ضرورة التصوف

إن لذة الفاكهة تكمن في لبها، وكذلك ديننا العظيم نجد روعته في لبه وجوهره، وهو التصوف.

ومن المسلَّمات أن الإنسان يتكون من بُعدين هما البدن والروح، وكلٌ منهما له حاجات فطرية، فالإسلام لا ينكر فطرة الإنسان وحاجاته البشرية، بل يعدها حقائق طبيعية، ويسعى في إطار المعايير الأساسية إلى الارتقاء بتلك الميول التي يقبلها، والتقليل من الميول المرفوضة إلى أدنى حد، أو إدخالها تحت غاية مقبولة.

فإذا انساق الإنسان وراء متطلبات الجسد فقط، ولم يلبِ إلا حاجاته المادية، فقد ضل طريقه إلى السكينة والسعادة.

وهنا يبرز دور الدين في هداية الإنسان إلى الطريق الأقوم، وفي الإجابة عن السؤال الذي حيَّر الفلاسفة منذ القدم، ويقدم الأنموذج الأمثل والبرنامج الأكمل الذي تتوازن فيه الروح والمادة، ويتكامل فيه القلب مع الجسد، فهو الذي يقود الإنسان إلى عالمٍ فسيح من الروحانيات، ويصطحب معه ما ينفعه من الماديات، ثم يعالج هذه الأمور المادية بأن ينفث فيها من روح الدين ولمسات الأخلاق، فتتشبع الماديات بروح الدين، ويحيا الإنسان في تناغم بين نوازعه المادية وآماله الروحانية، ولا يجد ذلك الصراع بين المادة والروح الذي يمزق حياة أولئك المنغمسين في أوحال المادة، حتى فقدوا أدنى درجات الشعور، فصاروا كالذين وصفهم القرآن الكريم:

{وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف، 179)

ولعل ذلك الانغماس في المادة، والبعد عن عالم الروح وانعدام تكامل الرؤى لديهم، هو الذي يدعم خوف بعضهم من التصوف، ويدفعهم للاعتراض عليه.

ولا ريب أن التكوين الطبيعي للإنسان تتوازن فيه الميول الفطرية بين ما هو مادي وما هو معنوي، سواءً بسواء، فهو ينجذب إلى الأسرار المعنوية والحقائق المجردة بالقدر الذي ينجذب إلى الموجودات المادية والواقعية؛ لذا لابد من وجود توازن وتكامل وتناغم بين عنصري الإنسان: الروح والمادة، ولابد من الإشباع المتساوي لهذين الجانبين.

ففقدان الجانب الروحاني وإهماله، والاتجاه بالكلية إلى الإشباع المادي، هو الذي هوى بالعالم الغربي اليوم إلى هاوية الإلحاد؛ إذ إن إسرافهم في الرفاه المادي، مع ما يصيب أرواحهم من ظمأ شديد يدمر أخلاقهم؛ كان سببه الأول والأساسي هو انقطاع الصلة بينهم وبين النبع الإلهي، بعدما تدخلت يد البشر العابثة، فكدرت صفو الدين، وحرفت الكلم عن مواضعه، وانحلت الأواصر التي تربط قلوبهم بالله تعالى، فصاروا كالذي يهوي من السماء لا يَقِرُّ على أرض ولا في فضاء، فلم تغنه الدنيا عن ربه الحق، ولم تغنه الرفاهية عن عوزه الشديد إلى طمأنينة القلب.

حتى أصاب الإلحاد قلب العالم المسيحي في روما نفسها مقر الكرسي البابوي، راعي الدين.

إن الإنسان المحروم من الوجد الديني، والمشاعر الروحية، سيرى أعظم حادثة روحية من وجهة نظر مادية، وسيسعى إلى تفسيرها في إطارها الشكلي فحسب، وبهذا يمسي الدين في عينيه جامدًا خاليًا من أي مضمون.

وهنا يأتي دور التصوف الذي يصرف اهتمامه إلى الروح، ويدفع الإنسانَ -كلًّا وفق قدراته واستعداداته- إلى أن يُشبِع حاجاته الروحية، التي هي الشق الآخر من تكوينه الفطري، والتي من دونها يفقد الدين مضمونه، وتفقد العبادات جوهرها، فتصير الصلاةُ مجردَ حركات رياضية، وتصير الزكاة مجرد معونة اجتماعية، ومن ثم تفقد العبادات غايتها الأساسية، وفائدتها الجوهرية، ولا يصل الإنسان بعبادته إلى مقام العبودية، أو يدرك الطمأنينة القلبية.

وثمة وجه آخر لفقدان جوهر هذه العبادات، وهو الاكتفاء بأداء الشروط الظاهرية للعبادة، مما يُبعد المسلم عن جوهر الإسلام، ويشوه الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين لا يشبع نوازعها الروحية ويغض الطرف عن أشواقها العلوية.

ولا سبيل إلى ذلك التوازن بين المادي والروحي، ولا طريق إلى إشباع العبادات بروح الدين، وتعميق الأداء ووصله مع القلب، إلا من خلال التربية الصوفية.

وقد قام كثير من العلماء بالتعمق بحثًا وسعيًا وراء حقيقة الدين، وما يحقق جوهره في النفوس، وكانت النتيجة المثلى في النهاية هي التربية الصوفية.

وحين توضع المخلوقات كلها في ترتيب هرمي من أبسطها إلى أكملها، سيحتل «الإنسان» قمة هذا الهرم، ولكن حتى في الجنس البشري هناك اختلاف بين الناس كلٌ حسب استعداداته وقدراته الفطرية، وهو أمر ضروري للحفاظ على التوازن الاجتماعي في الحياة الدنيا.

