تعريف التصوف

من العسير أن تعبر كلماتنا المحدودة عن حقيقة التصوف ومكنوناته، إذ لا يستطيع الإنسان أن يدرك التصوف ويشعر به إلا حين يحيا به، ولذلك تنوعت تعاريف التصوف واختلفت عند أولياء الله تعالى، فكل منهم كان ينطلق في تعريفه من رؤية مختلفة عن الآخرين.

وإنما يتعمق فهم أولياء الله والسائرين في هذا الطريق للتصوف كل بحسب استعداده وقدراته وتلقيه للتجليات والأنوار، ولذلك نرى هؤلاء الأولياء يستوعبون التصوف بطرق مختلفة، ويخضع ذلك للتجليات الإلهية التي يعيشونها، ومع ذلك فإن كل تعريف قدمه هؤلاء الأولياء صحيح، ذلك لأنه جاء حسب التجربة الذاتية التي مر بها كل منهم، أما نحن فنحاول أن نصل إلى تعريف عام للتصوف من خلال النظر في هذه التعاريف.

فإذا نظرنا إلى هذه التعريفات المختلفة، نستطيع القول أن التصوف -باعتبار الجوانب المشتركة في هذه التعريفات- إنما هو علم يعمل على إصلاح عالم المؤمنين الداخلي، ليقوِّمه ويصل به إلى الكمال البشري، كما يجعل من هؤلاء الأولياء مثالًا للأخلاق الحميدة التي تقربهم إلى الله تعالى، وتوصلهم إلى معرفته ومحبته.

و فيما يلي بعض من تعريفات التصوف التي قدمها لنا أولياء الله كلٌ حسب التجليات الروحانية التي نالها، وهي:

  1. التصوف هو الأدب وحسن الخلق:

حسن الخلق هو ذلك الإحسان الذي يحمل الإنسانَ على الاستقامة في الفكر والسلوك عبر تحرير الإيمان من التقليد، حيث يترسخ في القلب شعور المرء دومًا بأنه تحت مراقبة الله تعالى، حتى يهيمن هذا الشعور على ظاهره وباطنه ويستقر في وجدانه.

يقول أبو الحسين النوري:

«ليس التصوف بالشكل أو بالعلم، التصوف هو الخلق الحسن لا أكثر ولا أقل، فلو كان التصوف شكلاً لناله المرء بالمجاهدة، ولو كان التصوف علماً لناله المرء بالتعلم، و لهذا فلا الشكل ولا العلم وحدهما يوصلان إلى المقصد، إنما التصوف التحلي بالأخلاق التي أمر بها الله».

وهذا التعريف يشير إلى أن التصوف يقوم على أسس وطيدة من الأخلاق.

إن معنى الخلق الحسن هو التخلُّق بأخلاق الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وفى هذا مدح الله تعالى في القرآن الكريم أخلاق النبي -صلي الله عليه وسلم- في الآية الكريمة: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} (القلم، 4)

وحين سُئِلت السيدة عائشة -رضي الله عنها- وأرضاها عن أخلاقه -صلي الله عليه وسلم-، قالت: «كان خلقه القرآن» (مسلم، المسافرون، 139)

معنى ذلك أن العبد إذا تخلق بأخلاق القرآن واستقام على أحكامه، فإنه يصبح قرآناً حياً، ولا يصل العبد إلى ذروة الخلق الحسن إلا حين يتلو القرآن الكريم بتفكر وتدبر ويتَّبع أحكامه، فيحل حلاله ويحرم حرامه.

لقد أَمر اللهُ تعالى سيدنا محمدًا -صلي الله عليه وسلم- بهداية البشرية وإنارة دربها، وكان ذلك منذ أن أرسله الله تعالى وحتى قيام الساعة في الأزمنة والأمكنة جميعها. ومن هذا المنطلق انتقلت إلينا كل تفصيلات ودقائق حياته -صلي الله عليه وسلم-، حتى الأمور الخاصة والتصرفات الشخصية عبر روايات صحيحة، وسيستمر هذا الانتقال حتى قيام الساعة بفضل الله تعالى ولطفه، وبدراسة سيرة النبي -صلي الله عليه وسلم- يتبين لنا أنه كان يمثل كمال الإنسانية وذروة مكارم الأخلاق. ويبين الرسول -صلي الله عليه وسلم- مهمته بالحديث النبوي:

«إنما بُعثت لأتمم حُسْنَ الأخلاق» (الموطأ، حُسن الخلق، 8)، وأنه -صلي الله عليه وسلم- كان «الأسوة الحسنة» للإنسانية جمعاء، أي القدوة في الأخلاق.

ويأتي القرآن الكريم على ذكر أخلاق الرسول -صلي الله عليه وسلم- في الآية الكريمة:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} (الأحزاب، 21)

وسُيظهِر الله تعالى حسن الخلق دومًا وإلى قيام الساعة بداية من رسولنا عليه الصلاة والسلام ومن بعده عبر ورثة الأنبياء[1].

وفي الحديث النبوي الشريف: «أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً»[2]

وبهذا يشير عليه الصلاة والسلام إلى أن حسن الخلق إنما هو ثمرة الإيمان وعلامة الكمال، وأن أولياء الله الذين يتخلقون بالأخلاق المحمدية هم الهداة والمرشدون الروحانيون، ويلفت انتباهنا إلى هذه الحقيقة أيضاً أبو محمد الجريري حين قال:

«التصوف هو تمثل الأخلاق الحسنة والبعد عن الأخلاق الرديئة».

