الإخلاص

يقول عليه الصلاة والسلام:

إنما الأعمال بالنيات…[1]

وفي هذا الصدد يكون قصد رضا الله تعالى في جميع أعمال الخير -وعلى رأسها العبادات- أمراً رئيسياً، وهذا لا يتحقق إلا بالإخلاص، وبعبارة أخرى لا تترقى أعمالنا اليومية إلى مرتبة العبادات إلا بربطها بغاية سامية والإخلاص فيها، ومن ثم فإن الشرط الأساسي لقبول الله تعالى لأعمالنا إنما هو الإخلاص.

الإخلاص هو تأدية الأعمال بقصد رضا الله تعالى لا غير، وعدم إسدال ستار الرغبات والأهواء النفسية عليها، إن الإخلاص للعمل كالروح للبدن، فعملٌ لا إخلاص فيه لا يعدو أن يكون تعباً وقد يكون حراما وجرما كبيرا.

والإخلاص هو وقاية القلب وحمايته من كل أهواء النفس والدنيا للتقرب إلى الله تعالى. وهو تنقية الأعمال من جميع أنواع الملوِّثات المعنوية وعلى رأسها الرياء والعجب، إذ إنها أمراض قلبية تطمس الإخلاص وتقضي عليه.

ثم إنَّ خلْع كل آمال القلب وتعلُّقاته مما عدا الله تعالى وظيفةٌ عظيمةٌ، على المسلم أن يفي بها ويقوم بحقها خير قيام. لكن ينبغي ملاحظةُ أمر مهم جدا والتيقظ له دوما، وهو أن المخلصين أيضا على خطر عظيم فهم معرَّضون في كل لحظة لفقد لغلبة النفس والهوى وخسارة نقاء القلب وصفائه، فكما أنه من الصعوبة البقاء في القمة فكذلك من الصعوبة بمكان المحافظة على الإخلاص، ومن المشهور قول ذي النون المصري في هذا الشأن:

“الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم يغترون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم… “.[2]

قال الله عزّ وجّل: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِيْنَ عَنْ صِدْقِهِم }” .

وعلى الرغم من ذلك فإن العباد الذين يتمكنون من المحافظة على الإخلاص يضحون مظهراً للكثير من اللطف الإلهي.

فالإخلاص يجعل العباد ينالون الخير الأعظم وهو رضا الله تعالى، لأن ما يريده الله تعالى من أعمال العباد قصدُ رضا الله تعالى أي الإخلاص، تقول الآيات الكريمة:

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصَاً لَهُ الدِّيْنَ} (الزمر، 2)

{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصَاً لَهُ الدِّيْنَ} (الزمر، 11)

ثم إن الإخلاص يخلِّص المؤمنَ من حبائل الشيطان ومكائده، لأنه لا سبيل له إلا على ضعف إخلاصه واختلطت نيته، يقول الله تعالى في الآية الكريمة:

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن} (الحجر، 39 ـ 40)

ولكن الله يعتق المخلصين من عذاب جهنم، ويبشرهم بقوله:

{إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِيْنَ}، فالمخلصون مستثنون من (العذاب) (الصافات، 40).

إن العمل المؤدّى بالإخلاص ولو كان قليلا يكفي لتخليص صاحبه والنجاة به من العذاب، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:

أخلِص دينك، يكفِكَ القليلُ من العمل[3]

ويقول عليه الصلاة والسلام:

إنما تُنْصَرُ هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم“.[4]

ولابد أن نوقن أن الإخلاص هو الغالب، لأن الجهود التي فيها إخلاص تُحفَظ ولا تضيع أبداً، فكم من جيوش صغيرة تغلبت على جيوش أكبر منها في العدة والعتاد بإخلاص جنودها وثباتهم و صبرهم، فالإخلاص أساس النصر والظفر.

