حضرة سيدنا لوط عليه السلام

داعي الهداية لشعب السدوم

المنجرون إلى كل نوع من أنواع الرذيلة وقلة الأخلاق

حضرة سيدنا لوط عليه السلام

هو ابن حران أخو إبراهيم عليه السلام الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم سبعةً وعشرين مرة.

كان لوط عليه السلام هو أول من آمن لإبراهيم ، وصاحب شرف الهجرة معه في سبيل الله، متعبداً على شريعة سيدنا إبراهيم ، وأهل للعبادة والكرم والصبر، والتقوى وحسن الضيافة. وكان يعمل في الزراعة معتمداً على معيشته من تعب يديه.

يقول الله تعالى:

﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنبياء، 74-75)

﴿وَإِسْمعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام، 86)

بدأ نبي الله لوط عليه السلام بإيفاء رسالته النبوية مع شعب السدوم. فبدأ يدعوهم إلى عبادة الحق جَلَّ وعلا.

شعب السدوم

وكان شعب السدوم شعباَ رذيلاً خالياً من الأخلاق. فكان مجتمعاً يرتكب كل نوع من أنواع سوء الأخلاق التي لم يقم بها أي مجتمع قبلهم. فاعتادوا على ارتكاب الأفعال الذميمة والمقرفة بكل جرأة بل وذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك من الأفعال. فكانوا لا يستمعون لمن يحاول إصلاحهم وهدايتهم فيقولون:

أخرِجُوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون!”

ونسي هذا المجتمع كل أنواع العِفّة ِوالحياء والشرف، وجهروا بفعل أمر دنيء لا يمكن لأحد أن يجده حتى في مجتمع الحيوانات الذي قارنهم القرآن الكريم بهم بأن أكد بأنهم أدنى منهم مرتبة ورفعة فقال: «بل هم أضل»، أي أقل مرتبة من الحيوان نفسه.

وهكذا، كانت مهمة لوط عليه السلام دعوة هذا القوم السيء الطالع على هذا القدر من الدناءة. فكان يدعوهم ليل نهار بكل عزم ومجاهدة. ويروي لنا القرآن الكريم هذه القصة في الآيات الكريمة فيقول الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء، 161-166)

كذب قوم لوط  نبيهم بشكل مباشر. ولم يؤمنوا لدعوته. فبدأ لوط  يبين لهم شدة سوء ما يفعلون من الرذيلة فقال لهم:

﴿…قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف، 80)

وبين لهم أن ما يقومون به من أعمال سيئة ستكون مصدراً يجر بهم إلى الهاوية. فما كان منهم إلا أن حاولوا إخراج لوط  من مدينتهم. يقول تعالى:

﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف، 82)

إن التطهر، والشرف والعفة، تعتبر لدى هذا القوم، الغارق في الرذيلة وانعدام الأخلاق، أمراً محرماً غير مرحب به. فكانوا يشعرون بالضيق من مشاهد الطهر لدى الناس لما هم عليه من تغذية روحية من الرواسب (القمامة). فعمدوا إلى التهديد بقولهم:

﴿…قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (الشعراء، 167)

فذكرهم لوط  بعذاب الله:

﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (القمر، 36)

ولكنهم لم يهتموا للتهديد الإلهي ولم يستوعبوا قدر العذاب الذي سيصيبهم من خلاله. فتجرؤا على تحدي لوط  بكل جرأة وسفالة فقالوا:

﴿…ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (العنكبوت، 29)

ولم يقتربوا بذلك من الإمتناع عن الشذوذ الذي هم عليه.

