النظر في الكون والإنسان والقرآن

حدود العقل

لقد أعطى الإسلام أهمية كبيرة للعقل، ولهذا فقد كان العقل واحداً من شرطين أساسين لتكليفه([1]). وقد علَّم الإسلام الإنسانَ بكل وسيلة ممكنة كيف يستعمل عقله بالوسيلة التي تليق. ومع هذا فإن الحق -عز وجل- قد أوضح أن قدرة الإنسان ليست مطلقة في إدراك حقائق الكون؛ لأنه -جل جلاله- لم ينعم بالقدرة المطلقة اللامحدودة على أي من مخلوقاته التي خلقها.

فكما أن قدرة النظر محدودة بقدرة العين، وقدرة السمع محدودة بقدرة الأذن؛ فإن قدرة الإدراك محدودة بقدرة العقل؛ فإذا كان هناك وجود لا نهائي لا يمكن للعين أن تراه بسبب أنه أكبر من قدرتها على النظر، وإذا كان هناك عدد لا حصر له من الأصوات لا يمكن سماعها بسبب أنه فوق مستوى سماع الآذان، فإنه بالتأكيد توجد حقائق كثيرة لا يمكن الإحاطة بها أو إدراكها لأنها فوق طاقة الإنسان على الإدراك والفهم. أي أن العقل بمفرده لا يكفي لأدراك الحقيقة بكاملها .

فمثلا فلاسفة العقل الذين اعتقدوا أن قدرة العقل غير محدودة في الوصول إلى الحقيقة وإدراكها قد جروا البشر الذين تأثروا بهم إلى حضيض التعاسة بدلا من السعادة التي كانوا يطلبونها ([2])

ومما لا شك فيه فإن الله -عز وجل- يعرف خصائص عباده الذين خلقهم أكثر من أنفسهم، وقد أرسل -عز وجل- حوالي مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول بحسب الروايات طوال تاريخ الإنسانية وذلك لتجنب ضعف العقل، وقصوره في الوصول إلى الحقيقة. وكانت الصحف والكتب التي أوحى الله -عز وجل- بها إلى هؤلاء الرسل والأنبياء خير معين في توصيل الإنسانية إلى الحقيقة وإيصال الحقيقة إليها.

وعلى ذلك فان تربية العقل بالوحي تعد شرطاً لازماً؛ لأن العقل الذي لم يتربَّ في ضوء إرشاد البيانات الإلهية يكون تقريباً مثل حصان جامح لا يمكن به الوصول إلى الهدف، كما أنه من المحتمل بشدة أن يتعثر في الحُفَر والمهاوي ويتعرض للهلاك.

ولهذا السبب فإنه إذا كان يجب تربية هذا الحصان البرِّي غير المروض بوضع اللجام عليه للإستفادة منه على أكمل وجه، فإنه من الضروري تهذيب العقل بالتربية المعنوية التي قوامها الوحي والسنة المطهرة حتى يصل إلى مرتبة العقل السليم. ومالم يتم عمل ذلك الأمر فان هذا العقل يكون ببساطة مثل سلاح ذو حدين؛ إما أن يكون وسيلة للخير، أو يكون وسيلة للشر.

وظيفة القلب

     الإيمان في نظر الإسلام هو تصديق بالجَنان وإقرار باللِسان. أي أن العقل ليس له مكان في التجلي الحقيقي للإيمان؛ لأن القلب هو مركز الشعور والإحساس. وهذا الأمر مهم للغاية؛ لأن الإيمان هو إحساس علوي. أما العقل فهو عبارة عن وسيلة لازمة وضرورية من أجل الوصول إلى شعور الإيمان وتجاوز المراحل المعلومة الواضحة التي تحقق هذا الأمر.