صور الفضائل

إنَّ حياة النبي عليه الصلاة والسلام مليئةٌ بأمثلة تصور لنا روعة الإخلاص، وتوضح  لنا هذه الحادثة -التي وقعت في المراحل الأولى من التبليغ- هذه الحقيقة بأحسن ما يكون:

عرض المشركون على أبي طالب أن يمنع ابن أخيه محمداً صلّى الله عليه وسلّم من الاستمرار في دعوته، فكان جواب النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمه بعد أن أبلغه رغبة قريش:

والله يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهره الله أو أموت دونه… “.  [5]

ولما باءت محاولات المشركين -المنزعجين من بزوغ نور الإسلام- بالفشل تجرؤوا بأن عرضوا عليه مقابلاً فقام عتبة بن الوليد حتى جلس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال:

يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمتَ من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيتَ قومَك بأمرٍ عظيمٍ، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرِض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

قل يا أبا الوليد، أسمع“؛

قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا –أي من الجن- تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستمع منه، قال:

أقد فرغت يا أبا الوليد؟”

قال: نعم، قال: “فاسمع مني“؛ قال: أفعلُ؛

فقال: بسم الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه…..}

ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال:

قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك“.[6]

لقد عاش النبي صلّى الله عليه وسلّم حياته حريصا على تبليغ دين الله تعالى، ولم يطلب لنفسه شيئاً من الناس مستغنياً عن ذلك، لقد كرر نبيُّنا وسائرُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قول الله عزّ وجّل:

{وَمَا أَسْأَلْكُمْ عَلِيُهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِيْنَ}

{فَإِنْ تَوَلَّيْتُم فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللّه}

{وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى اللّهِ[7]

وها هو حال موسى عليه السلام صورة رائعة للإخلاص:

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ  وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ( القصص، 23)

وكان قد أخرج سيدنا موسى عليه السلام لابنتي شعيبٍ عليه السلام الماءَ من البئر بمشقة وسقى بهائمهما على ما كان يعانيه من التعب والجوع، فشكرتاه وابتعدتا.

وبعد ذلك دعا شعيبُ عليه السلام موسى عليه السلام إلى بيته وأكرمه، وكان موسى عليه السلام متردداً في تناول الطعام مع كونه جائعاً، فسأله شعيب عليه السلام عن السبب، فردَّ عليه موسى عليه السلام بهذا الجواب:

“إنَّا -معشر قوم- لو أُعطيت لنا الدنيا بأكملها لَمَا أبدلناها بعمل من أعمال الآخرة، فأنا لم أساعدكم لهذا الطعام وإنما لرضا الله تعالى”، فسُرَّ شعيبٌ عليه السلام بهذا الجواب وقال:

“إكرامنا هذا ليس مقابل مساعدتك لنا، بل لأنك ضيفنا، فكل على بركة اللّه”،

ولذا فقد قبل موسى عليه السلام -التَعِبُ والجائع- الضيافةَ من شعيب عليه السلام.

وفي هذا المثال نرى أنه ينبغي عدم تشويه الإخلاص بانتظار المقابل الدنيوي كيلا يذهب أجر الأعمال الصالحة عبثا.

يروي لنا واثلة بن الأسقع حادثة في غزوة تبوك تصح مثالاً على الإخلاص: “كان النبي عليه الصلاة والسلام يتجهز لغزوة تبوك، ولم يكن لواثلة ما يحمله فجعل ينادي‏:‏ من يحملني وله سهمي؟ فدعاه كعب بن عجرة، وقال‏:‏ أنا أحملك عقبة بالليل، ويدك أسوة يدي، ولي سهمك‏،‏ فقال واثلة‏:‏ نعم‏،‏ قال واثلة‏:‏ فجزاه الله خيراً، كان يحملني عقبى ويزيدني، وآكل معه ويرفع لي، حتى إذا بعث رسول الله خالد بن الوليد إلى أكيدر الكندي بدومة الجندل، خرج كعب وواثلة معه فغنموا، فأصاب واثلة ست قلائص، فأتى بها كعبَ بن عجرة، فقال‏:‏ اخرج فانظر إلى قلائصك‏،‏ فخرج كعب وهو يتبسم ويقول‏:‏ بارك الله لك، ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئاً “.[8]

