علاقة التصوف بالعلوم الأخرى

خلق الله تعالى في فطرة الإنسان ميلاً طبيعيًا إلى المعرفة، ورغبةً في الاطلاع، مع فضولٍ يدفعه إلى البحث؛ هذه الدوافع تطورت مع الإنسان طوال وجوده وتفاعله مع الحياة، فتطورت العلوم والمعارف، حتى صارت هذه العلوم بشُعَبِها وفروعها شبكةً ممتدةً تتلاقى خيوطُها في نقاطٍ مشتركة مع العلوم التي تنبع من أصل واحد، وتعتمد على حقائق واحدة رغم تباين طرق البحث، ورغم البون الشاسع بين ما هو فيزيائي، وما هو فلسفي أو ديني أو فني.

لكنها في النهاية تصُبُّ في بوتقة التصوف إذا بُحثت بمنظور «الحكمة»، وهو ما نحاول تجليته في الصفحات الآتية، حيث سنحلل علاقة التصوف بالعلوم الأخرى في الأقسام الخمسة على الوجه الآتي:

  1. التصوف والعلوم الإسلامية الأخرى (علم الكلام – التفسير – الحديث والسيرة – الفقه).
  2. التصوف والعلوم الطبيعية.
  3. التصوف والأدب.
  4. التصوف والفنون الجميلة (الموسيقى- العمارة- الخط).
  5. التصوف والفلسفة.
  6. التصوف والعلوم الإسلامية الأخرى.

غاية خلق الله للإنسان، وأساليب تحقيق هذه الغاية قد فصَّلها الدين ويسَّرها، وعلوم الدين التي نشأت وتنامت في رحاب الدين إنما تطورت لأجل توضيح هذه الغاية، فغاية خلق الإنسان وغاية الدين هي العبادة، والعبادة في معناها الإسلامي الشامل تشمل واجبات المسلم تجاه ربه -عز وجل-، وتجاه مخلوقات ربه، وتجاه كتاب ربه المسطور (القرآن)، وتجاه كتاب ربه المنظور (الكون)، والتصوف هو روح هذه العبادات، وهو القلب الذي يؤديها، والبصيرة التي تدركها، والفهم الراقي الذي يحصِّل معانيها فيحسن أداءها، وهو القواعد الحسية والمعنوية التي تعطي الروح والحياة للقواعد الأكاديمية الجافة لهذه العلوم، سواء كانت علومًا دينية أو علومًا دنيوية، وكلها في النهاية علوم للإنسان ولخدمة الإنسان ولهدايته في درب الحق للوصول إلى الحق.

والعبادات -على سبيل المثال- ليست مجرد حركات تؤدَّى، ولا ألفاظًا محفوظة، ولا عادات روتينية فحسب، إنما هي عبادات غايتها الخشوع، ووسيلتها الخشوع، وروحها الخشوع، وهذا الجانب القلبي الأصلي فيها أكدته آيات القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا.

حتى الإيمانُ نفسُه من شروطه التصديقُ بالقلب والإقرار بالجوارح بعد الإقرار باللسان، والتصوف هو الذي يهتم بذلك التواصل ما بين الجانبين الظاهري والباطني من أعمال العبادات.

ولا سبيل إلى تحصيل حقيقة العلوم الظاهرية دون الاعتماد على المشاعر القلبية بالتوازي مع القواعد والأساليب العقلانية، فالعلم الذي يفتقد الخشوع -كجسد فاقد للروح- علم لا فائدة تُرجى منه، فها هم علماء بني إسرائيل حصَّلوا علمًا جمًّا، لكنه لم يتجاوز عقولهم إلى مشاعرهم ولا إلى قلوبهم، فكانوا كما قال الله تعالى:

{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} (الجمعة،5)

وقبل أن نورد تفاصيل علاقة التصوف بفروع العلوم الإسلامية، نؤكد على حقيقة أن سبب الجدل الذي يقع أحيانًا بين التصوف والعلم إنما هو لخلل في التواصل بين الجانبين، فإذا تم إصلاح هذا الخلل وجدنا الجانبين في تناغم وتواصل، يكمل أحدهما الآخر.

