حضرة سيدنا نوح عليه السلام

الذي تطهرت الدنيا من الكفر بطوفانه

حضرة سيدنا نوح عليه السلام

إنَّ نوحاً عليه السلام هو نبيُّ الله  الذي يحتل مكاناً واسعاً له في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريفة. وهو من الأنبياء أولي العزم.[1] وذكر اسمه في القرآن لأسباب متعددة في 43 موضعاً مختلفاً. وتحمل السورة 71 ذات الآيات 28 اسمه. ويعتبر “الأب الثاني” للبشرية بسبب الطوفان الشهير.

بعد أن رفع إدريس  إلى السماء ابتعد الناس من جديد عن الحقيقة وبدؤا بعبادة الوثنية والأصنام. ولهذا أرسل الله نبيه نوحاً  إلى قومه.

واسمه الأصلي هو “يشكر”، وقيل بأنه “ساكن” أو “عبد الغفار”. ولقبه “نجي الله” أي الذي أنقذه الله و”شيخ الأنبياء” أي الأطول عمراً بينهم.

بعد أن رفع إدريس  إلى السماء ابتدأ أتباعه ود وسواع ويعوق ونسر بإحياء الدين والدعوة إليه واحتلوا موقعاً علياً لهم بين الناس. وبعد وفاتهم، قام الناس بوسوسة من الشيطان بصناعة هياكل تجسمهم تكريماً لهم. ومع الزمن تحول الناس إلى عبادة هذه الإصنام. وبدؤا يعتقدون بأن لهذه الهياكل قدرة إلهية.

عن ابن عباس رضي الله عنه يقول:

«صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح عليه السلام في العرب بعد، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع‏.‏ أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت‏» (البخاري، التفسير، 71/1)

ويذكر أنه كان في منطقة الكوفة قوم لا يعبدون الأصنام فيها تابعوا إيمانهم بالتوحيد الإلهي بعيداً عن الوثنية. وكان نوح عليه السلام  من أبناء هذا القوم.

وكان نوح عليه السلام  في بعض الأحيان يعمل راعياً وفي أحيان أخرى يهتم بالتجارة. وكان على رأس قومه رجل ظالم من نسل قابيل يُدعى درمسيل. وكان لكل قبيلة منهم صنم مختلف. ولكل صنم خادمه الخاص. وكان نوح عليه السلام  يجد ذلك الأمر مضحكاً. وكانت عبودية الأصنام وسوء الأخلاق قد وصلت إلى حدها الأقصى في تلك الفترة.

خصائص قوم نوح عليه السلام :

1- كانوا من عبدة الأصنام

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الخاصية فيهم فقال:

﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (نوح، 23)

إن الأصنام وعبدتها كانوا على مدى التاريخ الإنساني مصدراً للإبتعاد عن طريق الحق ودافعاً إلى الشذوذ. فكانت الهياكل التي تصنع بداية بهدف الإحترام والذكرى، تتحول مع الزمن لتصبح أصناماً تعبد.

*

إن عقيدة «أنتروبومورفيست» هي إعطاء الإله الذي يؤمن به الإنسان ويعبده أشكالاً مادية مختلفة وتصاوير مادية. وهذه العقيدة تؤدي إلى تأليه هذه الأشكال التمثيلية وعبادتها في النهاية. أما بالنسبة للديانات التوحيدية فإنها تتفق جميعاً على عبادة الله الواحد «المتعال»، أي الذي هو أعلى وأسمى من مختلف التصورات والعوالم. وهذا الإيمان يبتعد بالإنسان من ذهنية المادة ويوجهه إلى المعاني المجردة. فيعمل على فهم الحقيقة المعنوية متخطياً النظرة المادية البحتة. ولكن الذهنية البشرية، عوضاً عن الوصول إلى هذه المرتبة، تهرب إلى السهل فتعمد إلى تجسيم الإله وتشبيهه، أي أنها تقع في خطأ تصور الله ضمن الأبعاد الدنيوية الخاصة به. وهو ما أدى دائماً إلى النزوح بالبشرية نحو الوثنية وعبادة الأصنام.

ولهذا عمد الدين الإسلامي بشكل رائع على تنقية هذا الميل الإنساني بأن حرم تصوير الله تعالى وتشبيهه بأي نوع من الأنواع أو الأشكال. ولهذا ومنعاً للإنسان من الوقوع في ضلالة الإتجاه إلى تعبد المجرد المشخص، حرم الإسلام الأصنام والرسوم. علماً أن للرسوم والهياكل ضرراً  آخر وهو تحديد قدرة التخيل وبالتالي إعاقة الإنسان عن إدراك واستيعاب المعاني التصورية العليا.

ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد بأن الإكثار من زيارة القبور تُؤدي بالإنسان إلى الوثنية، قام بداية بمنع هذه الزيارات. ولكن، وبعد أن تعمقت فكرة التوحيد في النفوس، سمح  بذلك بقوله:

نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا…” (مسلم، الجنائز، 106)

وقال عليه الصلاة والسلام:

قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ” (الترمذي، الجنائز، 60، 1054)

إذن، إن زيارة القبور قد أوصى بها تذكيراً بالموت، وهدية من الأحياء إلى الموتى، أي لقراءة القرآن لهم والدعاء لهم، وتفكراً بالآخرة.

أما الأدعية والطلبات التي يتقدم بها الناس في حضرة قبور الأولياء والصالحين فإنها ولو كانت بشفاعتهم ومحبتهم إلا أنها يجب أن تطلب مباشرة من الله تعالى. لأن طلبها من العبد يؤدي إلى الشرك. وهو ما حصل بالفعل لقوم نوح عليه السلام .

إن الله تعالى لا يشبه أياً كان من المخلوقات، أي أنه بعيد في وصفه عن أي بعد أو شكل أو أي تصور من التصورات أو التوقعات البشرية.

