من حِكَم أولياء الله خالد البغدادي رحمه الله

يقول الشيخ خالد البغدادي:

“يا رب، إني العاجز عن حمدك والثناء عليك كما يليق بك! وقولُ غير ذلك حماقةُ رجلٍ فانٍ.

وواللهِ لو أُعطِيتُ حياةً سرمدية ولم يكن لي شغل سوى حمد الله والثناء عليه…

وكانت كل شعرة في جسدي تنطق بآلاف اللغات…

وأُبعِد الشيطان والنفس عن قلبي كي لا يشغلاه بالوسوسة…

وقضيت عمري أحمده سبحانه وتعالى وأُثني عليه بكل كياني دون انقطاع…

فلا طاقة لي في حمده على نعمة واحدة!

فكيف لي أن أشكره على نعمه كلها أو بعضها… والشكر نعمة أخرى!”[1]

 [إننا نتنعَّم في هذه الدنيا بنِعَمٍ منها ما عرفناها ومنها ما لم نعرف. فكم يجب علينا أن نشكر الله تعالى الذي أكرمنا بها؟

ونحن عاجزون عن شكره سبحانه وتعالى كما يليق به؛ ومع ذلك يجب علينا أن نتفكر دائمًا في ألطاف الله سبحانه علينا وندرك قيمتها العظيمة.

فالابتعاد عن التفكر في نِعَم المولى جل جلاله علَّةُ كلِّ غفلة، وإن زادت الغفلة قلَّ الشكر في القلب لله سبحانه وتعالى صاحبِ النِعم، وقد تجرُّ هذه الغفلةُ المرءَ إلى كفران النعمة، فتخرج من يد صاحبها وينزل به العذاب.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:

(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). [إبراهيم: 7]

فلا بد من معرفة قيمة النِعم وشكرها لسعادتنا نحن لا لسعادة غيرنا، وأول خطوة في هذا السبيل التفكرُ بعمق في النِعَم.

ولنتفكَّر- على سبيل المثال- في نِعمة “العين”:

فمن ذا الذي كان سيعرف مقدار فرحنا وسعادتنا لو وُلِدنا عميانًا، ثم أكرمنا الله تعالى بنعمة البصر بعد سنين؟! وكيف كنا سَنَحارُ ونندهش أمام عظمة نعمة البصر وجمالها؟! وكم كنَّا سنُعجَب بقدرة ربنا الذي وهبنا هذه النعمة؟!

ومن كان سيعرف مقدار سعادتنا حينما نرى أول مرة الألوان والأضواء، وتلك المناظر المدهشة التي ترسمها الشمس وقت الغروب، والنجوم، وضوء القمر، والليل والنهار، والبحار، والغابات، والحيوانات، وآثار صنعة الله وإبداعه الظاهر في هذا الكون العظيم! ولكنَّا انتشينا من السعادة الكبيرة واللذة العظيمة لنعمة البصر. ولم نكن لننظر إلى المخلوقات نظرة سطحية كما نفعل الآن، بل ننظر إليها وكأننا ننظر إلى محيط عميق مليء بالأسرار والألغاز آخذين العبرة والحكمة، ومعجبين بها.

 لذلك نجد العِباد العارفين الذين زال حجاب الغفلة عن قلوبهم ينظرون إلى هذا الكون بنظرة التفكر العميقة التي ذكرناها، ولا نجد فيهم غفلة الذين ينظرون إلى تجليات عظمة الله سبحانه وقدرته كأنها حوادث طبيعية. وكم من امرئٍ نراه يقف مدهوشًا مُعجَبًا أمام لوحات طبيعية رسمها رسَّام، ولا يتحرك له ساكن عندما يمضي أيامه وهو يرى هذا الكون بكل لوحاته، فيعتقد أن تجليات قدرة الله الظاهرة في هذا الكون “أشياء عادية”.

