غاية التصوف

«أن تكون عبدًا لله تعالى على أرقى حال»؛ ذلك هو دستور التصوف وغايته وهدفه الذي يسعى إليه، وضعها المتصوفة نصب أعينهم طَوَال الطريق، ووضعها الأولياء نبراسًا هاديًا تسعى حوله آمالهم وقلوبهم، وقبل ذلك كله وضعها الأنبياء – عليهم السلام – مَعْلمًا رئيسًا جامعًا لكافة الرسالات والنبوات والأديان.

تلك هي غاية التصوف؛ بل غاية الغايات فيه، الفوز برضا الله -عز وجل- عندما نأتيه بقلبٍ سليم نجا من علائق أمراض الدنيا، وتخلص من شوائب الذنوب والمعاصي، وسار على النهج النبوي متبعًا أوامر الشرع ونواهيه، متخلقًا بخلق رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ممتثلاً أوامر القرآن؛ يحيا بالعبادات ويحلِّق بها في أفق الإحسان، ولا يهوي بها إلى قاع العادات، فتسمو الروح، ويَطهُر القلب.

فإذا غابت هذه الغاية، أو لفها شيء من الضباب، اختلَّت الموازين، وانعكست نتيجةُ المعادلة -رغم وجود الإنسان عنصرًا رئيسًا فيها- تلك هي حقائق التاريخ والواقع الذي حدثتنا عنه آيات القرآن الكريم، فالإنسان ذلك المخلوق الراقي الذي اصطفاه الله تعالى وميزه على كل مخلوقاته حتى على الملائكة، وارتقى -بعبوديته- إلى أعلى درجات الكمال، هو نفسه ذلك الإنسان الذي ارتكس بنفسه في وهاد الطين بعدما كان في عليين؛ حتى وصل إلى درجة {أولئك كالأنعام بل هم أضل} رغم أنه كان في الأصل مخلوقًا {في أحسن تقويم}، ذلك أنه تخلى عن المعيار الأساسي الذي به يُقَوَّم عمله، وافتقد التركيبة الأساسية التي تحول ذلك الطين إلى نور، وتحول ذلك التراب إلى جوهر، إنه الإيمان الذي تتبعه الأخلاق.

ولم تكن مهمة الأنبياء إلا تزكية الأنفس حتى يصل الناس إلى الإيمان، وتتحلى أنفسهم بالأخلاق.

كذلك كانت مهمة الأولياء الذين واصلوا تلقي العلوم القلبية من لدن المنبع النبوي النوراني الفياض، ليواصلوا ما هم موكلون به من الهدي المحمدي.

وهكذا؛ كان الارتباط الدائم بنهج المصطفى -صلي الله عليه وسلم- والسير الدائم على أثره، والاستمداد الذي لا ينقطع من ينبوعه هو ديدن هؤلاء المتصوفة السالكين في كل حركاتهم وسكناتهم، وأحوالهم ظاهرًا وباطنًا، وديدن أولياء الله الذين تعاهدوا هؤلاء بالتربية في طريق الهدي النبوي؛ حتى صدق فيهم الحديث الشريف:

«العلماء ورثة الأنبياء»[1] .

وبناءً على ذلك يمكننا القول: إن النضج المعنوي هو ما أراد النبي -صلي الله عليه وسلم- تحقيقه في قلوب وسلوك المؤمنين، وهو أيضًا غاية التصوف، الذي يدعو الناس إلى الإيمان، والتخلي عن دنس الدنيا، والتحلي بمحاسن الأخلاق، فيشمل النضج المعنوي الظاهر والباطن.

يقول الله تعالى في الحديث القدسي:

«إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلَّا السَّخَاء وحُسْنُ الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه»[2]

والتصوف من هذه الناحية هو إيصال المؤمن إلى حالة التلذُّذ بالأخلاق الحميدة السامية، مثل الرحمة، والرأفة، والكرم، والعفو، والشكر.