والحقائق الإلهية المقبولة عقلا والمصدقة ذهنياً إذا لم يتبعها تصديق قلبي فلن تنتج إيماناً حقيقياً. ومالم يستقر الإيمان في القلب فلن يتحول إلى عمل، ولا يمكن أن تستقيم السلوكيات والتصرفات. وإذا حدث هذا فلن يكون للعمل أية قيمة عند الحق -عز وجل-. وقد شبّه الحق -عز وجل- من يعرفون الحقائق الإلهية ولكن لا يدركون كنهها؛ لغفلة في قلوبهم بالحمار الذي يحمل الكتب فقال -عز وجل-:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة، 5)

ولهذا السبب فان معرفة الحقائق الإلهية ليست تكديس تلك الحقائق وتراكمها في الذهن فقط؛ بل إن المعرفة الحقة هي حل أسرار النظام الكبير الموجودة في الحياة والكون عن طريق التفكر والتدبر، والعمل بمقتضى تلك المعرفة، ومن يعمل هذا فَإنه يكونُ قلبُه مملوءً بنور الإيمانِ.

والنتيجة التي يتحصل عليها العقل عندما يفكر في الإنسان والكون والقرآن -الذي هو بمثابة مرآة للحقائق التي فيهما- تكون مثل المعادن الخام التي تستخرج من باطن الأرض، أما من يحول هذه المعادن إلى مشغولات ومصنوعات فهو القلب.

فالقلب هو مركز التفكر والشعور والإحساس، وشعور القلب الذي يعبّر عنها بألفاظ «الحدْس والإلهام والواردات والسوانح» عندما يتحد مع الأدلة التي يقدمها العقل فإنه يوفر إدراكًا بالمعنى الكامل للحقيقة. تماماً مثل إحضار قطع إحدى الأواني الخزفية المحطمة وتجديدها واستعادة شكلها الأصلي.

ويمكن القول بأن إتمام الوصول إلى الحق والخير في أكمل شكل وأجمله يكون بتربية العقل بالوحي، وتعويض نقصان العقل بالتسليم في النقطة التي يعجز فيها العقل، والدوران في فلك قلب نضج في نور الإيمان.

وقيمة التفكر أيضاً ترتبط بتقويته بالتدبر، أي إمكانية العمل وفق العوامل القلبية والعقلية داخل توازن دقيق متوافق. فلو أعطى الإنسان ثِقلاً للعقل والذهن فقط فربما يصبح رجلاً دنيوياً جيداً أي إنسان نفعي. ولكن لكي يكون مؤمناً كاملاً. فيجب تربية القلب الذي هو مركز الأحاسيس والمشاعر بالتربية المعنوية، وأن يكون ذلك القلب مرشداً للعقل، لأن القلب الذي هو مركز الإحساس يوجه العقل نحو التفكر، أما التفكر فيوجه العقل نحو الارداة.

ويمكن القول أن السبب الأساسي للأفعال الإرادية هو القلب ففيه تستقر الأحاسيس وتضرب بجذورها. ومن هذه الناحية فإن توطين القلب وإقراره في إطار الأوامر الإلهية يكون ذا أهمية أكبر من الأعضاء الأخرى. لأن التفكر العقلي في جو من الرغبات الشهوانية، والحرمان من إرشاد قلب سليم تحت تسلط الأمراض القلبية -مثل العُجْب الغرور والكبر- يخرج عن مجراه الأصلي الأساسي، ويسوق الإنسان إلى الضلال والإنحراف مثل الشيطان.

يقول مولانا جلال الدين الرومي:

«لولا أن الشيطان له عشق بمقدار ما له عقل لما انحط به الحال إلى ما هو عليه».

أي أن العقل لا يفيد ولا يعطي قيمة بمفرده، وأنه يجب التحكم في دفة العقل، وإنضاج الأحاسيس التي في القلب وإكمالها معنوياً من أجل تحقيق أفضل استقامة للعقل.

والحاصل أن أي تفكر حقيقي يبدأ في النقطة التي يتواجد فيها عقل أضاء بنور الوحي وقلبٍ نضج معنوياً. ونحن في هذا الكتاب عندما نستعمل مفهوم التفكر فإننا نقصد به شكله المقبول المتمثل في تربيته وإعداده بالحقائق الإلهية، وتقويته بالتدبر القلبي.

والتفكر من ناحية معنى الكلمة هو التعمق والتمعن في شيء ما لأخذ العبرة منه. والتأمل هو دوام التفكر، وإمعان النظر، والتدقيق الجيد في الحوادث والكون لأخذ العبرة والنصيحة والوصول إلى الحقيقة.

