مشاعر الإيمان في مجتمع عصر السعادة

الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- عزموا وهمّوا على تشكيل حياتهم وفقاً للعشق وشعور الإيمان، لقد تلقى الصحابة الكرام من النبي -صلي الله عليه وسلم- الإنعكاس الروحاني المكثف الذي كان أُسس ومصدر وبناء هذا الشعور الإيماني.

الصحابة الكرام في الحقيقة هم عَالَمُ القلوب: جيل الصحابة الكرام في ماضيهم كانوا مجتمعاً جاهلياً وكان عالم قلوبهم محروماً من الإيمان والقيم الأخلاقية، ثم وفي مناخ معنوي وفي مجالس صحبة رسول اللّه -صلي الله عليه وسلم- عجنت هذه القلوب بوابل من مطر الرحمة والبركة والفيوضات والمحبة والروحانيات التي انعكست من قلب النبي إلى قلوب أمته وأوجدت شخصيات كالنجوم هداة البشرية ومرشدوها حتى القيامة، الإنسان العادي ربيب الجاهلية ذو قلب قاس عديم الرحمة والضمير والوجدان والشعور حتى أنه وأد البنت وهي حية، والذي لا يقبل حقوق الغير، انقلب مؤمناً دامع العينين ذا حس ورقة وشعور وإيثار وحكمة وتضحية وصبر على البلاء.

المبادرة للدخول في الإسلام

أهل مجتمع عصر السعادة هرولوا إلى الإيمان مسرعين كباراً وصغاراً، فمثلاً كان عبد اللّه بن الزبير -رضي الله عنه- أول مولود بعد الهجرة في الإسلام، جاءت به أمه أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- لِيُحَنِّكَه، فأخذه رسول الله -صلي الله عليه وسلم- منها، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة.

قالت عائشة -رضي الله عنها-: فمكثنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها، فمضغها ثم بصقها في فيه، فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله-صلي الله عليه وسلم-.

ثم قالت أسماء -رضي الله عنها-: «ثم مسحه وصلى عليه وسماه عبد الله، ثم جاء، وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وأمره بذلك والده الزبير، فتبسم رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حين رآه مقبلاً إليه، ثم بايعه» (مسلم، آداب، 25/2146)

وفي أثناء فتح مكة أحضرت السيدة زينب بنت حميد ابنها عبد الله بن هشام وهو في السادسة من عمره، إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسول الله بايعه، فَقَالَ: “هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ

وعن زهرة بن معبد، أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن عمر، وابن الزبير -رضي الله عنهما-، فيقولان له: «أشركنا فإن النبي -صلي الله عليه وسلم- قد دعا لك بالبركة» ، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى المنزل. (البخاري، الشركة، 13/2501)

أبو قراضعة -رضي الله عنه-: بادَرَ إلى الإيمان مبكراً، يروي لنا قائلاً: «لما بايعنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده منصرفين قالت لي أمي وخالتي: يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهاً، ولا أنقى ثوباً، ولا ألين كلاما، ورأينا كأن النور يخرج من فيه» (الهيثمي، 8، ص 279-280، رقم 14032)

التضحية في سبيل الإيمان

الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- لم يمتنعوا عن التضحية بحياتهم لأجل الإيمان، ففي هذا السياق اشتهرت بطولة حضرة سمية وحضرة ياسر اللذين ضحيا بأنفسهما من أجل المحافظة على الإيمان وأصبحا ملحمة يضرب بها المثل بطولة وفداء.

وكذلك أفاضل الأصحاب كعمار بن ياسر وبلال الحبشي وخباب بن الأرت وصهيب بن سنان والسيدة ذي النيرة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة والمقداد بن عمرو والسيدة أم عبيس والسيدة لبينة والسيدة نهدية وابنتها، أولئك الكرام حافظوا على إيمانهم رغم الظلم وتحت المعاناة غير المحتملة، واجتهدوا لإيصال هذه النعمة الإلهية إلينا ودفعوا الثمن الغالي، وذلك بالتضحية بأنفسهم وأموالهم في سبيل اللّه.