يقول الشيخ الجليل الشبلي:

«عندما تحصرون أفكاركم وتعتقدون بأنكم قد توصلتم إلى تصور معين للذات الإلهية، إذا بهذه التصورات تعود إليكم. ذلك لأنها أفكار ابتدعتموها (أحدثتموها) وهي بالتالي مثلكم مخلوقة (مصنوعة)…»

فكان وكأن الشيخ الشبلي الجليل يريدنا في كلامه هذا أن نفرق بين القديم والمحدث، وأن الطريق الأمثل لمعرفة الله  هي من خلال ما وصف لنا بها نفسه وبين لنا من خصائص، وأن لا طريق آخر لذلك. وبالتالي فإن ترك الإنسان للوحي المنزل ومحاولته تشخيص صورة الله في نفسه، سيجره إلى نتائج سفلية محزنة.

ويعبر علماؤنا الأفاضل عن فكرة أن الله تعالى هو فوق إدراك البشر وأبعد كثيراً عن التصورات بكلمات موجزة مختصرة فقالوا:

كُلُّ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ وَاللَّهُ وَرَاءَ ذلِكَ

العقل محدث (أي مخلوق). ولهذا فإن من غير الممكن أبداً إدراك الحق سبحانه وتعالى عبر هذا المخلوق المحدث. ولكن نبي الله موسى  عندما كلمه الله سبحانه وتعالى شعر بمتعة كبيرة من ذلك. فدفعته متعته هذه وجاذبيتها إلى طلب ما هو أبعد من ذلك فأراد رؤية الحق جَلَّ وعلا وألح عليه في ذلك. وقد روى القرآن الكريم تفاصيل هذا الأمر بقوله سبحانه و تعالى:

﴿…قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي…﴾ (الأعراف، 143)

إن رؤية الله تعالى لن تكون إلا من نصيب أهل الجنة كل بحسب درجته ورفعته فيها.

2- لقد كان قوم نوح عليه السلام ظالمين وطاغين إلى أبعد الحدود. وتتحدث الآية القرآنية الكريمة عن طغيانهم وظلمهم فتقول:

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ (النجم، 52)

3- كانوا فاسقين.

يقول الله تعالى:﴿… إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الذاريات، 46)

4- كانوا مرتكبين للسيئات.

حيث تصف الآية الكريمة حالتهم هذه فتقول:

﴿…إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ…﴾ (الأنبياء، 77)

5- كانوا بدون وجدان.

حيث تصف الآية الكريمة قوم نوح عليه السلام الذين حرموا من أحاسيس الشفقة والرحمة فتقول:

﴿…إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ (الأعراف، 64)

6- كانوا عنيدين جداً.

فقد كان قوم نوح عليه السلام أناس تعودوا على الكفر والمحرمات، واعتمدوا على العناد في الدنيا كمبدأ لهم في الحياة. وهم قوم سيستمرون في عنادهم هذا في الآخرة أيضاً، فينكرون بجهلهم أن نبياً من الله قد أرسل إليهم.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى، هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟  فَيَقُولُونَ لاَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” (الوَسَطُ العَدْلُ)

ويكمل أبو سعيد الخدري روايته بهذه الإضافة فيقول:

وذلك قول الله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…﴾ (البقرة، 143) (البخاري، التفسير، 2/31؛  الأنبياء، 3)

وهكذا فإننا نرى من خلال هذه الآية الكريمة أنها تؤكد بشكل واضح أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته سيشهدون لباقي الأنبياء وأممهم.

نعم، لقد أرسل الله تعالى نوح عليه السلام  بالفعل إلى هذا القوم الذين ضلوا عن الحقيقة. تقول الآية الكريمة:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (نوح، 1)

سنوات التبليغ الطويلة:

جاء جبريل  إلى نوح عليه السلام  وهو في الخمسين من عمره وأعلمه بنبوته وقال له: «اذهب إلى درمسيل وقومه! وبَلِّغْهم عقيدةَ التوحيدِ!»

وأعطى نوح عليه السلام  عهده (الميثاق) بتبليغ عقيدة التوحيد حتى آخر يوم من حياته. يقول الله :

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب، 7)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود، 25 -26)

في بداية الأمر، عمد نوح عليه السلام  إلى القيام بوظيفته بشكل سري ومن ثم انتقل بدعوته إلى العلانية. وعلى الرغم من أنه كان في شبابه محبوباً من الجميع، إلا أن هذا الأمر تغير عندما ابتدأ بالتبليغ. ولم يتبعه من قومه إلا قليل.

ويصل إلى درمسيل ملك القوم أخبار نشاطات الدعوة التي يقوم بها نوح عليه السلام  فيقول لمن حوله: “-ومن هو هذا؟” فيجيبون:

“على الرغم من أنه من قومنا إلا أنه لا يمتثل بأفعالنا… اسمه نوح بن لامك. وكان عاقلاً في البداية. ولكنه فقد عقله. وهو يقول بأنه نبي!” وعندما قالوا: “وهو يعارض عبادة الأصنام!” دَعَا درمسيل نوحاً  إليه وقال له مؤنباً: “يا حسرة عليك! أأنت تنكر آلهتنا؟”

كما كان الناس يسخرون من نوح عليه السلام  لكون أتباعه جميعهم من الفقراء. فيقول الكافرون لنوح :

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ اْلأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء، 111)

هذه الأمة الجاهلة والظالمة، كانت تحتقر الفقراء والغرباء تكبراً. ولكن نوحاً ، وكما كان يدافع عن دعوته، كان يدافع أيضاً عن أتباع هذه الدعوة. فأجاب على اتهامات المنكرين بقوله:

﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء، 114)

﴿…إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ. وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود، 29-30)

وبعد وفاة درمسيل ينتقل الحكم من بعده إلى ولده نفلين. وكان هذا الأخير أشد ظلماً من أبيه. واستمر نوح عليه السلام  بدعوته في زمن نفلين أيضاً.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ! حَتَّى إِذَا تَمَادَوْا فِي مَعْصِيَتِهِمْ وَعَظُمَتْ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الشَّأْنُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَانْتَظَرَ النَّجْلَ بَعْدَ النَّجْلِ فَلَا يَأْتِي قَرْنٌ إِلَّا كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الْذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى إِنْ كَانَ الْآخَرُ لَيَقُولَ: قَدْ كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَأَجْدَادِنَا مَجْنُونًا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ يُضْرَبُ وَيُلَفُّ، وَيُلْقَى فِي بَيْتِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَإِذَا أَفَاقَ اغْتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، .(ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 1، 63)

على الرغم من كل هذه الأذية كان نوح عليه السلام  يصبر صبراً كبيراً. ولهذا، ومن لطف الله عليه، كان جبريل  يداوي جراحه بين الفينة والأخرى. ويقول المشركون له:

“عار عليك يا نوح! ألا ترجع حتى الآن عن دعوتك بعد كل ضربنا وسبابنا؟!” فيجيبهم نوح عليه السلام  ناصحاً لهم:

“أنا لست بمجنون. أجدادكم الآن يتعذبون! ألا تعقلون!”