أما التدبر فهو التفكير في عواقب عمل ما ونتائجه. ونحن اليوم في بلادنا تركيا نعبر عن هذه المعاني كلها بكلمة واحدة هي «تفكر» ومما لا شك فيه أن هذه الحال هي نتيجة مريرة لخيانة التخريب الرهيبة التي حدثت في لغتنا، وذلك من أجل تجريد أمتنا العزيزة من ثقافتها الإسلامية الأصيلة. لأن الإنسان يفكر بالكلمات ولا يمكن أن تنفتح المفاهيم والكلمات التي هي وسائل ووسائط للتعبير عن تلك المفاهيم على آفاق التفكر الإسلامي العميقة والرحبة بلسان عاجز مضطرب ناقص.

ومن هذه الناحية فإنه يجب علينا أن نصاحب الكلمات التي تأتي من ثقافة القرآن، وأن نُحْيي هذه الكلمات باستعمالها وعدم إعطاء أي اعتبار أو قيمة لأية لغة ملفقة مزيفة تريد أن تحل محل هذه الثقافة الاسلامية التي منبعها القرآن.

أهمية التفكر

توجد في كتاب الله -عز وجل- وفي أحاديث رسوله الكريم -صلي الله عليه وسلم- أوامر كثيرة وحث كبير يتعلق بالبحث والتدقيق والتفكر والإعتبار؛ وفي هذا الشأن نذكر هاتين الآيتين من جملة مئات الآيات الكريمة التي احتلت مكانها في القرآن الكريم، يقول الحق -عز وجل-: ﴿أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم، 8)

وقوله تعالى -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ، 46)

ونجد أن تلك الآيات الكريمة توصي الناس أن يُمعنوا التفكر في عبوديتهم لله تعالى أفراداً وجماعات، والوقوف جيدًا على حقيقة تلك العبودية ([3])، ووعدتهم تلك الآيات أن يحققوا النجاة والفلاح فقط إن هم تمسكوا بهذه النصحية الوحيدة.

التفكر الدائم كان حال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-

كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يحب الصمت والتفكر كثيراً. وكان-صلي الله عليه وسلم- في الأوقات التي سبقت بعثته الشريفة يرغب كثيراً في الخلوة والإنزواء والعزلة. فكان يذهب إلى غار حراء الذي يَبعد عن مكة المكرمة خمسة كيلو مترات تقريباً ويبقى هناك أياماً معدودة. وكانت عبادته -صلي الله عليه وسلم- في تلك الخلوة والعزلة هي التفكر والمشاهدة والإعتبار والتدبر في ملكوت السموات والأرض مثل جده ابراهيم -عليه السلام-([4]). وعلى هذا النحو كان الله -عز وجل- يُحَضِر رسوله -صلي الله عليه وسلم- لمهمة الرسالة المقدسة.

وفي تلك الأيام كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يفكر دائماً في الكون وأحواله، وفي الحياة بعد الموت. وعن تلك الفترة يتحدث هند بن أبي هالة -رضي الله عنه- فيقول:(كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- … وإذا ألتفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، يعني جل نظره الملاحظة، يسبق أصحابه، يبدر من لقي بالسلام… متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل الصمت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فضل لا فضول، ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا نوزع الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فيضرب بباطن راحة اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا ضحك غض طرفه، جُلَّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام) (ابن سعد، الطبقات، جـ1، 422-423)

وكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في معرض حث أمته على التفكر يقول:”أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف، وقيل: بالمعروف” أخرجه رزين (الجزري، جامع الأصول، 11، 687، رقم، 9317)

وقال عليه الصلاة والسلام:

لا عبادة كالتفكر” (البيهيقي، الشعب، جـ4، 157)

كونوا في الدنيا أضيافاً، واتخذوا المساجد بيوتاً، وَعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا التفكير والبكاء، ولا تختلفن بكم الأهواء، تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لاتدركون” (أبو نعيم، الحلية، جـ1، 358؛ السيوطي، جامع الأحاديث، رقم: 15843)