إن العباد العارفين لهم قلوب رقيقة تشعر بالحيرة والدهشة أمام عجائب خلقِ المولى جل جلاله المبدع الحقيقي، لا أمام لوحات رسَّام، وتتلذذ تلك القلوب بالإبداعات الإلهية الموجودة في هذا الكون العظيم:

فهذه الأرض قطعٌ متجاورات تُنبِت الأشجار المختلفة، والفواكه الكثيرة، مع أنها تُسقى بماء واحد.  وهذه الأزهار التي تتفتح وأرضها واحدة وطينها واحد، وألوانها شتى، وإبداعها ليس له حدود. وهذه اليرقات سرعان ما تتحول إلى فراشات تخطف الأبصار، وتخلب الألباب بتنوع ألوانها. ولا نذهب بعيدًا، فالآيات لا تحتاج إلى رحلة في الكون: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21]. فها هو الجسد الإنساني يحمل في كل جارحة آية، وفي كل عضو معجزة؛ بل في كل خلية عجائب وغرائب. ولمثل هؤلاء العارفين فقط يغدو الكون كله كالكتاب الـمُعدِّ للقراءة، فقد تجاوزوا العلم الموجود في السطور، ووصلوا إلى علم الصدور.

وإذا تفكرنا في النِعم الأخرى مثل السمع والمشي والإدراك كتفكرنا في نعمة البصر، ستمتلئ قلوبنا بمشاعر الشكر والمنَّة حتى نظن أننا ما جئنا إلى هذه الدنيا إلا لنشكره سبحانه وتعالى على هذه النعم.

والعاقل إن قيل له: “اعطني عينَيك وخُذ العالَم!” فهل سيقبل؟ وإن قيل له: “اعطني صحَّتك، وخُذ الدنيا!” فهل سيرضى؟ لا، لأنه يعلم يقينًا أن ذلك حكم جائر بحقِّه.

ولذلك قال السلطان العثماني العظيم سليمان القانوني: “ليس عند الناس شيء قيِّم مثل النعمة،

وليس شيء أكثر نعمة من الصحة نَفَسًا واحدًا”.

والحق أن النَفَس الذي يتنفَّسه الإنسان وهو بصحة وعافية سعادةٌ ونعمةٌ كبيرة، فالإنسان الذي حان أجَله لن ينال هذه النعمة حتى لو أنفق ثروته كلها في سبيل نَفَس واحد.

ولا بد للقلب أن يبلغ مقامًا معنويًا كي يفهم هذه الحِكَم. وقد أدرك السلطان العثماني سليم خان أنه لن يصل إلى السعادة الحقيقة إلا بقلبٍ صاف ٍتتجلى فيه أنوار الروحانية، مع أنه كان أعظم سلطان آنذاك، فقال:

“لا نفع من أن تكون سلطانًا على الدنيا، إنما الانتساب إلى ولي أفضل من كل شيء”.

ووجد أن إرشاد الولي الذي يفتح له عيون قلبه ويُريهِ تجليات قدرة الله وعظمته خيرٌ من سلطنة كبيرة وفتوحات عظيمة.

وقد كتب محمد أمين أفندي- من أولياء الله- لأحد طلابه مكتوبًا قال فيه:

“في كل نَفَس نعمتان [الأولى: الشهيق، والثانية: الزفير]. لذلك لا بد من الشكر مرتين عند كلِّ نَفَس. فإن كان المرء يتنفَّس ألفَ نَفَس في كل ساعة، وكل نَفَس يحتاج إلى الشكر مرتين، فعلى المرء أن يشكر الله تعالى ثمانية وأربعين ألف مرة في اليوم.

ولن يستطيع شكره ولو ترك أعماله كلها وأمضى يومه قائلًا: “الشكر لله، الشكر لله”. ولا ريب أنه لن يستطيع أن يشكره واحدًا من ألف”.

