مقالات من كتبه

الإمام الربانيرحمه الله -4-

 يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“إن المقصود من خلق الإنسان هو أداء العبادة المأمور بها، والمقصود من أداء العبادة هو تحصيل اليقين الذي هو حقيقة الإيمان”. [1]

يقول الحق عز وجل في كتابه العزيز:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [2]

فسر ابن عباس رضي الله عنه عبارة “ليعبدون” الواردة في هذه الآية المباركة بـ “ليعرفون”.

فمثلاً يمكن أن يُعتبر السجود الذي يكون فيه العبد أقرب إلى ربه عز وجل من أي لحظة أخرى في الدنيا لمن ينظر إليه من الخارج عبارة عن حركات شكلية. إلا أن المعنى الذي يحمله هو اعتراف المؤمن وهو يضع جبينه بخشوع تام على الأرض في الحضرة الإلهية بعجزه، وعبوديته. إنه تعبير عن استسلامه لربه وخضوعه له، وبيان لمعرفته بالقلب وهو يقول بلسان حاله:

“أنت ربي، وأنا عبدك؛ أنت خالقي، وأنا مخلوقك!”.

فقد كان صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم وذلك إلى أن نزل قول الله تعالى:

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [3]

وبعد نزول هذه الآيات بدأ الصحابة الكرام ينحنون برؤوسهم نحو الأرض بخشوع كبير. [4]

لأنهم كانوا قد غاصوا وتعمقوا في حقيقة عبادة الصلاة، ووصلوا إلى عرفان عرض عبوديتهم على الحق عز وجل ضمن إدراك تام لعجزهم، وفقرهم أمام القدرة والعظمة الإلهية.

إذاً؛ فغاية العبادة والعبودية هي الوصول إلى معرفة الله بمثل هذه المشاعر والمعرفة القلبية لله تعالى. فهي الوصول إلى اليقين، أي إلى المعنى الحقيقي البعيد عن الشك والشبهات. وهي العيش بقلب محقق لمقام “الإحسان” أي بإيمان قطعي وكأن الله أمام الأعين. هي تحول حقيقية كوننا في كل لحظة تحت الأنظار والمراقبة الإلهية إلى حالة إدراك وشعور في قلوبنا.

بالنسبة للإنسان المؤمن العارف ليس في الحياة غاية أعظم من العبودية، ولا مرتبة أعلى من مرتبة العبودية. إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خُير بين أن يكون “نبياً حاكماً، ملكاً” وبين أن يكون “نبياً عبداً”فاختار أن يكون “نبياً عبداً“. [5]

وقد أشار بهذا الاختيار والتفضيل بأن الملك، والمكانة، والسعادة التي تمنحها العبودية لله أعظم، وأهم، وأبقى من الملك، والسعادة التي يمكن أن تحققها المقامات والممالك الدنيوية لدرجة عدم إمكانية إجراء المقارنة بينهما.

وحقيقة؛ ما الفائدة من أن تُعطى الدنيا بأكملها للإنسان حتى لو عاش فيها ألف سنة! أفليس المكان الذي سوف يأوي إليه في نهاية المطاف هو عبارة عن حفرة مظلمة في باطن الأرض؟

وعلاوة على ذلك فإن الحياة الدنيا ليست أمام أبدية الحياة الآخرة إلا بمثابة قطرة من بحر عظيم.

وعلى ذلك؛ فإذا ما جاء الجواب عن السؤال المصيري “ما هي الحياة؟” بأنها عبارة عن رطوبة التراب الباردة والصمت المطبق المخيم على حجارة القبور، فعندها أي أمر يمكن أن يكون أكثر مأساوية ومرارة من حياة فانية قصيرة مضاعة ومستهلكة بمثل هذه الغفلة؟..