كذلك قال أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-: «جلست إلى رَسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم -عليه السلام- فقال -صلي الله عليه وسلم-:

“كانت أمثالاً كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور فإني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وكان فيها أمثال على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه عز وجل وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفكر فيها في صنع الله عز وجل وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه” (أبو نعيم، الحلية، جـ1، 167)

وكان لقمان -عليه السلام- يحب أن يخلو بنفسه ويطيل الجلوس وحده فلما سُئل عن ذلك قال: «إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة»[5]

وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول:

(تفكر ساعة خير من قيام ليلة) (البيهقي، شعب الإيمان، 1، 135، رقم: 118)

ولما سُئل سعيد بنُ المسيِّب أيُّ العبادة أفضلُ؟ قال: «التفكر في خلقه، والتفقه في دينه» (البرسوي، روح البيان، تفسيرسورة النور، آية44)

ومثلما ذكرنا فيما سبق فإن التفكر الذي يحمل الشخص على إدراك عظمة الله تعالى هو نشاط عقلي. والذي يوصل هذا الجهد والنشاط إلى نتيجة كاملة هو القلب. وكما أن قلبنا هو أشرف أعضاء الجسم فإنه من الطبيعي أن يكون عمله أفضل من أعمال الأعضاء الأُخرى؛ لأن القلب هو محل نظر المولى -عز وجل-.

إن هناك ثمة حقيقة واضحة جدّاً مفادها أن تفكر العقل الذي تربى بالوحي هو رأس المال الأول للأنوار التي تنير القلب، وهو الوسيلة والطريقة الوحيدة التي توصل إلى البصيرة والعرفان، مرة أخرى فإن تفكُّراً كهذا هو وسيلة للعلم، والزهد، وترك المعاصي، والمحبة الإلهية.

وأفضل أنواع التفكر هو التفكر في قدرة الله وعظمته وحكمته وتقديره. وفي ظل هذا التفكر فإن الإنسان يفكر في إصلاح الحياة الدنيا، وترك كل ما يسبب الضرر لآخرته.

فعندما يفكر شخص في نعم الله تعالى وعطاءاته وأوامره ونواهيه وأسمائه وصفاته؛ فإنه يُنبت بذور المحبة والمعرفة في قلبه، ويبدأ في اكتساب مستوى معنوي. وعندما يفكر في الآخرة وفي أن الدنيا دار امتحان وفناء، وأن الاخرة هي دار شرف وبقاء؛ فإن رغبته تزيد في الآخرة، ويبدأ في إعطاء قيمة وأهمية تفوق ما للدنيا. ويدرك أن الحياة الدنيا هي هرولة مسرعة بين رحم الأم والقبر. ويزيد من حماسته وغيرته وسعيه الدءوب في أن يجعل عمره أكثر بركة، مدركاً أن هذا العمر هو أفضل رأس مال لاكتساب السعادة في الآخرة. ويعرف أن أوقاته غنيمة فيستغلها على أفضل شكل وأجمله في أعمال الخير والصواب.

وما أجمل قول السيد أبو الحسن الخرقاني عندما قال: «كل عضو في المؤمن يجب أن تكون مشغولة دوماً بالله -عز وجل-. ويجب على كل مؤمن أن يذكر الله بقلبه، وأن يذكره باللسان وأن يرى الشيء الذي يريد الحق منه أن يراه بعينه، وأن يعطي ويمنح بيده، وأن يسعى لزيارة البشر على قَدَمَيْه، وأن يكون في خدمة المؤمنين بعقله، وأن يدعو بإيمان ويقين قاطع، وأن يسعى ويجتهد للوصول إلى المعرفة مفكراً بعقله، وأن يعمل عمله بإخلاص، وأن ينبه الناس ويذكرهم بأهوال يوم القيامة وشدته.وأنا أضمن لكل فرد يفعل هذا أن يذهب إلى الجنة ما أن يخرج من قبره ويجر خلفه أثمال الكفن»([6])

[1]       (1) هناك شرطان في الإسلام لابد أن يتحققا في الفرد المسلم حتى يتم تكليفه: الشرط الأول هو البلوغ، أي وصول الطفل إلى سن البلوغ. والشرط الثاني هو العقل، أي أن يكون لديه ملكات عقلية يستطيع بها تمييز الخطأ من الصواب. وعلى هذا النحو فإن الأطفال والمجانين ليسوا مسئولين عن أعمالهم وغير مكلفين في نظر الإسلام.

