حضرة سيدنا ادريس عليه السلام

حامل أسرار العجائب السماوية

حضرة سيدنا ادريس عليه السلام

يروى أن ادريس عليه السلام  ولد في جوار بابل[1]. وهو من أحفاد آدم  من النسل السادس.

وكان إدريس  مشغولاً بالعبادة قبل أن تأتيه النبوة أيضاً. فكان يلتقي بالصالحين ويُؤمِّن معيشته من عرق جبينه. فكان أول من خاط اللباس في تاريخ البشرية، أي أن مهنة الخياطة بدأت مع إدريس .

وكان المجتمع الذي يعيش فيه هو جماعة من نسل قابيل. وكان مجتمعاً متردياً في كلا الناحيتين المادية والمعنوية. وكانوا قوماً ابتعدوا عن نهج شيت ، وتركوا وظيفة العبادة. فكانوا يحلون كل محرم وخطيئة ويرتكبونها. فأرسل الله تعالى إلى هذا المجتمع الذي ابتعد عن طريق الحق إدريس  نبياً. وأنزل عليه ثلاثين صحيفة؛ بَيّن الله تعالى فيها أوامره ونواهيه. فقام إدريس  بتبليغ هذه الأوامر والنواهي إلى قومه.

وكان الملائكة يزورون إدريس  على شكل جماعات، يتحدثون إليه. وآمن معه من الناس ما يقرب من الألف.

وكان إدريس  يتوجه إلى قومه ناصحاً بكلمات حكيمة. ومن هذه الكلمات قوله:

«يزداد تواضع المرء الذكي كلما ازدادت مرتبته»

«العاقل لا ينظر إلى عيب الآخر! لا يرمي بعيوب الناس في وجوههم! وإذا ازداد ماله لا يصيبه الغرور فَتسُوء أخلاقه!»

«لا عقل لمن لا يحسن تزكية نفسه!»

«لا يجتمع حب الدنيا وحب الآخرة معاً أبداً!»

«إذا دعوت فادع بنية حسنة!»

وقد رفع إدريس  في نهاية حياته إلى السماء العليا. وهو ما ذكره الله   في سورة مريم في الآية 57 حين قال:

﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً

والقصد من هذا المكان هو مرتبة رفيعة على مقربة من الله  أو الجنة، أو رفع إلى السماء الرابعة. علماً أن الحديث النبوي الشريف يقول في هذا السياق:

«…فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟

قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،

فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ،” (البخاري، بدء الخلق، 6؛ مسلم، الإيمان، 259 -264)

ويعتقد بعض العلماء أن إدريس  هو حالياً في السماء وما زال على قيد الحياة.

ويتحدث الله تعالى عن صدق إدريس  وفضيلته وصلاحه فيقول الله عز وجّل :

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾ (مريم، 65)

كما أخبر تعالى في سورة الأنبياء في الآية 85 و86 عن إدريس  بقوله:

﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنبياء، 58-68)

وكلمة “من الصالحين” التي يذكرها القرآن الكريم عند حديثه عن الأنبياء هي للتأكيد على فضيلة هؤلاء الأنبياء.

ويخبر مولانا جلال الدين الرومي  قدس الله سره عن حالة رفع إدريس وعيسى عليهما السلام إلى السماء فيقول:

“إن الجهاد ورياضة النفس اللتان قام بهما كل من إدريس وعيسى عليهما السلام بشكل يفوق العادة جعل منهما يصلان إلى مستوى الملائكة. فأصبحوا وكأنهم لا يأكلون ولا يشربون. فرفعوا إلى السماء وكأنهم من نفس فصيلة الملائكة…”

وبنتيجة صبر وشكر ورياضة نفس روحيهما، اكتسبت هذه الروح وصف الكمال في إعمالها، والتفت بلطف الله فرفعت إلى السماء، وهو ما يشير إلى أن تزكية العبد لنفسه وتصفية قلبه هي من الأمور الواضحة التي ترفع بالعبد إلى المقامات العلية المختلفة.

والأنبياء اللذين هم قمة التكامل المعنوي، كانوا مثالاً للبشرية في التكامل المادي أيضاً. تماماً كما كان آدم  في الزراعة، وإدريس  في الخياطة. كما أن الكتابة التي ابتدأت مع تاريخ البشرية نفسها، قد تطورت بشكل كبير جداً في عهد إدريس .

وبالنتيجة فإن إدريس :

هو نبي أنزل إليه الصحف.

مدح في القرآن الكريم بصدقه وصلاحه وفضيلته.

هو من ابتدأ مهنة الخياطة.

رفع إلى مكان عليّ.

من العباد الصابرين.

من الصالحين.

ظهرت عليه الرحمة الإلهية. !..

القلب وأسراره

إن حياة إدريس  هي مثال يظهر لنا أسرار العجائب السماوية وكيف يمكن للقلب النقي الصافي من أن يعكس التجلي الإلهي. وهي الحياة التي تظهر لنا أن الإنسان الذي هو متقلب في درجاته بدرجة أدنى من الحيوانات أو درجات أرقى من الملائكة، هو نفسه الإنسان الذي يمكنه أن يصل إلى الذروة مكتسباً خصائص الملائكة.

إن تنقية وتزكية القلب الذي هو مركز الروح والبدن، يمكنها أن تؤدي بلطف الله وكرمه إلى نقطة تجعل من صاحب هذا القلب، وعلى الرغم من أنه بظاهره كغيره من الناس، إلا أنه بجانبه الروحي أعلى مرتبة من الملائكة أنفسهم.

ولكونه من العلامات الفارقة التي تميز بها إدريس ، وجدنا أنّه من الضروري أن نعرج هنا على عالم القلب لنعطي بعض المعلومات حوله.