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:

{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [6]

ولذلك لا يمكن أن يكون هناك أمر أكثر عقلانية من العمل على جعل هذه الحياة الدنيا القصيرة رأسمال سعادة الحياة الأبدية. وأما السبيل إلى ذلك فهو الالتزام بالعبودية لله تعالى كما أُمرنا بها. وقد أوصانا أهل الحكمة بناء على هذه الحقيقة، بقولهم:

“الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة”. [7]

وينصحنا الشيخ عبد الله الدهلوي بضرورة أن نعيش خلال هذا العمر الفاني بحالة قناعة وتربية النفس فنبتعد عن المحرمات والشبهات، وأن نكثف كافة جهودنا نحو العبودية لله تعالى، حيث يقول:

“ما الحياة الدنيا إلا يوم واحد، وفي ذلك اليوم ينبغي علينا الصيام”. [8]

ومن جهة أخرى، فإن كل عبادة – إذا أُديت بحقها – تُعد غذاءً روحياً يقرب العبد إلى الحق عز وجل، ويقوي إيمانه، ويطهر قلبه من الشكوك والشبهات، ثم يبلغه السكينة والطمأنينة الحقيقة.

إن الإيمان يشبه المصدر الذي ينبعث منه الضوء. وإن الأهواء والعواصف النفسانية والشيطانية تظل متربصة على مدى أيام العمر من أجل إطفاء هذا الضوء. والعبادات هي مثل الفانوس حيث يحمي ضوء الإيمان في مواجهة هذه العواصف العاتية.

فكلما ازداد الصدق والإخلاص في أداء العبادات، واستقامت الكيفية، كلما نور الإيمان قوة وتألقاً في القلب.

يبين الأستاذ سامي أفندي الحالة القلبية للمؤمنين الذين وصلوا ببركة وفضل العبادات والطاعات إلى إيمان راسخ لا يتزحزح ولا يهتز، بالتشبيه الآتي:

“ينبغي أن يكون المؤمن صاحب الاستقامة ثابتاً وراسخاً كالجبل. لأن للجبل أربعة مزايا، إذ:

1)  لا يذوب بالحرارة.

2)  ولا يتجمد بالبرد.

3)  ولا ينقلب بالرياح.

4)  ولا ينجرف بالسيول”. [9]

أي أن المؤمن صاحب الاستقامة يحافظ على قوة إيمانه بالرغم من كل الظروف الصعبة والسلبية التي يمر بها.

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“لا سبيل للمداهنة في المحبة، فإن المحب والهٌ ومولع بالمحبوب هائم به، لا يطيق مخالفته، ولا أن يميل إلى مخالفته. ولا أن يلين لهم بوجه من الوجوه”.[10]

(الإيمان بالحق عز وجل محبة داخلية قلبية. وأما المحبة فهي عمل القلب. وهناك إرادة في كل عضو إلا القلب، فليس فيه إرادة. فلا يمكن لأي شيءٍ أن يحمله على الحب كرهاً وجبراً بشكل من الأشكال. وكذلك لا يمكن حمله بالإجبار والاضطرار على كراهية أي شيءٍ أبداً.

ولهذا السبب فإن المؤمن الحقيقي يحفظ قلبه الذي هو مكان ومقر الإيمان عن كل ما لا يحبه الله تعالى، ولا يميل إليها. وذلك لأن ادعاؤه محبة الله تعالى ثم ميله في الوقت ذاته إلى ما لا يحبه لا ينسجم ولا يتوافق مع الإيمان الحقيقي.

إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

المرء مع من أحب“. [11]

فعلينا أن نفكر ملياً: إلى أي درجة قلوبنا مع الله عز وجل؟ وإلى أي درجة مع النبيعليه الصلاة والسلام؟ وإلى أي درجة مع ما يحبه الله ورسوله؟ وبالمقابل؛ إلى أي درجة هي مع الأهواء والرغبات النفسية؟ وما مقدار ميلها إلى أعداء الله ورسوله، وإلى مغريات الذنوب، وإلى مكائد الشيطان؟

ففي المحبة الحقيقية يحب المحب ما يحبه محبوبه، ويكره ما يكرهه محبوبه. فالمحب لله ورسوله يحب أيضاً الخصال الجميلة والحميدة، مثل السخاء، والأدب، والحياء، والشفقة، والرحمة، والعفو. وبالمقابل فإنه يكره الخصال الذميمة والخبيثة، مثل الوقاحة، والوحشية، والبخل، والظلم والاعتداء. وذلك لأن المحبة الحقيقية تنبع من الأمور المشتركة بين المحب والمحبوب. وفي الحب الحقيقي تسري خصائص المحبوب إلى المحب.