فتزيين القلوب بالأخلاق الحميدة وتنزيهها عن الأخلاق الرديئة للوصول إلى النجاة والسعادة الأبدية عملية ضرورية، ولكن تحفها المشقات و المصاعب، وفي ذلك يقول أبو هاشم الصوفي وهو من المتصوفة الأوائل:

«إن إزالة الكِبر المترسِّخ في القلب لهوَ أصعب من الحفر في الجبال بإبرة»

أما أبو بكر الكتاني فيقول: «التصوف أخلاق، ومن كان أفضل منك في الخُلُق، كان أطهر منك في المعنى».

والتاريخ الإنساني يزخر بأخلاق الأنبياء المثالية، أخلاق لا يضاهيها أي خلق، ومن أجمل الأمثلة عن هذه الأخلاق العالية -التي لا شك فيها- سيدنا يوسف -عليه السلام-، فبعد أن ظلمه إخوته ظلماً بيِّنًا كان رده عليهم:

{قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف، 92)، وهذا مثال يظهر درجة العفو الكبيرة التي وصل إليها -عليه السلام-.

إن هدف التصوف هو أن يكون القلب مثل قلب سيدنا إبراهيم -عليه السلام- سالماً من الدنيا ومطيعاً لأمر الله تعالى، ومثل قلب سيدنا إسماعيل -عليه السلام- في تسليمه للحق ورضاه بقدر الله تعالى، ومثل قلب سيدنا أيوب -عليه السلام- في صبره، ويجب أن يكون حزن المؤمن مثل حزن سيدنا داوود -عليه السلام-، وفقره مثل فقرِ سيدنا عيسى -عليه السلام- واستغنائه عن الآخرين.

والمتصوف هو الذي يسعى ليكون قلبُه مثل قلب سيدنا موسى في مناجاته حين كان قلبه فياضاً بالحماسة والاشتياق، وهو الذي يسعى ويجتهد أن يكون مخلصاً كإخلاص حبيبنا وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام”.

ويقول أبو حفص الحداد: «التصوف هو الأدب»

فتعريفه للتصوف هو أنه خلاصة الأخلاق الحسنة.

وعن الأدب يقول مولانا جلال الدين الرومي: «اعلم يا سيدي أن الأدب هو تلك الروح الكامنة داخل الإنسان، والأدب عند رجال الله هو نور عيونهم وأفئدتهم، فإذا ما كنت تريد سحق رأس الشيطان، فافتح عينيك لترى أن الأدب يقهر الشيطان، وإذا لم يكن عند الإنسان أدب، فهو ليس بإنسان أبدًا، لأن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما هو الأدب».

وثمة بيت شعري معناه: سأل عقلي قلبي: «ما الإيمان؟»، فهمس قلبي لعقلي: «الإيمان هو الأدب ».

ونظم شاعر آخر بيتاً جميلاً في «الأدب» قال فيه:

الأدب تاج من نور الباري              فالبسه تأمن من كل بَلاءِ

ولهذا نجد أن اللوحة التي تحمل عبارة «أدب يا هو»[3] في التكايا والزوايا وأماكن الخلوات القديمة واحدة من أهم اللوحات الخطية التي تحث على التيقظ والانتباه.

  1. التصوف هو تزكية النفس وتطهير القلب:

أتى الإنسان إلى هذا العالم لكي يُمتحن في عبوديته، ولذلك اُبتلي بالنفس وشهواتها وأهوائها التي تلازمه حتى الموت، وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى درجات الولاية، فإن الثلاثي (الدنيا والنفس والشيطان) يقف له دائماً بالمرصاد من خلال الحيل والوساوس والخداع، ولذلك كانت العبودية تبدأ بالتخلص من هذه المهلكات، ثم النجاة من مغريات هذا العالم الفاني، والتحلي بالتقوى، والتوجه إلى الحق تعالى في نهاية المطاف.

ولهذا كان من الضروري تزكية النفس وتطهير القلب للتخلص من قابلية المعصية المركوزة في فطرة الإنسان، وزرع بذور التقوى، لذلك فكل إنسان مكلَّف بحسب استعداده وقدرته بمعرفة الحق تعالى، والارتقاء بهذه المعرفة إلى مرحلة العرفان، عبر العمل الصالح، وتسبيح المولى وشكره، وهذا هو معنى «العبودية» باختصار، أما الوصول إلى حقيقة العبودية فمرتبط بتزكية النفس وتطهير القلب، أي بتجاوز عقبة النفس وتحليتها بالأحاسيس الراقية، ولا يمكن نيل شرف درجة «الوصول إلى الله»[4] و«اللقاء مع الله»[5] إلا على هذه الصورة.

وجوهر القلب هو «موضع نظر الله تعالى» في هذا العالم، أي إن جوهر القلب ينال شرفاً رفيعاً بتجلي نظرات الله تعالى، وكما أنه لا يجلس على عرش القصر إلا السلطان، فلا ينبغي أن يكون في القلب الخاضع لمملكة الجسد غير الله تعالى، ولا بد من تطهير القلب بإزالة الأفكار النفسانية والميول الخبيثة والتعلق بما سوى الله تعالى، وإلا أُغلق الطريق أمام القلب للوصول إلى الألطاف الإلهية، وهذا لا يعني أن القلب لابد أن يخلو عن محبة الآخرين، فحين يستطيع المرء تزكية نفسه وتطهير قلبه ليصير قلبًا سليمًا، فإنه يتحرر من محبة غير الله تعالى، في حين لا يستطيع الآخرون أن يزيلوا تماماً من قلوبهم محبة المال والأولاد وما إلى ذلك مع اختلاف درجات هذه المحبة، فمثل هذه الأنواع من المحبة في الحقيقة مشروعة ما لم تتجاوز حداً معيناً.