إن أهم وظيفة وأكثرها جدية يؤديها الإنسان في هذه الحياة هي أن يسعى للتحضر للحياة الباقية التي تأتي بعد الممات. وهذا الأمر يأتي أولاً عبر معرفة حقيقة القلب، والابتعاد به عن أي نوع من أنواع الخطر والسيئات وتوجيهه نحو الأخلاق الحميدة. علماً أن السعادة في هذه الحياة الدنيا والراحة النفسية والسلطنة في الحياة الآخرة هي من خلال امتلاك ذلك القلب السليم.

والقلب في اللغة هو انقلاب الشيء إلى عكسه، ويحمل أيضاً معنى الشكل واللون. ومن خلال هذه الخاصية، نجد أن القلوب هي دائماً في حالة تقلب يستمر مدى الحياة إما قلوب روحانية ملكية، أو نفسانية وشيطانية.

فالكمال والزوال عند الفرد والمجتمع هو دائماً مرتبط برقي أو تدني حالة القلب. فالقلوب المليئة بالروحانية، هي قلوب تسعى دوماً للأخلاق الحميدة والعمل الصالح. وبهذا يصبح العبد في «أحسن تقويم»، أي في أجمل مرتبة ممكنة.

أما القلوب المليئة بالنفسانية؛ فإنها قلوب تحمل في أرجائها الكفر والشرك والصفات السيئة والشهوة والوسوسة. وفي هذه الأحوال، يتحول القلب إلى عكس الغاية التي خلق من أجلها فيصدأ ويعمى. وبالتالي فإن من يمتلك قلباً كهذا هو «بل هم الضالون» أي الذين هم في مرتبة أدنى من مرتبة الحيوان. ولهذا، فإن الآية الكريمة تقول:

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف، 179)

والمحافظة على القلب من فساد النفس ووسوسة الشيطان ومن الدسائس لا تكون إلا عبر العبادة وذكر الله ومجالس الذكر والأخلاق الحميدة. وفي نتيجة كل ذلك، تتجلى في هذا العبد حال التقوى ليحتل عند الله تعالى مرتبة رفيعة حقيقية. يقول الله تعالى:

﴿…إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ…﴾ (الحجرات، 13)

وللمحافظة على حال التقوى هذه، يجب على المرء أن يتسلح بألفة الصالحين والصادقين، ورفقتهم ومجالسهم. فأهمية الدعم الإلهي تتجلى في هذه المجالس بشكل واضح وكبير يساهم في تدعيم حالة القلوب وتغذيتها من الناحية المعنوية. فهذه المجالس هي أماكن مقدسة تشع بنور الفضائل المقتبسة من النور النبوي. بل، وبحسب ما يذكره أهل الإيمان، فإن هذه المجالس هي أول مجرى للنور والفوز الذي يتلطف به الفائز المطلق جناب الحق سبحانه وتعالى إلى قلوب عباده، وصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريف. فينتقل النور هنا إلى صدور الصالحين الصادقين. ومنهم تسلسلاً إلى المقربين والمستمعين في مجالس الذكر أجمعين.

وفي يومنا الحاضر، وكما أصبح مقبولاً لدى علوم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان هو كائن يتأثر بشكل واضح بالمجتمع ممن حوله. فيتناقل الناس الطباع والعادات. لأن التبادل المعنوي بين الأرواح هي حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها. ويكون هذا التأثير غالباً عبر الشخصيات الحيوية الناشطة. أي أن الشخصيات التي عادة ما تكون فاعلة مؤثرة، هي تلك التي تقوم بعملية النقل الروحي لصفاتها إلى من يلتف حولها ويستمع إليها من الناس. ولهذا، نجد أن من يلتف حول الصادقين الصالحين يصبح مثلهم صادقاً وصالحاً. ولهذا، نجد أن الآية الكريمة بدأت بذكر “أن تكون صاحب تقوى» ومن ثم «أن تكون مع الصالحين» في تسلسل مباشر. يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، 119)

إن عدم حماية جوهر القلب وعدم المحافظة عليه هو جناية ترتكب في حق الحياة الإنسانية وخسران مؤلم لها. وستكون النار مكاناً أليماً لكل من يقدم قلبه قرباناً للرغبات الشيطانية. إن القلب في الحقيقة هو بوصلة الحق والحقيقة. ولهذا، أينما تتجه إبرة الإرادة الإنسانية، وكيفما تقوم به من أعمال، خير أو شر، تتكون نتيجة هذا العبد. يقول الحديث الشريف:

إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ” (مسلم، البر، 34)

وتقسم القلوب بحسب أعمالها إلى خمسة أقسام:

1- القلوب المقفلة والمختومة:

هذه القلوب التي لا تمتلك أي ميزة معنوية، تتجه بشكل كامل نحو الحياة الحيوانية فتتخذ من الدنيا مكاناً للأكل والاستمتاع فقط بشكل يكون هدفها واهياً وفارغ الأفق. وبالتالي تكون هذه القلوب خالية من البصيرة والفراسة بعيدة كل البعد عن اكتشاف الأسرار الإلهية الموجودة في الكائنات والإنسان. وهذه الأبدان التي تمتلك قلوباً معاكسة تماماً للقلوب المحبة للّه وللأنبياء، هي إن صح التعبير كالقبور لا أكثر. فكما تذوب الأجساد في التراب وتزول، فإن هذه القلوب هي أيضاً ذائبة وزائلة في الظلام وفي مستنقعات الإنكار. وهذه القلوب المغروسة في الضلالة (الشذوذ) لا تكون سبباً في عاقبة وخيمة لها وحدها فحسب، وإنما لكل من يكون قريباً منها أيضاً. يقول الله سبحانه وتعالى في حق هؤلاء:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد، 24)

