آداب التفكر

تفكر أحباب الحق -عز وجل-

ذات يوم ذكر أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- يوم القيامة وفكر في الموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطي السمٰوات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب فقال:

«وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي عليَّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق» فنزلت على رسول الله -صلي الله عليه وسلم-هذه الآية:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ﴾.(الألوسي، روح المعاني، تفسير سورة الرحمن، آية 46)

ومرة أخرى رَأَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ طَيْرًا وَاقِعًا عَلَى شَجَرَةٍ ، فَقَالَ:

طُوبَى لَك يَا طَيْرُ! وَاللهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت مِثْلَك، تَقَعُ عَلَى الشَّجَرَةِ وَتَأْكُلُ مِنَ الثَمَرِ، ثُمَّ تَطِيرُ وَلَيْسَ عَلَيْك حِسَابٌ، وَلاَ عَذَابٌ، وَاللهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت شَجَرَةً إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ مَرَّ عَلَيَّ جَمَلٌ فَأَخَذَنِي فَأَدْخَلَنِي فَاهُ فَلاَكَنِي، ثُمَّ ازْدَرَدَنِي، ثُمَّ أَخْرَجَنِي بَعْرًا وَلَمْ أَكُنْ بَشَرًا. (ابن أبي شيبة، المصنف، 8، 144)

عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ -رضي الله عنه- قَالَ:

(إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِى مَعَاصِى اللَّهِ وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ فِى عِبَادَةٍ لاَ عِلْمَ فِيهَا وَلاَ عِلْمَ لاَ فَهْمَ فِيهِ وَلاَ قِرَاءَةَ لاَ تَدَبُّرَ فِيهَا) (سنن الدارمي، المقدمة، 29)

وقال أيضاً:

«لا خير في صلاة لا خشوع فيها، ولا خير في صوم لا امتناع عن اللغو فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها، ولا خير في علم لا ورع فيه، ولا خير في مال لا سخاوة فيه، ولا خير في أُخوة لا حفاظ فيها، ولا خير في نعمة لا بقاء لها، ولا خير في دعاء لا إخلاص فيه» (ابن حجر، المنبهات، ص31)

مرةً أخرى فإن عليّاً -رضي الله عنه- كان ينظر إلى كل شيء بنظرة اعتبار، وكان يطيل التفكر، وكان يبكي كطفل يتيم، ويرتعد كإنسان مريض من خشية الله تعالى. وكان يحب العبادة كثيراً ويداوم على الزهد فكان يأكل القليل، وكان يفعل الخير الكثير. وكان دينه أعز عليه من كل شيء. وكان -رضي الله عنه- يقول:

«الخير كله مجموع في أربعة:الصمت والنطق والنظر والحركة. فكل نطق لا يكون في ذكر الله فهو لغو،وكل صمت لا يكون في فكر فهو سهو،وكل نظر لا يكون في عبرة فهو غفلة، وكل حركة لا تكون في تعبد فهي فترة. فرحم الله عبدًا جعل نطقه ذكرًا، وصمته فكرًا، ونظره عبرة، وحركته معبدًا، ويسلم الناس من لسانه ويده» (أبو نصرالطوسي، اللمع في التصوف، ص182)

وقد عرّف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أهل القرآن فقال:

«ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون،وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً،حكيماً حليماً عليماً سكّيتاً» (أبو نعيم، الحلية، جـ1، ص130)

عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: سألت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت:

«التفكر والاعتبار» (وكيع بن الجراح، الزهد، ص 474)

وقال عامر بن عبد قيس أحد التابعين الكبار:«سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم- يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر» (ابن كثير، التفسير، جـ1،سورة آل عمران، آية190)

وعندما قال أحدهم لربيع بن خثيم: دلني على من هو خير منك؟ قال: «نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً، ومسيره تدبراً، فهو خير مني» (أبو نعيم، الحلية، جـ2، ص 106)

وقال أبو سليمان الداراني:

«عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر» وقال: «الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية. والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيى القلوب» (الغزالي، الإحياء، جـ 6، ص45)

وقال يوسف الهمداني في كتابه رتبة الحياة:

«عندما يتلألأ التفكر الإيماني في الإنسان تعقبه الأعمال الصالحة. لذا لا بد من أن نقرن التفكر بالعمل الصالح في جميع الأحوال قدر الأمكان»

وقال الفضيل بن عياض: «الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك» (الغزالي ، الإحياء، جـ 6، ص44)

وقال محمد بن عبد الله أيضاً:

«التفكر خمسة أنواع:

  1. التفكر في آيات الله تعالى الذي يجلب المعرفة.
  2. التفكر في نعم الله تعالى الذي يجلب المحبة.
  3. التفكر في وعد الله تعالى وثوابه الذي يجلب الرغبة.
  4. التفكر في وعيد الله -عز وجل- وجزائِه الذي يجلب الخشية.
  5. التفكر في جحود النفوس أمام عطاء الله تعالى الذي يجلب الحياء والندم».