والمحبة تزداد بازدياد رؤية خصال المحبوب في ذات المحب.

ومثال ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه. فقد كان أبو بكر رضي الله عنه أكثر من سرت إليه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام النموذجية والمثالية. وذلك لأن أكثر الصحابة محبة لرسول الله عليه الصلاة والسلام وفناء فيه هو أبو بكر رضي الله عنه. إذ عندما ننظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكأننا نشاهد أخلاق رسول الله عليه الصلاة والسلام.

أي؛ إن الأمر لا ينتهي بقول “إني أحب الله ورسوله”. فإن كنا نحب فينبغي أن ننظر: ما مقدار رحمتنا، وشفقتنا، وما هو مستوى أخلاقنا؟ وما مدى توفر خصال النبي عليه الصلاة والسلام فينا؟ وهل بإمكاننا التخلص من الأنانية؟ وهل نهتم بهموم الأمة، ونمتلك روح الإيثار؟ هل باستطاعتنا أن نعكس محبتنا على أحوال وتصرفاتنا؟ أم أن محبتنا عبارة عن ادعاء أجوف لا يتدعى حدود القول؟!

وكذلك لا يكفي قول “إني أحب القرآن”. وإنما ينبغي أن نكثر دائماً من طرح تساؤلات على أنفسنا حول القرآن، وذلك من قبيل: ما مقدار سريان الأخلاق القرآنية إلينا؟ وما مدى عملنا بأحكام القرآن؟ هل نرسل أبناءنا إلى حلقات ومعاهد تعليم القرآن الكريم، وما مدى مساعدتنا لهم بتحصيل الثقافة والأخلاق القرآنية؟ ما مدى تفكيرنا بموقف القرآن الكريم منا يوم القيامة، فهل سيكون شفيعاً لنا، أم سيكون – بسبب إهمالنا – خصيماً؟…

إن ميزان الحب الحقيقي هو التضحية. فالكلمات الجافة التي لا يتم إثبات صدقها بالتضحية ليس لها أي معنى أو أهمية على الإطلاق. يحذر مولانا جلال الدين الرومي المغفلين الذين يدعون الحب وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عنه بقوله:

“لا تصبحوا سخرية وأضحوكة الكلام”.

وحتى الإنسان المحب لبلده وما إن يبتعد عنه قليلاً يبدأ بالشوق والحنين إلى هوائه، ومائه، وترابه. وحتى وإن كان ذلك البلد صحراء قاحلة فإنه مع ذلك يشعر بالحنين إليه، حيث يحمل في داخله رابطة قلبية مع كل شيءٍ من أشياء بلده. فهذا هو شأن الحب الحقيقي.

يروي لنا مولانا قصة في “المثنوي” فيقول:

ذات مرة صادف مجنونُ الذي هام على وجهه في البراري والصحاري من شدة عشقه لليلى كلباً ضعيفاً قد تساقط وبره، واللعاب يسيل من فمه، فأخذ يمسح على جسده بمنتهى الشفقة ويقبل عينيه. فلما رآه الناس على هذه الحالة انتقدوه بشدة، واستنكروا اهتمامه وعنايته المفرطة بهذا الكلب الحقير. فقال لهم:

–    آه لو نظرتم إليه بعيني! لما رميتموني بالملامة، ولعلمتم سبب ما أقوم به، ولاستوعبتم موقفي. إنه كلب ديار ليلى. وما أكثر ما ذهب إلى تلك الديار، واستقر في مضارب ليلى، وذاد عنها في الليالي. فكيف لا أحبه!

والحاصل؛ إن كل أمر أحبه الله ورسوله ينبغي أن ينعكس على أحوالنا، وأفعالنا. ولذلك فإن أهل الله يشعرون بمتعة ولذة روحية تفوق الوصف في اتباعهم للقرآن والسنة وذلك فيما يتعلق بكل شأن من شؤون حياتهم، ابتداءً من طعامهم وشرابهم وإلى قيامهم وقعودهم.

ومن جهة أخرى؛ إن أحد مقتضيات الحب الحقيقي هو حب ما يحبه المحبوب، وكره ما يكرهه. ولذلك إن كنا نحن بدورنا نحب الله ورسوله بحق فينبغي أن نجعل الحب في الله، والبغض في الله من الطباع والصفات الأساسية لشخصيتنا. فينبغي أن نحب من هو أهل للمحبة، ونكره من ليس بأهل لها، أي نكره أعداء الله ورسوله، والإسلام والمسلمين.