إن هؤلاء هم من يعيشونَ في الحياة الدنيا مستمتعين بنعم الله، منكرين لخالقهم، ومخالفين لأوامره وقوانينه بشكل يجعلهم في أشد حالات سوء الأخلاق ونكران الجميل. يقول الله سبحانه وتعالى في حق هؤلاء في الآيات الكريمة:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُون﴾ (البقرة، 18)

﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (النمل، 80-81)

ويصف الله سبحانه وتعالى هذه القلوب بالمقفلة والمختومة فيقول:

﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة، 7)

فالقلوب المقفلة والمختومة التي أتى ذكرها في هذه الآية الكريمة هي القلوب المغلقة أمام الخير والحقيقة، والأفئدة التي انقطعت علاقتها بالحياة المعنوية والانسانية. وفتح أختام وأقفال هذه القلوب لا يمكن لأحد أن يقوم به إلا الله نفسه الذي ابتَعدَتْ قلوبهم عن ذكره.

هذه الكيفية تحتوي حكمة وسراً إلهياً يجعل جميع الإنسانية في خوف وخشية ترتجف لها النفوس. وفي هذه الحياة الدنيا، لا يمكن لأي أحد منا أن يعلم هذه القلوب المقفلة المختومة المغلقة أبوابها عن الهداية، فعلمها هو للّه وحده فقط. ذلك أن الله يرزق الهداية لمن يشاء من عباده قبل أن يحيط بهم الموت.

وعندما يتحدث القرآن الكريم عن أصحاب القلوب المختومة، فإنه لا يمكن أبداً الحديث عنها فرداً فرداً. ذلك أن العاقبة فيها مجهولة. كمثال سحرة فرعون الذين عاشوا في الضلالة وانتهت حياتهم بالهداية، وقارون وبلعم بن بَعورا اللذين عاشا حياتهما في الهداية وأغْلقا دفاترهما بالخسران والضلالة. ولهذا، لا يجب على المؤمنين عند قراءتهم هذه الآيات المماثلة، أن يخطئوا الفهم فيهملوا الدعوة إلى دين الله جَلَّ وعلا. ومن جهة أخرى، يجب على كل فرد أن يقلق من الوقوع في عاقبة مماثلة فيسعى دائماً إلى الطلب من الله أن يثبت قلبه على الإيمان، وأن يسعى للصحوة دائماً في حياته. وبخاصة أن القلوب التي يتم إهمالها تبتعد عن الهداية، وتتصلب أمام ذكر الله، بل وتصبح مع الزمن أشد صلابة من الحجارة نفسها. وتتحدث الآية الكريمة في وصف ذلك فتقول:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة، 74)

ولهذا السبب، فإن الله تعالى ينبه عباده ويدعوهم للمحافظة على قلوبهم من الإقفال والختم فيقول:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(الحشر، 19)

2- القلوب المريضة:

وهي القلوب التي تقع في مرتبة ما بين القلوب المختومة والقلوب السليمة. ويتحدث القرآن الكريم عن القلوب المريضة فيقول: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة، 10)

وهؤلاء الأشخاص الذين تتحدث الآية الكريمة عن قلوبهم المريضة، هم الذين تتحدث ألسنتهم بالإيمان، وتكون اعمالهم بناءً لسلطة نفوسهم بعيدة عن الحياة الصالحة. فالإيمان لم يجد في قلوبهم مكانه بشكل كاف. وحال أصحاب هذا النوع من القلوب هو كحالة المريض من الناس من الألم. فهم لا يجدون الراحة في حياتهم الدنيوية ولا يجدونها في عالمهم الباطني. فعدم الوضوح في عالمهم الباطني يؤثر سلباً على عالمهم الخارجي، وكذلك الأمر فإن عدم الوضوح في عالمهم الخارجي يؤثر سلباً أيضاً على عالمهم الباطني. ويتحدث الله سبحانه وتعالى عن الحالة التي تقع فيها هذه القلوب فيقول:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة، 16)

والصفات التي تمنع القلب من إدراك آيات الله هي أمراض القلب المتعددة مثل الكبر، الإعجاب، الحسد، وحب الدنيا. وهؤلاء الأشخاص، إن لم يزكوا أنفسهم عبر التربية المعنوية فإنهم لا يمكن لهم الوصول إلى الأعمال التي ترضي الله تعالى وهم بالتالي بعيدون عن نيل حصة من أسرار القرآن الكريم. ولهذا يقول  الله تعالى مهدداً بشكل واضح:

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ...﴾ (الأعراف، 146)

إذاً، إن القلب الذي لا يترقى بنفسه عبر تلقي التربية المعنوية، هو قلب لا يمكن له أن ينال نصيبه بشكل كاف من أسرار الإنسانية والكون والقرآن. يقول جناب الحق جَلَّ وعلا في الآية الكريمة:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج، 46)

وتبين هذه الآية الكريمة أن التفكر في خلق الله سبحانه وتعالى وكائناته وحوادثه بأفئدة ناظرة معتبرة من العاقبة التي تجلت فيها قدرة الإنتقام الإلهي بالأمم السابقة، هي دروس تحيي القلوب وتشفي الأفئدة.