وقد خلق الحق -عز وجل- الناس بمقتضى إرادته الإلهية، وأوجد الاختلاف في استعداداتهم المعنوية، كما هو الحال في استعداداتهم الظاهرية، ولم يكلِّف اللهُ عبادَه أكثر من طاقتهم، لكنه في الوقت ذاته جعلهم مسؤولين، وكلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له.

وتشمل رحمة الله تعالى اللانهائية المخلوقاتِ كلَّها، ولهذا السبب يأخذ الله تعالى أدنى مستوى من الاستعداد بعين الاعتبار في تحديده وتقديره للتكاليف الدينية الملقاة على عاتق الإنسانية جمعاء، أي إنه سبحانه يضع الحدود الأساسية بحسب طاقة أعجز فرد من مخلوقاته، بيد أن الفضل الإلهي فتح سبلًا وأبوابًا لمن لديه استعدادات زائدة على التكاليف العامة ليترقى في طريق السير إلى الله ويروي أشواق الروح وتطلعاتها الإيمانية بما تقطعه من أشواط فسيحة في الزهد والتقوى والإحسان، إضافة إلى المهام الشرعية؛ وهذا الطريق هو التصوف.

ونضرب على ذلك مثلاً من الواقع، فقد جاء رجل إلى الشبلي ~ يسأله عن مقدار الزكاة الواجبة في إبله، وقال: كم في خمس من الإبل؟ فقال الشبلي: شاة في الواجب، فأما عندنا، فكلها لله تعالى، فقال الرجل: فما دليلك في ذلك؟ فقال الشبلي: سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-خرج عن ماله كله لله ورسوله -صلي الله عليه وسلم-.

ثم قال: من خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر -رضي الله عنه-، ومن خرج عن بعضه وترك بعضه فإمامه عمر -رضي الله عنه-، ومن أخذ لله، وأعطى لله، وجمع لله، ومنع لله، فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي، وكلُّ علمٍ لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم[1].

ويدل هذا المثال على أن كلَّ صحابيٍّ من الصحابة الكبار ذوي الاستعداد القلبي الكبير كان زعيمًا وإمامًا في التصوف بحسب صفاته التي تميِّزه عن غيره.

ويودُّ منا ربنا -جل جلاله- أن نكون على هذه الحالة، إذ يقول في الآية الكريمة:

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة، 100)

فكل هذه النصوص النقلية، والاستنتاجات العقلية، وما وراءها من المعاني الروحية والقلبية، دلائل وبراهين على ضرورة التصوف.

***

وكلما ارتقى القلب في عالم الشعور من السكينة إلى الأمان حتى يصل إلى السعادة، ازداد ارتقاءً في التربية الصوفية، وحينها يكون قلبه مهيأً -خلال هذه المراحل- لتلقي العلم والحكمة، ومستعدًّا للاطلاع على حقائق الدين الجوهرية. وهذه المدارج التي يتدرب فيها العبد ويترقى ويتربى هي طريق ربانية لا مناص لأي إنسان منها، إذا كان يريد الوصول إلى الله تعالى، حتى الأنبياء وهم قدوة البشرية خضعوا لمثل هذه المحطات في مرحلة الإعداد والتهيئة لتلقي الوحي والرسالة؛ إذ إن القلب البشري يحتاج إلى لياقة خاصة كي يتلقى معانٍ خاصة، ويحتاج إلى درجة من النضج يتحمل معها جلال التجلي الذي يتلقاه، ولطف المعنى الذي يداخله، فيستدعي ذلك تخليصه من القساوة وتحليته بالرقة ضمن برنامج من الإعداد الرباني، والرياضة الروحانية، كتلك التي مر بها الأنبياء من أولي العزم:

–    فرسول الله -صلي الله عليه وسلم- قبل تلقي الوحي والرسالة انعزل معتكفًا في غار حراء أيامًا طوالا.

–    وكليم الله موسى -عليه السلام- مكث في طور سيناء أربعين يومًا منتظرًا ميقات ربه.

–    ولقي نبي الله يوسف -عليه السلام- من بلاء إخوته والجب والرِّق والسجن ما لقي قبل أن يصبح عزيز مصر.

–    والمصطفى -صلي الله عليه وسلم- تحققت فيه أسرار سورة الانشراح قبل الحدث الأعظم الذي لم يرق إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وهو المعراج، وما فيه من عجائب وأسرار، فقد شُق الصدر الطاهر[2]، ونُظِّف القلب الشريف، ومُلئ بالحكمة الربانية والعلم اللدني، استعدادًا وتهيئة للمثول في الحضرة الإلهية.

فإذا كان هذا هو حال الأنبياء في التربية الروحانية، فما بالنا ببقية العباد، وإلى أي قدرٍ يحتاج هؤلاء من التربية والتطهير القلبي للقرب من الله تعالى، ورؤية حقائق الكون ومعانيه بعين البصيرة.

فهل يستطيع أنفٌ فقدَ حاسة الشم أن يستنشق عبير الزهور؟!

وهل تستطيع عينٌ أن ترى صفاء الطبيعة من وراء زجاج مغبش؟!

إن إزالة الموانع الذاتية والخارجية من الحواس توسع أمامها دائرة الإدراك، وتفسح أمامها دائرة الشعور، وكذلك القلب كلما ازداد طهرًا، ازداد من الله قربًا، وازداد اطلاعًا على أسرار العلم والكون، وصار موئلاً للتجليات الربانية.