ويكفي النظر إلى موقع القلب في الحياة المادية والمعنوية لإدراك أهمية تطهيره، وقد عرض النبي -صلي الله عليه وسلم- أهمية القلب في حياة الإنسان حين قال: «ألا وإنَّ في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (البخاري، الإيمان، 39)

ويذكر مولانا جلال الدين الرومي، قدس الله سرَّه، أنه من العبث السعي لملءِ كيسٍ ما لم يُغلق الثقب في أسفله، وهكذا هي الأعمال، فالجليُّ أنه مع تطهير القلب تصبح هذه الأعمال وسيلة لسعادة المرء، فالأعمال بالنيات، والنية هي إحدى أعمال القلب، ويعد إصلاح النية وإخلاصها شرطاً في هذا السياق.

إلا أن حالة تزكية القلب هذه إنما ينالها المرء على يد أربابها بالتربية القلبية، فغاية أولياء الله تعالى من تربية القلب هي استشعاره بأنه دائماً مع الله أي بلوغ مرتبة (الإحسان)، وبذلك يصبح هذا القلب «قلباً حياً»، ولكي يصل القلب إلى هذا النضج، لابد من تطهيره مما سوى الله تعالى.

وحين يصل القلب إلى هذا الصفاء ويتخلص من أكداره، تتكشف له الحقائق الجليلة والعميقة، وتتجلى عليه الأسماء والأسرار الإلهية، ويعرف المرء الله بقلبه ويرتقي بعلمه إلى حال العرفان.

ولا يمكن النجاة يوم الحساب إلا بالمثول أمام الله تعالى بقلب سليم، مطهَّر من كل الأمراض المعنوية، ومليء بالمحبة الإلهية، وهذا ما ذكره الله تعالى في كتابه حين قال:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُون إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيم} (الشعراء، 88-89)

ومن جانب آخر، يذكر القرآن الكريم أن الذين لا يطهِّرون أنفسهم، وتقسوا قلوبهم لبعدها عن ذكر الله تعالى، فإن مصيرهم الهلاك في نهاية المطاف: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس، 7-10)

{…فَوَيْلٌ لِلقَاسِيةٍ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الزمر، 22)

ولَكَم هو معبر كلام أبي سعيد الخراز في ضوء هذه الآيات الكريمة: «الإنسان الكامل هو من طهر الله قلبه وملأه نورًا وعرفانًا».

  1. التصوف حرب معنوية لا هوادة فيها:

يعود هذا التعريف الى الشيخ جُنيد البغدادي، ويعني به أن المتصوف لا ينفك عن مجاهدة نفسه طوال العمر، والجهاد ضد النفس هو الامتناع عن الرغبات غير المشروعة.

والحروب عادة تبدأ وتنتهي في زمان ومكان محددين، إلا أن مجاهدة النفس تستدعي مجاهدتها طوال العمر دون انقطاع، حيث يقول الله -عز وجل- في الآية الكريمة: {وَاعْبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتيَكَ اليَقِينُ} (الحجر، 99)

ويأمر الحق تبارك وتعالى عبده أمام غفلة النفس وحيلها باليقظة الدائمة والذكر المستمر، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم:

{وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعَاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِن الغَافِلِينَ} (الأعراف، 205)

وقد بيَّن الرسول -صلي الله عليه وسلم- أن تزكية النفس أصعب من مجاهدة الكفار حين قال لمن معه عقب عودته من غزوة تبوك المعروفة باسم غزوة العسرة: «قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه» [6]

ويعطي الباحث المعاصر روجيه غارودي أهمية خاصة لتوازن الجهاد الأصغر والأكبر في الإسلام؛ إذ يقول: «التصوف شكل من أشكال التربية المعنوية الإسلامية، وهو ما يسمى بالجهاد الداخلي؛ أي الوقوف في وجه كل نوع من أنواع الرغبات التي تُبعِد الإنسان عن الغاية من خلقه، وتوقِعه فريسة للنفس، ويُعرف هذا بالجهاد الأكبر في الاصطلاح الإسلامي، أما الجهاد الأصغر فهو الجهاد ضد كل أنواع السلطة والجاه والعلم الخاطئ الذي يبعد المسلمين عن طريق الله تعالى، ويبقي المرء في حالة انسجام واتحاد مع الطريق المؤدي إلى الله تعالى، والاتزان بين هذين النوعين من الجهاد هو الذي يكفل السعادة والسلامة للفرد والمجتمع»[7].

  1. التصوف هو الإخلاص:

التصوف هو الإخلاص لله تعالى، و«الإخلاص» في الاصطلاح الديني هو العمل ابتغاء مرضاة الله وحده دون أن تكون هناك أي غاية سواه، وتطهير القلب من جميع الآمال ما عدا رضا الله تعالى هو فضيلة كبرى أُمر بها المسلمون.

إن كل ما أمر الله -عز وجل- به العبد لنيل رضاه يمسي عديم النفع لا يجني منه صاحبه سوى التعب والمعاناة، إذا أشرك مع الله تعالى غيره، أو شابه الرياء، وبهذا يظهر أن «الإخلاص» هو أهم الشروط وأساسها لقبول الأعمال أمام الله تعالى.

