لغز الموت

يحكي محمد بن كعب القرظي فيقول:«لقيت عمر بن عبد العزيز بالمدينة في شبابه وجماله ونضارته قال: فلما استخلف قدمت عليه فاستأذنت عليه فأذن لي فجعلت أحد النظر إليه فقال لي: يا ابن كعب مالي أراك تحد النظر؟ قلت: يا أمير المؤمنين لما أرى من تغير لونك ونحول جسمك ونفار شعرك فقال: يا ابن كعب فكيف لو رأيتني بعد ثلاث في قبري وقد انتزع النمل مقلتي وسالتا على خدي و ابتدر منخراي وفمي صديدا لكنت لي أشد إنكارا، دع ذاك أعد علي حديث ابن عباس عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-” (الحاكم، 4، 300، رقم: 7706)

فالإنسان يجب عليه أن يفكر في آخرته أكثر من أي شيء: كيف ستكون خاتمته؟ ماذا سيقابل في حياة القبر؟ وفي أي مقام سيكون في الآخرة؟ وهذه هي أهم الغيبيات والمجاهيل لكل إنسان. أي على الإنسان أن يصرف جهده طوال عمره من أجل أن يستطيع أن يحيط بسر المغامرة التي بين القماط[1] والتابوت، وبحكمة المجيء إلى هذه الدنيا، وحكمة العبور منها إلى الآخرة. وعلى الإنسان أن يسعى لحل هذا اللغز والوصول إلى الخلاص الأبدي.

فالإنسان عليه أن يفكر قبل أي شيء في فنائه؛ لأن ذلك الأمر هو الحقيقة القاطعة تقول الآية الكريمة:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن، 26)

فذات يوم سيأتي يوم ليس له غد؛ ذلك اليوم هو يوم غامض مجهول بالنسبة لنا جميعاً ! يقول الحق -عز وجل-:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ (ق، 19 – 20)

إن كل فرد قد دخل إلى هذه الدنيا من باب معين أي من رحم الأم. ويعيش حياته في الدنيا التي هي مكان سباق ومنافسة عسير شديد مملوء بالأحاسيس والتصرفات الشهوانية والروحية. وبعد العبور من ذلك الممر ينتقل في النهاية إلى العالم الأبدي من باب القبر.

وهكذا فإن الدنيا منزل له بابان يدخل الناس من باب ويخرجون من الباب الآخر وذلك من لدن سيدنا آدم -عليه السلام- إلى يومنا الحاضر. حسناً فأين هم الآن؟ وأين سنكون نحن بعد مدة من الزمن؟ لا نعلم. ولكن المؤكد والمقطوع به هنا أن الموت سيحل بالظالمين والمظلومين، والعابدين والفاسقين. والآن فالكل ينتظر القيامة التي ستكون بداية الحياة الأبدية.

وهكذا فلو فكرنا برهة في أن الأرض التي ندوس عليها ونعبرها قد امتلأت بأجساد مليارات البشر الذين ماتوا وتحولوا إلى تراب. كأنها مليارات الظلال المتشابكة والمتداخلة وأننا غداً سندفن مع أعمالنا في حضن ذلك التراب أيضاً وسوف نتلاشى داخل هذه الظلال الكثيفة. وبعد ذلك ستبدأ الرحلة إلى حياة أبدية وخلود لا ينتهي. وفي تلك الحال علينا أن نقف لحظة ونفكر في عظم الفائدة التي سيجنيها العقل إذا ما استبدل اللحظة الآتية بالخلود الدائم الذي لا ينقطع.