وهذا القلب السليم هو مناط الفخر والفوز عند الله تعالى، كما قال سبحانه في كتابه الكريم:

{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 88-89)

ولكي نصل إلى هذا الوصف القرآني «قلبٌ سليم» نحتاج إلى باع طويل من التربية المعنوية.

هذه المدة قد تطول دهورًا، كما تفعل الأمواج بصخور الشاطئ، فهي على صلابتها وقساوتها ونتوءاتها، تفعل فيها الأمواج فعل السحر، فتهذبها وتشذبها، وتصقلها ناعمة ملساء.

كذلك الألماس الذي يعود في أصله إلى الكربون الأسود، يتحول بفعل الضغط والحرارة الهائلين إلى الألماس، ثم تتدخل يد الصانع الماهر الخبير لتقطيعه وإعداده وتصنيعه، فيَظْهَرُ للناس معدنُه الخاطف للأبصار، وكذلك الذهب الخام يكون مشبعًا بالأتربة والشوائب، ويصهر في حرارة عالية ليزول خَبَثُه، وكلما زادت عليه النار، زاد صفاؤه، وارتفع معياره وقيمته[3]، كذلك قلوب العباد، تزاد قيمتها ومعيارها وصفاؤها كلما زادتها يد الخبير تربية وتهذيبًا.

كما أن الحديد، الذي فيه بأس شديد، يخضع أيضًا للنار والكير، كي تنفي عنه خَبَثَه وشوائبه، ثم يعرض للنار مرة أخرى، ويُطرق حتى يتم تشكيله والانتفاع به، وبغير هذه المراحل: النار والإحماء والطرق، لا يصير حديدًا ولا يتم الانتفاع به. ولابد للقلب – كذلك – أن يمر بمثل تلك المراحل؛ ليحصل له النفع، وليدرك أعظم المعاني في عالم الحقيقة الذي لا يدركه الإنسان بحواسه، ولا يبلغه بعقله، إنما يصل إليه بقلب تربى وتدرب ونال قدرًا كافيًا – وفق طاقته – من الرياضة الروحية.

وهي مسألة تحتاج إلى تدريب طويل، كمثل الرياضي المبتدئ الذي قد يصاب بأذى إذا قام بحركة ما من دون مران، لكنه يؤدي الحركة نفسها بمهارة فائقة بعد فترة من المران، والقلب كذلك يحتاج إلى رياضة طويلة ومران صعب كي يتخلص من قساوته وشوائبه وصلابته وذنوبه، ثم تليّنه الرياضة المعنوية، وتجعله مَرِنًا رقيقًا مستعدًا للارتباط بالله الحق -عز وجل-، هذا اللين وتلك الرقة لا تكون إلا بكثرة ذكر لله تعالى، وبتنامي محبة النبي -صلي الله عليه وسلم-.

يقول الحق تعالى في الآية الكريمة:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال، 2)

ثم يتدرج القلب بعد أن يتدرب، ويرتقي في العلوم، كالطفل الذي يتدرج في مراحل التعليم، ففي عامه الدراسي الأول لا يستطيع استيعاب كتاب مقرر في كلية الحقوق، فهذا يحتاج منه مستوى من النضج العلمي والذهني ما يفوق سنواته العشر، فما بالنا بالقلب الذي يحتاج مستوى من النضج يصل به إلى الله تعالى؟

هذا الطريق يبدأ أولاً بتخليص القلب من القساوة وتطهيره من الذنوب، وهو ما وضحه لنا القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.

{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون} (الأنعام، 120)

{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (الأنعام، 151)

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف، 33)

أي إن الإنسان مكلف بتفادي الآثام الباطنية، مثلما هو مجبر على الابتعاد من الآثام الظاهرية، حتى إن بعض الذنوب الباطنية، مثل الكِبر، والرياء، والحسد، والحقد، والغضب، والبخل، هي أشد خطرًا وأفتك أثرًا، والحديث الشريف يخبرنا بحقيقة أنَّه:

«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر» (مسلم، الإيمان، 147)

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبي -صلي الله عليه وسلم- قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (البخاري، الأدب، 57)

ووفقًا للحديث؛ لابد للقلب من التخلص من سوء الخلق، ومن أمراضه المعنوية مثل الكبر، والحسد، والبخل، وغيرها من الأمراض، ولابد كذلك أن يتخلص من ذنوبه الظاهرية.

وكلاهما متعلق بالآخر، فالذنوب الباطنية وأمراض القلب تنعكس نتائجها على الظاهر، فتنتج الذنوب الظاهرية.

لكن الخطير في الأمر أن الذنوب الباطنية أكثر انتشارًا بين الناس رغم خطورتها؛ فهي لخفائها لا يُفْطَنُ إلى مدى توغلها وأثرها.

والقلب الذي يسعى إلى الارتباط بمولاه، والقرب منه سبحانه، ويطمح للتجليات الربانية والمكاشفات القلبية، يحتاج إلى التخلص من كل تلك الذنوب ظاهرًا وباطنًا؛ ويحتاج إلى التطهر الدائم منها، والابتعاد الدائم عنها، وهو ما يتطلب منه تربية معنوية خاصة، لا تكون إلا في التصوف.

ولأن القلب هو بوتقة الأسرار، فعليه ينعقد الأمر كله، عبادة وسلوكًا، رياضة ومجاهدة، علمًا وتقوى.

ويقول رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في الحديث:

«إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره. (مسلم، البر، 33)

والقلب مَعْقِدُ النية ومكمنها، والنية هي روح العبادات والسلوك، فإذا كانت النية مرتبطة بالله خالصة له سبحانه، تحولت العادات إلى عبادات، وتحولت الحركات إلى مجاهدات، وصار كلُّ فعلٍ يفعلُه الإنسانُ موجهًا في سبيل الله تعالى، حتى اللقمة التي يلقيها في جوفه، أو يطعمها لأهله.

