حضرة سيدنا هود عليه السلام

نبي قوم عاد الذين عاقبهم الله بالريح فجعل الله عاليها سافِلها

حضرة سيدنا هود عليه السلام

هود عليه السلام  هو من نسل سام. أرسله الله تعالى إلى قوم عاد.

وهود؛ هي من كلمة «هوادة» أي النعومة، والهدوء والصلح والسكينة. ومن أسماء هود عليه السلام  أيضاً: العابر، ولقبه نبي الله.

ولقد ولد هود عليه السلام  في ديار الأحقاف وترعرع فيها. وكان نسبه شريفاً في قوم عاد. وكان قبل النبوة يعمل في التجارة. متوسط الطول، أسمر البشرة، كثيف الشعر، وجميل الوجه. وكان يشبه آدم .[1] وكان مدمناً على العبادة تقياً وزاهداً. كريماً ورحيماً. وكان كريماً في عطائه للمحتاجين.

 قوم عاد

ذكر القرآن الكريم قوم عاد في كل من سورة الأعراف، هود، المؤمنون، الشعراء، فصلت، الأحقاف، الذاريات، القمر، الحاقة والفجر.

وقوم عاد هم مجموعة من ثلاثة وعشرين قبيلة من العرب. وعاد الذي سمي هذا القوم على اسمه هو من أحفاد نوح . ويعتقد بأن حياتهم كانت بعد نوح  بحوالي ثمانمائة سنة تقريباً.

ويقال بأن ديار الأحقاف التي رأى فيها قوم عاد مصرعهم وهلاكهم التي أصبحت عبرة للبشرية كافة، هي في المنطقة الواقعة بين اليمن وعدن وعمان. وكان قوم عاد هم أول الذين سكنوا شبه الجزيرة العربية التي كانت تسمى بعرب العاربة. وكان هذا القوم يمتلكون أراض غنية بالعشب والماء ومختلف أنواع النعم والكروم والحدائق. ينابيع متدفقة على وجه الأرض، وكروم وحدائق وماشية مختلفة الأنواع، ومن تحت الأرض أيضاً خزائن المياه المختلفة والقصور. بل إن منطقة الأحقاف كانت تعرف باسم «إرم». والتسمية المشهورة «حدائق إرم» تأتي من هذا الاسم. وكان الناس في هذا القوم أقوياء أشداء، ضخام في الجسم، طوال في البنيان والعمر. وكان قوم عاد ينحتون الجبال فيحفرون منها بيوتاً لهم، وينشِؤن الأبنية المبهرة المشهد. وكانت هذه البيوت تحتوي على الكروم والحدائق والخزانات الجميلة. وكان كل مكان رائع التصميم والجمال.

وكان قوم عاد هم أول قوم عادوا إلى الوثنية بعد طوفان نوح . وبسبب انغماس هذا القوم في نعم الدنيا مع مرور الزمن، غفلوا عن ربهم وابتعدوا عن دينهم بانتشار الفساد والفتنة. وغرقوا في الدنيا بعيداً عن التفكير بحكمة ورعب طوفان نوح. واغتروا بوفرة نعم الدنيا. فأصابهم الكبر والتباهي. يخبرنا الله تعالى عنهم فيقول:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت، 15)

ولشدة ما ابتعدوا به عن الإستقامة الإلهية، بدأ قوم عاد بعبادة أصنام لهم سميت صمد وصمود وصدا وهبا. وأصبحوا ظالمين غادرين. فكانوا يسحقون الضعفاء والمساكين. وكانوا يأخذون المساكين ويصعدون بهم إلى أعالي الأبنية ويرمُونَهُم منها إلى الأسفل. ومن ثم كانوا ينظرون إلى أجسامهم المحطمة ويتمتعون بذلك. أي أن قلوبهم تحجرت إلى هذه الدرجة. وازداد الظلم بشكل لا يمكن للعقل تصوره. فكانوا يغيرون على القبائل الضعيفة ويستولون على بضائعهم. ووصلوا في ترفهم وتباهيهم إلى أبعد الحدود. فكان أول قوم هلكوا بعد طوفان نوح  هم عاد قوم هود .