ويكمل نوح عليه السلام  بقوله:

“إذا أعرضتم عن دعوتي، فلن تضروني بشيء!”

ذلك أن الإنسان يخاف من شيئين اثنين:

  1. أذية الآخرين له
  2. أن تنقطع مصالحه

ولكن نوح عليه السلام  يجيب على النوع الأول من الخوف بقوله لهم:

«أنا لا أخاف من أذاكم ! فأنا متوكل على ربي»

ويجيب على النوع الثاني من الخوف فيقول:

«أنا لا أريد منكم أجراً»

وهذا ما تتحدث عنه الآية القرآنية الكريمة حيث تقول:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء، 109-110)

ولكن أحداً منهم لم يستمع إلى دعوته هذه. وما آمن معه إلا قليل من قومه. ومن أولاده آمن سام وحام ويافث. أما ابنه كنعان فلم يؤمن. وأهانه قومه وعذبوه طيلة فترة نبوته. فتحمل نوح عليه السلام  أفعال قومه 950 سنة كاملة. وبعد كل هذه السنين أخبر نوح عليه السلام ربه بعجزه وأن صبره على الأذى لن يأتي معهم بنتيجة.

على مدى التاريخ، كانت أهم الأسباب التي منعت الأمم من القبول برسالة التوحيد التي بشرهم بها أنبياؤُهم وبالتالي حرمانهم من الهداية هي بشكل رئيسي الأمور التالية:

  1. في مختلف الديانات السماوية هناك إيمان “بالآخرة” التي ستكون مكاناً للمكافأة أو العقاب على الأعمال التي ترتكب في الدنيا. وهذا الأمر يمنع الأفراد من التحرك كما يشاؤون. فهم مجبرون على التحرك ضمن الأطر التي تنظمها نصوص هذا الدين.

ولهذا، كان الخبر الأول الذي أقلق عبدة الأصنام عند ظهور الإسلام هو خبر “الآخرة”. وقالوا عنه “الخبر الكبير”. وانزعجوا بشدة منه.

ولهذا تحدث القرآن الكريم عن هذا الانزعاج والضيق فقال:

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (النبأ، 1-3)

إن المجتمعات الوثنية تقوم على مبدأ أن يتحكم القوي بالضعيف وأن يستعبده وفقاً لرغباته النفسانية. فلا تجد قوانين تدافع عن حقوق الضعيف. وتتركز مصالح المجتمع جميعها في يد الأقوياء. وهم يؤمنون بأنهم لن يحاسبوا في الآخرة على ما يرتكبون من أمور وأفعال. ولهذا فإن فكرة الإيمان بالآخرة في الأديان السماوية هي سبب كبير في انزعاجهم.

  1. تتميز الديانات السماوية بأسلوب عبادة منظم ومنضبط. وهذا الأمر غير موجود لدى الوثنيين. فالوثنيون يستخدمون الأصنام كمساعدين لهم بحسب مصالحهم. ويعتقدون بأنها ستؤمن لهم الحماية. ولهذا فهم لا يريدون أن تخر رقابهم فيتنازلوا عن رغباتهم النفسية أمام العبادات المنضبطة في الديانات السماوية.
  2. إن الأنبياء في الأديان السماوية يشكلون شخصيات نموذجية (أسوة حسنة) في مجتمعاتهم. أما في الوثنية، فلا وجود لمثال أو أسوة هكذا. فهم يتحركون وفقاً لرغباتهم النفسية. والنساء متعددات الأزواج هن أحد هذه الأمثلة في المجتمعات الجاهلية.

إن الإيمان لدى الإنسان فطرة. فإذا لم يصل الإنسان إلى الحق تعالى أو وجد أن الحق صعب مناله، اتجه إلى الباطل. فإذا بقي الإيمان في الشعور الباطني ولم يصل إلى مصدره الحقيقي، غلبه الكفر. أما إن تمكن الإيمان من الرقي إلى طريق الوحي الإلهي فإنه يتحول إلى الكمال، وبالتالي يصبح الإيمان حقيقة حاصلة.

  1. إن الوثنيين من الأقوياء والأغنياء ورجالات المجتمع الراقي عندهم، ينظرون إلى الأنبياء وأصحابهم الذين يعيشون في المجتمع حياة بسيطة أو عادية باستصغار بسبب ما يشعرون به من كبر في نفوسهم. لأنهم يعتقدون أنهم إن أخذوا لهم صفاً مع الضعفاء فإن قيمتهم في المجتمع ستضعف ويفقدونها.
  2. ومن الأسباب التي تمنع هداية الوثنيين أيضاً الرغبات الدنيوية كالمال والملك والأولاد. وهو ما يجعلهم يقعون في الغفلة في خداع مؤلم للنفس يغلق قلوبهم عن الحق ويغلفها.

تقول الآية الكريمة:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران، 14)

ويسرد نوح عليه السلام  النوايا السيئة لقومه عبدة الأوثان ويقول لهم متحدياً: ﴿…ِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (يونس، 71)

من المؤكد أن كلمات نوح عليه السلام  هذه إن هي إلا دليل على توكله العميق على ربه.

