اشعاعات الحكمة

اشعاعات الحكمة

من عالَم

مولانا جلال الدين الرومي

(بمناسبة العام الدولي لمولانا جلال الدين الرومي)

إن أنصار الحق هم ورثة الرسول -صلي الله عليه وسلم- الذي عاش تجربة الإيمان بشغف. إنهم أولئك السعداء الذين بلغت قلوبهم الكمال في جمال الأخلاق والسلوك، بفيض النور الذي استمدوه من القرآن الكريم والسنة الشريفة. إنهم النماذج التي يجب أن يقتدى بهم بالنسبة لمن لم يعاصروا الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وصحابته المقربين.

لا يطوي الماضي مناصري الحق حتى بعدما يطوي التراب أبدانهم الفانية. لأن قلوب المؤمنين كاملي الإيمان لا تتفسخ تحت التراب وتفنى. لهذا السبب لا تفنى أيضاً أعمالهم التي هي ثمرات قلوبهم. كثير من أنصار الحق الذين يواصلون تقديم خدماتهم الدنيوية في البرزخ أيضاً، ما زالوا أحياء بيننا اليوم، ويهدوننا إلى السواء. وبعد وفاتنا سيواصلون الحياة في القلوب عن طريق إرشاداتهم. إن المدى الزمني لإرشادهم يتجاوز العصور والأمصار، بما يتناسب وقربهم من الحق. كذلك الحال مع كلامهم الحكيم وأعمالهم المكتوبة الصادرة من قلوبهم المخلصة، فهي بمثابة رسائل موجهة إلى مجهولين في المستقبل. إن هذه الرسائل تصل حتى إلى أماكن تم اكتشافها بعد قرون على رحيلهم.

معلوم مثلاً أن كتاب المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي، هو من بين الكتب التي تلقى اهتماماً كبيراً في القارة الأميركية اليوم، في ميدان الكتب المهتمة بالروح الإنسانية. أضف إلى ذلك أن إعلان منظمة اليونسكو لعام 2007، عاماً لإحياء ذكرى مولانا جلال الدين الرومي، بمناسبة مرور ثمانية قرون على ميلاده، هو حدث لافت يشير إلى مدى الإهتمام به.

معنى ذلك أن رسالة الإرشاد التي كتبها بإخلاص إلى البشرية قبل قرون، نصيرُ الحق الجليل هذا، تلقى اليوم التجاوب وتثير الحماسة في العالم أجمع. فكتاب المثنوي يساعد الإنسان على معرفة نفسه وحل مشكلاته المعنوية، من خلال تسليط الضوء على عالمه الداخلي. إنه يمنح الطمأنينة والهدوء لروح الإنسان التي تسحقها العقلية المادية لعصرنا، ويشكل وسيلةً للهداية.

جعل الله تعالى من نصيب عباده الأولياء تجليات متنوعة. لهذا السبب فإن أنصار الحق هم مشاعل إرشاد وهداية للبشرية، يختلفُ بعضهم عن بعض باختلاف التجليات التي خُصوا بها في عالم المعاني، وهي تجليات محبة الحق وإجلال الحق ومعرفة الحق بالقلوب.

لقد وقع بعض أنصار الحق، أمام العظمة الإلهية، في وديان الحيرة والعجب، فعاشوا حياتهم منزوين في الصمت، بلا صوت أو كلام أو لسان، وأمضوا أعمارهم الفانية في شعرية صمتٍ روحاني. يقول ابن عباس عن أمثال هؤلاء: «ثمة من عباد الله من ذوي البلاغة من دفعتهم محبة الحق وإجلاله إلى الإعتصام بالصمت»

وهناك قسم آخر من أهل الله -عز وجل-، يفضِّلون التقليل من الكلام، كبهاء الدين النقشبند، كلفتهم العناية الإلهية بإرشاد ذوي الإدراك العرفاني بواسطة لسان الحال أو منهج السلوك. مثلاً هذا البيت المفعم بالدلالات للنقشبندي، يلخِّصُ منهجه في التربية بأسلوبه السهل الممتنع:

العالم قمح وأنا تبن

العالم كامل، وأنا ذو نقص

لا شك أن العمل الأهم لسيدنا النقشبندي هو تلك الشخصيات المجازية التي أنبَتَها على مرآة ذاته. على مر العصور، قرأَتْ تلك الشخصيات الحكمَ المبثوثة في سطور قلبه، ونقلتها عن طريق المحاورات من القلوب إلى القلوب، وما زالت تنقلها إلى اليوم.