ولكن علاقة هود عليه السلام  بهذا القوم لم تكن إلا مجرد رابطته النسبية. أما معيشته فكانت مختلفة تماماً عنهم. فلقد كان ابن عائلة عريقة وطاهرة

وأمام ضلال قوم عاد وتماديهم في المعصية وازدياد فسادهم مع مرور الزمن، أوحى الله إلى هود عليه السلام  يقول له:

«يا هود! لقد اخترتك من بين قومك. اذهب إليهم؛ ولا تخف منهم! وسأريهم آياتي لأجلك…»

وبعد أن جاءه الوحي، ذهب هود عليه السلام  إلى مكان اجتماع قومه. وكان ملكهم هلجان يجلس على عرش من الذهب. وبدأ هود عليه السلام  خطابه إليهم بصوت كث (حزين) فقال لهم:

“ – يا قوم اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به! وتذكروا قوم نوح، لقد هلكوا لنفس السبب!”

وتقص علينا الآيات الكريمة دعوة هود عليه السلام  بقوله تعالى:

﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (هود، 52)

غضب هلجان وقال:

– عار عليك يا هود! أتعتقد بأنك ستغلبنا ونحن على ما نحن عليه من القوة والجمع؟ ألا تعلم أنك فرد واحد! أم أنك لا تعلم أنه يولد لنا في اليوم الواحد ألف طفل!

وهكذا، نجد أن هلجان وقوم عاد اغتروا بالمال والولد واحتقروا أمر هود عليه السلام  ولم يؤمنوا معه. وتذكر الآيات الكريمة هذه القصة فتقول: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ. قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف، 65-67)

وتذكر سورة هود أحداث اعتراض قوم هود وإنكارهم لهود  فتقول:

﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.  إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود، 53-54)

ولم يكن جواب قوم عاد إلى هود عليه السلام  بطريقة اعتراضهم بمختلف عن جواب بقية الأقوام إلى رسلها. بل كانت كما هو الحال من اعتراض للمنكرين في أيامنا. وكانت هذه الإعتراضات كما هو الحال دائماً هي من أشراف القوم بشكل خاص. وأهم أسباب هذه الإعتراضات هو الأسباب الدنيوية ومنافعها بالنسبة لهؤلاء الناس. ويمكن تحديد اعتراضات قوم هود  ضمن هذه المواد والعناوين التالية:

  1. اتهامهم هود بالضلالة والجهل لقلة حظهم وجحودهم، حيث تتحدث الآيات الكريمة عن ذلك بقوله تعالى:

﴿…إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف، 60)

﴿…إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الأعراف، 66)

  1. توجههم إليه بعصبيتهم الكبيرة التي جعلتهم بعتقدون بأن أفضل الطرق هو الدين الذي سلكه أجدادهم. وتروي الآية القرآنية هذا الأمر فتقول:

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا…﴾ (الأعراف، 70)

  1. اعتقادهم بأنهم أقوياء وأشداء فلا يمكن لهود أن يضرهم بشيء. تقول الآية الكريمة:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً…﴾ (فصلت، 15)

  1. إنكارهم للآخرة وادعاؤهم بأن الحياة ليست إلا الحياة الدنيا فحسب. ويخبرنا الله سبحانه وتعالى عن غفلتهم وجهالتهم هذه في الآية الكريمة فيقول:

﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون، 37)

  1. تحقيرهم لهود وللمؤمنين واستهزاؤهم بهم.

تقول الآية الكريمة:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون، 33-34)

تحذيرات إلهية مليئة بالعبر

حزن هود عليه السلام  كثيراً لما وجده من تصرفات قومه. ورفع يده إلى السماء ملتجئاً إلى رب العزة والجلالة. فأصبحت نساؤهم عواقر لا تنجب الأطفال. واستمر هذا الحال عشر سنوات كاملة.

فأتوا هود عليه السلام  مكرهين. ولكنهم كانوا لا يزالون على غفلتهم. وعلى الرغم مما شهدوه من معجزة إلهية واضحة إلا أنهم قالوا: «– أرنا معجزة !»

ومن ثم وبحسب ما ترويه لنا سورة الأحقاف في الآية 22 منها، تمادوا في غيهم وتأنيبهم واستهزائهم فقالوا:

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الأحقاف، 22)

وأمام ما كان منهم، أمر الله تعالى الينابيع فجفت، فاصفرت الحدائق والكروم. وأصبحت “كروم إرم” تلك الكروم الجميلة وكأنها لم تكن. وأصبح الناس ضخام الجثث يبحثون عن اللقمة الواحدة.