في خلافة عمر -رضي الله عنه- قابل خباب بن الأرت -رضي الله عنه-، وسأله عما لقي من المشركين. فقال: يا أمير المؤمنين، انظر إِلَى ظهري. فنظر، فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل. تابع خباب فقال: كان الكافرون يحمون النار ثم يأمرونني بالإستلقاء فوقها وأنا عاري الظهر، وكانت النار تنطفئ بذوبان الدهون من ظهري، ثم كانوا يلصقون الحجارة التي أوقدت في النار على ظهري وكان لحمي يسقط من شدة التعذيب. رغم ذلك كله خباب -رضي الله عنه- رفض أن يقول ماذا أراد منه الكافرون قوله. (ابن الأثير، أسد الغابة، جـ2،ص 147-150/1407)

كان زيد بن الدثنة وخُبَيْبٍ بن عدي -رضي الله عنهما- محبوسان عند آل صفوان بن أمية وقبل الإستشهاد قال كفار قريش: أيسرك أن محمداً في أيدينا مكانك وأنت في بيتك؟ قال: ما يسرني أن محمداً أشيك بشوكة وأني في بيتي! يقول أبو سفيان بن حرب: لا، ما رأينا أصحاب رجل قط أشد له حباً من أصحاب مُحَمّدٍ بِمُحَمّدٍ. ( انظر: الواقدي، جـ1، ص 360-362؛ ابن سعد، جـ 2-56)

السيدة صفية عمة النبي -صلي الله عليه وسلم- ضربت مثلاً في الصبر والشجاعة بعد أن استشهد أخوها حمزة ومثل به وقطعت أوصاله وكان المشهد بشعاً جداً ولا يمكن لها أن تتحمله، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لإبنها الزبير بن العوام: “الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا، لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا“، فقال لها: يا أمّاه، إن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فأخبره بذلك، قَالَ -صلي الله عليه وسلم-: “خَلِّ سَبِيلَهَا” ، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت [يعني قَالَت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ]، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فدفن. (انظر: سيرة ابن هشام 1375، رقم جـ2، ص 97)

اشتهرت النساء في الجاهلية عند المصائب بالنياحة وشق الجيب وشد الشعر أياماً طويلة، لكن حالهن قد تحوّل بعد الإسلام إلى شخصيات نموذجية تميزت بالوقار والإحتشام وهذا ناتج عن قوة إيمانهن باللّه تعالى.

ومثال آخر أجمل من ذلك السيدة كبشة بنت عبيد أم حضرة سعد بن معاذ -رضي الله عنهما- في معركة أحد وبعد إصابة النبي -صلي الله عليه وسلم-، جاءت تعدو نحو رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ورسول الله -صلي الله عليه وسلم- واقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله، أمي! فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “مَرْحَبًا بِهَا“، فدنت حتى تأملت رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ، فقالت: أمّا إذ رأيتك سالماً، فقد أشوت المصيبة. فَعَزّاهَا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال رسول الله-صلي الله عليه وسلم-: “يَا أُمّ سَعْدٍ، أَبْشِرِي وَبَشّرِي أَهْلِيهِمْ أَنّ قَتَلَاهُمْ قَدْ تَرَافَقُوا فِي الْجَنّةِ جَمِيعًا-وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًاً- وَقَدْ شَفَعُوا فِي أَهْلِيهِمْ“. قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول الله لِمَنْ خُلّفُوا، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “اللّهُمّ أَذْهِبْ حُزْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْبُرْ مُصِيبَتَهُمْ، وَأَحْسِنْ الْخَلَفَ عَلَى مَنْ خُلّفُوا“، ثُمّ قال رسول اللّه -صلي الله عليه وسلم-: “خَلّ أَبَا عَمْرٍو الدّابّةَ”، فَخَلّى الْفَرَسَ وَتَبِعَهُ الناس، فقال رسول اللّه -صلي الله عليه وسلم-: “يا أَبَا عَمْرٍو، إنّ الْجِرَاحَ فِي أَهْلِ دَارِك فَاشِيَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَجْرُوحٌ إلّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ كَأَغْزَرِ مَا كَانَ، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ ، فَمَنْ كَانَ مَجْرُوحًا فَلْيَقِرّ فِي دَارِهِ وَلْيُدَاوِ جُرْحَهُ، وَلَا يَبْلُغُ مَعِي بَيْتِي عَزْمَةً مِنّي“، فنادى فيهم سعد: عزمة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ألا يتبع رسول الله -صلي الله عليه وسلم- جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحاً.[1]