أ. التصوف وعلم الكلام

من نافلة القول أن نذكر تعريف علم الكلام، وهو العلم الذي يتحدث عن ذات الله تعالى وصفاته ووحدانيته، وهو من أعلى العلوم كَعْبًا وأشرفها قَدْرًا، لدوره في إثبات العقائد ومواجهة شبهات المشككين ودحض أباطيلهم، وإقناع الناس -باستخدام المنهج العقلي- بالإسلام وحقائقه.

بينما يعتمد التصوف المنهج القلبي في معرفة الله تعالى وتعريف الناس به وبصفاته وكمالاته -عز وجل-.

وثمة تلاقٍ بين علم الكلام والفلسفة في المنهج العقلي إثباتًا للحق ودحضًا للباطل، لكن علم الكلام منضبط بضوابط الشرع، مبنية قواعده على القرآن والسنة، يزاوج بين «العقل» و«النص».

فالعقل يثبت الحقيقة بمنطق السبب والمسبب، أو بمنطق الأعرابي:

«البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، وسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير».

فإذا كان العقل والمنطق يكفيان في إثبات كثير من الحقائق في عالم الشهادة، فثمة مواضع وحقائق لا يكفي فيها المنطق، ولا يقدر عليها العقل وحده، وهو ما يجعلنا في حاجة دائمة وماسة إلى القلب والمشاعر في إدراك وإثبات ما يعجز عنه العقل، مما يجعل للتصوف اليد العليا في الوصول إلى أدلة قاطعة عقلية وقلبية، بأساليب الإلهام والكشف، والتجليات المنضبطة بحدود القرآن والسنة.

وليس ثمة تعارض بين التصوف وعلم الكلام؛ بل تكامل وترابط، فعلماء الكلام- كما أسلفنا- ليسوا فلاسفة في اعتماد العقل وحده، بل يمزجون العقل بالنص، والشريعة بالحقيقة.

وتُحدثنا حوادث التاريخ عن كثيرٍ من علماء الكلام الذين اعتمدوا أفكار الصوفية وآراءهم منهاجًا وواقعًا، فعلم الكلام يرتقي بالذهن والحواس إلى درجة من النضج تلبي جزءًا لا يستهان به من حاجات الإنسان.

ويأتي ذلك التكامل بين التصوف وعلم الكلام من جهة أن العقل له قدرات محدودة، لاسيما فيما يتعلق بالعلوم الباطنة والغيبيات وما وراء الطبيعة، وعالم الملكوت، فيقف العقل والذهن عند حدوده، ولا يستطيع تجاوزها، وهنا يأتي دور التصوف ودور القلب عبر وسائله الخارقة للطبيعة في المعرفة مثل الكشف والإلهام، والسوانح القلبية والتجلي.

ليس ذلك فقط، فحتى الإدراكات العقلية والذهنية لابد أن تمر بالأحاسيس والمشاعر حتى تدرك كنهها وتصل إلى حقيقتها.

وما يمكِّن القلب من الوصول إلى درجة مناسبة من الإدراك والكشف هو ذكر الله تعالى، وبهذا الذكر يقود التصوف كل الناس – على اختلاف قدراتهم العقلية – إلى الإيمان المطلق بوجود الله تعالى ووحدانيته.

ويبيِّن فخرُ الدين الرازي   -أحدُ أشهر المفسرين وعلماء الكلام- هذه الحقيقة قائلًا:

«مهما بدت طرق علم الكلام غير كافية للوصول إلى الحقيقة، فإنها تبقى الخطوة الأولى المهمة للعبور إلى التصوف، فلا يصل المرء إلى درجة الكمال إلا بعد انتقاله من العلوم الشرعية التي تستند إلى الظاهر، إلى العلوم الباطنية التي تستند إلى معرفة حقائق الأحاديث»[1].