وجمعهم هود عليه السلام  مرة أخرى. وتوجه إليهم بالوعظ مرة أخرى:

“استغفروا الله!» ومن ثم توجه إليهم بالتحذير الشديد لما هم عليه من إصرار على الكفر والضلال، فقال:

﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[2]﴾ (هود، 54-56)

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود، 57)

وكما تشاهدون في هذه الآيات الكريمة، توجه هود عليه السلام  إلى قومه بتهديد واضح وشديد إلى المشركين من قومه، فهو يقول لهم:

«اجتمعوا جميعاً وحاولوا ما استطعتم وبكل ما أوتيتم من قوة للقضاء علي. بل ولا تنتظروا لتنفيذ ذلك أبداً أن تفتحوا عيونكم وتغلقوها. تأكدوا أنني لن آبه بكم، ولن أفكر فيما يمكن أن تفعلوه بي، ولا أنظر إليكم أبداً. لأنني أتوكل على الله وحده. وأستند إليه وحده. ومن يتوكل عليه لا يضره أحد قط. لن أخشى أحداً سواه. فأنا لا أتوكل ولا أعبد إلا الله وحده.»

إن هذه الكلمات وحدها لهي خير دليل واضح على نبوة هود عليه السلام  وعبوديته لله تعالى، وضلالة وجهل من أمامه. وأمام هذا القول، لم يتمكن أعداؤه من إلحاق الضرر به أبداً، ولم يتمكنوا من إبعاده عن دعوته. وهذا دليل آخر على صدق دعوته.

ولم تكن هذه التهديدات كافية لهداية قوم عاد. وعلى الرغم من كل ما تعرضوا له من شدة وأزمات، إلا أنهم لم يستغفروا الله ، ولم يعودوا إلى الله وعقيدة التوحيد. فكانوا بما رزقوا من غنى وثروة فاحشة في غفلة وضلال وشذوذ جعلهم يبتعدون عن العبادة لله. فاتباعهم للأنبياء في هذه الحالة سيكون سبباً في امتناعهم عن الكثير من المحرمات، وسيمتنعون عن التصرف بعيداً عن العدل، ولن يتمكنوا من أذية الضعيف. لأن دين التوحيد الذي هو دين الحق، هو دين يجلب معه عديداً من الموانع (الحدود). ولكن من تعود من الناس على المعيشة بناءً لهوى نفسه، فإنه لن يرغب في الدخول ضمن نطاق هذه الحدود. بل سيرغب بالاستمرار في الحياة في غفلة وضمن حدود راحة نفسه.

الريح التي قلبت عاليها سافلها

وبناءً عليه، منع الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنوات متتالية. فأرسلوا إلى مكة هيئة طلباً للمطر. وبعد ذلك بفترة قصيرة بدأت الغيوم بالظهور. وعندما رأى قوم عاد الغيوم تغطي السماء من أولها إلى آخرها فرحوا وقالوا:

«ها قد أتى المطر!». ولكنها كانت غيوم العذاب. وخاطبهم هود عليه السلام للمرة الأخيرة قائلاً:

«آمنوا!» وهو يدعوهم منذراً لهم ليتجنبوا ذلك العذاب. ولكنهم وفي غفلة تامة أصروا مرة أخرى على غيهم فقالوا:

«كلا، بل هي الغيوم التي تسبق المطر!»

وهكذا، تصرفوا أمام آخر إنذار رباني بصمم وعميان. وأخيراً، أحاط الملائكة المكلفون هؤلاء القوم بهذا الوابل الكثيف من الغيوم. وبدأت العواصف تشتد مع صباح يوم الأربعاء. وكانت قوة هذه العواصف شديدة لدرجة تتمكن فيها من اقتلاع الشجر من جذورها. ومازالت هذه العواصف تشتد ويزداد صفيرها وبرودتها. يروي القرآن الكريم فيقول:

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (فصلت، 16)

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ(القمر، 19)

﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ. مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (الذاريات، 41-42)

وبدأ الناس مع شدة هذه العواصف بالتطاير في الهواء مثل العصافير. وحاولوا تثبيت أنفسهم عبر ربط ألبستهم ببعضها البعض، في محاولة لتشكيل حلقة من أجسادهم تقيهم التطاير من شدة الريح، ولكن ذلك لم يكن كافياً أيضاً. وعند رؤية بعضهم للإبل وضخام الناس يتطايرون في الهواء ركضوا إلى بيوتهم يتحامون فيها. ولكن نفس العاقبة كانت تلاحقهم. فكانت الريح تلتقطهم من البيوت وترمي بهم مثل القمامة إلى الخارج. ويصور القرآن الكريم هذه الحالة فيقول:

﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (القمر، 20)