إن الصحابة الكرام -الذين كانوا يصرفون بسرور كلَّ إمكاناتهم في سبيل رضا الله تعالى- يراعون سِرّ الإخلاص إلى أبعد الحدود في خروجهم في الغزو في سبيل الله وفي مساعدة كل مسلم،  حتى لقد حرصوا على ألا يقع في قلبهم أي غرض دنيوي -مهما صغر- لأعمال الخير التي يقومون بها.

“كانت السيدة عائشة رضي الله عنها عندما تتصدق -فيدعو لها الفقير- تدعو له بالدعوة نفسها، فلّما سُئلت: لماذا تدعين للفقير؟ قالت: حتى تكون دعوتي مقابل دعوته، وتكون الصدقة خالصة للّه”.[9]

يا له من نموذج رائع على الإخلاص! والذي يبين لنا كم حرص أولئك الناس المباركون على الإخلاص في كل عمل وقول صدر عنهم.

وفيما يلي حادثةٌ رائعة أخرى تعرض لنا إخلاص علي بن أبي طالب رضي الله عنه العميق ومراعاته له:

“عندما جلس فوق صدر أحد المشركين في إحدى المعارك، يريد قتل هذا المشرك اللعين وهو كما في بعض الروايات عمرو بن ود، ولما هَمَّ بقتله ما كان من عمرو بن ود إلا أن بصق في وجه علي بن أبي طالب والسيف في الهواء يوشك أن يهوي، فغضب عليٌّ، ودار حوله ولم يقتله،

فقال له عمرو: بصقت في وجهك لتعجل علي بقتلي!!،

قال علي: عندما بصقتَ في وجهي غضبتُ، فإن قتلتك كان قتلي لك لغضبي لنفسي، فلما هدأت اقتلك للّه”.

وهكذا نرى كيف أن أخلاق المؤمن الراقية منحت الحياة لعدو كان قد شارف على الموت آنفا، فإيمان سيدنا علي رضي الله عنه شُرِّفَ بمقاومة النفس وتنزيه النيات والغايات عن كل شائبة وإخلاصها للّه تعالى.

لقد نشب حريق كبير في سوق النحاسين في بغداد، وعَلِقَ غلامان في إحدى الدكاكين المحروقة، مع صراخ الغلامين وهما يطلبان النجدة إلا أنه لم يكن بإمكان أحدٍ مساعدتهما وإخراجهما بسبب ألسنة اللهب المستعرة، وأما صاحب الدكان فكان ينادي في الخارج وقد لفَّه اليأس: “من أنقذ الولدين فله ألف دينار”.

وفي هذه الأثناء كان أبو الحسين النّوري يمرّ مصادفة من هناك، فلمّا رأى ما يحصل دخل في الحريق بدافع الرحمة والشفقة على صراخ الغلامين، فاقتحم النار دون وجل وكأنّ النّار تحوّلت روضة، وقد تمكّن وبعناية من الله تعالى ولطف من إخراج الولدين من الحريق أمام حيرة الجميع.

فقدَّم سيد الولدين -بامتنان غامر- الذهبَ (الدنانير) إلى أبي الحسين النوري، الذي قطَّب حاجبيه، وقال:

“خذ ذهبَك واشكُرْ ربَّك! فلو كنتُ قمتُ بهذا بغية الحصول على عَرَضٍ من الدنيا قليل لما استطعتُ انتزاع الغلامينِ من بين ألسنةِ اللهب، ولكني فعلتُ ما فعلتُ بغية رضا الله تعالى!”.