ب. التصوف والتفسير

إذا كان موضوع علم التفسير هو الإعراب عن المعاني العميقة المركوزة في آيات القرآن الكريم، وإظهار حقائقه ودقائقه، فإن التفسير بذلك يصبح من أهم وسائل التصوف ومن أنجع أدويته وعلاجاته، فالقرآن هو المصدر الأساسي للتصوف.

وهدف التصوف هو نفسه هدف القرآن في الرقي بالشعور الإنساني إلى درجة الإيمان، والوصول بالإيمان إلى درجة الإحسان، وتحلية المؤمن في ظاهره وباطنه وسلوكه بصفات الكمال، وإكساب أحاسيسه ومشاعره وقلبه وعباداته ومعاملاته مَلَكة المراقبة الإلهية، والعيش الدائم بذكر الله تعالى.

هذا الذكر الذي هو القرآن، جعله المتصوفة دينهم وديدنهم، وقطب دائرة وجودهم، ليلاً ونهارًا، وفي السحر، تلاوة وتفكرًا وتدبرًا؛ هو وِردهم اللساني والعقلي والقلبي. وهم بذلك يعيشون بالقرآن، ويعيشون للقرآن، ويصير القرآن محورَ حياتهم، هؤلاء هم المتصوفون حقًا، الذين ساروا بالقرآن سيرة النبي الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض.

***

لقد كانت مساهمات أهل التصوف في علم التفسير مساهماتٍ ذاتَ أثر جليل، فقد انتقلوا بهذا العلم نقلة نوعية، وعبروا به من حدود المعاني الظاهرة إلى حدود المعاني الباطنة، ومن المعاني اللغوية إلى المعاني الإشارية، ومن قيود اللغة وحروفها إلى رحابة أعماق المعاني والدلالات.

فمن ضيق الأفق أن نقصر معاني القرآن ونحبسها في إسار الحروف اللغوية والكلمات البشرية ذات المعنى المحدود، فهذه الآيات الإلهية تحتاج إلى طور فوق أطوار العقل لندرك عالمها ورحابة آفاقها؛ لكن ينبغي التنبيه هنا إلى أن هذا العلم -علم التفسير الإشاري- له أيضًا نُظُمه، وثمة أمور لابد من مراعاتها عند تقديم المعنى الإشاري لآيات القرآن الكريم، لعل أهمها أمور ثلاثة:

  1. عدم التناقض بين المعنى الإشاري والمعنى الظاهري.
  2. أن يكون المعنى الإشاري الجديد مطابقًا للكتاب والسنة.
  3. ألا يخرج المعنى الإشاري عن سياق اللفظ واللغة في الآيات.

ومن أشهر كتب التفسير الإشاري للقرآن الكريم:

–    كتاب «حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمن السلمي.

–    كتاب «لطائف الإشارات» للإمام القشيري.

–    كتاب «روح البيان» لإسماعيل حقي البورصوي.

إضافة إلى مؤلفات أخرى لكبار المتصوفة ثرية بهذا النوع من المعاني اللطيفة للتفسير الإشاري؛ مثل: كتب ابن عربي، ومولانا جلال الدين الرومي.

وفي الحقيقة، كما أن إدراك ذات الله تعالى وصفاته ضرب من المستحيل، فكذلك إدراك كل مرامي كلام الله غير ممكن عبر الألفاظ البشرية، حتى بالمعاني الإشارية، وكل الذي يمكننا فهمه ونقله هو مجرد حبة رمل من جبل، وقطرة من محيط، وتُعبِّر هذه الآية الكريمة عن هذه الحقيقة أجمل تعبير:

{وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان، 27)

ويبيِّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن كلامه أعلى وأعمق من كلام البشر، وأن علمه لا حدَّ له، وذلك كي يسعى الناس جاهدين لفهم معاني القرآن الكثيرة، ولتنفتح لهم آفاق رحيبة في الفهم والتصوف، والغوص في المعاني والدلالات، وقد قال سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- عن بعض خصائص القرآن الكريم:

«ولا تنقضي عجائبه» (الترمذي، فضائل القرآن، 14)

ويقول مولانا جلال الدين الرومي في معنى الآية:

«من الممكن كتابة ظاهر القرآن الكريم بأُوقية من الحبر، ولكن ليس في الكون شيء يكفي لتوضيح أسراره، حتى لو صارت البحار كلها حبرًا والأشجار كلها أقلامًا».