وكم هو جميل الأسلوب الذي يتحدث فيه نبينا الأكرم -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- عن أساليب المحافظة على القلوب من مختلف أنواع الأمراض فيه. يقول:

“…أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ” (البخاري، الإيمان، 39)

ولقد تحدث العلماء عن أمراض القلوب بشكل عام تحت عنوانين رئيسيين هما الإعتقادي والأخلاقي. وبحسب ذلك، فإن الجنوح الإيماني مثل الإنكار والنفاق والشرك والجهل والشبهة هي جميعها تندرج ضمن «الأمراض العقائدية»؛ كما أن الأوصاف الأخرى مثل حب الدنيا والحسد والكبر والرياء والبخل والخوف والتمايل نحو الذنوب واتباع الشهوة هي جميعها تندرج ضمن «الأمراض الأخلاقية».

والسبب الرئيسي في مرض القلب هو في أساسه الجهل وضعف الإعتقاد النابعين من تبعية الانسان لهوسه وهوى نفسه. أما زيادة المعصية، فهي السبب في تفاقم المرض وربما تؤدي إلى إغلاق القلب وختمه والعياذ باللَّه.  فالقلب المغلف بالأعمال والأفكار والأحاسيس المنفية، يصبح بحالة لا يمكنه من خلالها أن يرى الحقيقة، أو أن يراها ناقصة أو خاطئة إن تمكن من رؤيتها. وهذا الأمر هو ما يؤدي بهذا القلب إلى الشك في الحق والحقيقة وبالتالي إلى العمى عنها. وعندما يصاب القلب وهو موضع الإيمان بجرح كهذا، فإن الإيمان أيضاً سيصاب بضحول وضُمُور في القوة والشدة ويعجز بالتالي عن القيام بصالح الأعمال. فهذه القلوب هي إذن قلوب لا تتمكن من إظهار الاحترام والمحبة الضرورية للّه ورسوله، وهي بالتالي أيضاً لا تتمسك بالعبادة بشكل متين.

وكنتيجة؛ إن الأعمال التي تقوم بها القلوب الغافلة والمريضة، هي أعمال تفقد قيمتها عند الحق تعالى. فالقلوب ما لم تتمكن من الضياء بنور الحق فإنها ستعمى وتفقد الإحساس. وتصبح بالتالي عمياء عن ألف ألف نقش وروعة من روائع الأسرار الإلهية في الكائنات.

3- القلوب الغافلة

من أهم الأمراض المعنوية التي تصيب القلب هي الغفلة. فالغفلة تحيط بالقلب بشكل يزحزحه عن الاتجاه المعنوي الإنساني. حيث تقول الآية الكريمة:

﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا﴾ (الكهف، 28)

وتبين آية أخرى تأثير الغفلة في ابتعاد القلب عن الذكر فتقول:

﴿اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾َ (الأعراف، 205)

ومع ازدياد الغفلة تزداد قساوة القلوب. فيبين الله تعالى الحالة المحزنة لهؤلاء فيقول: ﴿…فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الزمر، 22)

وتؤكد آية كريمة أخرى، أن ابتعاد الإنسان عن الذكر هو سبب سيجعله يقع في شرك الشيطان، وبالتالي فإنه سيفقد حسه الإنساني ليصبح لعبة بين يدي الشيطان. يقول الله تعالى:

﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ (الأعراف، 202)

والأعمال التي تقوم بها القلوب الغافلة هي أعمال لا تلاقي القبول عند الحق جَلَّ وعلا، وهي بالتالي أعمال ضائعة.

والقلوب التي تقع في هذا النوع من الأمراض هي قلوب بحاجة إلى العلاج بشكل مطلق، ومجبرة على الدخول في بحر العلم المعنوي. ومن الضروري جداً الإنتباه إلى بعض الأمور أثناء عملية العلاج هذه. ومن بين هذه الأمور:

أ- الطعام الحلال

إننا نتمكن من القيام بعباداتنا من خلال القوة والصلابة التي نجدها في أبداننا. ولهذا فإن الطعام الحلال يؤمن لبنيتنا الفوز والروحانية في حين أن الطعام المشبوه يعطينا القسوة. ويتحدث أحد مشايخ التصوف عن أمرين يؤثران في انكشاف الحياة القلبية فيقول:

«انتبهوا لما يدخل أفواهكم عند طعامكم، وانتبهوا لما يخرج من أفواهكم عند حديثكم، كونوا دقيقين في هذا الشأن!»

ويتحدث عبد القادر الجيلاني -قدس الله سره- عن أهمية اللقمة في تنقية القلب فيقول:

«أنظر بني! إن أكل الحرام يقتل القلب. هناك لقمة تضيء القلب؛ وهناك لقمة تخنقه في الظلام. كذلك الأمر هناك لقمة تشغلك بالدنيا؛ وهناك لقمة تشغلك بالعقبى. هناك لقمة تجعلك زاهداً في كلا الدارين، تتجه بقلبك في الدنيا والآخرة تجاه الخالق. والطعام الحرام يشغلك بالدنيا ويحبب إليك المعصية. الطعام المباح يشغلك بالآخرة، ويحبب إليك الطاعات. والطعام الحلال يقرب فؤادك من المولى جَلَّ وعلا. وتأثير الطعام وكيفيته لا يتم التعرف إليها إلا عبر معرفة الله. ومعرفة الله موضعها في القلب، وليس في الكتب أو الدفاتر. فالمعرفة الإلهية هي إحسان من الله إلى القلب وليس من المخلوق. وهذا الأمر لا يتم إلا من خلال التصديق بالتوحيد الإلهي والعمل بالأحكام الإلهية.»

واثناء استخدام النعم الحلال أيضاً يجب علينا أن نستخدمها بتوازن بعيد عن الإسراف. تقول الآية الكريمة:

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (الإسراء، 26-27)

وينبه الحديث الشريف بذلك بقوله:

اِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ(ابن ماجه، الأطعمة، 51)

أما إكرام الضيف، فهو من الأمور التي يوصى بها ولا تعتبر من الإسراف بشرط أن تكون هذه الضيافة من الحلال.