ووفق هذا المثال نرى كم من الحرائق تنقلب روضاتٍ ببركة الإخلاص، ونرى كذلك أن ولوج  النار لا يكون إلا لمن كانت حاله كحال إبراهيم خليل الله عليه السلام، أي (الإبراهيمية)، لأن عدم خوف إبراهيم عليه السلام من النار إكرام استثنائي مَنَّ الله تعالى به مقابل استسلام إبراهيم عليه السلام للّه تعالى بحبّه وعشقه له النابعين من صميم فؤاده.

وإثر الإخلاص يظهر في كل عمل، فالصدقة حين ينفقها صاحبها بنيةٍ خالصة لوجه الله تعالى تكسبه أجراً عظيماً حتى لو أعطيت لمن لا يستحقها، وتُظهر في المنفق عليه ميولاً إيجابية نحو الخير، ويشير النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى هذه الحقيقة بما يلي:

قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلةَ على زانية! قال: اللهم لك الحمد، على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني! قال: اللهم لك الحمد، على غني، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي، فقيل له: أما صدقتك فقد قُبِلَت، أما الزانية، فلعلَّها تستعف بها عن زناها، ولعلَّ الغني يعتبر فينفق مما أعطاه اللّه، ولعلَّ السارقَ يستعفُّ بها عن سرقته“.[10]

إذاً ففي بركة الإخلاص وتصفية النية في الحديث الشريف، إشارة إلى لزوم وجود الإخلاص في القلب أثناء الإنفاق، إضافة إلى ما أفادته من أن النية تكون خيرا من العمل، وللكن علينا أن نتنبه إلى مواطن دفع الصدقات وألا نظن أنه من الفضيلة إنفاق الصدقة عشوائياً، بل على العكس ينبغي على المؤمن أثناء إعطاء صدقته وزكاته التحرّي ضمن إمكانياته عمّن هو محتاج والتصدق بها على من يستحقها.

وفيما يلي حادثة مليئة بالعبر تعد مظهراً للحديث الشريف الذي ذكر آنفاً:

في أحد أسفار سامي أفندي في الأناضول طلب منه رجل -بعد أن أوقف سيارته- في مدينة أورجوب مالاً لشراء سجائر، فما كان من سامي أفندي إلا أن أعطى الرجلَ المال الذي طلبه وسْط حيرةِ مَن حوله وإزاء حيرتهم هذه قال لهم:

“طالما أنه يريد ذلك فيجب إعطاؤه”.

وعلى الرّغم من الإنكار القلبي من بعض رفاق السفر، وأما الفقير فقد ابتعد من هناك فرحاً قائلاً:

“سأذهب وأشتري بهذه خبزاً “.

وهذا مثال واضح على ظهور أثر الخير حين يكون المال المنفق حلالاً وتكون النية نقية وخالصة.

في عهود الإسلام الأولى كان في المدينة المنورة رجل مجهول يترك جراب مُؤَنٍ أمام أبواب بعض الفقراء كل صباح حتى اعتاد الفقراء على ذلك دون أن يعرفوا من يفعل ذلك، وفي ذات صباح لم يجد الفقراء أكياس المؤن أمام أبوابهم، ووسط دهشتهم وتساؤلهم عن السبب تردد صدى نعي زين العابدين حفيد علي بن أبي طالب رضي الله عنهما حيث تردد في أنحاء المدينة، فاجتمع أهل المدينة في بيت زين العابدين لتشييعه، ولكنهم لما غسَّلوه جعلوا ينظرون إلى آثارِ سَوادٍ في ظهره وعجبوا منه، فقالوا: ما هذا؟ فعرفوا حينئذ من خادمه أنه هو من كان يَحْمِلُ جُرُبَ الـمُـؤن ليلاً على ظهره يعطيه فقراءَ أهلِ المدينة.[11]

وهكذا حين يتجلى الإخلاص على قلب المؤمن فإنه يمتلئ بالرحمة والشفقة على عباد الله تعالى دون أن تشوهها إطراءات البشر ومدائحهم…

وكذلك نرى في حال السلطان ألب أرسلان المتعلق قلبه بربه في القصة التالية نموذجا رائعا على الإخلاص:

حين دنت ساعة اللقاء في معركة ملاذ كرد سنة 1071 لبس البياض وتحنَّط وقال: “إن قُتِلت فهذا كفني” .