طلب القوم السيئي الطالع للعذاب:

لم يؤمن لنوح  إلا من آمن معه في السنوات الأولى من دعوته فقط. إضافة لهذا، كانت الأذية والإهانات التي يتوجه بها قومه إليه وإلى أصحابه قد وصلت إلى حدها الأكبر. بل لقد وصل بهم الحال إلى التجرء على طلب العذاب الإلهي:

﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (هود، 32)

وأمام هذا التحدي الذي ظهر من قومه بقولهم: “هيا أبعث علينا العذاب!” واستصغارهم للدعوة باعتبارها مجرد كذبة، عاد نوح عليه السلام ليبين لهم إرادة وقدرة الله تعالى فقال:

﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود، 33-34)

ويخبر الله تعالى نوحاً بأنه لن يؤمن من قومه أحد ويخبره مواسياً: ﴿…لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (هود، 36)

وأخيراً، وكنذير لبداية العقاب الإلهي عليهم، عاقب الله هذا القوم الذي لم يروض بأي شكل من الأشكال بأن منع عنهم المطر أربعين سنة كاملة. فتلفت حيواناتهم. ولم يولد لهم أطفال. فتوجهوا بعجز إلى نوح عليه السلام  يسألونه. فقال لهم:

“عودوا عن شرككم؛ وسأدعو لكم!”

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ (نوح، 10-12)

يقول مقاتل بن سليمان رحمة الله عليه: “بعد نزول هذه الآيات، تصبح قراءة الإستغفار في أدعية الاستسقاء مشهورة”

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ” (أبو داود، الوتر، 26، رقم: 1518)

ويكمل نوح   نصيحته لقومه وتحذيره فيقول:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا. أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا. لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (نوح، 13-20)

ولكن هذه الأمة الوثنية الحمقاء، لم تكن لتستمع إلى هذه النصائح الممتلئة بالحكمة. وهكذا:

﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً. وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾ (نوح، 21-24)

ويشير أب إلى نوح  ويقول لولده: ” –أنظر، لا تؤمن لهذا!” فما كان من الولد إلا أن أخذ العصا من يد أبيه. وضرب نوحاً على رأسه فسال من رأسه الدم. فقال نوح حينها: “يا رب إن كنت تريد خيراً، فارزقهم الهداية! وإلا فالهمني الصبر إلى أن تحكم عليهم! لأنك أنت خير الحاكمين!” ولكن أذية القوم زادت كثيراً. ولم يبق ما يمكن فعله. وهكذا ما كان من نوح  إلا أن دعا ربَّه:

﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (القمر، 10)

على الرغم من دعوة نوح سنوات طويلة إلا أنه لم يؤمن معه إلا القليل من قومه. وكان كل نسل يوصي أبناءه قبل موته بأن لا يؤمنوا لنوح وأن يتحالفوا ضده ويحاربوه. فكان الآباء يقولون لمن يبلغ من أبنائهم: “لا تؤمن بنوح ما دام على قيد الحياة” وفسدت فطرتهم بشكل كامل. والتفوا على الإيمان والحق يرفضونه. ولهذا السبب، قال نوح  يشكو إلى ربه:

﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اْلأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً.رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً﴾ (نوح، 26-28)

بعد هذا اللجوء، يأمر الله تعالى نوحاً  بصناعة سفينة:

﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود، 37)

وكانت هذه السفينة أيضاً سبباً جديداً لسخرية قوم نوح  مما يفعل ويقول. تقول الآية الكريمة:

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (هود، 38-39)

وكان الناس الذين عميت قلوبهم عن الحق والحقيقة يأتون في الليل يريدون أن يحرقوا السفينة، وعندما لا يفلحون في ذلك يقولون: “هذا من سحرك!”. فيعمدون حينها إلى تلويث السفينة. وبعد مدة من الزمن أصابهم مرض الجرب.

واضطروا إلى مسح أبدانهم بقذارتهم ليتمكنوا من الشفاء. وعلى الرغم من أن الله تعالى قد حذرهم بهذه الأمور وأنواع العقاب، إلا أنهم لم يتنبهوا.

العذاب القادم: الطوفان:

لقد كانت السفينة التي أنشأءها نوح  مع أصحابه ممن آمن له من قومه سفينة قوية من الأشخاب الصلبة التي تتحمل الشروط الصعبة. وتتحدث بعض الروايات على أنها كانت مؤلفة من طوابق ثلاثة تم إنشاؤها في فترة استغرقت من سنتين إلى أربع سنوات، وكانت تعمل على البخار الناتج من إشعال النار بداخلها.

وبحسب رواية ابن عباس رضي الله عنه فإن سفينة نوح ركب فيها من البشر 80 شخصاً. ووضع التابوت الذي سلم من جبريل  إلى نوح في هذه السفينة أيضاً، فكان متوسطاً في موقعه في السفينة بين النساء والرجال فيها.

تقول الآية الكريمة:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود، 40)

وكلمة “التنور” التي وردت في الآية الكريمة تعني في اللغة الفرن. ويمكن أن تحمل معاني أخرى أيضاً. ومن هذا المعنى انطلق بعض العلماء للقول بأن سفينة نوح  كانت تعمل بالبخار الناتج من إشعال النار في موقد داخل هذه السفينة.

وتتحدث آية قرآنية كريمة أخرى في وصف من رَكِب في السفينة فتقول:

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون، 27)

وركب الحيوانات في السفينة أيضاً. وبحسب إحدى الروايات فإن نوحاً  لم يكن يريد أن يضع العقرب والحية مع الراكبين في السفينة. ولكنهما أعطياه عهدا فقالاً: “إنا لن نؤذي أحداً يذكر اسمك!”. ولهذا ينصح البعض لمن يتعرض لخطر العقرب أو الحية أن يقرأ قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات، 79)

بنية صافية سليمة، وأن الله تعالى سينقذه عند ذلك من خطرهما. وبعد أن ملأ نوح  السفينة على النحو الذي أمره به ربه سبحانه وتعالى، بدأت إمارات الطوفان بالظهور الواحدة تلو الأخرى. ويتحدث القرآن الكريم مصوراً هذا الأمر بقوله تعالى:

﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا اْلأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (القمر، 11-12)

وكان كنعان، وهو من أبناء نوح، من الذين رفضوا ركوب السفينة. وعلى الرغم من أن نوحاً  حاول للمرة الأخيرة أن يقدم له النصح إلا أنه لم يفلح في ذلك. وينقل القرآن الكريم تفاصيل الحديث الذي دار بين نوحٍ وابنه فيقول جلَّ وعلا:

﴿… وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ…﴾ (هود، 42-43)

ولما لم يوفق نوح بنتيجة مع ابنه بعد هذه الكلمات، توجه إلى ربه مناجياً وراجياً يقول:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (هود، 45)

وكان دعاء نوح لابنه بعد أن دعا على قومه الزلة التي قام بها نوح في حياته. ذلك أن الله تعالى نهاه عن الدعاء للظالمين. ولهذا، وبعد هذه الزلة التي قام بها نوح ، ناداه ربه يحذره أن يكون من الجاهلين فقال له تعالى منبهاً واعظاً:

﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود، 46-47)

وتقول إحدى الروايات أن نوحاً  بكى بكاءً شديداً من هذه الزلة التي قام بها، وهو الأمر الذي كان سبباً في تسميته بهذا الاسم: نوح. واستغفر نوح ربه أمام ما قام به من زلة. ولكن ابنه لم يعد عن الكفر. وأخيراً:

﴿…وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينََ﴾ (هود، 43)

أما نوح  ومن آمن معه وكل من ركب في السفينة من المخلوقات كانوا جميعاً في الحفظ الآلهي. فكانت السفينة تجري بهم كالجبال بين الأمواج. يقول الله تعالى:

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ...﴾ (هود، 42)

﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِر. وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر، 14-16)

انحسار الماء:

كان نوح  في سلامة وأمن من خلال الدعاء الذي كان قد تعلمه قبل الركوب في السفينة الذي يخبر الله  عنه بقوله:

﴿….فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (المؤمنون، 28-29)

وتقول الرواية بأن الطوفان بدأ في شهر رجب في اليوم الأول وأن السفينة بقيت ستة أشهر تبحر فوق الماء. ومن ثم أمر الله تعالى الأرض والسماء فقال:

﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي…﴾ (هود، 44)

وأمام هذا الأمر الإلهي، سحب الماء ورست السفينة في العاشر من شهر محرم على جبل الجودي. وينادي الله سبحانه وتعالى نوحاً  فيقول:

﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود، 48)

وهكذا، نجا نوح  ومن آمن معه. تقول الآية الكريمة:

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (الشعراء، 119)

﴿…وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (يونس، 73)

كوارث في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة…

ويتحدث الله  عن عاقبة الظالمين في الآية الكريمة فيقول:

﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا﴾ (نوح، 25)

عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

“أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر، 67) ” بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”. (القرطبي، جـ9، 37)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركب على حيوانه بغرض الترحال أو السفر يكبر الله تعالى ثلاثاً ويقول:

﴿… سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ (الزخرف، 13-14)  ومن ثم يدعوا الدعاء التالي:

اَللّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى. اَللّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اَللّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ. اَللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ

وعند عودته من السفر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد نفس الدعاء مضيفاً إليه قوله: “آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ”  (مسلم، الحج، 425؛ أبو داود، الجهاد، 72)

وبحسب العلماء فإن الطوفان كان شاملاًً. أي أن مختلف أنحاء الأرض قد غمرت بالماء. وفي كتابه مرآت الكائنات يقول النيشانجي زاده محيي الدين محمد:

“عندما رست السفينة قام ثمانون إنساناً ببناء “مدينة الثمانين” ويقال لهذه المدينة أيضاً “سوق الثمانين”.

وبدأ تكاثر البشر مرة أخرى من خلال هؤلاء الناس الثمانين. وكان ابن نوح الأكبر سام رجلاً ذكياً عاقلاً وصالحاً. ولهذا تسلم زمام الأمر بعد وفاة أبيه. ونال دعاء ورضى نوح. وأكثر الصالحين من الناس هم من نسله. كما أن العرب والفرس هم أيضاً من سلالته.

ويعتقد أيضاً بأن الأفارقة والحبش والهنود هم من نسل ابنه الآخر حام. أما الأتراك والروس والسلاف فهم من نسل يافث. ومن سلالته أيضاً الآسيويون والهنود الحمر الذين يعتقد بأنهم عبروا بحر بيرينغ إلى القارة الأميركية ليكونوا كما قيل عنهم سكانها الأصليين.

ولكن، ومع مرور الزمن ضاعت الحقيقة مرة أخرى. وعاد الناس إلى عبادة النجوم والشمس والأصنام.

وبحسب رواية المفسر فخر الدين الرازي، فإن ما كان في القرآن الكريم من سرد لقصة نوح  هو لمواساة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإعطائه أجمل مثال للصبر والعزيمة التي استمر بها نوح  أكثر من 950 عاماً متتالية متحملاً وصابراً على أذى قومه.

يوم عاشوراء:

بعد أن رست السفينة على جبل الجودي في اليوم العاشر من شهر محرم في اليوم الذي يعرف باسم يوم عاشوراء، صام نوح  ومن آمن معه من المؤمنين هذا اليوم شكراً لله تعالى. وصنعوا مما بقي من المؤنة ما يعرف بطعام عاشوراء. ولهذا، فإن من السنة في يوم عاشوراء أن يصوم الناس ويتقربوا لله بالصدقات.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم(مسلم، الصيام، 202)

ويروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

يأتي رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: يا رسول الله، أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان ؟

فيجيبه عليه الصلاة والسلام بقوله:

إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصُمُ المُحَرَّمَ، فَإِنَّهُ شَهْرُ اللهِ، فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ” (الترمذي، الصوم، 40/741)

وذلك اليوم هو يوم عاشوراء، وأولئك القوم هم قوم موسى  من بني إسرائيل.

ومن هذا المبدأ نرى أن اليهود أيضاً يحتفلون بيوم عاشوراء ويجعلونه عيداً لهم. وتعودوا أن يتزينوا رجالاً ونساءً في هذا اليوم.

ومع ما فيه، وبناءً على صيام موسى  شكراً لله في ذلك اليوم أيضاً، فإننا نجد أن بعض اليهود يصومون يوم عاشوراء تماشياً بما قام به نبيهم موسى .