فمثلاً نجد أن ارتداء العِمامة أو تغطية الرأس سنة نبوية يؤجَر فاعلُها، لكن الأجر هنا ليس منوطًا فقط بالمظهر؛ بل لابد أن يوافقه الـمَخبَر، فتكون الهيئة على منوال السنة، ويكون السلوك أيضًا على منهاجها، وإلا فلا أجر يُمنح ولا سُنة تُتبع؛ بل يصير الأمر تقليدًا شكليًا يؤتي نتائج عكسية، فيسوق المرءَ إلى العجب والتكبُّر بمظهره الخادع للناس ولنفسه.

وفي هذا المعنى يقول الشاعر التركي «يونس أَمْرَه»:

لو كان التصوف في العباءات والعمائم       لاشتريناه من الأسواق ببضع دراهم

وينطبق الأمر -في المظهر والملبس- كذلك على المرأة، فالتستر في الملبس والحجاب هو فريضة واجبة على كل مسلمة بالغة، لكن إذا تحجب الجسد وعريت الروح، وإذا كان الحجاب ساترًا للبدن فحسب، ولم يكن ساترًا للسلوك؛ ينقلب الأمر إلى الضد، وحينها يكون الستر مجرد غطاء وإخفاء لسوء الحال، فالحجاب سلوك وليس لباسًا فقط.

وكلنا يعلم أن بناء المساجد له أجر كبير، فمن بنى مسجدًا في الدنيا بنى الله له قصرًا في الجنة، لكنه منوط أيضًا بنية العبد وقلبه، فإما أن يظل الأجر كبيرًا بتفويض الأمر إلى الله ونسبة الفضل إليه بقوله: «هذا من فضل ربي»، وإما أن يتضاءل الأجر حتى يصير هباءً منثورًا إذا داخله الإعلان عن الذات والإعجاب بالنفس في نسبة المدح لها بقوله: «أنا أفعل كذا» وحينها تحل كلمة «أنا» في القلب، فيخرج منه «الله».

والعبادات في الإسلام منوطة بأمرين: الشكل والروح، وهو ما عبّر عنه الفقهاء حينما قالوا: إن شرطَي قبول العبادة هما:

– أن تكون موافقة للشرع (في الشكل).

– أن تكون خالصة النية (لله وحده).

وقد حرص القرآن عند الحديث عن العبادات والسلوكيات أن يركز على الحالة الروحية والأحاسيس القلبية في أدائها، وليس على الحركات والسكنات، فتفاصيل العبادات وهيئاتها غير مذكورة في آيات القرآن، إنما تعلمناها من سنة النبي -صلي الله عليه وسلم-.

فالقلب والروح هما الباعث في حسن أداء العبادات، وهما السبب في قبولها؛ لذا كانت التربية القلبية هي الضمانة الحقيقية للقبول والوصول، والتصوف هو وسيلة تلك التربية القلبية.

***

إن مظاهر العبادة يستطيع كلُّ فرد أن يؤديها، حتى لو لم يكن مسلمًا، فها هو رأس المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول، كان يصلي خلف رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ولكن لا قيمة مطلقًا لعبادات تنفصل فيها الحركات عن المشاعر، وأداء المنافقين هذا للعبادات قد يخادعون به الناس، أو يخدعون به أنفسهم، لكنهم لن يخادعوا الله تعالى الذي لا يقبل من العبادة إلا ما كان صادرًا عن القلب، مفعمًا بالروح.

وهذه الحقيقة – حقيقة قبول العبادة – من اليسير أن تطَّلع على أدلتها إذا حلَّلنا بصورة عامة الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الصلاة والصيام والزكاة والحج التي تكوِّن أركان الإسلام، ومن هذه الآيات الآيةُ الكريمة التالية التي تتحدث عن الصلاة:

{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت، 45)، أي إذا لم تنهَ الصلاة الإنسان عن المنكر، فليست الصلاة التي يريدها الله تعالى من عباده. ويقول الله تعالى في شأن أولئك الذين يصلون صلاة بالصورة فقط دون أن يكون فيها خشوع في القلب:

{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون، 4-5)

وفي آية أخرى يقول المولى -عز وجل-: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون، 1-2)

ونفهم من هذه الآيات الكريمة أن إحدى صفات المؤمنين المفلحين هي الخشوع في صلاتهم، فلكي يؤدي العبد الصلاة بمعناها الحقيقي، عليه أن يوفي بشروطها الظاهرية والباطنية كلها، فقد يصلي شخصان الصلاة عينها في المكان والزمان نفسه، لكن يكون الفرق بين صلاتيهما كالفرق بين السماء والأرض.

ويقول النبي -صلي الله عليه وسلم- في الحديث الذي يشير فيه إلى ضرورة مراعاة الهيئة القلبية في الصلاة:

«إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها».[4]

ويقول الله تعالى في القرآن الكريم في مَعرِض ذكره لصفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المؤمنون، 9)

ويقول مولانا جلال الدين الرومي في المعنى الإشاري لهذه الآية الكريمة بالإضافة إلى معناها الظاهري:

«يستمرون على الحال التي كانوا عليها في الصلاة حتى بعد الانتهاء من أدائها».

ويقول أيضًا: «إن الصلاة التي تهدينا إلى الصراط المستقيم وتنهانا عن المنكر، نؤديها خمس مرات في اليوم والليلة، ولكنك ترى العاشقين دائمًا في صلاة، لأن العشق المشتعل في أفئدتهم، والمحبة الإلهية التي تسكن ضلوعهم، لا تهدأ بهذه الأوقات الخمسة بل ولا بخمسمئة ألف وقت».