ب- قراءة القرآن الكريم بتفكر

قراءة القرآن الكريم بتفكر هي أن تفكر بأوامره ونواهيه، وأن تأخذ العبرة من القصص فيه. وبقدر ما تكون قلوبنا طاهرة نقية بقدر ما يؤثر فينا فيض القرآن الكريم. وتتحدث الآية الكريمة عن القرآن الكريم بكونه شفاء للأمراض المعنوية التي تصيب القلب فتقول:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (الإسراء، 82)

عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

قلت: «يا رسول الله، أوصني؟» قال:

أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله

قلت:«يا رسول الله زدني؟» قال:

عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، فإنه نور لك في الأرض وذكر لك في السماء…” (ابن حبان، الصحيح، 2، 78)

وفي حديث نبوي شريف آخر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا” (أبو داود، الوتر، 20)

ج- أداء العبادات بخشوع:

يتوجب على المرء تأدية عباداته في جو من الخشوع للّه  حيث يمكنه من تطهير قلبه من الأمراض. ولهذا يؤكد الله تعالى على رفضه للعبادة التي تتم خارج إطار الخشوع فيقول:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلوتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون، 4-5)

ويتحدث المفسر حمدي يازر ألمه لي لي  في تفسير هذه الآية فيقول: “- إنهم الغافلون عن أهمية الصلاة الذين لا يؤدونها بجدية،

– لا يهتمون بأدائها أو عدمه،

– لا يهتمون لوقتها، فيؤخرون موعدها غير مهتمين بحلول أو مرور ساعتها،

– لا يتأثرون بترك الصلاك،

– وهم عندما يؤدون الصلاة فإنهم لا يؤدنونها خالصة للّه وإنما لأهداف دنيوية بحتة،

– وهم إن وجدوا في مجتمع من الناس صلوا وإن انفردوا بأنفسهم امتنعوا عن الصلاة. وإن صلوا فهم لا يصلون وكأنهم بين يدي الله خاشعين معظمين، بل صلوا صلاتهم مراءً” (الماللي محمد حمدي يازير، حق ديني قرآن ديلي، أستانبول، 1935،  جـ 9، 6168)

وفي سورة المؤمنون يقول الله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونََ(المؤمنون، 1-2)

وتتحدث آية كريمة أخرى عن كيفية الخشوع في الصلاة فتقول:

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة،  45-46)

ويعرف البعض الخشوع بأنه من أفعال القلب التي تختلط في ماهيتها مشاعر الخوف والقلق. أما البعض الآخر فيعرفه بأنه الابتعاد عن الحركات الغير ضرورية وأداء العبادة في جو من السكينة والسكون. وفي الحقيقة، إن الخشوع أصله في القلب وظاهره في البدن، فَهِي خليط يجمع بين الأمرين. فطرفه القلبي هو رؤية الضعف الذاتي أمام عظمة وجلالة رب العالمين، وإعطاء القلب إحساساً من الإحترام والتعظيم في جو كبير من الأدب يخفض فيه الإنسان رأسه ونفسه أمام الحق سبحانه. وجانبه الخارجي هو ظهور هذا الشعور القلبي على أعضاء الجسد فتسكن أدباً مع الله كأن تنظر العين إلى موضع السجدة في الصلاة لا إلى ما هو حولها.

وعند التدقيق في الآية الكريمة نجد أن الله تعالى استخدم قوله “إليه راجعون» وقوله «ملاقوا ربهم» عند التحدث عن شروط الخشوع في الصلاة وكلاهما من الحالات الروحية التي يجب على الإنسان الإحساس بها لتحقق هذا الخشوع. أي أن الصلاة يجب عليها أن تؤدى قلباً وقالباً. وهذا النوع من الصلاة هو النوع الذي يمكن الإنسان من النجاة من الفحشاء والمنكر.

سئل بهاء الدين النقشبند –قدس الله سره-:

كيف يخشع العبد في الصلاة؟ فأجاب:  «يمكنه ذلك عبر أربعة أمور: -اللقمة الحلال – الإبتعاد عن الغفلات أثناء الوضوء – أن يعرف المرء نفسه أنه في الحضرة الإلهية عند ابتدائه التكبيرة الأولى- أن لا ينسى جناب الحق تعالى أبداً وهو خارج الصلاة»

علماً أن الآية الكريمة تقول:

﴿اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلوتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج، 23)

ولكي يتمكن الإنسان من الخشوع في عباداته وأن يشعر خارج عبادته وكأنه قائم في صلاته في روحه المعنوية وحالته الروحية، فإن عليه أن يتمتع بقلب صاح يصاحبه قول وعمل بعيد بشكل كبير عن اللغو والفضول. تقول الآية الكريمة:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون، 3)

وباقي العبادات هي أيضاً كذلك. وفي هذا المعنى يقول جناب الحق تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون، 60)

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة، 104)

وفي هذه الأية، يعلمنا الله تعالى أن الصدقة أي الإنفاق هي في أدائها كالصلاة تماماً بشكل يتوجب علينا القيام بها بكل خشوع بعيداً عن الرياء. وهذه الدقة تحدث عنها الحديث النبوي الشريف حين قال عليه الصلاة والسلام:

“..حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ..” (البخاري، الأذان، 36)