ويُعد الذم والتشنيع الذي ورد من الله تعالى في سورة “المسد” بحق أبي لهب بسبب إصرار الشديد على الكفر بالرغم من كونه عم النبي عليه الصلاة والسلام من أبرز الأمثلة على هذه الحقيقة.

ولذلك ينبغي أن نحفظ أنفسنا من مدح أعداء الله ورسوله، وحتى من أدنى نظرة اهتمام إليهم. لأن هذه النظرات قد تزيد من اعتبارهم وبالتالي تكون سبباً لغضب الله تعالى.

ويُعتبر الحديث النبوي الآتي نموذجاً واضحاً على الموقف الواجب اتخاذه في مسألة البغض في الله:

لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم عز وجل”. [12]

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“أيها المحب! لا غم إذا لم يطرأ الفتور على شيئين، أحدهما: متابعة صاحب الشريعة عليه وعلى آله الصلاة والسلام والتحية. والثاني: الإخلاص والمحبة لشيخه. فلو طرأ ألوف من الظلمة مع وجود هذين الأمرين لا يضر ولا يخاف من الضياع. ولو ظهر النقصان والعياذ بالله سبحانه في واحد من هذين الأمرين فخسران بخسران، وإن كان المرء في حضور وفي حالة ذكر. فينبغي أن يطلب المرء من الحق عز وجل بالتضرع والابتهال الثبات على هذين الأمرين، وأن يسأله سبحانه الاستقامة عليهما، فإنهما ملاك الأمر ومدار النجاة”. [13]

يبنغي على المؤمن أن يبذل غاية جهده للسير على نهج النبي عليه الصلاة والسلام وورثته الذين هم العارفون والعلماء. فإنه إن التزم هذا المسار فلسوف يجتاز حتى أشد الطرق ظلمة بسلامة ، ويصل إلى باب السعادة الأبدية. وبالمقابل؛ فإن الإنسان الذي يسير دون مرشد ودليل يشبه القارب الذي تحطم مقوده. فهو يجنح ويسير إلى حيث تقوده الرياح، ويتحرك بحركتها، إلا أنه لن يجد الطريق المتجه إلى منزله المقصود بشكل من الأشكال. وعلاوة على ذلك؛ فإنه لن ينجو من الهلاك في متاهات مجهولة.

وعلى ذلك، ما ينبغي للمؤمن أن يستحسن حاله أبداً، ولا يعتبر مسلكه مقبولاً بناء على ظنه. وإنما ينبغي أن يستعرض وضعه دائماً أمام مرآة استقامة، ويحاول العمل على تصحيح أخطائه. وأما مرآة الاستقامة التي سوف يستعرض نفسه فيها وتدله على عثراته لتصويبها فهي تتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام الذي يُعد التفسير الحي والعملي للقرآن الكريم، وورثته من المرشدين الكاملين “العلماء العاملين” الذين يحرصون أشد الحرص على السير على نهجه المنير دون الشرود عنه قيد نملة.

فكما أن المريض لا يمكنه تشخيص دائه ومعالجة نفسه بنفسه من خلال قراءة كتاب طبي، فكذلك ليس بمقدور أي إنسان إصلاح نفسه بنفسه بمجرد قراءة الكتب. إنه لن يتخلص من الأمراض النفسانية مثل الغرور، والكبر، والعجب. فحتى الأطباء عندما يصيبهم المرض يلجؤون إلى أطباء آخرون ويخضعون للعلاج تحت إشرافهم. وكذلك ليس بإمكان أي قاضٍ أن يحكم بنفسه في مسألة شخصية له، وإنما يتوجب أن يمثل أمام قاضٍ آخر.

فهذا هو سبب وجوب اتباع مرشد كامل والسير بدلالته من أجل الوصول إلى الكمال الروحي.