ويصوِّر يونس أمْرَه صلاة عشَّاق الله تعالى الذين استيقظت أفئدتهم من الغفلة فيقول:

العشق هو الإمام، والقلب هو الجماعة                 هُم في صلاةٍ، متوجهين إلى الله في كل ساعة

فالمدة التي يقضيها العبد في أداء الفريضة وفي الصلاة هي دقائق معدودات لا تتجاوز العشر دقائق، لكن العبرة ليست في هذه الدقائق، إنما في الشحنة المعنوية التي تملأ بها فؤادك وروحك خلالها، لتنطلق في رحلة الحياة بمعين لا ينضب يوصلك إلى المحطة التالية بأمان، لتعاود التزود مرة بعد مرة بهذه الطاقة اللانهائية، فالصلاة تعطيك من الشعور ما يحفظ قلبك عن الغفلة طوال الفترة التي تلي الصلاة، فيظل القلب في حالته التي كان عليها، وكأنه في صلاة دائمة لا تنقطع، ولو لم يحافظ على هذا المستوى من الشعور في قلبه، لتراجع به إلى مستوى الغفلة، ثم نزل به دركات ودركات من الفسق والفجور.

أما هؤلاء الذين لا يدركون حقيقة الصلاة والخشوع فيها، فهم أهل الغفلة المحرومون من معاني الوقوف في الحضرة الإلهية، فإذا كانوا في الصلاة على هذا الحال فكيف يكون حالهم -إذًا- بعد الصلاة؟!

وها هنا أقصوصة ذات معنى عن متصوف يجاهد في طريق الوصول إلى الله تعالى، كان أحد الدرويش قائمًا يصلي بالليل في أحد المساجد مختليًا بربه، ثم بدأ المطر يهطل بغزارة، فأخذت شدة الأمطار بقلب الرجل إلى منزله وأهله، وذلك أثناء الصلاة، وعندئذ سمع صوتًا من أعماقه يهتف به ويحذره:

«أيها الرجل المصلي، إن صلاتك التي تؤديها لا قيمة لها، فقد أرسلت أهم وأجمل قطعة فيك إلى مكان آخر، أرسلته إلى منزلك، ولم تترك للمسجد ولصلاتك سوى بدنك».

وفي الحديث الشريف يقول النبي -صلي الله عليه وسلم-: «وربَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر»[5]

وخلاصة الأمر أن القلب ونضجه هو الركيزة الأساسية في الصلاة، وفي كل العبادات.

والصيام -كذلك- من العبادات القلبية رغم شروطها الظاهرية، فالصيام عبادة تمحو الذنوب وتزيلها، يقول النبي -صلي الله عليه وسلم-:

«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (البخاري، الصوم، 6)

وليست الغاية من الصوم جعل الناس يعانون من الجوع، يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة، 183)، وهكذا يوضح الله تعالى أن الغاية من الصيام هي التقوى.

فعبادة الصيام لا تؤديها فقط المعدة والفم، ولا يُسأل عن صحتها فقط الجهاز الهضمي؛ بل الجهاز الشعوري كله، فالجوع يمنح الفكر مساحات شاسعة، ويمنح الشعور آفاقًا رحيبة؛ لأن البِطنة تُذهب الفِطنة، والحرمان في الجوع والعطش يُبرر ما قد يُحرم منه القلب من المشاعر التي يفتقدها في زحام انشغاله بنفسه، فيتذكر العبد في حرمانه المؤقت مدى معاناة الآخرين في حرمانهم الدائم، عندها يدرك القلب مدى حرمانه هو الآخر من مشاعر الشفقة على هؤلاء، والرحمة والحرص على مساعدتهم وإسعادهم، فضلاً عن أن يؤذيهم بالغيبة والنميمة والبغض والكيد، ويدرك أيضًا مدى تقصيره في شكر النِّعم التي منحها له الله تعالى.

تلك هي بعض الفيوضات التي يمنحها الصيام للصائم، بشرط أن تصوم جوارحه قبل معدته.

يقول النبي -صلي الله عليه وسلم-: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»[6]

وإذا ما انتقلنا إلى عبادة الزكاة التي هي مظهر من مظاهر الإيثار لدى المؤمن، وجدنا أيضًا أنه من صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (الذاريات، 19)

فإذا اكتملت الدائرة الشعورية وعرفنا ذلك الحق، حينها يتواصل الإحساس بين اليد التي تعطي والنفس التي تسمح وتسامح، وبين القلب الذي يؤمن أن المال المؤدَّى إنما هو حق الفقير في مال الغني، وليس على الإطلاق منحة أو فضلًا من المزكِّي، وأنه حين يُعطيه للفقير فهو إنما يعيد الحق لأصحابه، ويُسلِّم عيال الله حصتهم في مال الله الذي هو مؤتمن عليه، ومكلف بأدائه لأصحابه، ولا ينتظر من الفقير دعاءًا ولا شكرًا؛ بل المزكِّي هو الذي يشكر الفقير؛ لأن الفقير قد ساعده في أداء الفريضة، وتنفيذ المهمة التي لو قصَّر فيها لكان عرضة لجزاء الخائن المختلس، والتي حين يتمها على وجهها الأفضل ينال الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة.

ولكي يصل المؤمن الكامل إلى سرِّ قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:

«إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل»[7]، عليه أن يتصدَّق وكلُّه إيمانٌ أنَّ المال قد أعطاه في الحقيقة ليد القدرة الإلهية… وهذا هو المعيار القلبي الذي يحفظ كمال عبادة الزكاة.