د- الإستمرار في ذكر الله

تكررت كلمة «الذكر» في القرآن الكريم في حوالي 250 موضعاً مختلفاً. والذكر هو تذكر العبد لربه بكثرة وأن لا ينساه. ولهذا يأمرنا الله تعالى عبر الآيات الكريمة بأن نذكره في الصباح وفي المساء، وقوفاً وقعوداً ومضطجعين، أي بشكل مستمر نذكره فيها ذكراً كثيراً. وفي بعض هذه الآيات الكريمة يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ً (الأحزاب، 41-42)

﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياَماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران، 191)

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر،  ال “َرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ” أنه سيظله عرش الرحمن يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله. [2]

وللذكر أهمية كبرى في تنقية القلب والرقي به من الناحية المعنوية. وسيعلم المؤمنون أهمية الذكر بشكل أكبر يوم القيامة. وبخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن أهل الجنة فقال:

لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهَا” (الهيثمي، جـ10، 73-74)

هـ- إحياء الليل:

إن الليل هو لباس النعمة والراحة الذي فصل بحسب خطوط الحياة واستمراريتها. وهي غطاء رائع لكل من أراد أن يستتر مادياً أو معنوياً. وهذا الوصف ذكره تعالى في سورة النبأ فقال:

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (النبأ، 10)

بالفعل، إن الليل هو لباس صحي واجتماعي وأخلاقي وجسدي. فلا يمكن للإنسان أن يضع عنه أثقال النهار المادية والمعنوية أو أن يعود إلى ذاته ونفسه إلا من خلال سكون الليل وهدوئه. لأن النهار هو بعيد عن تقديم ما يقدمه الليل من راحة صحية وروحية. ومن لا يدرك نعمة الليل لا يمكنه أبداً أن يستفيد من خير النهار. فاستخدام الليل بالأمور الفارغة واستثماره بها ليس إلا تضييعاً لسلامة الصباح وحقيقته.

ولا يوجد وقت أكبر فضلاً من سكون الليل لأهل القلوب. ولهذا يجب الإستفادة من بركة وفيض الليل بقيام جزء منه –وقت محدد-. وفي هذا الخصوص يقول الله تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة، 16-17)

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ (الإنسان، 26)

وللتمكن من رؤية مشاهد الليل الإلهي والمعنوي فإن مما لا بد منه هو استخدام هذا الليل لأهداف محددة واضحة.

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِاْلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات، 17-18)

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء، 79)

وفي هذه الآية الكريمة أصبحت صلاة التهجد فرضاً على رسولنا صلى الله عليه وسلم وسنة لنا على أنَّنا أُمَّته من بعده. ويمتدح الله سبحانه وتعالى من يؤدي هذه السنة بقوله:

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان، 64)

وفي آية كريمة أخرى يقول سبحانه وتعالى:

﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء،  218-219)

وفي تفسير هذه الآية الكريمة يقول القاضي البيضاوي:

(بعد أن فرضت الصلوات الخمس على الأمة وأصبحت صلاة الليل هي من السنن المتبعة، وكما روي أنه عليه السلام لما نسخ قيام فرض الليل طاف عليه السلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن) (أنوار التنزيل، جـ4، 111)

و- مصاحبة الصالحين والصادقين

محافظة على القلب، وتأميناً لسلامته وانكشافه، يجب مصاحبة الصادقين والصالحين. فالقلب يتأثر معنوياً بمن هم حوله من الناس وبهذا الشكل تبدأ عملية نقل الشخصية. فمن هم أقوياء من الناحية الروحانية يؤثرون على الضعفاء روحانياً ويصبحون مصدر إلهام لهم. أي أن الشفقة والرحمة والاحساس المرهف والمزايا التي يتمتع بها الصادقون والصالحون تنتقل إلى من هم حولهم. وما يجعل الصحابة الكرام على ما كانوا عليه من الفضيلة في أعلى درجة بين أفراد الأمة هو أنهم عايشوا الرسول صلى الله عليه وسلم وتأثروا بصحبته وحديثه، ونالوا من فيضه نصيبهم. يقول الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، 119)

ويخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهمية مصاحبة الصادقين فيقول:

مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ” (البخاري، البيوع، 38)

كما يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عن أهمية مرافقة الصالحين في الممات كما هي في الحياة فيقول:

“ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين…”  (الديلمي، المسند، جـ1، 102)

ومن يكن مع الصالحين فإنه سيصلح حاله مع الزمن كل بحسب قابليته. ومن يكن مع الفاسقين فإنه سيفسق. لذلك، إن القلب هو تحت تأثير دائم لكل إقليم معنوي يتواجد فيه سلبياً كان أم إيجابياً. فالقلب ليس كسائر الأعضاء التي تمتلك إرادة خاصة بها، بل هو عضو لا إرادة له محكوم بالتبعية للثأثيرات التي تأتيه ويتلقنها من محيطه عبر المسار الذي يكون عليه.

ولهذا، فإن لقمان عندما أراد أن يتقدم بالنصح لابنه، عرج على الحس القلبي مؤكداً على ضرورة التواجد مع العلماء الصالحين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْمَعْ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ اللهَ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ” (الهيثمي، 1، 125)

وكانت نساء الصحابة تنبه أولادها عند تأخرهم في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقاعسهم في هذا الخصوص وبقاؤهم فترة طويلة دون اللقاء به. ولهذا نجد أن والدة حذيفة رضي الله عنه تؤنب ولدها عندما تأخر لبضعة أيام عن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتواجد في صحبته.