ويأمر الله تعالى الريح بأن تلقي قمم التراب عليهم. واستمرت هذه الحال سبعة ليال وثمانية أيام. فكانت العاقبة المؤلمة نصيب هذه الأمة الجائرة. يتحدث القرآن الكريم عن هلاك قوم عاد في الآيات الكريمة فيقول:

﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ(الحاقة، 7-8)

﴿…وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ(الأعراف، 72)

﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود، 59-60)

ومع حلول موعد هذه العواصف، نَجّى الله سبحانه وتعالى برحمته وعنايته هوداً  ومن كان على عقيدة الإيمان من قومه. ونزل العذاب على العاصين منهم. تقول الآية الكريمة:

﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود، 58)

ويتحدث علماء التفسير عن قوله تعالى “ونجيناهم برحمة منّا» فيقولون: ((لقد حفظ الله تعالى ونَجّى هوداً  ومن تبعه من المؤمنين بمقتضى رحمته. ونفهم من هذا الأمر أن ما يمن الله به على عباده من النعم واللطف، لا يكون أبداً نتيجة ما يقومون به من أعمال، وإنما هو إحسان تسببه الرحمة الإلهية)).

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم َإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:

لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف، 24] ” (البخاري، التفسير، 46/2؛ مسلم، الإستسقاء، 14-16)

كذلك الأمر، عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الريح اشتدت قال:

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ(مسلم، الاستسقاء، 15)

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل من التيقظ وأراد لأمته أيضاً أن تكون على هذه الحالة الروحية.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَادِي عُسْفَانَ حِينَ حَجَّ، قَالَ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ”

قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ، وَصَالِحٌ عَلَى بَكَرَاتٍ حُمْرٍ خُطُمُهَا اللِّيفُ، أُزُرُهُمْ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمْ النِّمَارُ، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ “.(أحمد، المسند، جـ1، 232)

وبعد أن أهلك الله تعالى قوم عاد، انتقل هود عليه السلام  ومن تبعه من المؤمنين إلى مكة، وبقي فيها إلى أن توفي هناك.

معجزات هود عليه السلام

1- كان يوجه الريح بإذن الله إلى الاتجاه الذي يريد.

يتوجه هود  إلى قومه عند طلبهم للمعجزة فيسأل:

«ما هي المعجزة التي تريدون؟»

فأجابوه بأن يوجه الريح إلى الإتجاه الذي يطلبونه. فوجه هود عليه السلام  الريح إلى الإتجاه الذي طلب منه.

ولكم هي من حكمة إلهية أن يعذب الله قوم عاد في نهاية الأمر مستخدماً الريح التي رأى هذا القوم معجزة الله فيها ولم يؤمنوا به. ويصف القرآن الكريم هذه الريح بقوله تعالى «ريح صرصر» (أي الإعصار الشديد المصحوب بشدة الضجيج)

2- حول الصوف إلى حبال غليظة. وجعلها بحالة من اللمعان.

3- أثناء المطر الشديد كان الناس لا يتمكنون من السفر. فدَعا  هود عليه السلام  ربه فتشكلت على الطرقات ستائر أو حواجز. فكان الناس ينتظرون في هذه الملاجئ إلى أن يهدأ المطر.

*

إن ذكر القرآن الكريم لقصص الأنبياء والأقوام السابقين هي لكي يتمكن المؤمنون من أخذ العبر منها. فكل موقف من مواقف الأنبياء السابقين هو طريق يجب على المؤمنين سلوكها. وعند نظرنا إلى قصة هود عليه السلام  من هذه الزاوية فإننا سنجد العديد من التصرفات النموذجية فيها:

فهود  هو رجل وقور تمسك بكل صدق بالطريق الربانية. فكان يزن كلامه قبل أن ينطق به. فعندما كان يصفه قومه بأن لا عقل له، كان يكتفي بأن يثبت لهم أنه كامل العقل، وأنه أرسل سفيراً من الله تعالى إليهم. فكان لا يرد الإساءة بمثلها، بل على العكس من ذلك كان رقيقاً معهم في التعامل. فكان يذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، وبأن من الواجب عليهم الشكر لله تعالى على كل ذلك بعبادته وإطاعة أوامره. وكان يؤكد أنه لا يبتغي من ذلك أي أجر أبداً.!


[1]     أنظر: الحاكم، المستدرك، 2، 614-616

[2]      أي إن حكم الله تعالى وتصرفاته هي صحيحة تماماً. فهو منزه عن الظلم و الخطأ.