وليس الوصول لهذه الحال مستحيلاً ولا خيالاً، فقد كان سلفنا الصالح يزينون صدقاتهم، ويعطرون دراهمهم؛ لأنها سوف تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل الفقير، وليس ذلك من قبيل المبالغة ولا التخيل؛ إنما هي حقيقة واقعة صرح بها القرآن حين قرّر أن الله تعالى هو الذي يتقبل الزكوات: {ويأخذ الصدقات} (التوبة، 104).

هذه الحقيقة القرآنية يفتقدها أولئك المتعجرفون بأموالهم، الذين يُتبِعون صدقاتهم بالمن والأذى، وهم حقيقة لا يؤذون الفقراء، إنما يؤذون أنفسهم بحرمانها من الأجر والمشاعر الراقية، ويحرمون قلوبهم من الحالة الشعورية الراقية التي تمنحها لهم الزكاة.

وتظهر هذه الرقة القلبية أكثر في عبادة الحج، ويبدو للوهلة الأولى الشكل الظاهري والبدني راجحًا في هذه العبادة، من الإحرام والطواف، إلى الوقوف على عرفات، ثم الذهاب إلى مزدلفة والنحر، لكن كل هذه الشعائر هي الشكل الظاهري للحج فقط، أما الحالة الشعورية التي يحياها الحاج أثناء هذه الشعائر؛ بل التي تعكسها هذه المظاهر، فإنها تُذكِّر المسلم بيوم الحشر، وتضحيات أنبياء الله & ولبس الكفن والتجرد من كل مظاهر الدنيا، والحساب الإلهي الذي يجب على المسلم أن يبدأه مع نفسه في الدنيا، قبل أن يفاجئه طول الحساب وثقله في الآخرة.

وفي الحج يتجرد الناس من الملابس، فتذوب الفوارق وتزول الرتب، ويلبسون أشباه الأكفان فيكون التجرد -ولو مؤقتًا- من كل متاع الدنيا، ويؤدي الجميع فعلاً واحدًا، وقولًا واحدًا، بل يمتنع الجميع عن كثير من المباحات، ويصير بعض الحلال حرامًا مؤقتًا، حتى بعض خطرات النفس وزلات اللسان.

إنها نوع خاص من التربية ومستوى رفيع من الإعداد القلبي.

ومرة أخرى فإن هذه الحركات والشعائر ليست مطلوبة لذاتها، إنما لما وراءها من المعاني، وهذا ما يؤكده القرآن في حديثه عن الأضحية في الحج؛ إذ يقول: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (الحج، 37)

هذا القبول للأضحية والقربان أو رفضه؛ إنما هو منوط برضا الله تعالى عمن قدمه، وعن نية صاحب القربان وغرضه، وهو ما حكاه القرآن في قصة ابني آدم -عليه السلام-، فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة، 27)

***

وبعد أن استعرضنا هذه العبادات وما وراءها من المعاني، وما ترمي إليه من الأغراض، فقد اتضح لنا أن هذه العبادات لن تكون «مقبولة»، ولن تكون «صالحة» إلا إذا أداها القلب قبل الجوارح، بصفاء نية، وصدق توجه إلى الله وحده.

لكن ثمة استدراك هنا؛ إذ لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن شروط إخلاص النية وصفاء القلب إذا لم تتحقق؛ فعلى الإنسان ترك العمل والإعراض عن العبادة تمامًا، بحجة عدم استعداد القلب للأداء، أو عدم صلاحية النية للعمل، وإلا فلن يتم عمل ولن تتم عبادة، فمَن مِن الناس يملك قلبه؟!

ولكن ما ينبغي أن نفهمه هو وجوب السعي المتواصل كي نصل بالأعمال والعبادات إلى هذه الدرجة من الكمال شيئًا فشيئًا، وأن نحقق في أعمالنا وقلوبنا هذه المعاني من الخشوع والإخلاص والتقوى.

وهو طريق طويل وشاق يحتاج إلى طول مجاهدة مع صبر وتحمل، مع ابتهال إلى الله تعالى ورجاء بأن يعينك على سلوك الطريق، وأن يمنحك من فيضه وكرمه ولطفه.

وفي خضم ذلك كله يرسخ في أذهاننا وأفهامنا أن التصوف هو الطريق للوصول إلى هذه المعاني والحالات عبر أساليبه المميزة والمتفردة في التربية؛ لذا فقد تعرض لهجمات شرسة من أعداء الإسلام، وأعداء الدين من بني جلدتنا. وعلى الجانب الآخر نجد محاولات استلاب الإسلام وتفريغه من محتواه، وتصويره على أنه مجموعة من النظم المتحجرة الفارغة المضمون، الخالية من المشاعر والمعاني.

وقد استغل هؤلاء بعض الأخطاء التي ظهرت لدى بعض أهل التصوف- وهو أمر بشري طبيعي- فنسبوا هذه الأخطاء الشخصية إلى التصوف نفسه بعد أن بالغوا في تصويرها، هادفين إلى الطعن في التصوف ورفضه، وصدِّ الناس عن سبيله، وإغلاق الباب في وجوه المريدين الساعين إلى تربية قلبية.