عن حذيفة رضي الله عنه قال:  سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَنَالَتْ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَغْرِبَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ، فَسَمِعَ صَوْتِي، فَقَالَ: “مَنْ هَذَا، حُذَيْفَةُ؟”  قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: “مَا حَاجَتُكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ وَلأُمِّكَ؟” (الترمذي، المناقب، 30، 3781؛ أحمد، 5، 391-392)

4- القلوب الذاكرة

في هذه المرتبة، يكون القلب مضيئاً بالذكر، وتتحكم الروحانية بالنفس، ويتحد جوهر الإيمان بجوهر القلب، ويتم الوصول إلى درجة الإطمِئنان الإيماني. ويصف الله تعالى الذكر بأنه أكبر العبادات ويأمر المؤمنين بالإستمرار بالذكر في القرآن فيقول :

﴿…وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ…﴾ (العنكبوت، 45)

﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ (المزمل، 8)

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾  (البقرة، 152)

ويمتدح الله تعالى عباده الذين وصلوا إلى حقيقة الذكر فيرونه أشد لذة من مختلف لذائذ الدنيا الفانية، ويخبر بأنهم لا يخدعون بزينة الحياة الدنيا وقلوبهم مطمئنة بالذكر، فيقول الله :

﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله…﴾ (النور، 37)

﴿…أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد، 28)

كما يمتدح الله تعالى المحافظين على الذكر من الرجال والنساء كل على حدة في الآية الكريمة فيقول:

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (الأحزاب، 35)

والمواظبة على ذكر الله  تؤمن نمو بذور الحب في القلب، وتبعده عن العلاقات الفانية مالئة قلبه بحب الله.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “علامة حبِّ الله  حُبُّ ذِكْرِهِ”  (السيوطي، الجامع الصغير، جـ2، 52)

من هذا المنطلق، فإن البعيدين عن ذكر الله هم مشمولون بالتهديد الإلهي لبعدهم عن حب الله.[3]

وتتحدث الآية الكريمة عن خطر الإبتعاد عن الذكر فتقول:

﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (الزخرف، 36-38)

لهذا السبب، يجب على الإنسان أن يستعين دوماً بذكر الله وأن يعمل لكي يكون صاحب أخلاق حميدة حفاظاً على نفسه من وساوس الشيطان التي ستوقعه في خنادق الضلالة وتبعده عن طريق الاستقامة. ولا يمتلك الانسان أخلاقه الحميدة والخصال الحسنة إلا عبر مخافة الله، ومحبته وذكره دائماً ذكراً كثيراً.

ويمتدح علي رضي الله عنه  مجالس الذكر ويحث عليها فيقول:

“ما الذي يمكنه أن يكون أكثر فضلاً من المجالس التي تجتمع لذكر الله وتذكر نعمه؟ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الصحابة حلقات حلقات وكانوا يذكرون الله”

وكما يؤثر الذكر على المعنى (الأمور المعنوية)، فإنه يؤثر أيضاً على المادة. وفي تأكيد على هذا المعنى تقول الآية الكريمة:

﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (الأنعام، 118)

وللذكر أنواع متعددة. كما أنه لا يوجد تحديد لكيفية الذكر بأسلوب كذا أو كذلك. ولكل ذكر نوع من أنواع التجلي. ويأتي نوع الذكر الذي يناجى فيه باسم الله الأعظم بأعلى مرتبة من مراتب الذكر لما لديه من نتيجة متميزة رفيعة، وهو ما يعتبر عند العامة الاسم الأكثر استخداماً من أسماء الله بلفظ “الله”. فهذا الاسم وكأنه يجمع في طياته مختلف معاني الأسماء الأخرى. ولهذا يشعر المرء عند التلفظ به بإحساس خاص مستثنى بكيفيته. فعلى سبيل المثال، عندما تقتطع الحرف الأول من لفظة الله عز وجّل “أ” (ألف) فإنها تصبح “للّه”. وإذا ما اقتطعنا الحرف الثاني وهو “ل”(لام) فتصبح عندها “له”. وعند اقتطاعنا الحرف الثالث وهو “ل” (لام) أيضاً فإننا نحصل على “ه” (هو). وهي جميعها من الألفاظ التي تشير إلى الذات الإلهية للّه تعالى.

ويخبر أحد الأحاديث النبوية الشريفة أن استمرار الوجود بحد ذاته هو أمر قائم على استمرارية ذكر الله تعالى. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله” (مسلم، الإيمان، 234)

ولفظ الجلالة هو من أكثر أنواع الذكر التي يهتم بها أهل الذكر والمخلصين. وما دام هناك من العباد من يواظب على الذكر فإن الساعة لن تقوم. وبقدر ما لهؤلاء العباد من صفات متميزة في العبادة، فإن الله تعالى يحفظ الحياة الدنيا بهم. فهم أينما وجدوا في أي قرية أو مكان فإن الله تعالى يحفظ بهم ذلك المكان.

وذكر كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» هي أيضاً من الأذكار التي تتالت الأحاديث الشريفة التي تحث عليها. ومن هذه الأحاديث ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

جددوا إيمانكم” قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا، قال: “أكثروا من ذكر لا إله إلا الله” (الحاكم، المستدرك، 4، 285/7657)

كما قال سليمان  وهو الذي أعطي التحكم بسائر العالم:

«إن سلطنتي زائلة. أما السلطنة التي سيأتي بها ذكر التوحيد فهي أبدية…»، كما أن لذكر كلمة التوحيد بشكل جماعي في مجالس الذكر مكانة خاصة جداً. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

“إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ” قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا” (البخاري، الدعوات، 66)

عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ” (مسلم، الذكر، 39)

ففي الحديث الشريف الذي ذكره الصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه يقول: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “هل فيكم غريب؟” يعني أهل الكتاب (اليهود والنصارى) قلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب وقال: “ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله”