والإخلاص هو حماية القلب من جميع أنواع الشهوات والأهواء الدنيوية في سبيل الاقتراب من الله تعالى. وبالإخلاص يحظى العبد بأكبر نعمة، ألا وهي رضاه تعالى. إن ما يريده الله تعالى من عباده هو أن يعملوا بإخلاص سعياً لرضائه تعالى، والآيتان التاليتان توضحان هذا الأمر: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} (الزمر، 2)

{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} (الزمر، 11)

وقد ذكر الله -عز وجل- الموقف الذي طُرد فيه إبليس من الحضرة الإلهية حين قال:

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } (الحجر، 39-40)

فالتصوف هو ربط الأمور كلها بالله تعالى، وتلقي كل شيء منه، والتخلص من الإعجاب بالنفس. وعلى الإنسان مهما كان حاله ومقامه أن يتواضع ويعرف قدره وألا ينسى وجود من هو أعلى مقامًا منه، إذ يقول الله -عز وجل- -بعد أن انتصر المسلمون في معركة بدر- مخاطباً سيدنا محمدًا -صلي الله عليه وسلم-: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[8] (الأنفال، 17)

لذلك يجب على الإنسان دائماً أن يحس بعجزه وعبوديته، وأن يعلم أن كل أنواع النعمة والنصر والتوفيق إنما هي من ألطاف الله -عز وجل-، فإن لم يعلم الإنسان ذلك كانت أجور أعماله منقوصة أو صارت هباءاً منثوراً.

ويروي أبو هريرة -رضي الله عنه- الحديث الذي يبين عاقبة المرء حين يؤدي أعماله خالية من الإخلاص، ويخالطها الإعجاب بالنفس والهوى، حيث قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- يَقُولُ:

«إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؛ ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؛ ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار» (مسلم، الإمارة، 152)

ويقول جلال الدين الرومي مخاطباً ذلك الذى يعبد الله تعالى دون إخلاص:

«أيها الغافل! كم أرجو أن توجه وجهك بإخلاص للحق تعالى حين تنزل ساجداً له، وكم أرجو أن تعرف معنى (سبحان ربي الأعلى)، فالسجدة ليست سجدة البدن فحسب بل هي سجدة القلب أيضاً».

إن العبادات إذا أقيمت دون إخلاص لابد أن تشوبها الأهواء المبطَّنة والأدران المعنوية، والسر في صفاء العبادات وترقيتها إنما هو الإخلاص، فالعمل دون إخلاص لا يجني منه العبد شيئاً، فمثلاً الصلاة التي هي في المرتبة الثانية بعد الإيمان إن لم يُراعى فيها الإخلاص تعرِّض العبد إلى هذا الوعيد المخيف من الله في الآية الكريمة التالية:

{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (الماعون، 4-6)

ويقول جنيد البغدادي، قدس الله سرَّه: «الإخلاص هو تصفية العمل من الكَدرِ الروحي».

ويقول أحد الأولياء: «ادعاء الإخلاص نوع خفي من أنواع عدم الإخلاص»، حيث إن أكبر خطر على الإخلاص أن يرى المؤمن نفسه تقياً».

عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه قال لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن: يا رسول الله أوصني، قال: «أخلص دينك يكفك العمل القليل»[9]

ويقول في حديث آخر:   «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (مسلم، البر، 34)

  1. التصوف هو الاستقامة:

التصوف هو أن يحيا المرء باستقامة، والاستقامة هي التمسك بالكتاب والسنة، وفهم الأوامر الإلهية والنبوية فهماً نابعاً من القلب، والحياة بشغف في ظلالها، فالتصوف هو وصول القلب إلى أعلى حالات السعادة بالعيش في روحانيات الكتاب والسنة.

يقول الحق تعالى في الآية الكريمة مخاطباً النبي وأمته من بعده:

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} (هود، 112)

وكان الدافع إلى «شيبتني هود…»[10] في حديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- هو ما ورد في هذا الخطاب الإلهي الذي شرحه المفسرون[11] على النحو الآتي: «يا أيها النبي! ليكن سلوكك كما تفرض عليك أخلاق القرآن وأحكامه، وكن مثالاً حياً للاستقامة كي لا يكون موضع للشبهة والتردد في شخصك، واصرف النظر عما يقوله المشركون والمنافقون، وَدَعهم إلى الله. واستقم كما أُمرت في مهماتك العامة والخاصة، ولا تبتعد عن الصراط المستقيم. وثابر على تبليغ ما يوحى إليك وتنفيذِه وتطبيقه مهما كان ثقيلاً، فالله مُعينك.»[12]

وقال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}:

«ما نزلت على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في جميع القرآن آيةٌ كانت أشدَّ ولا أشقَّ عليه من هذه الآية»[13]

وقد كان هذا الخطاب موجهاً مباشرةً إليه -صلي الله عليه وسلم-، ولم يكن مصدر الشيب في هذه الآية خوفاً على نفسه من التمسك بالاستقامة، فالآية الكريمة: {يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (يس، 1-4)نزلت فيه وتأييداً له عليه الصلاة والسلام، لكن السبب الحقيقي الذي شيبه وأثر فيه من الأعماق، هو القلق على المؤمنين من مشقة تطبيق هذا الأمر الإلهي.

