والتفكر بالنعم الممنوحة له، قبل أن يخلد الإنسان إلى النوم في فراشه. ومن المسؤوليات الكبرى وفي نفس الوقت من النعم الكبرى، أن نتمدد في الفراش المريح. فكم من الناس يقضون الليالي وهم محرومون من مأوى دافئ بسبب الكوارث التي تعرضوا لها. وأن نكون في أمن بعد قضاء حاجاتنا إلى جانب أناس لا تحصى أعدادهم الذين يتضررون من الحاجة أو تعرضوا للمخاطر، والنوم شبعاً مقابل الآلاف من الناس الجياع والعطشى في العالم. إنه من الواجب التفكير بكل ذلك.

إذاً يجب أن لا يكون مكان للإهمال في حياتنا التفكرية، وأن نقوم بمحاسبة النفس كل يوم قبل الخلود إلى النوم. لذلك قال سيدنا عمر -رضي الله عنه-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». وكان في كل ليلة يحاسب وجدانه بمسائلة نفسه قائلاً:

«لو هلك حمل من الضأن ضياعاً بشاطئ دجلة، خشيت أن يسألني الله عنه»

«ماذا فعلت اليوم لله يا عمر؟»

كم مرة عشنا هذه المشاعر بالشكل اللائق يا ترى؟ كم ليلة استطعنا أن نضع أفئدتنا التعبة من المشاغل اليومية بهذه المحاسبة؟ كم مرة فكرنا واضعين أيدينا على خدودنا بمدى صوابية سير حياتنا، ومن أين أتينا وإلى أين نعود، ولماذا خلقنا؟إلى أي مدى عشنا موجبات ديننا، وإلى أي مدى عكسنا أوامر الله -عز وجل- في حياتنا، وإلى أي مدى استطعنا النفوذ إلى عالم روح وثقافة القرآن الذي يعتبر رسالة إلهية أرسلت لنا من الله، وكم سرنا على خطا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الذي يعتبر بحياته تفسيراً حياً للقرآن. إلى أي مدى فكرنا بامتثالنا لحياة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الذي يعتبر أسوة حسنة في تصرفاته وأفعاله وأحواله؟ كم نخشى من نواقصنا في هذا الخصوص؟ هل أضعنا من داخلنا ثروتنا القيمة التفكر؟

استعرض القرآن الكريم لنا أمثلة السحرة الذين بعدما نالوا الإيمان تصدوا بصدورهم للأذى الشديد، وأصحاب الأخدود الذين أحرقوا في الخنادق، و(حبيب النجار)[3] الذي تحمل الرجم كي ينقذ إيمانه، فإلى أي درجة ندرك قيمة إيماننا الذي تلطف به الله علينا؟

ربنا احفظنا من الإنسياق إلى الإسراف في نعم التفكر كما في كل النعم واحمنا من عدم التفكر! وآلف أفكارنا ومشاعرنا وعقولنا وقلوبنا مع الرضا الإلهي! آمــين….


 

[1]   1 انظر: البقرة، 219، 266؛ النساء، 82؛ الأنعام،50؛ الأحزاب، 27؛

يس، 68 ؛ محمد، 24.

[2]      الجامع الصغير، جـ1، ص 58.

[3]      حبيب النجار مـن أولياء الحق -عز وجل- استشهد في سبيل اعلاء كلمة الحق

الـذي ذكر وصفه في سورة يس﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى …

وهو مدفون بمدينة أنطاكية في جنوب تركيا