إن ربنا -عز وجل- يخبرنا بأن الحياة الدنيا قصيرة للغاية قياساً بالحياة الأبدية فيقول في كتابه العزيز:﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعات، 46)

وكيف نظر الشاعر (التركي عاشق پاشا) إلى مجمل الحياة الدنيا وأوضح هذه الحقيقة ولخص هذا الأمر فقال:

عمرنا قصير كطرفة عين

لم نشعر به حين جاء وحين انقضى كأنه طائر حلَّ وارتحل

وإذا كان العمر قصير كتلك الحال فهل يمكن أن نجد حماقة أكبر ممن يفني عمره في ما لا يفيد؟

التفكر في الموت

لقد أمرنا رسول الله-صلي الله عليه وسلم- أن نذكر الموت كثيراً فقال:

أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ” (الترمذي، الزهد، 4)

“يَا عَجَبُ، كُلُّ الْعَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ الْحَيَوَانِ وَهُوَ يَسْعَى لِدَارِ الْغُرُورِ” (البيهقي، شعب الإيمان، 7، 348، رقم: 10539)

فالإنسان عندما يفكر أن علاقته بالدنيا ستنقطع، وأنه سيبقى وحده مع عمله إن كان خيراً أو شرّاً. وأنه سيرى ما قدم من أعمال فإنه سوف يبتعد عن المعاصي والذنوب. ويرغب أكثر في الأعمال الصالحة، أي يجعل التفكير في الموت والإحساس به وسيلة للاستقامة في الحياة وتجميل الآخرة. لذلك نجد رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يقول في حديثه الشريف:

أكثروا ذكر الموت، فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا. فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم” ‏(السيوطي، الجامع الصغير، جـ1، 47)

وفي نفس السياق فإن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يحثنا على التفكير في الموت فيقول:

قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ” (الترمذي، الجنائز، 60)

ويقول عليه الصلاة والسلام:

اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ“‏‏

قالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ‏.‏ قَالَ:

لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاء‏” ‏(الترمذي، القيامة، 24)

وقال -صلي الله عليه وسلم-:

أكثروا ذكر الموت، فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيى الله قلبه، وهون عليه الموت” ‏(الهيثمي، الزوائد، جـ10، 325)

“…فمن تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله” (الهيثمي، مجمع الزوائد، 10، 325)

وجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ ِ-صلي الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ:

‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ‏:

أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً“‏.‏

قَالَ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ ‏:

أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا. أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ” (ابن ماجه، الزهد، 31)‏

تفكر الصحابة الكرام في الموت

خطب أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ذات يوم فقال:

“أَيْنَ الْوَضَاءَةُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمُ الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ، أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحِيطَانِ، أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطُونَ الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ؟ قَدْ تَضَعْضَعَ أَرْكَانُهُمْ، حِينَ أُضْنِيَ بِهِمُ الدَّهْرِ، وَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ الْوَحَا الْوَحَا، ثُمَّ النَّجَا النَّجَا” (البيهقي، شعب الإيمان، 7، 364، رقم: 10595)

وتحكي السيدة عائشة -رضي الله عنها- فتقول:

«ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

“ما لكِ يا عائشة”

قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

“أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الكتب حتى يقال: «هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه، أم في شماله، أو من وراء ظهره. وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتان كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا” (الحاكم، المستدرك، جـ4، ص 226، 8722)

وقال أسيد بن حضير -رضي الله عنه-: «لو أني أكون كما أكون محل حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين اقرأ القرآن وحين أسمعه، وإذا سمعت خطبة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وإذا شهدت جنازة. فما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي سوى ما هو مفعول بها وما هي صائرة إليه» (أحمد، جـ4، ص 153؛ الحاكم، المستدرك، جـ3، ص 623، 5260)

فوائد التفكر في الموت

يقول الحديث الشريف:

“كفى بالموت واعظاً” (الهيثمي، مجموع الزوائد، 10، 308)

أي أن الموت به دروس وعبر كثيرة للغاية لمن يفكر ويعتبر. وأس الأمراض المعنوية هو حب عوارض الدنيا الزائلة كالمال، والمكانة والمنصب، واللذات الشهوانية وارتباط القلب بهذه الأشياء. وحب الدنيا يؤدي بالإنسان إلى الحسد والكبر والرياء والطمع. ولعل التفكر في الموت والقبر وأحوال الآخرة هو أحد أنجع الأدوية للوقاية من هذه الأخلاق السيئة والأمراض المعنوية.