لقد أوضحت هذه الآية، وكذلك هذا الحديث حقائقَ هائلة، فقد حفل القرآن الكريم بحقائق ومعانٍ لا حصر لها، ثم تناولها بكلمات شديدة الاختصار، أو إشارات عميقة اللطف. إنَّ كلماتِ القرآن وحروفَه هي مجرد بذور تحمل في أعماقها عوالم أخرى لا متناهية من الحيوات والعوالم والثمار والفروع، وهي تحتاج إلى قلب سليم خِصْبٍ يستطيع أن يُنمِّي هذه البذور.

ولو أن هذه الحقائق كُتبت بشيء من التفصيل أو التوضيح في القرآن لاحتاج ذلك إلى عدد لا يحصى من المجلدات، لكن اللبيب تكفيه الإشارة.

هذه الإشارة هي ما قصده أهل العلم عندما عددوا صفات وشروط العلوم اللازمة التي يجب توافرها فيمن يتصدى للتفسير، وأهمها «العلم الوهبي» أو الموهبة والقدرة الخاصة التي لا تتوافر لأي عالم، فقط توجد لدى العلماء الربانيين، الأتقياء الأنقياء الأولياء، أو بمعنى آخر العلماء العاملين.

ويشير قول عيسى بن مريم -عليه السلام- إلى هذه الحقيقة: «من عمل بما يعلم ورَّثه الله علم ما لم يعلم». (أبو نعيم، الحلية، جـ10، 15)

وهذا يعني أنه طالما ثمة أمراض قلبية، مثل الكبر والغرور والحسد وحب الدنيا، تمنع من فهم آيات الله تعالى، ولم تُعالج بالتطهير والتربية الصوفية، فلا يمكن لأي امرئ أن يأخذ نصيبه من أسرار القرآن الكريم، وتوضح الآية الكريمة هذا الأمر بصراحة جلية:

{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الأعراف، 146)

أي إنه لا ينال أسرار القرآن الكريم إلا من تربى على أخلاق القرآن.

 ت. التصوف وعلم الحديث والسيرة

علم الحديث هو العلم الذي يبحث في أقوال النبي -صلي الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية، وأخلاقه الحميدة.

ويتخذ التصوف -مثل العلوم الإسلامية الأخرى- الحديثَ النبوي المصدر الثاني له بعد القرآن الكريم، والأحاديثُ الشريفةُ مصدرٌ شديد الثراء، فهو يشرح حياة سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- بكل ما فيها من أبعاد مادية ومعنوية، وقد لعبت دورًا حاسمًا في تكوين التصوف وتطوّره، فالأحاديث الشريفة التي تناولت الأمور القلبية مثل الزهد، والورع، والإحسان، والتواضع، والإيثار، والصبر، والشكر، والتوكل، هي الأساس والمنطلق لأفكار أهل التصوف ومفاهيمهم.

إن أحاديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- وتصرفاته المتعلقة بحياته الروحانية في المسائل التي تتعلق بالتصوف، قد قاربَت بين التصوف وعلم الحديث بحيث وصلا إلى حالة من التماهي يصعب الفصل بينهما.

وقد وضَّحنا في العلاقة بين التصوف وعلم التفسير أن غاية أهل التصوف هي التقرب إلى الله تعالى والحياة مع القرآن الكريم، ولأن أهل التصوف يعرفون حق المعرفة أن الوصول إلى محبة الله تعالى تتحقق بالسير على خطى الحبيب محمد -صلي الله عليه وسلم-، فقد جعلوا اتِّباعه في كل أمر شعارًا لهم، والسيرَ على منهاجه سبيلَ نجاتهم ووصولهم، وبذلك عاشوا السُّنَّة وحققوا معانيها وحصَّلوا كنوزها.