فهذه الأمثلة تبيِّن لنا دَينَ الشكر على النِعم المادية التي أكرمنا الله تعالى بها، وتأتي على رأس النِعم العظيمة التي نعجز عن شكرها نعمةُ أن المولى جلَّ جلاله خلقنا من عدم، ولم يخلقنا حيوانات أو نباتات أو جمادات، بل خلقنا في أحسن تقويم، وجعلنا بين الناس من أهل الإيمان، وجعلنا بين أهل الإيمان من أمة خير الأنبياء وإمام المرسلين محمد الأمين صلى الله عليه وسلم، وأنه سبحانه وتعالى خاطبنا بالقرآن الكريم الذي يعد معجزة إلهية قائمة حتى قيام الساعة.

فلو أمضى الواحد منَّا عمرَه ساجدًا لله تعالى شاكرًا إياه على هذه النِعَم لما شكره كما يليق بجلاله وعظمته ولظلَّ يشعر بالعجز والنقصان…

إن الإيمان والقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم ثروة معنوية لنا، فما قيمة العيش ألف سنة في هذه الدنيا متنعِّمين بالنِعم الفانية، غير أننا محرومون من الإيمان والقرآن ومعرفة رسول الله؟! فأعمارنا في هذه الدنيا فانيةٌ والدنيا نفسها فانيةٌ لا محالة… لكن معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتِّباعه طوعًا وحبًّا وسيلةُ الطمأنينة والسعادة الأبدية…

وكم نُسَرُّ عندما ننال نعمة دنيوية؟ وكم نشعر بالشكر لأننا نتنعَّم بنعمة الإيمان التي تبلغنا السعادة الأبدية، ونعمة كوننا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

فالتفكر في هذه الأمور يجعل العبد يدرك أن الشكوى والتذمر من المصائب الدنيوية وعصيان الله تعالى إنما هو جحود عظيم؛ ويوصله إلى طمأنينة القلب بالحمد والرضا في كل حال.

ولنتساءل هنا تساؤلًا يبيِّن ما ذكرناه: إن أضاع رجل ثريٌّ قليلًا من ماله في الطريق، أتراه يحزن؟ لا، لأن هذا المبلغ الصغير لا قيمة له أمام ملياراته! لذلك إن أصابتنا مصيبة في هذه الدنيا، فعلينا أن نعلم عِظم حظِّنا أن كنا عبادًا لله تعالى ومن أمة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فنصبر على المصائب. ولا نبالغ في حزننا أمام الهموم والخسارات الدنيوية، ولا نأسى على ما فات، بل ننسى الشكوى والتذمر، ولا نقول: “لمَ حدث هذا؟”. وعند المشقات والامتحانات الدنيوية سنجد السلوى في طمأنينتا وسعادتنا النابعة من أننا أتباع الدين الحق- دين الإسلام- ومن أمة خير المرسلين المبعوث رحمة للعالمين. وسنعلم أننا لن نوفي بدَين الشكر مهما شكرنا الله سبحانه وتعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

وروي أن موسى عليه السلام قال: “يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك؟” وفي لفظ آخر: “وشكري لك نعمة أخرى منك توجب عليَّ الشكر لك”. فأوحى الله تعالى إليه: “إذا عرفت هذا فقد شكرتني”. وفي خبر آخر: “إذا عرفت أن النعمة مني رضيت منك بذلك شكرًا”. (الغزالي، إحياء علوم الدين، جـ4، ص85)

إن دَينَ الشكر عظيم، والله جلَّ وعَلا إن أكرم عبده بنعمة الشكر، فهذا يقتضي شكرًا آخر، عندها يستمر الأمر على هذا المنوال فلا يستطيع أن يشكر ربَّه حقَّ الشكر. لذلك كان الأنبياء المعصومون من الذنب يطلبون عفو الله تعالى ويستغفرونه لخشيتهم من عجزهم عن شكر المولى جل جلاله على نعمه كما يليق به.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول:

“اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”.[2]

فبيَّن لنا عجزنا عن حمد الله والثناء عليه كما ينبغي، وضرورة الالتجاء إلى عفوه جلَّ وعلا.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال: “يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك”، فقال: “أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك”.[3]

فهذا يعني أنه لا بد لنا من طلب العون من الله تعالى كي نشكره. والحمد والشكر لا يكونان باللسان فحسب، بل باجتماع عناصرٍ ثلاثة هي: العلم، والحال، والعمل.