وكان أبو طالب القاضي يقول:

«جوامع البر في طول الفكرة، والصمت سلامة، و الخوض في الباطل حسرة وندامة. وإنما يدعو بالويل والثبور غداً في يوم القيامة من جعل الآخرة وراء ظهره، ونصب الدنيا أمامه» (البيهقي، شعب الإيمان، جـ7، 417/10812)

إسالة نهر التفكر إلى الأراضي الخصبة

إن الحق -عز وجل- قد أعطى كل عبد من عباده الإستعداد للتفكر، وأوجد نهراً متدفقاً سيّالاً من التفكر في داخل كل إنسان. وهذا النهر لا يتوقف أبداً فهو دائم التدفق. وعندما يترك هذا النهر لحال سبيله، ولا يحدد له المسار يضيع منه الطريق فلا يعرف أين يسيل وإلى أين يتجه، فيتفرق في كل مكان إن صواباً أو خطأً، وأحياناً يذهب سدى في الصحراء القاحلة. وبعبارة أخرى قد يتجه نحو عاقبة مجهولة مثل جذوع الأشجار الطافية فوق السيل.

والمهارة الحقة هي في توجيه نهر التفكر إلى الأرض المعطاءة، وتنمية المحاصيل المباركة.

والله تعالى ينبه الناس الذين لا يستعملون التفكر والتدبر في مرضاة الله تعالى في كتابه الكريم فيقول:

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال، 22)

ويقول جل ثناؤه:

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ (الأعراف، 179)

فالقلب مثل مرآة؛ وهذه المرآة تتسخ وتصير حالكة بالغفلة والإنكار. وجلاء هذه المرآة يكون أولاً بتصديق الله -عز وجل-، وبعد ذلك التوجه إليه سبحانه بالمحبة. وعلى الإنسان أن يفكر دائماً في أسئلة من قبيل «لماذا جئنا إلى هذه الدنيا؟ وفي ملكوت من نعيش؟ ومن يرسل رزقنا؟ وإلى أين تكون نهاية الرحلة؟.

وأي إنسان تستغرقه حياة شهوانية بشكل يبتعد به عن هذه الحقائق، ولا ينشغل في أن يعرف قلبه الحق -عز وجل-، ويفكر في الأدلة على وجوده سبحانه سيكون مسافراً إلى آخرة حزينة وعاقبة خاسرة.

وهذا النوع من البشر لا يرون النعم الإلهية التي توضح هذه الحقيقة بلسان طلق واضح، ولا يفكرون فيها. ولهذا السبب فإنهم يُشبهون بالحيوانات التي هي مثال الضلالة والغفلة؛ لأن رغباتها كلها تنحصر في المأكل والمشرب وإشباع شهواتها. لذا قال الحق -عز وجل-:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ (الفرقان، 43 – 44)

وقال أحد أحباب الحق:

«هذا العالم بالنسبة للعقلاء هو مشهدٌ لبدائع صنع الله تعالى، أما بالنسبة للحمقى والجهلاء فهو عبارة عن المأكل والشهوة».

ومن ناحية أخرى فإن التفكر – مثلما أوضحنا من قبل – هو سلاح ذو حدين. يمكن أن يستخدم في الخير، ويمكن أن يستخدم في الشر. وهو يمكن أن يدخل في باب أعمال النفس الشهوانية، ويمكن أيضاً أن يدخل في باب الأعمال الروحانية العليا. والله -عز وجل- ينبه من يستخدمون استعداد التفكر لديهم في طرق الشر والسوء فيقول الحق -عز وجل-:

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (يونس، 100)

والواقع أن أكبر خبث وسوء يصيب الإنسان هو مرض الإنكار. فمن لا يشغل قلبه وعقله بآيات الله تعالى المكتوبة والمرئية، ولا يفكر فيها، ولا يعقلها؛ لا يستطيع التخلص من هذا المرض وهذا الخبث.

فالعقول التي تتغذى بنور الإيمان وتسير على هدى الوحي تجد طريقها لمعرفة الله تعالى وإلى توحيده. أما العقول المحرومة من ذلك فلا يمكن أن تنال الحق والخير. وهذا هو أكبر خداع للفلاسفة الذين يعتقدون أنهم يمكن أن يجدوا الحقيقة بعقولهم فحسب دون أن يسترشدوا بالوحي. لأنهم يظنون أن عقولهم البعيدة عن الإيمان يمكن لها أن تجد طريقًا للحق والخير.