يكمن في أساس تفضيل سيدنا النقشبندي للصمت على الكلام، سلوك أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وتوصيته القائلة:

«فكر ملياً بما تقول ومتى تقول ولمن تقول»

بالمقابل جعل الله تعالى، في تجلٍ مختلف، بعض عباده الأولياء بلابل تشدو بالعشق الإلهي، كمثل يونس أمرة.

وجعل بعضاً آخر ينبوع معانٍ تتدفق الحكمة من قلوبهم وألسنتهم، كمثل مولانا جلال الدين الرومي.

مولانا جلال الدين الرومي بالأخص، كُلِّفَ بالبيان اللغوي، إضافةً إلى سيرته ومسلكه. لذلك يواصل عاشق الحق هذا، منذ قرون، إحياء القلوب العطشى للحق والباحثة عنه، بقلمه وكلامه وثمرات قلبه وأحاديثه المشرقة.

مولانا جلال الدين الحائز على التجليات الكثيفة لصفة الكلام الربانية، يكاد أن يكون، بهذا الجانب، الناطق باسم أنصار الحق. أي أنه عكسَ ما أنعم الله به عليه من علم وعرفان وسر وحكمة في مرآة الكلمات، بفضل ما وُهِبَ به من ملكة بيان وتعبير استثنائية. لكن هذا التعبير لا يتجاوز حدود ما أُذِنَ له به. من زاوية النظر هذه، ينبغي ألا نظن أن الأسرار والحِكَم الإلهيين اللذين امتلكهما مولانا جلال الدين، يقتصران على ما عكسه منهما في الكلمات. من يعلم كم من درر المعاني القيّمة ينطوي عليه قلب عاشق الحق الجليل هذا، الشاسع كالبحر، مما بقي مخبوءاً عن الأنظار.

لا شك أن مصدر إلهام مولانا جلال الدين هو القرآن والسنة، مثله في ذلك مثل جميع أنصار الحق، الأمر الذي يعلنه على الملأ في إحدى رباعياته، بالقول:

«ما دام روحي موجوداً، فأنا عبد للقرآن، أنا التراب على درب محمد المختار -صلي الله عليه وسلم-. إذا نقل أي شخص عني أدنى معنى غير هذا، فهذا الشخص وكلامه يجرحانني ويثيران اشمئزازي»

بهذا البيان، يقدم مولانا جلال الدين الرومي نفسه بوضوح بوصفه «عبداً للقرآن، وتراباً في درب رسول الله المنوّر».

هذا ما جعل منه عالماً هو ينبوع حكمة، وعارفاً هو مترجم الأسرار الإلهية، يوجِّهُ القلوب نحو الصراط المستقيم، بفيض الإلهام الذي استمده من القرآن والسنة.

يخبرنا سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم- في الحديث الشريف، عن وصايا النبي لقمان -عليه السلام-، إلى ابنه:

“إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْمَعْ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ” (الهيثمي، جـ1، 125)

إليكم من سلطان العارفين مولانا جلال الدين الرومي، ما قاله بصدد أخلاق الإسلام، في تعابير حكيمة هي بمثابة الشرح لمعايير القرآن والسنة.