يبين مولانا جلال الدين الرومي – قدس سره – مدى أهمية الخضوع لتربية روحية على يد المرشد الكامل الذي يكون من ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لتجاوز عوائق النفس والوصول إلى الحقيقة والمعرفة، فيقول:

“كما لا يمكن لسكين أن يشذب مقبضه الخشبي من دون سكين آخر؛ فأنت أيضاً أيها الجريح اذهب واعرض جراحك على جرَّاح للقلوب. فإنك لن تستيطع معالجتها بنفسك…”

“تعلم صحة الأحاسيس والأفكار الدنيوية من الطبيب، وتعلم صحة الإلهامات التي تسمو وتعلو بالمرء إلى الخلود من المرشد الكامل”.

فمبقتضى قول رسول الله عليه الصلاة والسلام:

المؤمن مرآة المؤمن“. [14]

يصبح الأشخاص الكاملون مرايا نظيفة وبراقة لنا، وتشاهد أرواحنا جوهرها كينونتها الحقيقية في تلك المرايا البراقة. وإن المحرومين من مثل هذه المرايا لا يتمكنون من الوقوف على أخطائهم وملاحظتها، كما أنهم لا يستطيعون الاستفاقة من الغفلة التي يتوهمون فيها بأن التعاسة التي يعانون منها سعادة.

ومن جهة أخرى، فإن بعض الجهلة الذين سقطوا اليوم في مثل حفر الغفلة هذه يبدون ضعفاً كبيراً في امتحان الصدق، والإخلاص، والاحترام، والتسليم تجاه النبي عليه الصلاة والسلام من خلال استخفافهم بأقواله وبسنته السنية. وكذلك فإن هؤلاء التعساء يتطاولون بكل وقاحة وصفاقة على كبار الأولياء السائرين على نهج النبي عليه الصلاة والسلام –وكأنهم قد بلغوا مراتب قلبية تخولهم تقييمهم ونقدهم-. لا شك أن حالتهم هذه تُعد عمى قلبياً مريعاً. وذلك لأن قلة الأدب تجاه من أحبهم الله من الأمور الجالبة للغضب الإلهي.

حيث أن الله عز وجل قد بين بأنه أعلن الحرب على مرتكبي الجرمين الآتيين:

الأول: الربا. حيث يقول الله عز وجل في القرآن العظيم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [15]

أما الجرم الثاني: فهو إيذاء أولياء الله الصالحين بأي شكل من أشكال الأذى. فقد جاء في الحديث القدسي الذي يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه:

من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب…”. [16]

وينبغي أن نعلم بأنه لا يوجد على مر التاريخ أي كائن تمكن من تحقيق النصر في محاربته لله تعالى. وبناء على ذلك فإن الإقدام على تصرفات أو مسالك تعبر عن قلة الاحترام بحق أحباب الله عز وجل والاستهزاء بهم تعرض الإنسان لعذاب أليم لمساسها بغيرة الله عز وجل.

يقول الإمام الرباني رحمه الله:

“إن العجب يحرق الأعمال الصالحة كما تحرق النار الحطب. والعجب يتولد من استحسان الشخص لعمله. ولكي يتجنب المرء العجب ويتخلص منه فينبغي استحضار العيوب والأعذار الخفية أمام العين بشكل دائم من جهة، والنظر إلى الأعمال الصالحة نظرة النقصان والتقصير من جهة أخرى. وينبغي على المرء أن يستحي من إذاعة وإظهار أعمال الخير التي يقوم بها…”.[17]

(ينبغي أن تكون النية في الأعمال الصالحة موجهة لنيل رضا الله تعالى فقط. وينبغي على العبد شكر ربه عز وجل لتوفيقه له إلى القيام بالأعمال الصالحة. ولأن مدح الذات والافتخار بالأعمال الصالحة يغير غاية تلك الأعمال فإنها لا تحقق أي أجر أيضاً. وذلك لأنه لا مجال ولا مكان للشراكة في عقيدة التوحيد.

وانطلاقاً من ذلك، فينبغي على المؤمن تجنب إطلاق اسمه على أي عمل خير يقوم به، مثل المسجد، أو معهد تدريس القرآن الذي يتولى بناءه. إلا أنه مع ذلك ليس هناك حرج أو حرمة في إطلاق اسمه على مثل هذه الأعمال من قبل محبيه بعد وفاته. بل على العكس إن ذلك يصبح وسيلة لذكره بالخير والترحم عليه. ولكن يُعد إطلاق الشخص لاسمه على عمل الخير الذي قام به خلال حياته، يُعد تصرفاً خاطئاً، لأنه يمس الإخلاص ويفسده.