الصيحة (الصوت الرهيب)  ومطر الحجارة الحامية

بحسب إحدى الروايات، استمر لوط  بدعوة قومه أربعين سنة كاملة في ظروف صعبة جداً. ووصل حال قومه إلى درجة من الظلم والشذوذ لا يمكن تحمله أكثر من ذلك. فكان شعب السدوم مستحقاً للعذاب الإلهي بل وكانوا يطالبون به بكل شدة وجرأة. فما كان من لوط  إلا أن التجأ إلى ربه، وطلب منه العون والمساعدة.  فناجى ربه تعالى بقوله:

﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء، 169)

﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (العنكبوت، 30)

لقد عمل سنوات طويلة لسعادة وهداية قومه، ولم يؤمن معه برغم ذلك إلا ابنتيه مع نفر قليل منهم. وحتى زوجته كانت مع القوم الضالين. ولهذا، كان هذا الدعاء هو الملجأ الأخير للوط . ويرسل الله تعالى ملائكته ليهلك قوم لوط. وحتى هؤلاء الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى لوط  على شكل فتيان، كانت سبباً في تفجر رغبات قومه الذين اتخذوا من اللواط شذوذاً لهم. ولهذا، عمدوا إلى المطالبة بهؤلاء الضيوف من الفتيان طلباً للرذيلة معهم. يتحدث القرآن الكريم عن هذا الأمر فيقول:

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود، 77)

إذ أن لوطاً عليه السلام عندما رأى الملائكة على شكل شباب يافعين لم يعرفهم وظنهم من البشر فخاف عليهم من اغتصاب قومه لهم. إذ أن الآية 80 والآية 81 من سورة الأعراف تتحدث عن هذا الأمر وما وصل إليه قوم لوط من شدة التعطش للرذيلة والفاحشة وكذلك الآية 78 من سورة هود

﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود، 78)

وبحسب بعض التفاسير، فإن المقصود من دعوة لوط  لقومه بالزواج من بناته لم تكن بمعناها بناته من صلبه، وإنما نساء قومه. لأنه لم يكن لديه إلا ابنتين اثنتين. وباعتبار أن كل نبي من أنبياء الله هو سيد القوم ووالدهم المعنوي جاء قول لوط  على شكل: “هؤلاء بناتي”. ولكن شعب السدوم الذين غابت عن بصيرتهم الهداية قالوا:

﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ. قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود، 79-80)

يوضح النبي صلى الله عليه وسلم مقولة لوط عليه السلام إلى قومه بعد سرده لأحداث هذه الحادثة فيقول عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه ابن جرير عن قتادة:

“…رَحِمَ اللهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: لَوْ أَنَّ لِيَ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، قَالَ: فَمَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ‏” (ابن حبان،جـ41، 86)

﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود، 81)

ولهذا، على الرغم من تقدم القوم الشاذين الضالين إلى باب لوط  للمرة الأخيرة، عميت أعينهم جميعاً فجأة في لحظة واحدة. تتحدث الآية الكريمة عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر، 37)

وبحسب رواية القاضي البيضاوي وفخر الدين الرازي، كان أحد هؤلاء الملائكة هو جبريل . فعندما كسر الجمع الباب ودخلوا إلى الدار قام جبريل  بحركة أعمت عيونهم جميعاً. فلم يتمكنوا حتى من الوصول إلى مخرج الباب فيهربوا. بل إن لوطاً  كان يمسك بهم الواحد تلو الآخر ويدلهم على طريق الخروج من البيت.

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود، 82-83)

تروي الآيات 58-77 من سورة الحجر قصة حلول العذاب الإلهي وهلاك قوم لوط بأسلوب روائي مختلف.

كما يصف القرآن الكريم حالة البلدة التي عاش فيها هذا القوم بكلمة «المؤتفكة» التي تعني المقلوبة رأساً على عقب.

عقاباً لهم على ارتكابهم فعلاُ شنيعاً مقرفاً هو ممارسة اللواط، عذب الله تعالى قوم لوط بأن أرسل عليهم في باديء الأمر صوتاً شديداً مرعباً، تبعه بعد ذلك قلب الملائكة لبلدتهم رأساً على عقب، ومن ثم أمر عليهم حجارة من سجيل منضود، في مشهد مرعب للعذاب يمحو هذه الأمة من مشهد التاريخ كاملة.