فلا يمكن لأي طريق بعد بعثة النبي -صلي الله عليه وسلم- أن يوصل الإنسان إلى الله سوى طريق الهداية الذي رسمه رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، فقد ربط الله تعالى محبته ومغفرته بإطاعة المسلمين للنبي -صلي الله عليه وسلم-، وهذا ما توضحه الآيات الكريمة:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران، 31-32)

{قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (النور، 54)

ويؤيِّد ذو النون المصري قدس الله سرَّه هذه الحقيقة بقوله: «إن من يطبق سنة حبيب الله تعالى في أخلاقه وأفعاله وحركاته، يؤكِّد حبه للحق تعالى».

أما أبو يزيد البسطامي، قدس الله سرَّه، فيقول: «لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى تربَّع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة [وإلا فإن حاله ليست كرامة بل استدراج][14] »[15]

وقد ذكر القرآن الكريم أولئك الذين يستطيعون أن يسلكوا طريق أهل الاستقامة (الصراط المستقيم) بالصورة الصحيحة:

{وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء، 69)

والظاهر في الآية الكريمة أن الصراط المستقيم طريق خاص بأشخاص مُحددين، وأساس الاستقامة هو الإيمان والتقوى، ومحلهما القلب، لذا فالاستقامة هي انسجام وتناغم حركة البدن مع توجهات القلب، أي أن تكون الأعمال الظاهرة مرآة وصدى لما في القلب من إيمان وتقوى، فبالإيمان والإخلاص ترعى الاستقامة وتدوم.

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». [16]

وعن سفيان بن عبد الله الثَّقفيِّ، قال: قلت: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك» وفي حديث أبي أسامة «غيرك» قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم». (مسلم، الإيمان، 62)

وليس ثمة أمر إلهي أصعب من المحافظة على الاستقامة على الصورة التي يريدها الله تعالى، فالمحافظة عليها مقام عالٍ. والاستقامة هي المحافظة على العبادات باعتدال دون الوقوع في الإفراط والتفريط مع الثبات على طريق الله، وتنفيذ أوامره بالشكل الأمثل كما وردت، كلٌ حسب طاقته، لهذا السبب كانت الاستقامة شعارَ أولياء الله وأعظمَ كراماتهم، والاستقامة الحقيقية هي السير في طريق النور الذي خطَّه فخر الكائنات -صلي الله عليه وسلم-.

وقد شرح مولانا جلال الدين الرومي هذه الحقيقة خير شرح حين قال:

«طالما هذه الروح في جسدي سأبقى مذعناً للقرآن، وأسير على خطى سيدي محمد المختار، وإذا ما نقل أي شخصٍ عني غير هذا الكلام فإنني منه براء».

«إن أي امرئٍ يذهب إلى مائدة غير مائدة النبي -صلي الله عليه وسلم-، فسيأكل الشيطان معه من الوعاء نفسه، إذ إن من يختار مائدة غير مائدة العرفان تلك، فستمزِّق العظام حنجرته».

  1. التصوف هو الرضا والتسليم لله -عز وجل-:

التسليم هو الخضوع المطلق لله تعالى والطاعة والاستسلام له سبحانه ولأوامره دون اعتراض، ومن هذا الجذر اللغوي نفسه اشتقت كلمة «الإسلام»، والتصوف يزرع في الأفئدة الشعورَ بالرضا والتسليم للحق تعالى كي يتمكن العبد من العيش على أساس الاستقامة والاقتراب من ربه أكثر فأكثر مع كل نفَس يتنفسه.

إن الرضا والتسليم للحق تعالى هما اللذان يخففان من تأثير الآلام والمصائب والمحن التي تُغرِق هذا العالم الفاني، حتى إن المصائب ببركة الرضا والتسليم لله تصير كأن لم تكن، وتتحول الابتلاءات إلى مسرَّات حين يتلقاها العبد على أنها منحة من رب العالمين له. والتسليم هو خضوع العبد لأوامر الله تعالى بكل سعادة، وقبوله -بعد الأخذ بالأسباب – لكل تجليات القدر بالرضا العميق، وخير مثال على التسليم هو امتثال سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لأمر ربه وتقديم فلذة كبده قرباناً، وتسليم إسماعيل -عليه السلام- نفسه للتقدير الإلهي بكل رضا، وقد ضرب الله تعالى مثلاً هذين النبيين للناس أجمعين في التسليم: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} (الصافات، 103)

وبتسليمهما هذا نالا ثناء الله تعالى عليهما، وصارت الأضحية حكما شرعيا مستقلاً في العبادات، وستبقى عبادة الحج نموذجًا ونبراسًا هاديًا للأجيال القادمة إلى قيام الساعة على تسليم العبد لله تعالى وخضوعه بين يديه.

فينبغي للعبد إذا استسلم للحق تعالى في الأوامر والنواهي، ورضي بما يقدِّره الله له، أن يصبر على المشقات والابتلاءات، فالابتلاءات هي مفتاح الكمال.

ويقول الشقيق البلخي: «لو علم العبد ما يتلو المحن من منح لما أراد النجاة منها».

ولذلك لما عرف أولياء الله هذه الحكمة نظروا إلى الغمِّ والسرور بالعين نفسها، وتجاوزوا السعادة المفرطة والحزن العميق اللذين يوقِعان المرء في مصيدة النفس، وارتقوا إلى مقام الرضا والتسليم.