ويلخِّص الشيخ نقشبند طريقته بأنها على نهج السنة النبوية الشريفة وعلى نهج أصحابه من بعده[2]، فهو يقول: «إن كل ما حصلنا عليه بلطف الله (من العلوم الباطنة)، كان حصيلة العمل بآيات القرآن الكريم وأحاديث سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-، ولكي نحصل على نتيجة هذه الأعمال، لا بُدَّ من مراعاة التقوى والقواعد الشرعية، والعمل بعزيمة وفق مناهج أهل السنة والجماعة وتجنب البدع»[3].

وهذا العمل بمقتضى منهج أهل السنة، وهذا السير على خطى المصطفى -صلي الله عليه وسلم- هو توجيهٌ قرآني بالطاعة والاتباع والاهتداء والتأسي؛ لكنه في البداية يحتاج إلى المحبة، ثم هو يتطلب النماذج الحية الواقعية التي تقرب المعاني القلبية إلى الأفهام البشرية، وهو ما تُمدنا به كتب الحديث والسيرة مددًا لا ينقطع، وكذلك كتب التراجم -سِيَر الصحابة والتابعين والصالحين والأولياء- التي تؤرخ لهذا المدد المستمر، وتُواصِل تتبع امتداد هذه الأخلاق علمًا وعملاً وحياة وواقعًا من لدن الحبيب -صلي الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا. لقد كانت حياته -صلي الله عليه وسلم- هي المعيار في التربية الصوفية التي يرعاها أولياء الله، هذا المعيار هو الدليل الحي والواضح على التطابق المطلق بين المنهاج الصوفي وجوهر المنهاج القرآني والنبوي الشريف.

إن التطبيق العملي الواقعي -من لدن أهل التصوف- للسيرة والسنة النبوية، ونقلها من الجانب النظري إلى الجانب الواقعي، هو من تلك الفضائل التي تعكسها حياة أهل التصوف.

ولنذكر هنا بعض الأمثلة:

قال الشيخ أبو يزيد البسطامي لأحد طلابه: «قم بنا حتى ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية وكان رجلًا مقصودًا مشهورًا بالزهد، فمضوا إليه، فلما خرج من بيته ودخل المسجد، رمى ببصاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدبٍ من آداب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فكيف يكون مأمونًا على ما يدعيه (من أسرار الحق)»[4].

وكان هذا الإمام الرباني معروفًا بشدة اتباعه لسنة الحبيب المصطفى -صلي الله عليه وسلم- في كل حركاته وسكناته، وكان هذا الاتباع وصيتَه لكل من يلقاه أو يربيه، وكان يقول:

«إن السبب الظاهر والخفي لكل ما يمنحنا الله تعالى إياه من فيوضات وألطاف، وكل ما يمنحه سبحانه للبشر من جزاء وثواب إنما هو اتباعُ سنة المصطفى -صلي الله عليه وسلم- والسيرُ على خطاه، فهو سيد الأولين والآخرين، وأسوة البشرية إلى يوم الدين، وأما كل شقاء يلقاه الإنسان فسببه خلل في اتباع السنة، وكذلك أنا فكل توفيقي وسعادتي كان ببركة ذلك التأسي والاتباع، وأذكر أني ذات مرة دخلت الخلاء غافلاً بقدمي اليمنى، فحرمت سائر يومي هذا من صفاء روحي»[5].

هذا الإمام الرباني طلب من أحد مريديه يومًا أن يحضر بعض زهور القرنفل من الحديقة، فجاءه المريد بست زهرات، فبدت علامات الحزن على الإمام، وقال:

«ما فتئ طلابنا غير مكترثين بحديث سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- الذي يقول فيه: «إنَّ الله وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ»[6]، ولذا فمن المستحب أن نطبق هذا الحديث في أمورنا كلها، ماذا يفهم الناس من كلمة مستحب؟ المستحب هو الشيء الذي يحبه الله -عز وجل-، أي إذا ما أُعطيت الدنيا والآخرة كلها للمرء مقابل عملٍ يحبه الله تعالى، فلا قيمة لهذا العطاء مطلقًا، وبما أننا نتَّبع المستحب بهذا القدْر، فإننا نبدأ بخدِّنا الأيمن قبل الأيسر أثناء غسل وجهنا، لأن التيامن مستحب في كل الأعمال»[7].