ويترك الله تعالى آثار هذا العذاب عبرة لمن سيخلفهم من الناس فيقول جناب الحق :

﴿إِنَّ فِي ذلِكَ َلآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ. إِنَّ فِي ذلِكَ َلآيَةً لِلْمُؤمِنِينَ﴾ (الحجر، 75-77)

وتتحدث سورة العنكبوب أيضاً في الآية 35 عن عذاب قوم لوط مبينة لنا أن الله تعالى قد ترك في تلك المدينة آثاراً وعلامات واضحة تبين للأمم القادمة هذا الغضب الإلهي وتدعوهم للعبرة منها. يقول الله تعالى:

﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ العنكبوت، 35)

ويفسر البعض هذه الآيات بأنها ما يروى من قصص وحكايات عن هذا العذاب، وبقايا القرية المدمرة، والحجارة التي أمطرت من السماء، والأنهار الداكنة اللون التي تعبر في المكان.

ويفسر فخر الدين الرازي قوله تعالى: “وإنها لبسبيل مقيم” معتمداً في تفسيره على أن هذه الآيات الكريمة من قصة لوط  إنما أنزلت إلى مشركي مكة بداية، وهم الذين كانوا يسلكون في طريقهم التجارية بين مكة والشام بوادي لوط الذي يقع على جنوب رحلتهم. ويوضح بأن آثار قوم لوط يجب البحث عليها في هذا الموقع إذن.

نساء لوط وأولاده

عندما بدأ لوط  دعوته وكلف بالنبوة، كان متزوجاً من امرأة اسمها فوات كانت مِمَّن آمن به. ولكن زوجته هذه توفيت بعد عشرين سنة. فتزوج لوط  بامرأة من قوم السدوم اسمها واحلة. لكن هذه الزوجة كانت امرأة منافقة. فكانت تسكت عن شذوذ قومها وكفرهم. بل وكانت تدعم سراً قومها ضد لوط .

ففي إحدى أوقات المغرب، وعندما أتى الملائكة رضوان الله عليهم إلى لوط  على هيئة الشباب اليافعين، جميلي الوجه والمحيا، أسرعت واحلة إلى قومها تنبؤهم بخبر ذلك. فخانت بذلك لوطاً . وكان ذلك سبباً رئيسياً في هلاكها مع قومها.

وكان للوط عليه السلام ابنتان من المؤمنات. وخرجت كلاهما مع لوط  ومن آمن معه من الناس قبيل إهلاك الله لشعب السدوم فكانتا ممن نجا معه.

ثم ذهب من نجا منهم معه برفقة لوط  إلى جوار إبراهيم . فقام إبراهيم  بتزويج هاتين البنتين من رجلين مؤمنين من قومه. فكرم الله تعالى بذلك لوطأً  ونسله. فكان أهل مدين من نسل ابنتيه .

الأفعال السيئة الموجودة في قوم لوط وأسباب الهلاك

  1. عبادتهم للأصنام
  2. ممارستهم للواط (أي مجامعة الرجل للرجل).

يروي ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ” (الترمذي، الحدود، 24/1456؛ أبو داود، الحدود 28/4462)

وفي رواية أخرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرر ثلاث مرات قوله:

ملعون من عمل عمل قوم لوط” (أحمد، 1، 317)

يقول مالك بن دينار:

“لم يرتكب أي من الأمم السابقة فاحشة اللواط. إلا قوم لوط الذين بدأ معهم هذا الفعل الشنيع. وكان الشيطان هو من علمهم هذا الفعل. وعندما بدأ الناس بمارسة هذا الفعل الذي يخالف الخلق، اتجهوا نحو الغضب والعذاب الإلهي. لقد وهب الله تعالى الناس الشهوة زيادة في النسل. ولهذا، فإن استخدامها في غير غايتها وخارج نطاق حكمتها هو تحرك بغفلة وجهل من الإنسان وشهوانية. وهو ما ينزل بالإنسانية من مرتبة الشرف والكرامة إلى أسفل من موضع القدم بل إلى مرتبة أدنى من الحيوانات.”

  1. القتل عبر اللواط:

عندما كان الأراذل من قوم لوط يريدون أن يقتلوا أحداً من الناس، كانوا يأمرون الناس بممارسة فعل اللواط معه أولاً إهانة له وتشديداً في الأذية والضرر، ويقتلونه بعد ذلك.

  1. كان قوم السدوم يمارسون فجورهم علانية. وكانوا يعيبون من تعفف منهم. بل وصل بهم الحال من الدنو أن يجعلوا من ضراطهم بشكل علني وسبباً في التسلية واللعب.