ويروى عن فضائل هذا اليوم أن الله تعالى:

-تاب على آدم  في هذا اليوم وأعلنه «صفي الله»،

-رفع إدريس  إليه في هذا اليوم،

-أخرج نوح  وقومه من السفينة في هذا اليوم،

-أنقذ إبراهيم  من النار في هذا اليوم،

-أنزل التوراة على موسى  في هذا اليوم،

-خلص يوسف  من السجن في هذا اليوم،

-أعاد إلى يعقوب  بصره في هذا اليوم،

-شفى أيوب  من مرضه في هذا اليوم،

-أنقذ يونس  من بطن الحوت في هذا اليوم،

-فلق البحر الأحمر لبني إسرائيل في هذا اليوم وأوصلهم إلى بر السلامة فيه،

-غفر لداوود  في هذا اليوم،

-أعطى الملك والسلطنة لسليمان  في هذا اليوم،

-غفر لنبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر في هذا اليوم.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ:

مَا هَذَا؟”،

قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ:

فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ” ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (البخاري، الصوم، 69)

وفي حديث آخر، وحرصاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم التشبه باليهود، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام التاسع والعاشر أو العاشر والحادي عشر من محرم في يومين على الأقل. وهذا الحديث إن دل على شيء فإنه يدل على ضرورة مخالفة غير المسلمين حتى في العبادة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:

«كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه» (البخاري، الصوم، 69، مناقب الأنصار، 26، تفسير 2/24)

وبعد انتقاله إلى المدينة استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء بصيام يوم عاشوراء. ولكن، وبعد أن فرض الله تعالى صيام شهر رمضان المبارك، أصبح صوم يوم عاشوراء من النوافل من شاء صامه ومن شاء أفطره. ويمكن من خلال الأحاديث التي يرويها البخاري ومسلم التبين أن صيام يوم عاشوراء قبل أن يفرض صيام شهر رمضان كان صوماً واجباً.

وتكمل عائشة رضي الله عنها حديثها فتقول:

“فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه‏” (البخاري، الصوم، 69؛ مسلم، الصيام، 115)

وحول عاشوراء وفضل الصيام فيه أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ:

“أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ” (البخاري، الصوم، 69)

الأسباب الرئيسية لهلاك قوم نوح:

  1. كفرهم. وإنكارهم لأنبيائهم والحشر والنشر.

2.عبادتهم للأصنام ودعوتهم إلى الشرك.

  1. استصغارهم لنوح ، ومعصيتهم وأذيتهم له.
  2. تكبرهم؛ ويظهر ذلك عبر مخاطبتهم للفقراء بكلمة «أراذلنا». واستصغارهم لأهل الحكمة. وبالفعل، يأتي استكبار الأقوام على فقرائهم ورفضهم الجلوس معهم في نفس الخانة على رأس الأسباب التي أدت إلى هلاكهم.
  3. لم يكن لدى نسائهم الأدب والحياء والعفة.
  4. إدمانهم على ملذات الدنيا.
  5. عدم شكرهم. علماً أن الله تعالى أمر عباده بالشكر على نعمه وتركهم للجحود. ويصنف سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أهل الشكر والصبر قائلاً:

خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابراً” (الترمذي، القيامة، 58)

لقد كان نوح  عبداً كثير الشكر. ولهذا تحدث الله عن صفته هذه لتكون مثالاً لكل البشرية أمام النعم الإلهية فقال الله تعالى تعالى: ﴿…إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الإسراء، 3)

لقد كان نوح  في حالة شكر دائم لله

مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ:

((إِنَّ نُوحًا  كَانَ إِذَا أَكَلَ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا شَرِبَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا لَبِسَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا رَكِبَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَسَمَّاهُ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا))  (ابن حنبل، الزهد، ص 50)

إن الشكر هو العبادة الخالصة من العبد لربه يؤديها بمختلف تصرفاته وأقواله على ما أنعم الله به عليه من خيرات ونعم. أي أن الشكر هو أن تعرف صاحب النعمة الحقيقي.

يقول السرّي السّقطي -قدس الله سره-:

«إذا اكتسب أحدهم نعمة ولم يُوفِ شكرها حرم من هذه النعمة!»

وتصديقاً لهذا القول يؤكد الله تعالى على هذا المعنى بقوله:

﴿…لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم، 7)

من أوصاف نوح :

  1. كان من أهل الخدمة.
  2. ركوبه البحر واستفادته من البحر.
  3. كان عبداً شاكراً وصابراً.
  4. كان كثير الاستغفار.

لقد استمرت نبوة نوح  تسعمائةٍ وخمسين سنةً ومن ثم وكغيره من البشر، سلم هذا النبي العظيم روحه لربه.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ:

“إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا  لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ” (أحمد، 2، 170)  فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ مِنْ شِرْكٍ، وَلَا كِبْرٍ فَافْعَلْ” (أحمد، الزهد، ص. 45)

حَدَّثَنَا مُوسَى يَعْنِي ابْنَ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ سَامٍ:

«يَا بُنَيَّ، لَا تَدْخُلَنَّ الْقَبْرَ وَفِي قَلْبِكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ اللهَ مُشْرِكًا فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَيَا بُنَيَّ، لَا تَدْخُلَنَّ الْقَبْرَ وَفِي قَلْبِكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْكِبْرِ؛ فَإِنَّ الْكِبْرِيَاءَ رِدَاءُ اللهِ َ، فَمَنْ يُنَازِعِ اللهَ رِدَاءَهُ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، وَيَا بُنَيَّ، لَا تَدْخُلَنَّ الْقَبْرَ وَفِي قَلْبِكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْقَنَطِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِلَّا ضَالٌّ» (أحمد، الزهد، ص. 46)

وَلَمَّا حَضَرَتْ نُوحًا الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ. وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ سَامٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ. (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 1، 67)

بَنَى نُوحٌ   بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَنَيْتُ غَيْرَ هَذَا فَقَالَ:  «هَذَا لِمَنْ يَمُوتُ كَثِيرٌ» (أبو نعيم، الحلية، جـ 8، 145)

ومع نوح الذي تحمل عذاب قومه وكفرهم وشركهم وظلمهم تسعمائةٍ وخمسين سنةً كاملة، فإنه أصبح خير مثال لمن أتى بعده من الأنبياء والأمم بما أظهره من مشهد رائع في التحمل. وهكذا، فإن أجمل ميراث تركه نبي الله نوح عليه والسلام هو «الصبر». …

الصبر:

الصبر هو المحافظة على الإعتدال، والقدرة على التحمل، ومقاومة الألم، وسعة الصدر، ومقاومة الأزمات والمشقات بهدوء وروِيَّةٍ، والثبات في طريق العقل والدين. وموقع الصبر مهم جداً في ديننا لأنه يجمع في طياته كافة الأخلاق الحميدة. فالصبر هو الوصف الأخلاقي الذي يؤمن المرضاة الإلهية.