ومن ناحية أخرى يجب ألا ينشغل العقل والقلب بأشياء تافهة لا معنى لها لكي يتمكن من استعمال نعمة التفكر على نحو صحيح.

فعلى سبيل المثال تقول الآيات الكريمة:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون ، 3)

﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ (الفرقان، 72)

ويقول الحديث الشريف:

إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لاَ يَعْنِيه” (الترمذي، الزهد، 11)‏

وأنجع علاج لأمراض الشهوة هو تكثيف تفكر الشخص وتركيزه حول الأشياء المفيدة، والإبتعاد عن الإنشغال بالأشياء التي لا تفيد النفس. فالتفكر في الأشياء التافهة التي لا معنى لها هو باب للشر كله والهزيمة والذلة، ومن يفكرون في الأشياء التي لا تنفع تفوتهم الأشياء النافعة ويحرمون من الأشياء الضروريّة اللازمة لنفوسهم.

يقول ابن الجوزي:

«ذكر القلب فى المباحات يحدث له ظلمة فكيف تدبير الحرام؟!. إذا غير المسك الماء مُنع الوضوء به فكيف ولوغ الكلب؟! ولذا قال بعض الكبار من اعتاد بالمباحات حُرم لذة المناجاة. اللهم اجعلنا من أهل التوجه والمناجاة» (البروسوى، تفسير روح البيان، المؤمنون، آية 51)

فالإنسان لو لم يوجه قوة التفكر والتدبر والتخيل والتصور التي لديه إلى الخير، فإن الشيطان سيوجهها إلى الشر. وعلى ذلك فإن ذلك الإنسان لا يمكن أن يكون صاحب نعمة تفكر رحمانية؛ بل إن الإمكانيات العقلية والقلبية التي أنعم الحق -عز وجل- بها ستسبب له الضرر بدلاً من الإستفادة منها وستكون نقمة شيطانية.

وفي تلك الحال فإنه يجب على كل مؤمن أن يتعب عقله وفكره دائماً في الحق والخير على الطريق المستقيم الذي وضحه القرآن الكريم والسنة المطهرة.

يجب اقتران التفكر بالذكر

يقول الشيخ يوسف الهمداني:

«إن القلب والذكر كالشجرة والماء. أما القلب والتفكر فهو كالشجرة والثمرة. فمن العبث انتظار اخضرار الثمرة دون أن تُسقى بالماء، وطلب الثمرة منها دون انتظار تفتح الأوراق والأزهار. وحتى لو أردنا ذلك فلن تثمر الشجرة أبداً. لأن ذلك الوقت ليس وقت الإثمار، بل هو وقت تغذية الشجرة ورعايتها. فلابد أن تعطيها الماء وأن تطهرها من الحشائش الضارة والأشياء الغريبة. ثم يجب انتظار ضوء الشمس أيضاً. وإذا ما تحققت كل هذه الأشياء فإن الشجرة تنمو وتنضج وتتزين بالأوراق الخضراء. وبعد أن تكتسي الشجرة بهذا الجمال يكون من الجد والصواب طلب الثمار من فروعها. فذلك الوقت هو وقت الإثمار» (الهمداني، رتبة الحياة، ص 71)

يقول الحسن البصري:

«إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت: بالحكمة» (الغزالي، الإحياء، جـ 6، ص 46)

والحاصل أن الذكر والتفكر لا يجب أن ينفصلا عن بعضهما البعض. وأهم خصائص الذكر هي أن تقوم به بشعور وتفكر في معانيه. وقد عبر السيد خواجه محمد پارسا – أحد أولياء الله الكبار – عن هذا المعنى قال:

«عندما تنطق بالكلمة «لا إله» في لفظ الشهادة فإنك تفكر في أن المخلوقات كلها مصيرها إلى الفناء. لذا يجب أن تمحوها من قلبك، وتبعد كل ما دون الله تعالى عن ذهنك وعقلك. وأن تملأ القلب بإدراك وشعور قوامه إنك لست عبداً إلا لله -عز وجل-. وعندما تقول: «إلا الله» فيجب عليك أن تفكر في الموجود الذي لا نظير له، الواحد الأحد، وتتوجه إلى الله تعالى صاحب الوجود الأبدي بالمحبة والتسليم. وبهذه الصورة تتجلى في قلبك صفات جمال الله -عز وجل-».