[2]     (2) لقد وقعت حادثة فريدة في اليونان القديم تظهر بجلاء ضعف العقل وقدرته المحدودة: ذلك أن شابًا ذهب إلى إحدى الفلاسفة ليدرس على يديه القانون. وقرر أنه سيدفع له نصف الأجر المحدد مقدمًا، أما النصف الأخر فسوف يدفعه عند أول دعوى يكسبها. ومعنى هذا أنه إذا تلقى تعليمًا جيدًا للغاية يتمكن به من اكتساب دعوته الأولى وسيكون لأستاذه الحق في الحصول على القسط الثاني من الأجر. ولكن بعد أن أتم الطالب تعليمه قال لأستاذه: إنه لن يعطيه باقي الأجر ويكفيه القسط الأول الذي أعطاه له!.

     وبسبب ما حدث من الطالب تجاه أستاذه فقد تحققت أول دعوى قضائية له. وعندما مثل الطالب أمام هيئة الحكماء التي تشكلت قال: يجب على ألا أعطي باقي النقود سواء كسبت هذه الدعوى أو خسرتها! فسأله أحد الحكماء ولماذا؟ فرد عليه قائلاً: لأنني لو كسبت الدعوى بمقتضى قراركم فيجب عليَّ أن لا أعطي له النقود، ولو خسرتها فيجب عيَّى ألّا أعطيه هذه النقود بمقتضى الاتفاق الذي تم بيني وبينه.

   وعندما تحدث الفيلسوف قال: «يجب عليّ أنا أيضًا ألا أخذ هذه النقود سواء كسبت الدعوى أو خسرتها!. وعندما سألته هيئة المحكمة لماذا؟ أجاب عليهم قائلاً: «لأنني لو كسبت القضية بمقتضى قراركم فيجب على ألا أخذ النقود بمقتضى الاتفاق الذي تم بيني وبين المدعي عليه لأن أداء القسط الثاني من النقود كان مشروطًا بنجاحه في كسب أول قضية له وهذا الشرط لن يتحقق لو كسبت تلك القضية».

     ومثلما رأينا فان إدعاء كل من الطالب والفيلسوف كان منطقيًا وعقلانيًا إلى أقصى درجة. ولكن يمكن القول أن العقل والمنطق مثلما رأينا في هذا المثال قد حبس نفسه داخل جدران قد نسجها بنفسه ودخل في طرق مسدودة لا يستطيع الخروج منها. فكيف لعقل يعجز على حل كثير من الخلافات البشرية أن يتمكن من إدراك الحقائق الإلهية التي لا حصر ولا نهاية لها ويفهمها. ولهذا السبب فإن سلامة العقل من المهالك ترتبط بتربية هذا العقل بالوحي والتسليم القلبي الواجبين .

[3]           إن فكر المجتمع والأغلبية يؤثر بشكل عام في فكر الفرد، والطريقة التي يتخلص بها الفرد من هذا التأثير وإيجاد الحقيقة تكون بالعودة والرجوع إلى أهل الإرشاد، واستفتاء القلب، والدخول في مناخ التفكر والتدبر. وتبعًا لهذه الآية الكريمة فان الأحكام التي يطرحها العقل الجماعي للناس ليست صحيحة أو قريبة من الصواب في كل الأحيان. وعلى هذا فإن كل فرد يجب عليه أن يكون له فكره المستقل، وأن ينقد بصراحة هذه الأفكار ويصل إلى الفكر الصحيح المستقل.

[4]     العيني: عمدة القارئ ،بيروت، بدون تاريخ جـ61، جـ14 ، ص128

[5]     الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، 1995، دار الخير، جـ6 ،45.

[6]     (6) ابوالحسن الخرقاني، رسالة السير والسلوك، اسطنبول، 6002، ص 701.