وبحسب الدين والأخلاق، فإن الصبر هو التسليم للخالق والهدوء أمام الحوادث والمشقات وكل ما لا يعجب المرء، دون الخروج عن الموازنة المطلوبة.

ويتحدث الإمام النووي بهذا الشأن فيقول:

“الصبر هو إجبار النفس على فعل ما أمرت به. وهو ما يتحقّق بتحمل مشقة العبادة، والبلاء وكل ما عدا المعصية”

ولكي نصبر أمام الحوادث المختلفة، يجب علينا أن نستخدم الصفات الروحانية من المزايا الأخلاقية كالعفو والحلم والتواضع والعفة والقناعة والرحمة والشفقة والإحترام والمسامحة.

والصبر هو نواة الأخلاق الحميدة. وهو نصف الإيمان ومفتاح الرفاهية والسعادة. وهو فضيلة كبرى توصل إلى نعم الجنة. ولهذا فإننا نجد أن الرسل جميعهم ومعهم الأنبياء والأولياء والعلماء اتخذوا الصبر وظيفة لهم لما فيه في كافة أنواع الخير والربح العظيم.

ويتحدث القرآن الكريم عن الصبر في أكثر من سبعين موقعاً مختلفاً. وتوصي مختلف هذه الآيات الكريمة نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم وأمته كافة بالصبر. ومن هذه الآيات قوله :

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل، 127)

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الطور، 48)

﴿…وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ (يونس، 109)

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ…﴾ (الكهف، 28)

وحياة الرسل والأنبياء مليئة بنماذج الصبر الرائعة أمام ما تعرضوا إليه من أزمات خلال دعوتهم إلى التوحيد. لقد صبر نوح  تسعمائةٍ وخمسين عاماً أمام مختلف أنواع الضرب والإستهزاء. كما أوصى موسى قومه من بني إسرائيل بالصبر فقال:

﴿…اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا…﴾ (الأعراف، 128)

وصبر أيوب  أيضاً أمام كل ما تعرض له من ابتلاءات ومصائب بشكل جعل الله تعالى يصف صبره في القرآن الكريم فيقول: ﴿…إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص، 44)

وتتحدث الآية الكريمة عن وصية لقمان  لولده فيقول الحق :

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان، 17)

كما صبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً أمام الظلم والإهانة وبخاصة تلك التي كانت من أهل مكة والطائف إلى أن شرف الله هؤلاء الناس بالإيمان.

ومن خلال الصبر نال الأنبياء والأولياء العون من الله. ولهذا يجب عليهم أن يكونوا شخصيات نموذجية نتخذ منهم أمثلة في حياتنا. وطرف الصبر في الدنيا مؤلم وطرفه في الآخرة جميل جداً. ومن يعش آلام الصبر في الدنيا يَنَلْ رضى الله وجنته في الدولة الأبدية.

ونحن، يجب علينا أن نمنع النفس عما تطلبه وتشتهيه من المحرمات. بل، ومهما كان ذلك صعباً وثقيلاً، نحن مكلفون بالصبر والتحمل. ونحن مجبرون على الصبر والوفاء بأوامر الله تعالى مهما تغيرت صعوبة هذه الأوامر.

يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنواع الصبر وفضائله فيقول:

الصبر ثلاثة: فصبر على المعصية وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَنِ المَعْصِيَةِ فَمَنْ صَبَرَ عَلَى المُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائهَا كتب الله له ثلاثمائة درجة مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ الله لَهُ ستمائة درجة ما بين الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَنْ صَبَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ كَتَبَ الله له تسعمائة درجة ما بين الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ مَرَّتَيْنِ” (السيوطي، الجامع الصغير، 2، 42؛ الديلمي، 2، 416)

ومما لا شك فيه أن الإعتقاد بأن أوامر الله  ونواهيه هي مصدر للنعمة والحكمة والمكافأة الإلهية هو أمر يهون علينا الصبر. في كثير من الأحيان لا يكون في وسعنا إلا تحمل الكوارث الطبيعية وحملها فوق ظهورنا. واللَّه تعالى هو علاج كل عجز. والشكوى والعويل والتذمر ليست إلا من الخسران فقط. ولهذا، فإن من التعقل أن نعتقد بوجوب الصبر أمام كل ما نتعرض له من حوادث فنلجأ إلى الله ونصبر، وأن نؤمن بأن كل شيء هو من عنده، وأن ندرك بأنه امتحان منه، وننتظر مكافأته.

ولا يمكن للإنسان في دنيا الإمتحان هذه أن يحصل على كل ما يريد. وأن نقول أمام ما لا تصل إليه “لعل فيه خيراً» أو «عدم حصوله خير لنا» هو أجمل ما يليق بالعبادة وأفضل حال يؤمن لنا الدرجات المعنوية.

والصبر ليس بالإكراه، بل هو تسليم العبد لقضاء ربه بكل رضى نفس. والصبر عند القوة عن الأخذ بالثأر هو من أجمل الفضائل.

وشرط الصبر الأساسي هو أن يكون عند حدوث المصيبة. أما الصبر الذي تأخر عن موعده فلا مكافأة كبيرة له.

ومن هذا المنطلق، فإن أهم لحظات للصبر لمن فقد ولده أو أحد أقاربه هي صبره وتسليمه من اللحظة الأولى!.