وأصلاً من الصعوبة بمكان عند إقدام العبد على عمل صالح – مهما بذل من جهد وحرص – أن يؤديه خالياً ونقياً بتمامه من مظاهر القصور الظاهرية والباطنية. ولهذا ينبغي على العبد أن لا يضخم في نظره أي عمل خير يقوم به مهما كانت أهمية ذلك العمل وحجمه، وإنما ينبغي أن يعترف بشكل دائم بقصوره وعجزه، ويسأل الله تعالى القبول بلطفه وكرمه. وينبغي أن لا ننسى أبداً بأن الأعمال الصالحة شأنها شأن الأدعية بحاجة ماسة لقبول الحق عز وجل لها. ولذلك فإن الحالة القلبية عند تقديم العمل الصالح لله تعالى تحمل أهمية بالغة في نظر المؤمنين العارفين بمقدار أهمية العمل ذاته. فيجب لجعل الأعمال الصالحة خالصة لوجه الله تعالى عدم خلط النية بأدنى ميل أو جنوح نحو جلب انتباه الأغيار لنيل الثناء والتقدير منهم. ولهذا ينبغي بذل الجهد لإخفاء الأعمال عن أنظار الناس كلما كان ذلك ممكناً.

حيث جاء في الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أحد السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة هو من تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. [18]

ولكن يجوز المجاهرة بالإنفاق إن كانت هناك ضرورة، أو تحقق فائدة، مثل تشجيع الآخرين على الإنفاق. إلا أنه مع ذلك ينبغي في هذه الحالة الحرص أشد الحرص على حفظ النفس من الغرور والكبر، وتجنب كل ما من شأنه المساس بالإخلاص.

وبالإضافة إلى ذلك؛ يجب عند القيام بالأعمال الصالحة لجم أنفسنا حتى عن الثناء الذاتي، أي لا نشعر بالانتشاء والفخر بداخلنا، إلى جانب لجمها عن التطلع إلى نيل الثناء والتقدير من الآخرين. وأما العلاج الأنجع للجم وإسكات النفس في هذا الشأن فهو عدم نسيان العيوب والمساوئ الخفية التي نعاني منها. وإلا فلن يكون بالإمكان لجم النفس عن العجب، وبالتالي عن محق أجر الأعمال الصالحة.)

نسأل الله تعالى أن يجعل نياتنا وأعمال خالصة لوجهه الكريم لنيل رضاه، وأن يوفقنا نحن عباده العجز الضعفاء بلطفه وكرمه إلى الأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة التي يحبها ويرضاها. وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يحفظنا جميعاً من الفتنة في ديننا، ومن الإفلاس في الآخرة.

آمين!..


[1]       الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 369، رقم 97.

[2]       الذاريات: 56.

[3]       المؤمنون: 1 – 2.

[4]       انظر. الطبري: التفسير، 19، 8؛ السيوطي: لباب النقول، ص 165.

[5]       انظر. عبد الرزاق: المصنف، 3، 183؛ الهيثمي: 9، 192.

[6]       النازعات: 46.

[7]       الإمام الغزالي: مكاشفة القلوب، ص 166.

[8]       رؤوف أحمد: دار المعارف، ص 143.

[9]       محمود سامي أفندي: تفسير سورة يوسف وهود، ص 145.

[10]      الإمام الرباني: المكتوبات، 1، 514، رقم 165.

[11]      البخاري: الأدب، 96.

[12]      أبو داوود: الأدب، 83؛ أحمد بن حنبل: 5، 346.

[13]      الإمام الرباني: المكتوبات، 2، 551، رقم 30.

[14]      البخاري: الأدب المفرد، رقم 238؛ أو داود: الأدب، 49 / 4918.

[15]      البقرة: 278 – 279.

[16]      البخاري: الرقاق، 38.

[17]      محمد هاشم الكشمي: بركات (زبدة المقامات)، ص 217.

[18]      انظر. البخاري: الأذان 36، الرقاق 24؛ مسلم: الزكاة،91.