– فالعلم: معرفة أن النِعمَ كلها من الله تعالى.

– والحال: تعظيمُ صاحب النِعَم الحقيقي ومحبته والتأدب معه.

– والعمل: العيشُ كما تقتضي هذه المشاعر، والشكر قولًا وفعلًا، واستعمال النِعم كما يرضى عنها الحق سبحانه وتعالى.

ويوضِّح الجنيد البغدادي رحمه الله الشكرَ الفعلي بقوله:

“الشكر أن لا تعصي الله تعالى بنعمته التي أكرمك بها، ولا تجعلها بضاعة للذنب”.

أي يجب علينا أن نبيِّن حمدنا الله تعالى وشكرنا إياه فعلًا بمظاهر الطاعة مثل العبادات، والمعاملات الحسنة، والأخلاق الحميدة، والسعي في سبيل الله، والتضحية، والتقوى، واجتناب الذنوب.

ولنا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة في هذا الشأن:

فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي” قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرَّكَ، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟، قال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا”.[4]

فالشكرُ أن تعرف أن الله تعالى صاحبُ النعمة الحقيقي الذي أكرمك بها، وتحيا مطيعًا لأوامره قولًا وفعلًا. وكما أنه من الواجب معرفة أن النعم كلها من الله تعالى وشكره باللسان، كذلك لا بد من شكره فعلًا، وخير مظاهر الشكر الفعلي أن تُكرِم المحروم من تلك النعم.

إن شهوات النفس- التي لم تخضع لتربية معنوية- وغوائلها لا تنضب. وقد صوَّر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حالَ المحرومين من القناعة والرضا ولا يشكرون الله تعالى بقوله:

“لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب”.[5]

إن الشكر على النعم والرضا والقناعة بما في اليدين سببُ طمأنينة القلب في هذه الدنيا؛ لذلك ترى العارفين يحيون بطمأنينة لمعرفتهم قَدْر النِعم التي نالوها، ولا يشعرون بالقلق والحسرة على النعم التي حُرموا منها في حياتهم. أما الغافلون فلا يعرفون قيمة النعم التي بين يديهم فيحيون في قلق وندامة وحسرة على النعم التي لم تُقدَّر لهم، ويطلبون الزيادة في النِعم دون أن يعلموا أَكثرة النِعم خير لهم أم قلَّتها.

وتحذير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لثعلبة في هذا الأمر درسٌ عظيمٌ يجب أن نعتبر به، إذ قال:

“قليل تؤدِّي شكره، خير من كثير لا تطيقه”. [الطبري، جامع البيان، جـ14، 370-372].

والإنسان كلما ابتعد عن التفكر الروحاني الذي يُعدُّ مفتاح الإيمان، يرى النِعم حقًّا طبيعيًّا له، لا لطفًا إلهيًّا، وعندئذٍ يعمى عن رؤية النِعم الكثيرة التي أكرمه الله بها.

يقول المولى جل جلاله مبيِّنًا لنا مسؤوليتنا عن النعم كلها:

(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: 8]

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما نزلت (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قام رجل محتاج فقال: يا رسول الله، هل عليَّ من النعمة شيء؟ قال: “نَعَم، الظل والنعلان والماء البارد”.  (السيوطي، الدر المنثور، جـ8، ص619)

فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجود نِعمٍ في الإنسان سيجد نفسه يوم الحساب مسؤولًا عنها وهو يعتقد أنه لم  يُعطَ أي نعمة.