الأدب في الصبر والتحمُّل

جاء في الآية الكريمة:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان، 63)

بإلهام من هذه الآية الكريمة، قال مولانا جلال الدين-قدس سره-:

«كن صامتاً ككتاب، في محضر الجاهل»

«إذا نعبت الغربان، سكتت البلابل»

«لتعرف أن الأدب ليس إلا مواجهة سفاهة السفيه بالصبر والتحمل»

تحمل العذاب يُنضِجُ القلوب. فالتحمل هو أعظم آداب الإمتحان في عالم الشقاء، إلى حد أن هذه الخصلة هي مقياسٌ من مقاييس الإيمان. يقول مولانا جلال الدين، بهذا المعنى:

«سأل عقلي قلبي: ما الدين؟ فانحنى قلبي على أذن عقلي وهمس له قائلاً: الدين هو الأدب»

ومنبع الأدب هو الرسول، عليه الصلاة والسلام. وصَفَه الصحابة الكرام بأنه كان (أشد حياء من العذراء في خدرها) واذا كره شيئاً عرف في وجهه ( البخاري، المناقب، 23)

«سبب رائحة الورد الطيبة هو تحمُّلها للشوك، لأن الشوك هو صديق الورد»

العالم مملوء بآلاف الأمثلة بلا صوت أو كلام، من أجل القلوب المتعطشة للحق. فالوردة التي تتحمل الشوك أصبحت ملكة الأزهار. لأن السعادة هي نتيجة تحمل المشقات. مقاومة رغبات النفس الدنيئة وتحمل امتحان الحياة الشاق، هما الباب الذي ينفتح على سعادة العالمين.

ضروب المصائب والمشقات والعجز، توجِّهُ العبد نحو ربه، حين تدفعه دائماً إلى الإستغاثة بالله -عز وجل-. بخلاف هذه الحالة، تنتفخ أنفس أولئك الذين يجدون حلاً لجميع مشكلاتهم، أو هم أحرار من كل الهموم والمشكلات. الإنسان الذي لا يعرف مذاق العجز واليأس، تكاد نفسه أن تتحول إلى «حصان جامح».

يكتسب الناس من المناعة الروحية بقدر العقبات التي ذللوها. المشقات والضائقات هي الوسائل الأهم للإرتقاء الروحي. لهذا السبب إنما دفع الله -عز وجل- بأنبيائه لعبور دوائر الشقاء والعذاب، أكثر من جميع عباده الآخرين. كذلك سوف يتعرض الإنسان للإمتحان مقابل النعم التي وُهِبَها. سيمتحن الحق تعالى عباده، في الحياة الدنيا، كلاً بما أكرم عليه من نعم، وسوف يحاسبه في الآخرة

ويقول مولانا جلال الدين الرومي، مشيراً على الإنسان الباحث عن الطمأنينة، بوجوب إدراك توازن الحياة إدراكاً جيداً:

«لا تبع المرايا في سوق العميان، ولا تغنِّ الأغناني في سوق الصم»

إن علامة المؤمن الفارقة هي تمتعه بالبصيرة والفراسة. هي أن يعرف الشخص من سيمائه وسلوكه فيخاطبه وفقاً لمستواه. قال علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه-، بهذا المعنى أيضاً:

«حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (البخاري، العلم، 49)

هذا يعني أنه عليكم الكلام مع الناس، لا بما يتناسب ووعيكم، وإنما بما يتناسب ومستوى إدراكهم. ولفهم مستوى إدراك الناس، يكفينا اتخاذ الكلام التالي لمولانا الرومي دستوراً لنا:

«افهم تربية الشخص من طريقته في الضحك، وسوية عقله وذكائه مما أثار ضحكه»

*

ابحثوا عن الوسائل التي تقرِّبُكم من الله -عز وجل-

جاء في الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة، 35)

يقول مولانا جلال الدين-قدس سره- الذي استلهم القرآن الكريم:

«يتم تقييم الإنسان بالنظر إلى ما يشغله ويسعى وراءه»

«البحث عن شيء حيث لا يوجد، وعدم البحث سيان»

«لا تتحرك ما لم يتحرك دليلك. من تحرك بلا رأس استحال ذيلاً»

«أن تكون عبداً لشخص من أنصار الحق، خير من أن تكون تاجاً على رأس ملك»