ومن أوجه التسليمِ العشقُ والمحبةُ الإلهية، فالمحبُّ يَسعَد بكل ما يأتي من الحبيب، ويسعى جاهداً إلى إظهار حميميته وإثباتها.

وربما هذا هو السبب الذي دفع بأبي علي الروزباري لتعريف التصوف على أنه:

« لزوم المرء باب الحبيب مستسلمًا له ولو طرده آلاف المرات».

إن العبد الذي يملأ العشقُ قلبَه يُقبِل راضيًا عن كل ما يأتيه من ربه على قدر محبته له، فبتسليم إبراهيم -عليه السلام- لله تعالى وتجليات عشقه له تحولت النار الدنيوية إلى روضة غنَّاء، أما يعقوب -عليه السلام- فقد نجح في التخفيف من ألم الفراق من خلال رضاه وتسليمه للتقدير الإلهي، وبقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف، 18)

ولهذا جعل أهل التصوف طريق الاستسلام لله تعالى -وهو طريق الأنبياء- محور طريقتهم، وتقول رابعة العدوية، قدس الله سرَّها، في هذا الشأن: «إن المحب للحبيب مطيع».

أي إن التسليم هو الطاعة التي تنبعث من الحب، وتنبع من القلب.

ولقد وصل الصحابة الكرام إلى مرحلة الكمال البشري بحبِّهم وارتباطهم وطاعتهم لنبينا -صلي الله عليه وسلم-، حتى غدوا نماذج حية للأمة كلها يعلمونها كيف يمتزج الحب لله بالخضوع والتسليم المطلق له سبحانه من دون أي اعتراض.

  1. تعاريف أخرى للتصوف:

إن الإسلام يهدف لتربية إنسان كامل، وهذا الهدف يتطلب أن يعيش المرءُ الإسلامَ ظاهرًا وباطنًا، بحيث يتحد الجسد مع الروح وينسجم العقل مع القلب.

والتصوف: هو السبيل للعيش على هذه الحال، فالهدف الفريد للتصوف تحويل الإنسان إلى إنسان مسلم صالح يرضى الله تعالى عنه، وهذا ما يوجب على المرء المسلم أن يسعى ليحيا حياته بإدراك الإسلام ضمن تكامل «الشريعة والطريقة والحقيقة والمعرفة».

فالتصوف: هو وجهة الدين الداخلية وجوهره وعمقه الروحي، وهو من هذا الجانب مثل اللاكتوز الموجود في الحليب، فحين نهمل روح الدين وجوهره لا تبقى إلا مجموعة من الأحكام الفقهية الجافة. وفي المقابل ثمة أشخاص لم يفهموا حقيقة التصوف حين ردوا كل أمر إلى الأحكام الباطنية، ولم يلتزموا بالأحكام الظاهرية، خاصة في هذه الأيام مع وجود من يدَّعون وصولهم إلى النشوة الصوفية، ناهيك عن أولئك الذين يأخذون عبارة «لا ضير في عملك ما دام قلبك طاهراً» شعاراً لهم، ويطلقون العِنان لحياتهم النفسانية، ويسعون إلى إظهار مفهوم التصوف على هذا النحو البعيد عن مفهوم التصوف الحقيقي، والمؤسف أن هناك أشخاصًا في أيامنا هذه بعيدون عن روح «المثنوي الشريف» يهملون الجانب المتعلق بالتقوى في المولوية، ويحاولون إظهار السماع[17] -الذي هو في الأصل ذكرٌ لله تعالى- على أنه موروث شعبي ومجلس للموسيقى.

وكما أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- كان أتقانا لله تعالى وأقربنا إليه وقام بالتكاليف والمسؤوليات الشرعية حتى آخر نفَس تنفسه، فكذلك ينبغي لكل مسلم يقتدي بهذا النبي أن ينجز مهامه ومسؤولياته الشرعية مهما كان موقعه ومقامه الروحاني، فالشريعة التي نصفها أنها الأحكام الظاهرية للإسلام هي مثل الهيكل العظمي الذي يعتمد عليه الجسد، لكن المظاهر الدينية التي هي عبارة عن هيكل فقط تقدِّم الإسلام على أنه دينٌ منفِّر جاف وناقص، يفتقر إلى الروح والحيوية، وهناك بالفعل من يريد عن عمد أن يظهره على هذا النحو.

والتصوف: هو فهم الإسلام بالطريقة التي فهمها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وسار عليها صحابته رضي الله عنهم، تلك الطريقة المليئة بالفيوضات والروحانيات، ثم السعي للعيش على أساس هذه الطريقة بالحب والشوق.

والتصوف: هو السعي والعمل على تنظيم الحياة على أساس الكتاب والسنة.

والتصوف: هو نظام لتطهير النفس من كل شوائبها، وفن الوصول بها إلى التقوى عبر الحذر من كل شيء يُبعد المرءَ عن الله تعالى، والتصوف هو شعور المرء بوجوده في عالم الامتحان الدنيوي، وهو الذي يوضح قواعد العبودية لله تعالى، وكل ذلك بالفيوضات والروحانيات التي تتغلغل في عروق المرء، فالتصوف هو سعي المرء كي يكون عبداً صالحاً لله تعالى من خلال معرفة الله ومحبته.

والتصوف: هو معرفة الحق تعالى بالقلب، والارتواء من ينبوع العبودية لله تعالى، والارتقاء بالإيمان إلى أفق عالٍ كما هو حال الإحسان.

