موضوع التصوف

لقد تنوعت الطرائق التي تتناول كنه التصوف، وتعددت الوسائل التي تحاول الوصول إلى حقيقته، فازدادت زوايا النظر للتصوف عمقًا واتساعًا، لاسيما وأن التصوف مهتم بكل ما يمس الروح والنفس، وهما من أسرار الله تعالى في خلقه، فالتصوف -بذلك- عميقة أغواره كالبحر، عميم نفعه وانتشاره كالمطر؛ يهطل من أعلى مزن في طبقات الجو، فيعم مساحات شاسعة من الأرض جبالاً وسهولاً ووديانًا، وينفذ إلى أعماقها بعد أن يسقي مَن على سطحها زرعًا وضرعًا وإنسانًا. كذلك التصوف وموضوعاته التي تشبه في تنوعها قطرات المطر في تواترها؛ لا حصر لها ولا عدد.

وجوانب التصوف تشمل كلَّ خطوة يخطوها الإنسان في السعي إلى ربه، وكلَّ درجة يرتقيها في المعراج إلى مولاه، وكلَّ خلجة تعانيها نفسه في الصراع مع معوقات طريقه، وكلَّ صعقة تصيب حواسه في سبيل الخلاص من جواذب الدنيا، وكلَّ عالَم تعاينه روحُه في مدارج الوصول، وكلَّ شعور يحس به في ارتقائه معارج القبول، وكل المخلوقات التي ارتبط بها نفسًا وروحًا في هذا الكون؛ حتى كان ارتباطه الأوحد برب العوالم كلها الأحد الصمد، وتحقيق العبودية له وحده تعالى، وتمام معرفته سبحانه.

وإذا كان الخوض في هذا السبيل ضربًا من المستحيل فلا أقلَّ من أن نرشف من البحر المحيط رشفة، أو أن تمس أقدامنا مياه شواطئه، أو تلامس أفكارنا سواحل مواطئه، وليغترف كل منا غرفة بيده.

وعلى سبيل البدء، فإن موضوع التصوف يتضمن مراحلَ وأحوالًا وأهوالًا يجتازها السالك في الوصول إلى ربه، سعيًا نحو هوية المسلم الكامل؛ وتحقيقًا لمعنى العبودية المطلقة، عبر تزكية النفس وتطهير القلب.

وبمعنى آخر: فإن التصوف يرمي للوصول بالإنسان إلى السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، ليحياها بجسده وروحه، ويحقق معناها بسلوكه وشعوره، وينغمس فيها ظاهرًا وباطنًا، فتنعكس على صورته وسيرته، كما تتجلى في روحه وسريرته، ويكون ذلك -كما أسلفنا- عبر تزكية النفس وتطهير القلب، ليتذوق الإنسان لذة الشعور بالإحسان، ويحقق التكامل بين الشعور والسلوك، وذلك بالتخلُّق والتحقُّق.

التخلُّق بالأخلاق التي أرادها الله لعباده سلوكًا وشعورًا وحياة، والتحقُّق واليقين بعين البصر والبصيرة مما عند الله.

ولقد قيل:

(إن للعارفين قلوبًا ترى ما لا يراه المبصرون).

وعليه، فإن أحد أبرز موضوعات التصوف هو أصول الوصول، وطرائق القبول، وإدراك الأسرار، ومعرفة الخفايا وما وراء الأستار، وكل ما هو مكنوز في خزائن أسماء الله تعالى وصفاته، متجليًا في كونه ومخلوقاته.

وفي ذلك الإطار، يتناول التصوفُ أحوال السالكين التي يجتازونها، وهي أحوال خاصة ومقامات روحانية عليا؛ تُعدُّ من وسائل المعرفة والإيمان والتربية والوصول، مثل الكشف والإلهام والمشاهدة المعنوية والوجد والعشق….

وهي أحوال لها ضوابطها ومقاماتها وتأثيرها في النفس والروح والقلب والوجدان، والظاهر والباطن.

والخلاصة هي أن موضوع التصوف هو معرفة الله تعالى عبر مشاهدة تجلياته في أسمائه وصفاته ومخلوقاته؛ مشاهدتها بعين اليقين، وعين البصر والبصيرة.

ويكتمل ذلك عبر الوصول إليه في مسالك العالم المعنوي، والتدرج في معرفة كنه الكائنات والمخلوقات، وقبلهم كنه الإنسان والقرآن، ثم الوصول إلى القمة في العالم المعنوي، وفي معرفة الله تعالى.