سلطان العالم سليم خان، في طريق عودته من فتحه الكبير إلى اسطنبول، أجفل أمام تصفيق الفانين له ومدائحهم، خوفاً على نفسه من الغرور، فقال بيت الشعر التالي، في ضرورة تربية النفس:

ما أتفه أن تكون سلطان العالم

ما أروع أن تكون مريداً لأحد الأولياء

يقول مولانا جلال الدين-قدس سره-:

«قماشة الحكمة التي أضاعها القلب، يتم الحصول عليها في طبقة أهل القلب»

«لو أصبحتَ حجراً صلباً، أو تحولتَ إلى رخام، فسوف تستحيل لؤلؤاً حين تصل إلى صاحب القلب»

«لا يطير الطير إلا مع طير من جنسه»

«على من أراد أن يبقى مع الله، أن يجلس في حضرة الأولياء. إذا انقطعتَ عن طمأنينة الأولياء، فأنت هالك»

«صادق الصالحين، كي يكبر موكب الصادقين. فبقدر ما يزدحم الموكب، ينكسر ظهر قطاع الطرق»

كلمة الإنسان، وفقاً لأحد التأويلات، هي على صلة بكلمة الأُنس. وهذا يعني أن الإنسان يتحلى بالميل إلى التآلف والصداقة. يجب استخدام هذا الميل إذن، نحو الناس الصادقين والصالحين، كما أمرنا الله. فالإنسان محشور بين ناري النفس وإبليس، ومعرض لتسلطهما. ما أجمل ما يقوله الإمام الشافعي -رضي الله عنه-، في ذلك:

«إذا لم تشغل نفسك بالحق، شغلك الباطل»

لذلك يتوجب على المرء، إذا أراد حماية شرف وكرامة عبوديته للخالق، أن يكون مع المؤمنين الصالحين الذين يمكن أن يلهموه من فيض قلوبهم. فالإنسان بحاجة دائمة إلى الدليل المرشد. هذا هو السبب الذي من أجله أرسل الله الإنسان النبي الأول.

ما أجمل ما يبين الشيخ سعدي شيرازي، سريان الحالة المعنوية للأشخاص الذين تتم معهم الصداقة والألفة، إلى من صادقهم وتآلف معهم، وذلك من خلال المثال التالي:

«نال كلب أصحاب الكهف شرفاً عظيماً لأنه رافق الصادقين، فجاء ذكره في القرآن الكريم ودخل التاريخ. في حين أن زوجتي النبيين نوح ولوط رافقتا الفاسقين، فأصبحتا هدفاً للعنات والشتائم».

إن مرافقة أهل الغفلة والفسق، كما نرى، تؤدي مع الزمن إلى الاقتراب من نمط تفكيرهم، وتتحول «القرابة الذهنية» هذه، بعد فترة، إلى «قرابة قلوب»، الأمر الذي يجر العبد إلى الهلاك والخسران المعنويين

تزكية النفس

جاء في الآية الكريمة:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى، 14-15)

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس، 7-10)

وقال مولانا جلال الدين-قدس سره- مستلهماً بفيض الآيات المذكورة أعلاه:

«أيها السائر في طريق الحق. إذا أردتَ أن تعرف الحقيقة، فلا موسى مات ولا الفرعون، إنهما حيان اليوم في داخلك، مختبئين بوجودك، يواصلان حربهما داخل قلبك. عليك إذن البحث عن هذين الخصمين في داخلك»

«يشبه الإنسان الغابة. فكما يعيش في الغابة آلاف الخنازير والذئاب والحيوانات الأخرى ذات الطبائع المحمودة والمذمومة، توجد لدى الإنسان كل أنواع جمال الروح وقبح النفس»

«لا تهتم بتغذية الجسد وإنمائه بإفراط، لأنه في النهاية قربان سيتم تقديمه للتراب. عليك الاهتمام بتغذية قلبك، فهو الذي سيسمو في الأعالي ويتشرف»

«أطعم الروح غذاءً معنوياً، قدم لها التفكير الناضج والوعي الدقيق وغذاء الروح، لكي تصل قويةً إلى مقصدها»