إحدى الصحابيات الجليلات السيدة السميراء بِنْتُ قَيْسٍ -رضي الله عنها-ٍ ونتيجة لإيمانها القوي باللّه -عز وجل- ظهر منها صبر وقوة احتمال عند المصائب. ففي معركة أحد انتشر خبر مقتل النبي -صلي الله عليه وسلم- ووصل صراخ وصياح أهل المدينة حتى العرش، جميعهم خرجوا ليسمعوا الأخبار من القادمين، فخَرَجَتْ السّمَيْرَاءُ بِنْتُ قَيْسٍ -رضي الله عنها-ٍ إحدى نساء بني دينار، وقد أصيب ابناها مع النبي -صلي الله عليه وسلم- بأحُد، النعمان بن عبد عمرو، وسليم بن الحارث، فلما نعيا لها، قالت: ما فعل رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ قالوا: خيراً، هو بحمد الله صالح على ما تحبين، قالت: أرونيه أنظر إليه! فأشاروا لها إليه، فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جَلَلٌ. (انظر: ابن هشام، جـ3، ص51؛ الواقدي، جـ1، ص292؛ الهيثمي، جـ، 4، ص110)

الهجرة والجهاد من أجل الإيمان

هاجرالصحابة الكرام -رضي الله عنهم- إلى البلدان البعيدة طلباً للحفاظ على دينهم وتخلصاً من ظلم وتعذيب مشركي قريش، تركوا وطنهم وأموالهم وأولادهم. من أجل ذلك قال اللّه تعالى واصفا إياهم بالصدق وقوة الإيمان في كتابه العزيز:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال، 74)

ولنر هذه الحادثة التي تعتبر أكبر دليل على ذلك فسيدنا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- الذي عيّنه الرسول -صلي الله عليه وسلم- قائداً للقافلة الأولى المهاجرة إلى الحبشة فقد قدّم أفضل مثال لحال الإنسان الجاهلي وكيف تحول وأصبح إنسان عصرالسعادة، وكيف تغيرحال شعورهم بالإيمان، سَأَلَهُم النَّجَاشِيُّ فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟، فيجيب جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- قائلاً: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام ،-فعدد عليه أمور الإسلام-، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك. (انظر: أحمد، جـ 1، ص 202-203، جـ5، ص290-291؛ الهيثمي، جـ 6، ص 25-27؛ ابن هشام، جـ 1، ص385-395)

القافلة الأخيرة من هؤلاء المهاجرين عادت عن طريق البحر إلى المدينة المنورة وقوفاً إلى جانب النبي -صلي الله عليه وسلم- أثناء فتح خيبر، وكان من بينهم أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ -رضي الله عنها-، ودخلت على حفصة زوج النبي -صلي الله عليه وسلم- زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ البَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ قالت أسماء: نعم ، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار -أو في أرض- البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله -صلي الله عليه وسلم-، وأيم اللًه لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً، حتى أذكر ما قلت لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي -صلي الله عليه وسلم- وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي -صلي الله عليه وسلم- قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ قَالَ: “فَمَا قُلْتِ لَهُ؟”، قالت: قلت له: كذا وكذا، قَالَ: “لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ – أَهْلَ السَّفِينَةِ – هِجْرَتَانِ“، قالت: فلقد رأيت أبا موسى الأشعري وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي -صلي الله عليه وسلم-، قال أبو بُرْدَةَ: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. (انظر:البخاري، المغازي، 360/4230/4231؛ مسلم، فضائل الصحابة 169)

[1]         انظر: الواقدي، جـ1، ص315-316؛ دياربكري، جـ 1، ص 444)