إن النموذج الأسمى الذي يتأسى به أهل التصوف، والشمس التي تنير دربهم، والكوكب الذي يدورون في فلكه، وسفينة النجاة التي يتعلقون بها لتنقذهم من أرض الطوفان، وتوصلهم إلى أرض الإحسان؛ هي الحياة كما عاشها النبي -صلي الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- والتي وضع بنيانها القرآن الكريم، ونقلت لنا دقائقها السنةُ النبوية المطهرة، ثم يأتي الصالحون الذين عاشوا على هذا المنهج، وذاقوا لذة الحياة في ظلاله، فانتقلت إليهم الفيوضات القلبية إلهامًا وكشفًا ووجدًا، فنقلوا هذه الانعكاسات المعنوية إلى من حولهم من أرباب التصوف، ليحيا الجميع هذه الأحوال الرائعة في ظل سيرة المصطفى وصحبه الكرام، وتلك هي الغاية العظمى للتصوف وأهله.

وثمة وجه آخر لغاية التصوف، هي مدُّ يد العون والمساعدة لأولئك السائرين في طريق الزهد، الذين يحملون المؤهلات القلبية والإيمانية التي تدفعهم في طريق الكمال، الطريق الذي يجد الإنسان فيه نفسه، ويجد فيه كمال إنسانيته بكمال عبوديته، ويعرف ربَّه حقَّ المعرفة بعد أن يعرف إمكاناتِه وطاقاتِه معرفةً تمكنه من استثمار هذه الطاقات، وتسخير هذه الإمكانات ليصل في المجاهدة إلى أعلى الغايات، ويرتقي أسمى الدرجات إلى جوار الحق سبحانه بعد أن ينتصر على نفسه، فيخمد نيران شهواتها ويعالج روحه من آفاتها.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب، 72)

هذا الإنسان الظلوم لنفسه، الجهول بالعلوم القلبية والظاهرية، يريد التصوفُ أن ينقذه من «ظلمه» لنفسه وللناس، ومن الجهل بعلوم الظاهر والباطن، كي ينال الكمالات الأخلاقية والإيمانية ويصير أهلًا لحمل الأمانة، ويصبح إنسانًا كاملاً.

وفي هذا الباب يقول الإمام الغزالي ~:

«ورثة الأنبياء هم من يملكون علوم الظاهر والباطن»؛ أي: العلوم العقلية والقلبية؛ العامة والخاصة.

ولا ينفصل العلم عن الأخلاق، ولا السلوك عن الصفات، فخلاص الإنسان يبدأ بتطهير نفسه من سوء صفاته، وانحراف سلوكه، ثم تتحول هذه الصفات إلى الأجمل، وتتبدل هذه السلوكيات إلى الأفضل، ويرتبط العلم بالأخلاق، ويندمج السلوك في الأدب، ويتشرب العمل خلقًا، ويتشبع السلوك أدبًا، فيتحول العلم إلى «العرفان»، وتصير الأخلاق واقعًا يُعاش، ويصير العلم أركانًا تُبنى عليها صروح الخُلُق.

وقد أفصحت آيات القرآن عن أولئك النفر القليل العظيم الذين حققوا هذه الغاية، ووصلوا إلى الكمال الإيماني، والتكامل العلمي الخلقي، فقال الله تعالى:

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس، 62-63)

ذلك الإيمان، وتلك التقوى هما سر الوصول والحصول: الوصول إلى الله، والحصول على فيوضات الله.

فالإيمان عندما يسكن القلبَ ينفي عنه خبث المعتقدات الباطلة كلها، ويقربه من الحق سبحانه، والتقوى حين تجد طريقها إلى سلوك العبد تطهر قلبه من كل الأغيار، حتى لا يبقى فيه سوى الله سبحانه، وهكذا يصبح قلب ذلك العبد محل نظر الله تعالى، وموضع تجلي أسراره وحِكَمه.

[1]   انظر: البخاري، العلم، 10؛ أبو داود، العلم، 1.

[2]   البيهقي، شعب الإيمان، جـ 13، ص. 301؛ الهيثمي، جـ8، 20؛ علي المتقي، الكنز، جـ6، 392.