«حين تتجرد من طبائعك السفلية والنفسية وتموت، أي حين تستسلم إلى الحق، سيحملك بحر الأسرار فوق رأسه»

«لم تعد أي مرآة إلى طبيعتها الحديدية الأولى. لم يعد أي رغيف خبز إلى طبيعته الأولى كقمح. ولا عاد أي عنب وتحول إلى حصرم. ولا عادت أيّةُ ثمرة ناضجة إلى ثمرة غير ناضجة. انضج لتنجو بنفسك من الفساد»

«إذا أردتَ أن ينبثق الضوء منك كالنهار، عليك بحرق نفسك الشبيهة بالليل»

(لقد وهب الله تعالى نعمة الحياة لمرة واحدة. فهي لا تتكرر. لذلك يتوجب علينا أن نستخدم رأسمالنا هذا بانتباه، فنبلغ النضج المعنوي الذي من شأنه أن يقرِّبنا من الحق. لأنه فقط أولئك الذين يبلغون النضج المعنوي في الحياة الدنيا تقل خساراتهم. في حين أن الحرمان من النضج الروحي وغفلة الإنسياق وراء رغبات النفس، تودي وتؤدِّي بالمرء إلى التعاسة والخسران في الدنيا والآخرة.

لأن نفساً لم يكبح جماحها بالتربية والتزكية، تشبه حصاناً جامحاً. أما الحصان الجامح فهو يُوقع صاحبه في مهاوي الهلاك، بدلاً من إيصاله إلى مقصده. ولكن إذا تمت تربية الحصان تربية جيدة، وتم تزويده بلجام جيد، فهو سيحمل صاحبه إلى مقصده، حتى عبر الدروب الأشد خطراً)

الجشع سرطان القلب

جاء في الآية الكريمة:

﴿… وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة، 34-35)

يقول مولانا جلال الدين-قدس سره- مستلهماً هذه الآيات:

«مهما بلغتَ من الثراء، فلن تأكل إلا بقدر ما تستطيع. لو أدليتَ بالدلو في البحر، فلن يأخذ منه إلا بقدر حجمه، ويبقى سائر البحر»

«كم من سمكة عاشت في البحر في أمان، ثم علِقَتْ بالشص-بالصنارة- بسبب جشعها»

«ما الدنيا؟ الدنيا هي الغفلة عن الحق»

«الحياة الدنيا (التي هي مكان امتحان) هي كالمغناطيس (بالنسبة للرغبات السفلية) تجذب كل التبن، لا ينجو منها إلا القمح (أي المؤمن العارف الذي امتلأ عالمه الداخلي بالسر والحِكَم)»

«يدفع الجشع والطمع في الحصول على نِعَم الدنيا بالإنسان إلى أن يمد يده إلى ما ليس من حقه»

(إن الجشع الدنيوي هو أحد اكبر أسباب الغفلة. يدفع الجشع بالقلب إلى العمى في تمييز الحق من الباطل والحلال من الحرام والخطأ من الصواب. يعبِّر مولانا جلال الدين عن كيف أن الجشع الدنيوي يعمي عيون القلب، بالمثال المشخص التالي: «حتى الكلب لا يأكل من عظمةٍ أو قطعة خبزٍ رميت إليه، قبل أن يشمهما»

أي أننا لا نلاحظ في سلوك الإنسان الذي أعماه الجشع إزاء نِعَم الدنيا، من الانتباه والحساسية والتحسب، بقدر ما نلاحظه عند كلب. إن الطمع في الدنيا هو كارثة معنوية بهذه الفظاعة.