وقال محمد بهاء الدين النقشبند – قدس سره – :

«إن المقصد من الذكر ليس أن تقول «الله» و«لا إله إلا الله» فقط، بل عليك أن تذهب إلى الله تعالى مسبب الأسباب بكليتك، وترى مجيء النعمة منه». أي أن حقيقة الذكر أن ترتقي من ساحة الغفلة إلى أفق المشاهدة.

أما مولانا جلال الدين القوني– قدس سره – فيقول:

«إن ربنا -عز وجل- الواحد الأحد الذي لا شبيه له ولا نظير قد إذن لنا قائلاً: «اذكروا الله» فهو قد رآنا في النار فأنعم علينا بالنور .فالذكر الذي يتم بالفم واللسان فقط دون تفكر وإحساس هو خيال ناقص. أما الذكر الذي يتم بالروح والقلب وبالشعور الوجداني الخالص فقد تطهر وبرأ من الكلمات والأقوال».

إن محبة الله تعالى تزيد مع الوقت في الشخص الذي يذكر اسم الله تعالى وصفاته بالتفكر والتدبر. لأن ذكر الله تعالى ليس بأن نكرر لفظة «الله» وحسب؛ بل هو تمكين لمحبة الله تعالى في القلب الذي هو مركز الإدراك.

والإنسان في ظل الذكر والتفكر يصل أولاً إلى محبة الله، ثم في ظل تلك المحبة يبدأ في معرفته سبحانه. ونتيجة ذلك أن يحبه الحق -عز وجل- ويصطفيه ويتخذه خليلا.

والذكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

– الذكر باللسان.

– الذكر بالبدن.

– الذكر بالقلب.

فأما ذكر اللسان فهو ذكر الله تعالى بأسمائه وصفاته العليا، وحمده وتسبيحه وتنزيهه، وقراءة كتابه، والدعاء له.

وأما ذكر البدن فهو انشغال كل عضو في الإنسان بما أمر الله تعالى به واجتناب ما نهى عنه.

أما ذكر القلب فيوضحه الماللي حمدي أفندي قائلاً:

«ذكر القلب هو ذكر الله تعالى بالقلب وهو ينقسم إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي:

1- التفكر في الأدلة التي تدلك على ذات الله تعالى، وصفاته، والبحث عن الأجوبة التي ترِد على القلب من شبهات في حقه -عز وجل-.

2- التفكر في حقوق ربنا تعالى علينا وواجبات عبوديتنا. أي التفكر في أوامر الله تعالى ونواهيه، والأدلة عليها، والحكمة منها. لأن الإنسان عندما يعلم ماهية التكاليف وثمرة طاعته للأوامر الإلهية تزداد رغبته أكثر في الأعمال الصالحة.

3- التفكر في المخلوقات التي في العالم الداخلي والخارجي، وأسرار الخلق التي فيها، وإدارك أنَّ كلَّ ذرة فيها هي مرآة للعالم الإلهي. ويجب أن تنعكس على تلك المرآة أنوار عالم الجمال والجلال تلك. وكل لمعة ذوق وجداني تؤخذ منها في لحظة شعورية تصل إلى هذه العوالم.

فلا نهاية لمرتبة الذكر تلك والإنسان في هذه المرحلة ينخلع من نفسه ويهرب من العالم. ويفني شعوره كله في الحق -عز وجل-، حتى لا يبقى أثر أو علامة من الذكر والذاكر، فقط يُحس بالمذكور -عز وجل-. وفي الواقع كثيرون من يتكلمون عن هذا المقام ويتحدثون عنه، ولكن من يصلون إليه لا يتكلمون لكنهم فقط يعملون»[1].

وإن الموجودات كلها هي مرآة تجليات إلهية محمولة بيد القدرة أمام إدراك الإنسان وشعوره، وإدراك الأسرار والحكم التي في هذه المرآة مرتبطةٌ بنقاء مرآة القلب وصفائه.

وتيار العشق الإلهي المتدفق من أعلى يمر عبر خيوط القلب الإيمانية. فالإنسان هو مرآة قوام هذه الدنيا تقريباً، وهو نقطة نفوذ التجليات الإلهية الحقيقي. ودين الإسلام بالنسبة لمن يصلون إلى الكمال بالتفكر هو فصل ربيع أبدي.

الأسحار أكثر الأوقات بركة للذكر والتفكر:

إن المحب يذكر محبوبه كثيراً. والشخص الذي يذكر شيئاً ما كثيراً يبدأ بعد مدة في حبه أكثر. أما عظم المحبة فتقاس بالتضحية التي تبذل في سبيل المحبوب. وهكذا فإن ترك النوم النهائي في أوقات السحر والتوجه إلى الله -عز وجل- ومناجاته هي واحدة من أجمل مظاهر المحبة الحقيقة.