ويكمل شداد بن أوس وصفه لهذا المجلس من الذكر فيقول: فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده ثم قال:

الحمد الله اللَّهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم” (أحمد بن حنبل، المسند، 4، 124)

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

إِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةٌ عَلَى اللهِ كَرِيمَةٌ، لَهَا عِنْدَ اللهِ مَكَانٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَنْ قَالَهَا صَادِقًا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا كَاذِبًا حَقَنَتْ دَمَهُ وَأَحْرَزَتْ مَالَهُ، وَلَقِيَ اللهَ غَدًا فَحَاسَبَهُ” (الهيثمي، 1، 26)

وفي حديث آخر يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضرورة أن يكون الإنسان دائماً في حالة ذكر ومراقبة للشعور فيقول صلى الله عليه وسلم:

لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي” (الترمذي، الزهد، 62)

وذكر كلمة التوحيد مهم جداً ساعة الموت. “مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةََ” (أبو داود، الجنائز، 15-16/3116)

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سياق التعليم القلبي، يعلم أصحابه الكرام أنواع الذكر كل بحسب مقدرته.

عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ وَبَدُنْتُ، فَقَالَ:

كَبِّرِي اللهَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَاحْمَدِي اللهَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَسَبِّحِي اللهَ مِائَةَ مَرَّةٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ مُلْجَمٍ مُسْرَجٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَخَيْرٌ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَخَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَقَبَة” (ابن ماجه، الأدب،56؛ أحمد بن حنبل، المسند،4، 344)

وكخلاصة، إن ذكر الله هو وسيلة الخروج من الظلام الداكن عبر التواصل مع الله جَلَّ وعلا من خلال محبة الله وإنارة الأفئدة بذكره. فبقدر ما نذكر الله تعالى في حياتنا الدنيا هذه بقدر ما سننال الرفعة عند الله في الحياة الآخرة. ولهذا فإن من واجبنا دائماً الإشارة إلى أهمية الذكر والتسبيح في ديننا. لأن من بركة الذكر أن يتحقق مفعوله في القلب، ولهذا فقد اهتم أولياء الله  بدستور “اعتبر أن كل من تراه هو الخضر”. لأن الأفئدة الممتلئة بالذكر، كل منها هو نافذة مفتوحة مع الحق سبحانه وتعالى بأنواع مختلفة من التجلي. وبالنتيجة، فإن الطرق المؤدية إلى الله هي بأعداد أنفاس المخلوقات.

5- القلوب الحية (القلب السليم):

وهذه القلوب هي قلوب الأنبياء وأولياء الله. وتتجلى في هذه القلوب جزء من صفات الله جَلَّ وعلا. فمن امتلك قلباً سليماً فهو ذلك الذي أكرمه الله تعالى بالكمال المستخلص من الأخلاق المستمدة من القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقوم نجم الدين كبري، الذي هو من الأولياء الأكثر شهرة في العصر الهجري الثامن، بزيارة جنازة لأحد الصالحين برفقة جمع من طلابه. وأثناء تلقين الميت كما هو المعتاد يبتسم الشيخ نجم الدين كبرى. ويتعجب طلابه لتبسم شيخهم في موقف كهذا الموقف فيسألونه عن حكمته في ذلك. ولكن فضيلة الشيخ يرفض بدايةً الإفصاح عن السبب. ولكنه وأمام إصرار طلبته يقول: «التلقين عادة ما يقوم به الحي للميت. أما ما حصل الآن فهو أن الملقن هو رجل بقلب غافل، ومن دخل إلى القبر هو صاحب قلب ينبض بالحياة. فلهذا تعجبت من رجل بقلب غافل يلقن من قلبه نابض بالحياة»

إن القلوب التي هي في حالة ذكر للّه تعالى، هي قلوب تدخل في حمايته وحفظه. ولذلك، فإن القلب يبدأ حينها باتخاذ طريقه نحو عالم الأسرار الإلهية. فتظهر لهذا القلب أسرار العالم الإلهي وحقيقة الأشياء وأسرار الكائنات والإنسان. ويصبح العبد ظاهراً بتجلي القلب السليم. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبـأ، 37)

وفي آية جليلة أخرى يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء، 88-89)

إذن، إن التقرب من الله  لا بد له من قلب طاهر وصل إلى مرتبة السلامة. وهذه الحقيقة هي مهمة في مختلف العبادات. ولهذا فإن الآية الكريمة تتحدث عن عبادة التقرب للّه بالقربان في عيد الأضحى فتقول:﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج، 37)

إن الخزائن الألهية وأسرارها قد قدمت إلى الإنسان. وتجلت إرادة الله جَلَّ وعلا عندما أراد أن يعرّف الإنسان بقدسية ماهيته. ولهذا فإن الإنسان عندما يعقل ويدرك شرفه وصفاته وكرمه فإنه يصبح بذلك إنساناً بالمعنى الحقيقي للكلمة. والموت على الإيمان، والوصول إلى طريق الصفاء والنشوة الإلهية، لا بد لها وأن تمر عبر قلب سليم حي يعمر بالإحسان ويعيش به.

أسأل الله تعالى أن يذيقنا قبل الموت قلباً كهذا القلب الذي يمكننا من مقابلة وجهه الكريم به! آمين…!


[1]     مدينة بابل تقع في العراق وتدعى اليوم بـ مدينة الحِلّة وهي مركز الحضارات القديمة وتقع بالقرب من مدينة بغداد.

[2]     أنظر: البخاري، الأذان، 36 ؛ مسلم، الزكاة 91

[3]     أنظر: سورة الزمر، آية 22