أي إنه هيّأ نفسه للشهادة بشوق الإيمان الخالص وليس للشهرة بين الناس، وقد حدث جنودَه قبل المعركة بهذه الكلمات الوجيزة:

” فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيداً إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمضِ مصاحباً، فما هاهنا سلطان يأمر ولا عسكر يُؤمر، إنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني ووهب نفسه للّه تعالى فله الجنة أو الغنيمة، ومن مضى حقّت عليه النار والفضيحة”.

وبناء على ما أُوضِح سلفاً فلن يصل من الناس إلى الخلاص الحقيقي إلا المخلص، وهم لذلك يكونون عرضة للابتلاء والاختبار على الدوام، وقد تعرض قائد الإسلام العظيم ألب أرسلان إلى امتحان من هذا القبيل بمحاولة لاغتياله أودت بحياته:

فبعد معركة ملاذ كرد وفي سنة 1072 خرج في سفر إلى بلاد ما وراء النهر مع أعداد كثيرة من الفرسان، وحاصر قلعة خانا المتواجدة على نهر أمودريا، ولما أدرك قائد القلعة يوسف الخوازمي المنسوب إلى فرقة منحرفة وهي الباطنية بأن القلعة لن تصمد أكثر أعلن استسلامه، وعندما مَثُلَ بين يدي ألب أرسلان انقض عليه وأصابه بخنجره، إلا أنه تم قتله مباشرة، لكن السلطان لم ينج من جراحه، فمات وهو في الرابعة والأربعين من عمره في 25 من تشرين الأول عام 1072م، ويحكى أنه قال لما عاين الموت بعينه:

“ما كنت قط في وجه قصدته ولا عدو أردته، إلا توكلت على الله في أمري، وطلبت منه نصري، وأما في هذه النوبة، فإني أشرفت من تل عال، فرأيت عسكري في أجمل حال، فقلت: أين من له قدرة على مصارعتي، أو معارضتي، وإني لأصل بهذا العسكر إلى أقصى الصين، فخرجت عليّ منيتي من الكمين”

وجاء في رواية:.. فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا وما يقدر أحد عليّ، فعجّزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله وأستقيله من ذلك الخاطر، وعلى القادة والحكام أن يستشعروا نعائم الله عليهم ويتذكروا فضله وإحسانه، وينسبوا الفضل للّه تعالى صاحب المنّ والعطاء والإحسان والإكرام.

ومِمَّا لا شكّ فيه أن هذه الحال هي محاسبة قلب طاهر وضمير مخلص.

قيل لأحد أولياء اللّه: “يا مولاي، أحدثت لكم حادثة في الإخلاص أثرت فيكم؟”، فأجاب بنعم، وسرد قصته قائلاً:

“أضعت حزام نقودي في مكة المكرمة، وبت محتاجاً، وكنت أنتظر وصول نقود من البصرة، ولكن –لسبب أو آخر- لم تصل، وقد طال  شعري وساءت حالي، فقصدت حلاقاً قائلاً: “هلا حسنت من شعري لوجه الله فليس لي مال”، وفي تلك الأثناء كان الحلاق يحلق لرجل، فقال له: اجلس هنا -مشيراً إلى مكان فارغ-، وبدأ بحلق شعري تاركاً ذلك الرجل، فاعترض الرجل على هذا، فأجابه الحلاق: سامحني يا سيدي، فأنا أحلق لك شعرك مقابل مال، لكنه طلب مني حلق شعره لرضا الله تعالى، والأولوية للأعمال التي تكون للّه تعالى، وليس لها مقابل، فالأعمال المؤداة لرضا الله تعالى لا يقدر البشر على إيفاء عوضها.