وإذا تفكرنا على هذه الصورة سندرك بكل يُسر أن الله سبحانه وتعالى خَلقَ كل مخلوق في هذا الكون من أجلنا واستفدنا منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فمِن نِعم الله تعالى علينا:

النباتات التي نستفيد من ظلالها وثمارها وعبيرها الذي يسر القلوب ومظهرها الذي يُبهِر العيون، والحيوانات التي ننتفع من لحمها وحليبها وجلدها، والمياه العذبة الرقراقة التي نشربها، والنعم التي أكرمنا الله تعالى بها ولم يكرم بها الكائنات الأخرى. وقد خَلقَ سبحانه وتعالى الكونَ بما فيه من تراب وماء وهواء بدقَّةٍ تجعل الحياة فيه ممكنة، وسخَّر كلَّ ما فيها لنا.

ولن نستطيع عدَّ النعم التي أكرمنا الله بها، فهو القائل في كتابه العزيز:

(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13]

(وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34]

فهذا يعني أنه حتى الإنسان الفقير الذي يظن أنه ليس له شيء في هذه الدنيا إن تفكر حقَّ التفكر سيفهم أن بين يدَيه نِعَمًا كثيرةً تُوجِب الشكر، عندها يحيا في طمأنية وأمان.

وأما الإنسان إن كان في نِعَمٍ كثيرة ولم يتفكر فيها كما ينبغي، فسيحيا وكأنه لا يملك شيئًا، ويقسو قلبه ويكون في كآبة وحزن؛ وهذه الحال من أعظم المشاكل التي نراها في هذه الأيام.

فالأنظمة الرأسمالية والليبرالية والمادية تسعى دائمًا لغرس فكرة “الامتلاك أكثر والاستهلاك الأكثر” في اللاوعي. واليوم تُثَارُ الشهوات النفسانية بالإعلانات واستهلاك كل جديد، فلا يرى الناس أي نعمة كافية لهم ولا ينجون من المشاكل النفسية لانعدام القناعة. لذلك نرى أن جزءً من هذا العالَم يعيش في ذروة الرفاه المادي، غير أنه في الوقت نفسه يتلوَّى في نار الأزمات النفسية وقلَّة الراحة.

وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

“انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم”. [مسلم، الزهد، 9]

“… من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرًا وصابرًا…”. [الترمذي، القيامة، 58/2512].

فكانت أحاديثه صلى الله عليه وسلم إرشادات للوصول إلى طمأنينة القلب.

وببركة هذه الإرشادات النبوية لم يعش الصحابة في عصر الرسول وخلفائه الراشدين أي أزمة نفسية على قلة الإمكانات المادية مقارنة بعصرنا الحاضر؛ فالناس في ذلك العصر كانوا يحيون بطمأنينة القلب لقناعتهم وزهدهم وتقواهم وإدراكهم حقيقة أن العيش إنما هو عيش الآخرة؛ فتجاوزوا مشاكلهم الشخصية، وعاشوا وهم يدعون الناس إلى السعادة الأبدية.

ونحن إن أكرمَنا أحدُهم بكأس من الماء نشعر بالمنة والشكر، فكيف نشكر صاحب النِعم كلها؟!

والخلاصة أنه يجب علينا أن نشكره سبحانه وتعالى بالتفكر في نِعمه وكثرتها، وأن نحمده ونسبحه كل حين. وعلينا أن نطلب العفو منه سبحانه ونستغفره دائمًا لأننا عاجزون عن شكره شكرًا يليق بعظمته وسلطانه.]

اللهم ثبِّت قلوبنا على حمدك وشكرك وذكره ورضاك ودعائك في كل الأحوال.

آمين!..

[1]  عبد الجبار كاواك، ديوان مولانا خالد البغدادي، قونيا 1430، بيت: 1140-1146.

[2]  مسلم، الصلاة، 222.

[3]  أبو داود، الوتر، 26.

[4]  ابن حبان، جـ2، ص386.

[5]  البخاري، الرقاق، 10؛ مسلم، الزكاة، 116-119.