كذلك يعبِّرُ سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم- عن مدى الضعف البشري أمام نعم الحياة الدنيا، فيما يمثل تنبيهاً لنا، فيقول في الحديث الشريف:

لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ (مسلم، الزكاة، 116، 1048)

لنضرب مثلاً على هذه الفكرة: لو حصل أولئك الذين تمكن منهم الطمع والجشع من السيطرة على العالم بأسره، لرغبوا في الحصول على بعض الأراضي على القمر أو المريخ. من المؤسف أن طمع تلك الأرواح الفاسدة التي استعبدها عالمنا المادي اليوم، لا يعرف أي حدود، بالرغم من تسببها في هلاك مجتمعات كثيرة. هذا هو المشهد المؤسف لعالمنا الراهن.

ما أجمل ما تلخص كلمات الصحابي الكريم أبي ذر الغفار-رضي الله عنه- طريقته في النظر إلى نعم الدنيا، يقول قولاً ملؤه الحكمة:

«فِي الْمَالِ ثَلَاثَةُ شُرَكَاءَ: الْقَدَرُ لَا يَسْتَأْمِرُكَ أَنْ يَذْهَبَ بِخَيْرِهَا أَوْ شَرِّهَا مِنْ هَلَاكٍ أَوْ مَوْتٍ، وَالْوَارِثُ يَنْتَظِرُ أَنْ تَضَعَ رَأْسَكَ ثُمَّ يَسْتَاقُهَا، وَأَنْتَ ذَمِيمٌ. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ أَعْجَزَ الثَّلَاثَةِ فَلَا تَكُونَنَّ،، فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- يَقُولُ:

﴿لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون..﴾ (آل عمران،29)

أَلَا وَإِنَّ هَذَا الْجَمَلَ مِمَّا كُنْتُ أُحِبُّ مِنْ مَالِي، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُقَدِّمَهُ لِنَفْسِي » (أبو نعيم، الحلية، جـ1، 163)

مختصر القول إن نعم الدنيا هي أمانةٌ إلهية، لا أحد يعرف إلى متى ستبقى في حوزة العبد. من المحتمل فقدانها في كل لحظة. أما القدر فهو مجهول مفتوح على المفاجآت، لا أحد يعرف ما الذي سيأتي به. والموت الذي هو الحقيقة التي لا مفر منها، ارتبط، في تقويم القدر، بموعد مجهول. ينبغي إذن، من أجل الوصول إلى السعادة والسلامة الأبديين، استخدام ما نملكه من النعم في سبيل الله -عز وجل-، والإستعداد للموت في كل آن.

الإنفاق دواء القلب وسعادة الدارين

جاء في الآية الكريمة:

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون، 10)

ويقول مولانا جلال الدين-قدس سره- مستلهماً هذه الآية:

«القلوب الغارقة في الفقر والعوز، تشبه بيتاً مملوءاً بالدخان. عليك أن تسمع شكواهم وتجد دواءً لدائهم، فتفتح نافذةً يخرج منها الدخان، ويرقُّ قلبك وترهف روحك»

«ماذا لديك، على ماذا حصلت؟ أيّةَ لؤلؤةٍ استخرجتَ من قاع البحر؟ هذا ما سيكشف عنه موتك ويتأكد»

«زيارة الصديق بيد فارغة، كالذهاب إلى المطحنة بلا قمح»

«قبل استعادة ما أعطيته، عليك إعطاء ما ينبغي إعطاءه»

ما أشد دلالة بيت الشعر التالي للمرحوم نجيب فاضل قيصه كوركْ، بهذا الخصوص:

أيها الصرّاف الخسيس، خيّط لنفسك كيس نقود آخر

اجمع فيه النقود الصالحة للاستخدام في القبر

الخلاصة، إن جميع تلك النصائح الحكيمة هي بمثابة ماء الحياة لإنعاش قلوبنا. إن من يقدِّرون كنوز الحكمة هذه حق قدرها، هم المؤمنون الناضجون الذين يطبقونها في حياتهم جاعلين منها رأس مال السعادة الأبدية.

ليجعل الله من نصيبنا جميعاً وييسر لنا أن نحيا بقلب متعطش للحكمة، وأن نكون على ألفة مع الحقيقة والأسرار، وأن نقرأ، كما أمرنا القرآن الكريم، كتابَ الله والكائنات والإنسان خير قراءة آمـين…