وكتب الإمام الرباني في إحدى رسائله:

«قد شرفنا الله سبحانه وأمثالنا من المفلسين العاجزين المقعدين بدولة اتباع سيد الأولين والآخرين الذي أبرز كمالاته السمائية والصفاتية في طفيل محبته إلى عرضة الظهور، وجعله أفضل جميع الكائنات عليه من الصلوات أفضلها ومن التسليمات أكملها، ورزقنا الاستقامة عليه، فإن ذرة من هذه المتابعة المرضية أفضل من جميع التلذذات الدنيوية والتنعمات الأخروية بمراتب كثيرة، والفضيلة منوطة بمتابعة سنته، والمزية مربوطة بإتيان شريعته عليه وعلى آله الصلاة والسلام والتحية. والنوم في نصف النهار مثلًا الواقع على وجه هذه المتابعة أفضل من إحياء ألوف من الليالي الواقع على غير وجه المتابعة، وكذلك الإفطار في يوم عيد الفطر الذي أمرت الشريعة به أفضل من صيام أبد الآباد الذي لم يؤخذ من الشريعة، وإعطاء حبل بأمر الشارع أفضل من إنفاق جبل من الذهب من قبل نفسه»[8].

ويقول الشيخ موسى أفندي قدس الله سره:

«إن الارتقاء الحقيقي هو بمعرفة العبد أنه أمام نظر الله وسمعه، وتطبيق السنة المطهرة»[9].

«والحقيقة التي ينبغي لنا الوقوف عليها بقدم راسخة، وإدراكها تمام الإدراك، أن نجاتنا يوم الدين، وأن سعادتنا في عليين، إنما تكمن في اقتدائنا بسنة النبي -صلي الله عليه وسلم- في كل أمرنا، قولاً وفعلاً وعملاً وحركة وسكونًا، وأن يحمل الدم الجاري في عروقنا سنته إلى كل خلايا جسدنا، فنحيا بها، ونحيا لها، ونحيا عليها»[10].

واتباعًا لهذه السنة؛ كان السائرون على طريق الترقي يجمعون الأحاديث للتربية تحت مسمى «كتاب الزهد» حتى قبل أن تقنن مناهج التصوف، وتبرز قواعده كعلم. وكذلك أثرى المتصوفون علمَ الحديث والسيرة بما قدموه من المعاني والإشارات ولطائف الإدراك والاتباع.

كما أن كبار المتصوفة وعلماءهم أثروا علوم الحديث بمؤلفاتهم، مثل:

الحكيم الترمذي، والقشيري، وابن عربي، والكلاباذي..

وثمة علماء متخصصون في الحديث تبنوا المنهج الصوفي في قواعدهم، فها هو الإمام البخاري الذي يُعد صحيحه أصح الكتب المصنفة؛ كان إذا أراد أن يُدوِّن حديثًا في صحائفه، بعد أن يتتبع أسانيده ويتحقق من متنه، نراه يصلي ركعتين حتى يثبت قلبه، ويستكين فؤاده، فيدوِّنه قانعًا مطمئنًا[11].

وها هو الإمام الزاهد المحدِّث الفقيه أحمد بن حنبل، روى ثلاثة أحاديث شريفة تلقاها عن النبي في رؤية منامية[12].

ث. التصوف والفقه:

الفقه لغة: المعرفة والفهم والإدراك لدقائق الأشياء، أما اصطلاحًا فقد مر مفهوم الفقه بتطور تاريخي، فبدايةً كان يعني العلوم الدينية والدنيوية، ثم اختص بما يجب على المسلم عمله، وهو التعريف الذي قاله الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان:

«معرفة النفس ما لها وما عليها».