ولنا هنا أن نتساءل؛ هل إذا أخطأ طبيب ما في علاجك، يكون ذلك مدعاة لك أن تترك الطب كله؟ ومن ناحية أخرى، هل تصلح المعايير المادية الجامدة لنقيس بها شيئًا معنويًا حسيًا، وهل يصلح أناس عاديون فاقدو المعاني والأحاسيس، كي يحكموا على التصوف وأهله؟

فالأشخاص الذين يحيون حياة عادية روتينية، محرومين من التفكير، محرومين من المشاعر، مفتقدين للمحبة والعشق، لا تمر الحوادث على قلوبهم ولا يعرفون من عالمهم الروحاني شيئًا. هل هؤلاء لديهم القدرة على العيش حياة التصوف أو الوصال مع الله تعالى؟ ليس قبل أن يتجردوا من هموم الدنيا وشواغل القلب، وتصفوا أرواحهم وتسمو غاياتهم.

إن التصوف في إحدى حقائقه هو مسؤولية إنسانية، والمتصوف هو ذلك الإنسان الذي يحمل على عاتقه مسؤولية هداية المجتمع إلى سبيل الحق وطريق الله تعالى، فالمتصوف بعد أن فهم القرآن وتشربت روحُه حقائقَه، وعاش عالم القرآن متجردًا من عالم الدنيا، متعمقًا في عالم الروح، واصلاً إلى عالم الحكمة؛ كل هذه العوالم التي يعيشها المتصوف في ظلال القرآن الكريم، يتمنى أن يوصل إليها كل أفراد مجتمعه ليعيشوها كما عاشها هو.

يروى أن الشيخ نجم الدين كُبرى -وهو أحد أولياء الله- مشى في جنازة رجل صالح، وأثناء التلقين، تبسم الشيخ نجم الدين، فاحتار الطلاب في سبب تبسمه المفاجئ، وسألوه عن الحكمة في ذلك، لكن سيدنا نجم الدين لم يرغب في توضيح ذلك، إلا أنه بعد إصرار الطلبة قال:

«قلب الملقِّن غافل، أما قلب الميت في القبر فحيٌّ، فتعجبت للغافل يلقِّن من قلبُه حي».

إذًا، حالة من يرفض التصوف وينكره باسم العلم هي مثل حالة الميت الذي يلقِّن الحي، هي حالة تثير الدهشة. ولا ريب أن نجاح جهود أهل التصوف وأعمالهم على مدى التاريخ هو السبب في إبقاء الحياة الدينية حيَّةً وانتقالها إلى الأجيال القادمة، وفي إرشاد الناس وتبليغ الإسلام.

ويبيِّن محمد حميد الله -وهو من أبرز علماء الإسلام في القرن الماضي- هذه الحقيقة بقوله: «لقد كانت العقلانية هي النمط الذي تربيت عليه، وكانت دراساتي وبحوثي تحملني على رفض كل شيء لا يمكن تعريفه وإثباته بصورة مقنعة، وبالطبع كنت أؤدي فروض الإسلام، مثل الصلاة والصيام وغيرها، ليس لأسباب تصوفية، وإنما لأسباب شرعية. وكنت أقول لنفسي: إن الله تعالى هو ربي ومولاي، وقد أمرني أن أفعل هذه الأشياء، ولهذا يجب عليَّ أن أقوم بهذه الواجبات. فضلًا عن هذا كله، يرتبط الحق والواجب كل منهما بالآخر، والله تعالى قد أمرني بذلك كي انتفع واستفيد منه، وواجبي في تلك الحالة أن أشكره. ومنذ أن بدأت العيش في مجتمع غربي في باريس، كنت أشعر بدهشة وحيرة من قبول النصارى للإسلام، ذلك أن ما دفع هؤلاء إلى اعتناق الإسلام ليست آراء علماء الفقه والكلام، بل هم الصوفيون مثل ابن عربي، ومولانا جلال الدين الرومي. وكنت في هذا الموضوع شاهد عيان، فعندما طُلب مني إيضاح إحدى الموضوعات الإسلامية، فلم تكن أجوبتي وأدلتي العقلية مقنعة للسائل، ولكن الإيضاح الصوفي لم يتأخر عن إعطاء ثمرته، وبدأت أفقد بالتدريج قوة تأثيري في هذا الموضوع، والآن أنا مؤمن أن الذي سيخدم الإسلام اليوم لا سيما في أوربا وأفريقيا، ليس السيف أو العقل، بل هو القلب- أي التصوف- كما كان الحال في زمن (قزان خان) عقب الدمار والخراب الذي سبَّبه هولاكو. وبعد رؤيتي الجديدة في هذا الموضوع، بدأت في دراسة بعض المؤلفات التي كُتبت في موضوع التصوف، مما فتح عيون قلبي، وفهمت أن التصوف الذي كان في عهد النبي -صلي الله عليه وسلم- وكان منهج كبار متصوفة الإسلام، لم يكن الانشغال بالكلام فقط أو بأشياء لا معنى لها، بل كان السير في أقصر طريق بين الإنسان وربه -عز وجل-، والبحث عن تنمية الشخصية وتطويرها. ويبحث الإنسان بطبعه عن أسباب الواجبات التي كُلف بها، لكن الشروح المادية في المجال المعنوي تُبعدنا عن الهدف، أما الشروح المعنوية فهي التي تُقنِع الإنسان»[8].

ونفهم من هذا التوضيح أن رفض التصوف المطابق تمامًا للقرآن والسنة كُفرانٌ بالنعمة، عاقبته ضياع وتِيه.

ويقول مولانا جلال الدين الرومي: «إذا فقد أنفك حاسة الشم، فلا تَلُم الوردة».

وثمة جانب آخرُ شديد الأهمية في دور التصوف ومسؤوليته والمهمة المنوطة به، وهي إصلاح المجتمع والعبور بالناس إلى الجانب الآخر من صحراء الدنيا إلى ظلال الروح وجنة القلب، فأسلوب التصوف وطريقته في هذا الإصلاح هي المحبة والرأفة، وهي طريق تختلف عن الأساليب الشرعية الفقهية المتبعة في الترغيب والترهيب.