بل وذهب قوم لوط في فجورهم وعصيانهم لدرجة كانوا يرفضون وجود من تعفف بينهم فكانوا يقولون للوط :

“- يا لوط! لئن لم تنته عن هذه الأقوال (النصائح)، فإنك بالتأكيد ستطرد (من مدينتنا)!”

  1. كانوا يقطعون الطريق؛ فكانوا يرمون الحجارة الكبيرة على المارة من الطريق.

كانوا يجلسون على جنب الطريق، ويرمون من مر من الناس بالحجارة. وإذا مر غريب من هذه الطريق، رموه بالحجارة استهزاءاً وأذية.

  1. النميمة (نقل الأحاديث)
  2. البخل.

يروي الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فرغ من سرده لأسباب عذاب قوم لوط أكمل في حديثه فقال:

عَشْرُ خِصَال عَمِلَهَا قَوْمُ لُوطٍ بِهَا أُهْلِكُوا وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ: إِتْيَانُ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً وَرَمْيُهُمْ بِالجَلاَهِقِ وَالْخَذْفِ وَلَعِبُهُمْ بِالْحَمَامِ وَضَرْبُ الدُّفُوفِ وَشُرْبُ الخُمُورِ وَقَصُّ اللِّحْيَةِ وَطُولُ الشَّارِبِ وَالصَّفِيرُ وَالتَّصْفِيقُ وَلِبَاسُ الحَرِير وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ: إِتْيَانُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضاً “(السيوطي، الجامع الصغير، رقم: 0518)

يأمر الله سبحانه وتعالى بأخذ العبرة من هلاك قوم لوط، ويبين بأنه ترك آثار الأمم السابقة التي أهلكها عبرة لتاريخ الإنسانية.

وبالفعل، إن “الآيات الواضحة” التي يمكن للمرء رؤيتها في وادي لوط هي غريبة إلى أبعد درجة. فالأحداث التي تجري على أطراف وادي لوط، إضافة إلى الوضع الجيولوجي لهذه الأراضي هو ملفت جداً للنظر. فهذا الوادي مثلاً هو منخفض عن سطح البحر الأبيض المتوسط بأربعمئة متر. وأعمق نقطة في هذا الوادي هي على عمق أربعمئة متر أيضاً. أي أنها على عمق ثمانمئة متر عن سطح البحر الأبيض المتوسط. علماً أن أعمق نقطة عن سطح البحر لا تتجاوز مئة متر فقط إلا وادي لوط. وكأن الله تعالى أراد بذلك أن يبين مدى سفالة ودناءة قوم لوط من خلال مستوى الأرض التي عاشوا فيها.

كما أن سورة الروم في الآية الثالثة منها تتحدث عن هذه الأرض والمنطقة فتصفها بقوله تعالى :«أدنى الأرض: أي أخفض منطقة على سطح الأرض».

وعلى الرغم من أن هذا القول يفسر أيضاً على أنه «أقرب مكان» إلى المنطقة التي يعيش فيها العرب، إلا أن المعنى الأصلي للكلمة هو «أسفل أو أخفض منطقة على سطح الأرض». علماً أنه مع تقنيات العلم الحديث، وعندما تم البحث من خلاله على أكثر المناطق انخفاضاً على سطح الأرض، تبين أن هذا المكان هو وادي لوط الذي تمَّت الإشارة إليه في القرآن الكريم في هذه الآية.

ولكون القرآن الكريم تنزل في فترة لم يكن من الممكن التوصل بها علمياً إلى مثل هذه الحقيقة، فإن هذه الآية الكريمة أيضاً هي بمثابة الدليل القاطع أيضاً على تأكيد نزول القرآن الكريم بأنه كلام الله تعالى، خصوصاً بعدما تم تأكيد هذا الأمر في هذا الزمن باستخدام الأدلة العلمية الواضحة.