وأطلق على علوم العقيدة اسم «الفقه الأكبر» لأنها تعلقت بمعرفة الإنسان لربه سبحانه.

ثم توسعت العلوم الفقهية، وتفرعت، فاقتصر الفقه على الأحكام العملية للعبادات، والأمور القضائية للمعاملات، وأحكام الجنايات والعقوبات وغيرها.

وفي الجهة الأخرى يتابع التصوف الشروط الباطنية لصحة العبادات والمعاملات، ويتابع الشروط القلبية لصحة السلوكيات، ويُعَدُّ التصوفُ تلك القواعد الباطنية التي تصحح ذلك كله، ولهذا فإن التصوف يُطلق عليه اسم «فقه الباطن»، أو «الفقه الوجداني»؛ لأنه يمثل القاعدة الروحانية لعلم الفقه، وهو كنهه وجوهره.

والشريعة تضع للعبادات شروطًا ظاهرية وشروطًا باطنية، فما يتعلق أداؤه بالحركات الجسدية، يتعلق قبوله بالمشاعر القلبية، وعليه فإن قواعد الفقه لا تنفصل عن قواعد التصوف، بل يكمل أحدهما الآخر، وكلُّ منهما يؤدي دوره المنوط به.

ففي الوقت الذي يبحث الفقهاء ويدونون أحكام العبادات، مثل الصلاة والصيام والحج؛ وأحكام المعاملات، والأسرة والمواريث والتجارة والقصاص، يُعطي المتصوفون بالمقابل أهمية لأداء هذه الأحكام جنبًا إلى جنب مع المؤثرات المعنوية، مثل الزهد والتقوى والإخلاص، ويعطي القرآنُ أهمية أكبر للجانب المعنوي من العبادات، ويوجِّه العبد إلى الزهد والتقوى.

وقد كان كثير من المتصوفة، مثل الغزالي، وابن عربي، ومولانا جلال الدين الرومي، علماءَ وفقهاء ضليعين في العلوم الظاهرية، وهناك أيضًا كثير من العلماء في السلسلة النقشبندية، مثل يوسف الهمداني، والشيخ نقشبد، وعلاء الدين العطَّار، ويعقوب الجرخي، ودرويش محمد، والإمام الرباني، وخالد البغدادي، قد وصلوا إلى الذروة في العلوم الظاهرية وأجيزوا فيها، وقد أطلق أهل العلم في السلسلة النقشبندية على هذه الشخصيات اسم «خواجكان» أي «الأساتذة» لأنهم تعلموا في المدارس الدينية.

وتعلُّم علم الظاهر لا يغني عن تعلم علم الباطن، وقد ثبت ذلك عن كثير من العلماء الأكابر المتقدمين والمتأخرين: فمِن الحنفية كابن الهمام، وابن الشلبي، والشرنبلالي، وخير الدين الرملي، وأحمد بن محمد الشريف الحموي المعروف بمحشي الأشباه وأمثالهم؛ ومن الشافعية كسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والإمام الغزالي، وتاج الدين السبكي، والسيوطي، وشيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، والعلامة الشهاب ابن حجر الهيتمي المكي وأضرابهم؛ ومن المالكية كالعارف أبي الحسن الشاذلي، وخليفته الشيخ أبي العباس المرسي، وخليفته الشيخ ابن عطاء الله الاسكندري، والعارف ابن أبي جمرة، وناصر الدين اللقاني، والشيخ العلامة المحقق العارف أحمد زروق البرلسي وغيرهم؛ ومن الحنابلة كالشيخ عبد القادر الجيلي، وشيخ الإسلام عبد الله الأنصاري الهروي، والشيخ ابن النجار الفتوحي وغيرهم.

وثمة علماء مشهورون منتسبون للنقشبندية، مثل السيد الشريف الجرجاني، والملا الجامي، وعبد الحكيم السيالكوتي، وعبد الغني النابلسي، وابن عابدين، وشهاب الدين الآلوسي، وهؤلاء العلماء الأجلَّة بعد التضلع من علوم الظاهر اشتغلوا بتحصيل علوم الباطن وتلقيها عن أهلها بالصحبة والخدمة والسلوك[13].