والغاية الأساسية للتصوف هي حماية الإنسان من الكبر الذي يصيب النفس وإخراج حب الدنيا من القلب. ولهذا السبب أصبح التفكر في الموت أصلاً وأساساً يُحرص عليه بجدًّ في كثيرٍ من الطرق الصوفية لتحقيق هذا الغرض والقصد. فكانت أوراد المريد اليومية تشتمل على التفكر في الموت لخمس أو عشر دقائق.

وفي عهد الدولة العثمانية كانت المقابر تقام داخل المدن على جانبي الطرق وفي ساحات المساجد، وذلك من أجل تسهيل التفكير في الموت وتذكره.

فتذكر الموت مراراً، وتحييد الرغبات الشهوانية، والإستعداد للآخرة يحفظ الفرد ويحميه من الندم الذي يحرق القلب عند النفس الأخير. وقد أخبرنا الحق -عز وجل- عن الندم العميق الذي يشعر به الإنسان عند الإنتباه وعندما يَصْحو من غفلة الدنيا لحظة الموت فقال:

﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون، 10)

وهكذا يجب علينا التيقظ والإنتباه في كل وقت والإستعداد بكل جد للحياة الآخرة التي هي الحياة الخالدة الأبدية حتى لا نعيش هذا الندم المرير وتلك الحسرة المفجعة.

وقد رأى الحسن البصري شيخاً في جنازة فلما فرغ من الدفن، قال له الحسن:

«يا شيخ، أسألك بربك: أتظن أن هذا الميت يود أن يرد إلى الدنيا فيتزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة، فقال الشيخ اللهم نعم، فقال الحسن: فما بالنا لا نكون كهذا الميت، ثم انصرف وهو يقول: أي موعظة؟ ما أنفعها لو كان بالقلوب حياة؟ ولكن لا حياة لمن تنادي» (الزهد للحسن البصري، ص20)

ورُوي عن الحسن البصري أيضاً أنه قال:

«يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهم قط: ليلة تبيت مع أهل القبور، ولم تبت ليلة قبلها، وليلة صبيحتها يوم القيامة. ويوم يأتيك البشير من الله تعالى؛ إما بالجنة أو النار. ويوم تُعطى كتابك بيمينك وإما بشمالك» (أبو الفرج بن عبد الرحمن، أهوال القبور، ص 154)

إن الموت أعظم بلاء وأشد امتحان للإنسان. ولكن الأسوء من ذلك والأعظم بلاءً أن تعيش دون ذكر الموت، وأن تبتعد عن التفكير فيه، وأن لا تستطيع أن تقوم بالأعمال التي ترضي الله تعالى وتليق به. أما الإنسان العاقل فهو الذي يستعد للموت قبل أن يموت ويطهر نفسه من الأخلاق والرذائل القبيحة السيئة.

يقول الشيخ سعدي شيرازي:

«يا أخي ستصير ترابًا في النهاية ! فكن متواضعًا مثل التراب قبل أن تصير ترابًا !»

وقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال:

«حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ. وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا» (الترمذي، القيامة، 25/ 2459)

وعندما يُدفن جسدنا الفاني في القبر يَبْقَى أولادنا وأموالنا على الأرض فيرجعون. ونحن سُندفن في باطن الأرض مع أعمالنا فقط. وفيها تصير أجسامنا مع أكفاننا ترابًا، وما يَبْقَى معنا فقط هو عملنا الصالح.

يقول الإمام الغزالي: (لا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات: صفاء القلب أعني
طهارته من أدناس الدنيا يقول تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس، 9)

وأنسه بذكر الله يقول تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ (الرعد، 28)

وحبه لله -عز وجل- يقول تعالى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران، 31)

وصفاء القلب وطهارته لا يحصلان إلا بالكف عن شهوات الدنيا والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله تعالى والمواظبة عليه والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ولا تحصل معرفة الله إلا بدوام الفكر وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت) (أنظر: إحياء علوم الدين، 3، 387)

ولو أن إنساناً يعد العدة اللازمة للقبر فعليه أن يبدأ بتجميل الموت. وهذا الشخص فقط هو الذي لا يخشى الموت، ولا يخاف منه. فكما يقول بشر بن الحارث -رضي الله عنه-:

“نِعْمَ المنزل القبر لمن أطاع الله” (أبو الفرج عبد الرحمن، أهوال القبور، ص 155)

وما أجمل قول مولانا جلال الدين الذي يقول: “بني! إن موت كل شخص بحسب ما يحب، وباللون الذي يريد. فالموت يبدو كعدو رهيب لمن يعادون الموت وينفرون منه ويكرهونه دون أن يفكروا في أنه هو الوسيلة التي توصل الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى. والموت يبدو أيضًا كصديق أمام من يصادقون ويحبون الموت”.

“أيها الحبيب الذي يخاف الموت ويخشاه! لو أردت القول الفصل وحقيقة الأمر فأنت لاتخشى الموت في الحقيقة؛ بل تخاف من نفسك أنت”.

“لأن الذي تراه وتخاف منه في مرآة الموت ليس هو وجه الموت،بل هو وجهك أنت القبيح. فروحك تشبه شجرة. أما الموت فهو ورقة في تلك الشجرة. وكل ورقة تبدو من جنس الشجرة”

والحاصل أن موتنا وحياتنا في القبر التي ستستمر حتى يوم القيامة تتشكل تبعًا لأعمالنا وحالنا في الدنيا.

ومن أجل ذلك فإن الله تعالى قد أوضح لنا في آيات كثيرة جدّاً أحوال الدنيا والآخرة. ويريد منا أن نفكر أن الدنيا مصيرها الزوال، وأنها ذات يوم ستفنى وتنتهي، وأنه يجب علينا أن نبتعد عن الإنخداع والإغترار بالدنيا. ويأمرنا بأن نفكر أن الآخرة تدنو منا يومًا بعد يوم وأن الآخرة هي الباقية وعلينا أن نرغب فيها ونميل إليها.

ولهذا السبب فعلى العبد قبل أن يموت أن يتخلى عن الذنوب كلها بالتوبة النصوح، وأن يتلافى النقص في طاعته لأوامر الله تعالى والإمتناع عن نواهيه. مرة أخرى يجب إعادة الحقوق لأصحابها المظلومين حقّاً حقاً. أي يجب طلب السماح والغفران من الأشخاص الذين شتمناهم وافترينا عليهم واغتبناهم باللسان، أو ضربناهم باليدان، أو أَسَأْنا فيهم الظن بالجَنان. ويجب علينا أن نتطهر من هذه الحقوق والديون التي علينا قبل الموت.

والإنسان الغافل يمكن أن يفرح في الدنيا عندما يأكل حقوق الآخرين، ويمكن أن يعتقد أن السعادة في هذا الإنحطاط، ولكن غداً عندما تنصب موازين العدل سيشعر بالندم ويعض على أنامله عندما يقال له:

“أنت حقير، أنت عاجز، أنت فقير مفلس. فضلاً عن ذلك فلن تستطيع أن تعيد أيّاً من الحقوق هنا. ولن يقبل اعتذارك لأي أَحدٍ هنا”.

فذلك الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عندما حان أجله رأى غسَّالاً يلوي ثوباً بيده قال:

“ليتني كنت غسّالاً آكل من كسب يدي يوماً بيوم ولم ألِ من أمر الدنيا شيئا” (الإمام الغزالي، الإحياء، 4، 114)

ومع التفكير الدائم في الموت والإستعداد له يجب علينا ألا نقنط من رحمة الله تعالى في أي وقت.

فقد روى عن عقبة البزار أنه قال:

«رأى أعرابي جنازة فأقبل يقول هنيئاً يا صاحبها.

فقلت علام تهنئه؟!

قال: كيف لا أهنئ من يُذهب به إلى حبس جواد كريم، نزله عظيم، عفوه جسيم،

قال: كأني لم أسمع القول إلا تلك الساعة» (أبو الفرج، أهوال القبور، ص 155)

[1]         القماط: ثياب المولود الجديد أو اللّفة التي يلف فيه المولود المرجع د.آدم أقين