ويجب أن نفكر أن الأسحار تحمل تقريباً الرحمة الإلهية والمغفرة. فالبلابل بإلهام من البركة الإلهية تغرد بأعذب النغمات، والورود المتفتحة المتداخِلة الألوان تعطي بسخاء في ذلك الوقت أطيب العبير. فَيَا لَخسارة وبؤس وشقاء وتعاسة من يحرم من مائدة الرحمة الإلهية تلك!

كما أن أكثر أقسام اليوم قيمة فهي أوقات السحر التي تأتي في الثلث الأخير من الليل. وأوقات السحر هي لحظة يبتعد فيها الذهن عن المشاغل، ويصفو فيه القلب ويرق، ويغمر السكون الآفاق، وتضعف العلائق الفانية. وفي هذا الوقت تنزل الرحمة الإلهية، ويكون رب العالمين أقرب ما يكون إلى العبد. وأوقات السحر هي أنسب الأوقات للإعتبار لمن يفكرون ويعتبرون؛ لأنها أوقات تخلو من المشاغل، ويستطيع القلب أن يتوجه فيها إلى الله تعالى بالمعنى الكامل، وهي أكثر الأوقات إثمار وعطاء وبركة بالنسبة للتفكر.

يقول الحق -عز وجل-:

﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً، نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (المزمل، 1 – 7)

والنهار الذي يقابل سكون الأسحار هي أوقات تتشتت فيها الدقائق وتتبعثر، ويزيد فيها الضجيج. والشخص الذي لا يعرف قدر أوقات الليل المؤثرة لا يستطيع أن يتوجه إلى الله تعالى بين مشاغل النهار، ولا يستطيع أن يصل إلى روحانية العبادة ونورها التي تتحقق في الأسحار. والحاصل أن وقت السحر هي لحظة اعتناء واعتبار مخصصة للعبادة، أما النهار فهو نعمة جميلة وهبت للسعي واكتساب الأرزاق. أي أن المؤمن في أوقات السحر يكون مع الله وحده، أما في أوقات النهار يكون مع الحق بين الناس.

لذا نجد السيدة عائشة -رضي الله عنها- تحدثنا عن اهتمام رسولنا الكريم بتلك الأوقات المباركة فتقول لأحد الصحابة:

«لا تدع قيام الليل فإن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- كان لا يدعه وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً» (أبو داود، التطوع، 18)

وكان رسول الله يستفيد من الليالي خاصة في التفكر، وكان يقوم الليل وهو في ركوع وسجود متصل حتى تنهمر دموعه وتتورم قدماه.

قال أحد كبار العلماء: «ليس هناك مفتاح أعظم من أن تنهض وقت السحر لكي تستطيع أن تفتح باب الحق -عز وجل-، وتفتح أقفال بحر التفكر. لأن الإنسان في ذلك الوقت يبتعد عن علائق الدنيا الفانية، وهمومها، وأطماعها، ويدخل مع ربه -عز وجل- إلى وقت المعية. فيستريح بدنه، ويلم شعثه، ويصفو ذهنه، ويرق قلبه. والحاصل أن أوقات الأسحار هي أنسب الأوقات التي بين الليل والنهار. فأجمل النسمات وأرقها تهب في ذلك الوقت. ذلك أنه في الأسحار يتخلل الضياء سدول الظلمة. أما في المساء فإن الوضع عكس ذلك فإن الظلمة تهبط على الضياء فتخنقه»

يقول الحق-عز وجل-:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة، 16)

إن استغفار أي مؤمن في الأسحار والتفكر في العذاب الإلهي، والإحساس به، وتذكر الموت، والتخطيط الجيد لما تبقى من حياته، والتفكر في القرآن الكريم هي من الأعمال الصالحة التي يحبها الله -عز وجل- ويرضى عنها.

فالحق -عز وجل- قد بشَّر عباده الذين يحيون الأسحار، ويقضون عمرهم في الإنفاق في سبيل الله فقال:

﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة، 17)

       وقد فسر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- هذه الآيات الكريمة فقال:

“قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر” (البخاري، بدء الخلق، 8)

ويفهم من هذا أن نعم الجنة التي لم نُخبر بها تعد أكثر بكثير من النعم التي نعرفها. وفي بعض الروايات أن تلك النعم لا يعلمها حتّى الرسل والملائكة المقربون .

[1]     الماللي محمد حمدي يازير، حق ديني قرآن ديلي، أستانبول، 1935، البقرة، 152)