وثمة كلمة مأثورة عن بعض السلف توضح الكثير من الأمور، وتضع الكثير من القواعد، وتنفي الكثير من الخبَثَ، يقول الإمام مالك: «من تفقَّه ولم يتصوف فقد تفسَّق، ومن تصوَّف ولم يتفقَّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقَّق»[14].

ويذكر عبد الخالق غجدواني أن المرء الذي يصل إلى مرتبة فناء النفس هو من يحمل القرآن الكريم بيده اليمنى والأحاديث الشريفة بيده اليسرى، ويسلك سبيل الهداية بنوريهما[15]، وينصح أحد مريديه قائلًا:

«تعلم علم الفقه والحديث، وابتعد عن الجهَّال من المتصوفة»[16].

فإدراك المعنى الكامل للإسلام والعيش بمقتضاه يتحقق بوحدة العلم والعرفان، والجمع بين الفقه والتصوف، أي بين علوم الظاهر والباطن.

أما من يدعي التضاد بين التصوف والفقه، أو يتوهم التعارض بين علوم الظاهر وعلوم الباطن، أو يرى البون شاسعًا بين الأحكام الدينية والتربية الصوفية، فهؤلاء قليلو العلم والعمل، محدودو الإدراك والشعور، أصابهم الجهل أو قيدهم التزمت أو أعمى بصيرتهم وأبصارهم الكِبر، وهو ما أدى -في بعض حقب التاريخ- إلى التشوه الذي أصاب العلاقة بين الجانبين.

وخلاصة القول في العلاقة بين التصوف وبقية العلوم الإسلامية أن التصوف جزء لا يتجزأ من تلك العلوم، وهو عضو فيها كسائر أعضاء الجسد الواحد.

[1] محمد صالح الزركان، الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، ص 76؛ نقلًا عن: محمد عابد الجابري، بنية عقل الثقافة العربية الإسلامية، ص 626.

[2]   محمد باقر، مقامات سيدنا نقشبند، البخاري 1328/1910، ص 58.

[3]   يعقوب الجرخي، الرسالة الأنسية (محمد نذير رانجها)، إسلام أباد 1983، ص14.

[4]   القشيري، الرسالة، ص57، 416-417.

[5]   الكِشمي، البركات الأحمدية، ص197.

[6]   مسلم، الذكر، 5؛ البخاري، الدعوات، 68.

[7]   الكشمي، بركات، ص198؛ أبو الحسن الندوي، الإمام الرباني، ص180-181.

[8]   الإمام الرباني، المكتوبات، جـ1، 117، رقم: 114.

[9]   صادق دانا، سلطان العارفين، ص19-20.

[10]   صادق دانا، مجالس الميزاب الذهبي، جـ1، 184.

[11] انظر: ابن حجر: هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص489؛ ابن حجر، تغليق التعليق، جـ5، 421.

[12]   انظر: مجموعة الأحاديث، ورقة: 110 أ، 112ب.

[13] العلامة محمد بن سليمان البغدادي الخالدي، الحديقة الندية، اسطنبول 1403، ص25-26؛ محمد بن عبد الله الخاني، البهجة السنية، اسطنبول 2002، ص6.

[14] أحمد زروق، قواعد التصوف، القاعدة، 4؛ علي القاري، مرقاة المفاتيح، بيروت،422، جـ1، 335؛ شرح الشفا، بيروت 1421، جـ 2، 510؛ الإمام الشعراني، الطبقات الكبرى، مصر 1315، جـ 2، 156.

[15]   عبد الرحمن الجامي، نفحات الأنس من حضرة القدس (التحقيق: محمود عبيدي)،   طهران 1375، ص384.

[16]   عبد الخالق غجدواني، الوصايا، مكتبة بيازيد العامة، قسم ولي الدين أفندي، الرقم:   3229، الورقة: 11أ.