ففي عالم غارق في شهوات النفس واستعباد العقل وسيادة المادة، وفي وسط أناس قد أسرتهم الدنيا وأهلكتهم الذنوب، ولم يعد لديهم أمل في النجاة؛ في هذا الخضم الهائل الخطر، تبرز أهمية المحبة والرأفة أسلوبًا للإنقاذ والعلاج والهداية، ووسيلةً معنوية تغدو بها قلوب الناس لتخاطب أرواحهم، وتحظى بالفتوحات المعنوية في أرض مادية قاحلة، فتهب نسائم الإسلام الإلهية كنفحة صوفية تواسي الهلكى، وتحملهم بوداعة إلى سبيل النجاة والفلاح.

لذا؛ لم تكن المحبة مجرد وسيلة وأسلوب صوفي للدعوة؛ بل كانت المحبة من أسس التصوف وحقائقه، ومن أبرز قواعده التي بنيت عليه وسائل الدعوة إلى الله، ونشره الإسلام في ربوع الدنيا.

وها هو واحد من تلك البقاع التي دخلها الإسلام على أيدي أولياء الله من أهل المحبة، يبين موقفه من أولئك الأولياء أمثال: عبد القادر الجيلاني، ويونس إمره، وبهاء الدين النقشبندي، ومولانا جلال الدين الرومي، إنه الفيلسوف والشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال؛ إذ كان قادمًا من بلاد الهند [باكستان]، ودخلت الطائرة المجال الجوي التركي، وفجأة يهب الرجل واقفًا، ويأبى الجلوس، وكان إقبال من عشاق مولانا جلال الدين الرومي، فلما سأله رفاقه عن ذلك قال:

«إن هذا التراب هو تراب مبارك يضم قبر مولانا جلال الدين الرومي، والشعب الذي يعيش في هذا المكان المقدس هو شعب مقدس أيضًا، فقد حافظوا على الإسلام لسنوات طوال، وقد ساهم الشعب التركي في نشر الإسلام في بلادنا، لهذا فأنا أكنُّ كل الاحترام والتقدير في قلبي لمولانا الرومي ولشعبه النبيل، وهذا ما جعلني أقف احترامًا».

هذا النموذج الحي لامتداد أثر المحبة الصوفية من جيل الأولياء في الماضي البعيد إلى جيل الفلاسفة والمفكرين الذين يقودون الفكر الإسلامي في الحاضر، يدل دلالة قاطعة على أن للمحبة الأثر الأقوى والأكثر استمرارًا ونفوذًا، وها هي ثمار المحبة ينال جناها آلاف من الشخصيات النادرة مثل ثمار العشق، والوجد، والرقة، واللطافة، والمعرفة، والخلق الرفيع، عبر الأجيال والقرون، وبامتداد المسافات والبلاد.

[1]     أحمد زرُّوق، قواعد التصوف، ص49، قاعدة: 33.

[2]  شق الصدر: هي تلك العملية التي قامت بها الملائكة، ويطلق عليها اسم «شرح الصدر»، حيث شُّق صدره الشريف وانشرح، ووُضعت فيه السكينة والنور الإلهي. وقد خضع النبي -صلي الله عليه وسلم- لشرح الصدر ثلاث مرات. كانت المرة الأولى حين كان عمره أربعة أعوام، وبناءً على الأحاديث الشريفة أُزيلت من قلبه عَلَقَتَانِ سَوْدَاوَانِ، ووضِعت مكانهما الطمأنينة والسكينة. (انظر: أحمد، جـ4، 184-185؛ ابن سعد، جـ1، 112) والمرة الثانية حين كان في العاشرة من عمره، حين أُخرج الغلُّ والحسد من قلبه ووضِعت الرأفة والرحمة مكانهما. (انظر: أحمد، جـ5، 139؛ الهيثمي، جـ8، 223) أما المرة الثالثة فكانت قبل المعراج، وحينها أيضاً شُقَّ عن قلبه وملئ بالإيمان والحكمة. (انظر: البخاري، بدء الخلق 6، الأنبياء 22-43؛ مسلم، الإيمان، 264) وتشير الآية الكريمة التالية إلى العملية التي خضع لها رسولنا صلوات الله عليه وسلامه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} (الانشراح، 1)

[3]   ثمة معنى لطيف هنا، ففي اللغة نجد عملية تنقية الذهب من الشوائب بالنار تسمى «الفَتن» وهي ما يطلق أيضًا على ما يتعرض له الإنسان من اختبارات وابتلاءات، فكلما زادت الفتن على العبد ازداد نقاءً من ذنوبه، كالذهب الذي يزيده الفتن نقاءً من شوائبه.

[4]         أبو داوود، سنن، الصلاة، 796.

[5]         ابن ماجه، الصيام، 21؛ أحمد بن حنبل، مسند، 2، 373.

[6]         ابن ماجه، الصيام، 21؛ أحمد بن حنبل، مسند، 2، 373.

[7]   الطبراني، المعجم الكبير، جـ9، 109؛ الهيثمي، جـ3، 110-111؛ انظر أيضاً رواية مشابهة: البخاري، التوحيد، 23.

[8] محمد عزيز لحبابي، شخصية الإسلام، ترجمة، إسماعيل حقي آقن، ص 114-115، هامش8، اسطنبول، 1972. وهذا الهامش هو نص الرسالة المؤرخة في27 سبتمبر/أيلول 1967 والذي كتبه محمد حميد الله إلى المترجم.