ومن خصائص بُحَيْرة وادي لوط أيضاً، أن نسبة الملح فيه أيضاً هي بنسبة ثلاثين في المئة. ولهذا، فإنه لا يمكن في هذه البحيرة للسمك أو النبات أن يعيش. ولهذا، يقال عن هذه البحيرة أيضاً «البحر الميت». لتكون هذه الحقيقة أيضاً عبرة أخرى بأنه حتى الحيوانات لا يمكن لها العيش في هذا المكان الملعون. هذه البحيرة التي هي بلون الزفت، تنشر رائحة كريهة أيضاً. وكأن هذه البحيرة تحدث البشرية بِصفاتها هذه عن الخطايا التي ارتكبت في جوارها.

ويروى أن هذه القصة التي تحدث عنها القرآن الكريم محدثاً عن هذا القوم، قد حصلت في السنوات 1800 قبل الميلاد تقريباً. وبسبب كثافة الملح الموجود فيها، يمكن مشاهدة الأشجار التي بقيت محنطة في منطقة السدوم المغمورة التي أتى فيها عذاب الله تعالى. أما بقايا وآثار هذه المدينة فإنها بسبب تأثير عذاب الله قد غرقت في بطن الأرض.

ومن الأحداث المشابهة لما حصل في مدن السدوم-المغمورة من عذاب إلهي، فإن «فاجعة البومباي» هي مشابهة لها جداً:

هلاك قوم البومباي

إن البومباي هي رمز لبقايا الإمبرطورية الرومانية الموجودة في إيطاليا. ومدينة البومباي أيضاً التي اشتهرت باللواط غرقت بنفس الأسلوب أيضاً الذي أهلك الله تعالى به قوم لوط.

فبحسب المعلومات التاريخية المسجلة، كانت هذه المدينة قبل هلاكها هي مركزاً لقلة الأدب والشذوذ. ولهذا، وبعد عيسى  بسبعين سنة، تتفجر حمم بركان فزوف بشكل مفاجيء وتمحو  هذه المدينة عن الخارطة، ولا ينجو أحد من هذه المدينة من عذاب الله. فرجم أهل هذه المدينة الشاذون بما هم عليه من حماقة وتعاسة أثناء قيامهم بهذه الرذيلة فما نجا منهم أحد.

وحدثت هذه الواقعة في لحظة واحدة. وهو ما كان سبباً في وصول عذاب الله إليهم بشكل مفاجيء. وتبقى آثارهم كما هي عليه حتى هذه اللحظة دون أن تتعرض لأي نوع من التلف في حكمة وموعظة وعبرة للبشرية.

يخبر القرآن الكريم عن مثل هذا الهلاك الآني بقوله:

﴿إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (يس، 29)

لقد هلك شعب البومباي بهذه الطريقة في آن واحدة. وبقيت مناظر ومشاهد هذا القوم أكثر من ألف وتسعمائة سنة وحتى الآن ترينا قبح وجوه هذا الشعب السيء الطالع، في لوحة تشكل عبرة لنا من التاريخ.

يقول الله تعالى:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (مريم، 98)

إن صحف التاريخ المليئة بالعبر، هي وكأنها مقبرة للأمم. فكان الكفر، وقلة الأخلاق، والظلم هي دائماً الأسباب الرئيسية لهلاك وزوال هذه الأمم. وكانت سكرات الموت لدى هذه الأقوام الظالمة الكافرة هي أعظم تجلٍّ للإنتقام الإلهي. وعلى الرغم من مرور العصور الكثيرة، بقي قوم البومباي حتى يومنا هذا، وكأنما هو لوحة للعبرة لمن رجم من الناس المجرمين. فكأنها سهوات إنسان تحول معنوياً إلى الحيوان!…

إن الغافل عن رؤية هذه العبر المتجلية، وهذه الحقائق المرئية، والمحروم من إدراك عبرها فيشاهدها بنظرة نفسانية، هو كما لو أنه مجرد هيكل بسيط لا يدرك ولا يعقل.

وهكذا، غرقت مدينة موضع شعب السدوم – المغمورة الذين ظنوا بسوء طالعهم من الشذوذ وقلة الحياء وانعدام العفة في باطن الأرض، وبقيت الآثار المنحوتة بعظمة بين الصخور لقوم عاد وثمود الذين اتخذوا من الأصنام آلهة لهم آثاراً وبيوتاً خاوية لا يمر عليها إلا الطيور العابرة!.