والتصوف: هو رحلة مقدسة توصِل العبدَ إلى الله تعالى عبر المحبة والصحبة الحقيقية.

والتصوف: هو تطهير الفؤاد مما سوى الله تعالى من خلال الذكر الدائم.

والتصوف: هو فن بقاء العبد حبيباً لله تعالى من خلال الرضا بقضائه في كل زمان ومكان، وهو مهارة الإبقاء على توازن الفؤاد أمام المد والجزر والظروف المتغيرة والمفاجآت، ونسيان الشكوى والتذمر ليكون العبد عبداً صالحاً على الدوام.

والتصوف: هو تعليم الزهد، وتخليص الفؤاد من الرغبات النفسانية المتقلبة في الدنيا عبر إدراك أن الحياة الأساسية هي الحياة في الآخرة.

والتصوف: هو تكريس الوقت على أكثر الأشياء قيمةً.

والتصوف: هو مسؤولية يحملها أولئك الربانيون تجاه عباد الله الغافلين الشاردين التائهين، فيعاملونهم ويخدمونهم ويرشدونهم بالشفقة والرحمة والمحبة لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته، لذلك يمكننا القول أن «التصوف هو طريق الخدمة الإسلامية».

وخلاصة ما فهمناه عن التصوف وما نريد إيصاله، أن التصوف معرفة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن قرب وذلك من خلال محبته، والتخلق بأخلاقه الرفيعة، والسعي لتمثُّل الإسلام بروحانيته على أجمل صورة، والتصوف هو «حياة التقوى» التي عاشها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وصحابته مضمخة بالحب لله تعالى.

أما ما بقي خارج ذلك ولم يأخذ جوهره ومعياره من القرآن والسنة فهو باطل مهما عزا نفسه للتصوف.

وفي ضوء التعاريف المذكورة للتصوف يمكننا أن نخلص إلى أن:

التصوف: هو السعي لإقامة الدين، والحياة به وفق روحه وأصوله، وذلك من خلال التخلي والتطهر من الأدران المادية والمعنوية، والتحلي واكتساب الأخلاق والصفات الحميدة، وبهذه الطريقة يصل المؤمن إلى فهم شامل للأحداث المادية والمعنوية، وتنفتح بصيرته على الأسرار والألغاز الكبيرة التي لا يمكن أن يصل إليها عبر العقل وحده.

والتصوف: هو الصراع للتغلب على النفس التي تمثل حجر عثرة أمام ما يطلبه القلب من اللذات الروحانية اللانهائية.

والتصوف: من ناحية أخرى هو علمٌ يبيِّن كيف يحبس الجسدُ الروحَ، ويمنعها عبر الميول النفسانية من استيعاب الحقائق والحكم من وراء الأحداث، وهو علم يسمح للروح باكتشاف العِبر والحِكم التي تتجاوز حدود الإدراك، ومشاهدتها من منظور العارفين.

ولنَدَع نتيجة تعريفات التصوف إلى «منظومة التصوف» المشهورة التي نظمها إبراهيم أفندي شيخ تكية آق سراي أولانلار ومن خلال شرح قصيدته المشهورة:

التصوف في البداية هو التجرد من الوجود المادي، وإنكار الوجود في نفس المرء، أي تسليم إرادته للحق تعالى، أما التصوف في النهاية فهو الفوز بالفضائل الإلهية، حتى يصير المتصوف سلطاناً في قلوب الناس.

والتصوف كطريقة: هو أن يكون الصوفي مجهولاً بين الناس، لا يأبه له أحد، أما في الحقيقة فهو ضيف في قصر الأسرار الإلهية مطلع على خفايا الأمور ومآلات الأحداث.

والتصوف: هو الخلاص من الألبسة والأقفاص الفانية المصنوعة من الطين والماء، وبهذا يصبح المرء إنساناً طاهراً يشع منه النور الإلهي.

والتصوف: هو إيقاد شمعة الفؤاد بالنور الإلهي، لأن التصوف هو الاحتراق بالعشق الإلهي.

والتصوف: هو وجوب تجرد العبد من الإعجاب بالنفس والالتفات للناس، وأن يكون من أهل الشريعة والإيمان الحقيقي.

والتصوف: أن تكون عارفًا بسنن الله في الكون، حتى لا تكون من أهل الهم والكدر.

والتصوف: هو معرفة الأسرار والتجليات والحكم الإلهية وإدراكها، وهذا هو العلاج لأصحاب الهموم.

والتصوف: هو فك طلسم الجسد باسم الله، التصوف هو خراب هذا المبنى العامر الفاني تماما.

والتصوف: هو تحويل الصوفي مقاله إلى حال، فيحيي بحاله ومقاله معًا قلوب الناس دائماً.

والتصوف: هو الاطلاع على علوم التعبير والتأويل من خلال سبر الأعماق، وبهذا تُعرف الأسرار الإلهية الموجودة في الإنسان والكائنات والقرآن والسنة، والتصوف أيضاً هو أن تكون سرًّا من أسرار الله تعالى في الفؤاد.

والتصوف: هو أن تكون واعيًا وغائبًا داخل حيرة ودهشة كبيرة أمام عظمة الله تعالى وقدرته وجماله، لأن التصوف هو الإعجاب بأسرار الحق تعالى اللانهائية.

والتصوف: هو إخراج كل شيء من قصر الفؤاد وبقاء الله تعالى وحده فيه، لأن التصوف هو أن يكون قلب المؤمن عرشاً لله تعالى، أي ذاكراً لله تعالى دائماً.