وبعد فراغه من الحلاقة وضع بإصرارٍ في جيبي بضعة دنانير، وقال لي: “لا تؤاخذني، فهذا ما أقدر عليه، استعن بها على قضاء حوائجك”. وبعد مرور أيام، وصلني المال الذي كنت أنتظره، فأخذت إلى الحلاق كيساً فيه دنانير، فقال: “لا آخذها ألبتة! ليس بمقدور أحد تعويض عمل أدي لوجه الله تعالى، فلتمض في طريقك مصحوبا بالسلامة”. فودّعته وافترقت، إلا أني ومنذ أربعين سنة أدعو له في صلاة الليل”.

وبهذا فإنه تعالى سيكافئ الأعمال الخالصة المؤداة في سبيله لا غير على نحو يليق بذاته العلية عزّ وجّل.

كان الكثير من الأغنياء في المجتمع العثماني عند حلول رمضان، يجولون في الأحياء بعد تغييرهم لباسهم، ويطلبون من البقالة وبائعي الخضار والفواكه إخراج دفاتر السجل ويقومون باختيار عشوائي لأسماء من المقدمة والوسط والمؤخرة حيث يحصون الديون المرتبة على أصحاب الأسماء فيؤدونها عنهم، ويقولون: “امسحوا هذه الديون، وليتقبل الله منا”.

فلم يكن صاحب الدين يعلم بمن وفى له دينه، ولم يكن الذي أدى الدين يعلم بمن أدى عنه دينه، فكان هؤلاء الأشخاص -لمعرفتهم بفضيلة صدقة السر وفضلها على صدقة العلن- حريصين على القيام بمساعداتهم سرا، وقد كان أجدادنا يخفون ما ينفقونه بأيمانهم عن شمائلهم، وينسون على الفور ما قاموا به من أعمال الخير.

يأمر كبار أولياء الله تعالى بنسيان شيئين:

  1. انس ما قمت به من حسنات حتى لا تولِّد الخيرات والحسنات فيك الغرور والعجب.
  2. وانس الإساءات التي مورست ضدك كيلا يتبرعم الحقد والغضب في قلبك.

وختاما فالإخلاص جوهر يشق الحصول عليه وتصعب المحافظة عليه، ولذا فما يعرفه ويطلع عليه إلا الرب سبحانه وتعالى، إذ إن نوافذ القلب لا تتكشف إلا أمام الحق تعالى، والإخلاص خصلة سنية ترقى بالعبد إلى أعلى الدرجات يوم القيامة وتقربه إلى الله تعالى، ولا يقبل الله تعالى الأعمال الخالية عن الإخلاص، وإنما يضرب -يوم القيامة- وجوههم بالأعمال التي تشوبها أمراض قلبية كالعجب والرياء وكأنها خرقة بالية، وأما الإخلاص فيبارك الله تعالى في القليل منه ليصبح كثيراً، فيطول عمره وتدوم فيوضاته.

[1]          البخاري، الإيمان، 41، مسلم، الإمارة، 155.

[2]          البيهقي، شعب الإيمان، بيروت1990، 5، 345.

[3]          الحاكم، 4 ، 341.

[4]          النسائي، الجهاد، 43.

[5]          انظر: ابن الأثير، الكامل، 2، 64.

[6]          انظر: ابن هشام، 1، 236

[7]          انظر: الشعراء، 109، 127، 145، 164، 180؛ يونس، 72؛ هود، 29

[8]          أبو داوود، الجهاد، 113/ 2676.

[9]          نجاتي يني أل ـ حسين كايابنار، سنن أبي داوود، ترجمة وشرح، اسطنبول، 1988، 6 ، 304

[10]         البخاري، الزكاة، 14.

[11]         انظر: ابن كثير، البداية، 4 ، 112، 122؛ أبو نعيم، الحلية، 3، 136.