عن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال:

اتقي الله واصبري

فقالت: «إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي»

ولم تعرفه (أي أن المرأة لشدة ما أصابها من ألم وصدمة لم تتعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: “لم أعرفك” (معتذرة)

فقال صلى الله عليه وسلم:

اِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ اْلاُولَى” (البخاري، الجنائز، 32)

*

من أسماء الله تعالى أيضاً “الصبور”. أي أن الله تعالى يمهل عباده ويصبر عليهم فيمدهم حتى الجاحدين منهم بالرزق. فلو أن الله تعالى انتقم من المجرمين في الدنيا مباشرة كيف كان حال الدنيا؟.. يجب التفكر في ذلك!..

تقول الآية الكريمة:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى…﴾ (فاطر، 45)

وأجمل تجلٍّ واضح لاسم الجلالة “الصبور” هو انعكاس هذه الصفة الإلهية متجلية في الأنبياء والصالحين. ولهذا كان الصبر الذي هو أهم ما نحتاجه في أوقات الوفرة والضيق هو أجمل نماذج الأخلاق الثنية التي تنتقل إلينا منهم.

الصبر في الرخاء الوفرة؛ هو عدم الانجرار إلى الكبر والغرور، وعدم الأخذ بالثأر، وأن لا تغلب الشهوات، وهو الابتعاد عن البخل والإسراف، وعدم احتقار الفقراء، وعدم التبجح عند المعروف. لأن النفس أمارة بالسوء. ولهذا يجب الصبر عليها وعدم الانجرار إلى العواقب المؤلمة.

وحالُ إبراهيم  هي خير نموذج للصبر عند المقدرة. فهو لم ينجر إلى أي شيءٍ في الدنيا، بل على العكس، اعتبر أن كل شيء في الدنيا هو أمانة لله . ولهذا، وعلى الرغم من أن الله تعالى من عليه بالكثير من الإمكانات في الدنيا، إلا أنه آثر الصبر وابتعد عن هوى نفسه فنال وصف الله له بـ»الخليل».

وكذلك الأمر، لم يغترَّ سليمان  بما رزقه الله تعالى في الدنيا من سلطنة، وجعلها بعيداً عن قلبه. فكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ  إِذَا أَصْبَحَ تَصَفَّحَ وُجُوهَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأَشْرَافِ حَتَّى يَجِيءَ إِلَى الْمَسَاكِينِ فَيَقْعُدَ مَعَهُمْ وَيَقُولَ: يَا رَبِّ مِسْكِينٌ مَعَ مَسَاكِينَ” (ابن أبي الدنيا، التواضع، رقم: 103) وكان بذلك يعيش أجمل حال من أحوال التواضع.

الصبر عند الضيق؛ وهو حماية النفس عن الصفات الدميمة كالشكوى والحسد وإفشاء السر، والغضب والعصبية والتنازع مع الأهل والأقارب. إذ يجب في هذه الحالات المماثلة أن يصبر المرء ويبتعد عن الأفعال السيئة وأفكارها. ولهذا، يجب الاستفادة وأخذ العبرة من أحوال الأنبياء والصالحين في حالات الوفرة والضيق والعمل على تقليدهم. ويوصي فخر الكائنات عليه الصلاة والسلام المؤمنين بالتوكل والتضرع للّه تعالى عند حالة الضيق والمصيبة وعدم الوقوع في اليأس والعصيان فيقول صلى الله عليه وسلم:

مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ:

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ” (مسلم، الجنائز، 3)

إننا مجبرون ومحكومون بالصبر بهدف الحصول على الرضى الإلهي وبهدف التخلص من الآفات القلبية في الوفرة والضيق. وكم هو جميل مثال أيوب  للصبر في ساعة الضيق:

فَلَمَّا ابْتَلَاهُ اللهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:

إِنَّكَ رَجُلٌ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَادْعُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَكَ. فَقَالَ:

كُنَّا فِي النَّعْمَاءِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلْنَصْبِرْ فِي الْبَلَاءِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَاللَّهِ لَئِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ. (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 1، 117)

وفي النتيجة، لقد نال أيوب ، هذا النبي المتميز الخلق، نتيجة صبره الذي اشتهر على كل لسان وأعاده الله إلى صحته وشبابه وملكه. ولمن يصبر برغم كل ما يمتلكه من إمكانات ووفرة يقال “الأغنياء الشاكرين». ولمن يتعلق قلبه باللَّه فيشكر الله ولا يشتكي أبداً برغم قلة حاله وضعفه يقال «الفقراء الصابرين». وتوجد الكثير من أخبار المكافآت التي لا تُعدُّ ولا تُحْصَى لكل من الأغنياء الشاكرين والفقراء الصابرين.

*

فأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنه، أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا وقال:

“قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ، بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ- وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ- أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا – وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ”

(البخاري، الجنائز، 27)

ومن الصحابة المتميزين أيضاً كان أبو ذر الأنصاري رضي الله عنه شديد الفقر. ولكنه كان لا يتأخر عن الإنفاق، وكانت حياته مليئة بالشكر. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له:

يا أبا ذر إن طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك(مسلم، البر، 142)

ها هما نموذجان لحالة القلب ممن اغترف من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما غني والآخر فقير وكلاهما صاحب ذكرى كبيرة في الصبر. فكلاهما في نفس الحالة الروحانية، مظهرين أجمل نماذج الصبر سعياً لكسب رضى الله، وللحياة الإسلامية بإيمان حقيقي، كل من موقعه الذي هو عليه من الغنى أو الفقر. ونحن أيضاً، ولكي نتمكن من التوصل إلى هذه الأحاسيس، يجب علينا أن نتمسك بالذكر ومجالس العلم بكل ما آتانا الله من قوة!…

يقول الحق تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا…﴾ (آل عمران، 200)

ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضاً:

﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ اْلإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر، 1-3)

ولكن، قبل أن نتمكن من دعوة الناس للكلمة الحق والصبر، يجب علينا أن نطبق هذه الأمور على أنفسنا أولاً.

أسال الله تعالى أن يرزقنا حلاوة الصبر! وأن يرزقنا نصيبنا من صبر الأنبياء والأولياء وسعة صدرهم، وأن يحفظنا من البلاء فلا نضعف فيه!… آمين!…


[1]     الأنبياء أولو العزم: هم الأنبياء ذو الدرجات العُلى وهم: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى وآدم ونوح عليهم السلام.