والتصوف: هو بلوغ الشرق والغرب مع كل نَفَس، أي التفكير بأهل الإيمان هناك، ومشاركتهم سعادتهم وحزنهم، وخدمة أصحاب الحاجة، أي إن التصوف هو النظر في حال الناس كلهم والاهتمام بهم.

والتصوف: هو رؤية الحق تعالى في كل ذرة من ذرات الكون، فالتصوف هو أن يكون الصوفي كالشمس التي تنير العالم.

والتصوف: هو فهم لغات العالم كلها، يعني فهم حالة كل شخص، أي إن التصوف هو أن تكون حاكماً لعالم العقل مثل حكم سليمان.

والتصوف: هو حمل القرآن الذي هو أمانة إلهية على عاتق الإنسان، وحمل المسؤولية الناتجة عنها بجدية ورغبة؛ والتصوف هو نيل الآيات التي تبشر بالمغفرة الإلهية.

والتصوف: هو الرحمة بالخلق والشفقة عليهم والدعاء للكائنات كلها بـ(اسم الله الأعظم)، فبالتصوف يكون الصوفي قرآنًا حيًّا ورحمة للعالمين.

والتصوف: هو التوجه للحق تعالى في كل حال، وأن يكون الصوفي في خدمة الخلق يهوِّن عليهم كل أمر عسير.

والتصوف: هو جعل فؤادك مكاناً للعلم الإلهي، أي امتلاك العلم اللدنِّي، فالتصوف إذاً تحول حال الصوفي الذي ما هو إلا قطرة واحدة إلى بحر واسع عظيم.

والتصوف: هو إحراق الأنانية بنيران (لا إله)، والتصوف هو أن تكون إنسانًا كاملًا بنور كلمة (إلا الله).

والتصوف: هو دعوة الناس إلى طريق الحق تعالى بآية {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} (الرعد، 43)، وهو السعادة والطمأنينة بمآل {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (الفجر، 28).

والتصوف: هو الإحساس بالموت والبعث ألف مرة في كلِّ يوم، حتى تصير روحاً للعالم كله وسببًا لإحياء الأفئدة الأخرى.

والتصوف: هو إفناء الإنسان لنفسه في وجود الله تعالى، وإخفاء المرء نفسه بالقرب من الله -عز وجل- الذي تجلى في رحلة المعراج واتضح في الآية الكريمة: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} (النجم، 9)

والتصوف: هو إعطاء الروح للحبيب والنجاة من كل أنواع الأَسْر الفانية، والتصوف من هذه الناحية هو أن تكون روح الحبيب حقًّا. أي أن تكون محبوبًا أيضًا من طرف الحبيب.

يا إبراهيم، التصوف في الأصل هو أن تكون عبداً لله تعالى، لهذا فالتصوف هو أن تكون شريعة محمد -صلي الله عليه وسلم- دليلًا في الفؤاد.

[1]   ورثة الأنبياء: العلماء الحقيقيون الذين يرثون الأنبياء ولا سيما خاتمهم محمدًا -صلي الله عليه وسلم-   ظاهرًا وباطنًا، من ناحية العلم والعمل والأخلاق.

[2]     سنن أبو داوود، 15/4682؛ أحمد، جـ2، 250.

[3]   هذا البيان هو عبارة عن تنبيه ندائي من أجل مراعاة الأدب، وهو في الوقت ذاته توسل   يشابه معناه مقولة «يا إلهي! الطف بنا وامنحنا الأدب».

[4]   الوصول إلى الله: الوصول إلى الله العلي بالقلب في الدنيا.

[5]   اللقاء مع الله: رؤية جمال ربنا في الآخرة

[6]     البيهقي، الزهد الكبير، 165، السيوطي، الجامع الصغير، جـ2، 73/6107.

[7]     انظر: روجيه غارودي، وعود الإسلام، ص47.

[8]   أخذ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أثناء المعركة قبضة من تراب ونثرها على جيش قريش، فغطى هذا التراب بإذن الله أعين الكفار وهذا ما أصابهم بالدهشة، وقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد هذه الحادثة.

[9]   الحاكم، المستدرك، جـ4، 341/7844؛ أبو نعيم، حلية الأولياء، 1، 244؛ البيهقي،   شعب الإيمان، 9، 174.

[10]   الترمذي، التفسير، 56/6.

[11]   انظر: القرطبي، الجامع، جـ 9، 107.

[12]   انظر: المفسر التركي ألماليلي محمد حمدي يَزِيرْ، (دين الحق ولسان القرآن)، جـ4، 2829-2830.

[13]   النووي، شرح صحيح مسلم، جـ 2، ص9.

[14]   البيهقي، الشُعب، جـ3، 304؛ القشيري، الرسالة، ص58.

[15]     الاستدراج هو عكس الكرامة، وهي الخوارق للعادات التي تظهر من الكافر والفاسق والمتمشيخ أي الشخص الذي يتظاهر بالولاية. وهذه الأحوال إنما هي امتحان إلهي يأخذهم شيئاً فشيئاً إلى الهلاك.

[16]   أحمد بن حنبل، مسند، جـ 3، 198؛ البيهقي، شعب الإيمان، جـ 1، 97.

[17]   مصطلح عربي الأصل، استعمله المتصوفة للدلالة على الإنشاد الديني والذي يكون ضمن مجالسهم العلمية أو الروحية (المترجم).