المحبة لأهل البيت

أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نِعَمِه، وأحبوني

بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي[1]

المحبة والصداقة

تنبع المحبة والصداقة من المشتركات في المشاعر والأحوال. كلما كانت المشتركات كثيرة، زادت المحبة بالنسبة ذاتها.

إن الله تعالى يحب أكثر عباده الذين يشاهد فيهم صفاته الجمالية ويكرمهم بصداقته وقربه الخاص.

إن ميل عاطفة النبي يعقوب عليه السلام-، إلى يوسف من بين أولاده الإثني عشر، مرده إلى رؤيته فيه لمشاعره وأفكاره وإمكانياته وخصوصياته، بأكثر مما في أولاده الآخرين. معنى ذلك أن الصداقة تنبع من رؤية المحب في المحبوب صفاته الخاصة.

بالمثل، الأشخاص المباركون الذين تلاحظ عليهم أحوال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وصفاته على أحسن صورة، هم أقرب الناس إليه، أي عائلته الكريمة أو أهل بيته.

فأهل البيت هم الذين عاينوا عن قرب صور الجمال النبوي، أي الملاحة النورانية والطيبة على وجهه وفصاحة لسانه ولطافة حركاته والبلاغة الإستثنائية في بيانه. لقد كانوا أحب الناس إلى قلب الرسول -صلي الله عليه وسلم-، الذي بحاله امتثلوا وبأخلاقه تخلّقوا وفي ظل تربيته نَشَؤا.

لذلك فقد دفع هؤلاء الأشخاص الأعزة، طيلة أعمارهم، أثماناً باهظة طوعاً في سبيل أن يليقوا بمحبته وألا يحرموا منها أبداً. لقد أخذوا نصيبهم مما تعرض له من شقاء وعذاب.

فالإنسان يقدم أكبر التضحيات من أجل من يحب وما يحب. وأكبر التضحيات التي يمكن تقديمها في هذا العالم الفاني هي التضحية في سبيل المحبة الإلهية.

ويشكل أهل البيت ذروة استثنائية بين أبطال الإسلام الذين قدموا ثمن المحبة الإلهية بمتعة ووجد كبيرين.

أهل البيت

أهل بيت نور الوجود رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، المباركين.. السلالة الشريفة التي اكتسبت شخصيتها من الأخلاق والعلم والعرفان والفضائل النبوية.. سادة الأمة التي أصبحت مثالاً للإخلاص والتقوى في محبة الرسول والوفاء له، آل محمد -صلي الله عليه وسلم-..

يعني تعبير أهل البيت أولاً أفراد عائلة سيدنا محمد-صلي الله عليه وسلم-. أهل البيت، بهذا المعنى، هم الرسول الأكرم وأسرته، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وجعفر وعقيل وعباس وأسرهم. وكما أن الصلاة والسلام على سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-، هو واجب على جميع المؤمنين، كذلك هو الإخلاص لأهل البيت بمحبة واحترام.

لأن النتيجة الطبيعية لمحبة الإنسان لشخص ما، هي أن تشمل هذه المحبة كل ما ومن له علاقة بمن يحب. يمكن أن يتعلق الأمر بأشخاص أو أشياء أو سلوك أو أماكن على السواء.

إذا أحببتم شخصاً، على سبيل المثال، فسوف تذكركم به كل حال أو حركة تخصانه، حين ترونها في شخص آخر. وسوف تحبون الشخص الذي ترون عنده تلك الأحوال والحركات أيضاً لمجرد أنه يذكركم بمن تحبون. تتجلى هذه النتيجة بصورة متناسبة مع درجة محبتكم. إن من يحب شخصاً بدرجة عالية من المحبة، فإن جلوس هذا الشخص ونهوضه وحتى طريقته في الملبس، تؤثر جميعاً في قلب المحب. إن محبة لحية رسول الله المباركة وثيابه، هي أثر من هذه الحالة الروحية.

إن محبة الله عليه السلام- هي الذروة النهائية في فعل المحبة. أما الذروة التالية فهي محبتنا لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-، لكونه سبب خلقنا. إن من امتلأت قلوبهم بمحبة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ستبهجهم أيضاً محبة أهل البيت، في إطار الحقائق التي ذكرناها أعلاه، وسوف يقتدون بهم.

يحكي زيد بن أرقم -رضي الله عنه-، فيقول:

«قام رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، يوماً فينا خطيباً. بماء يدعى خمّاً. بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال:

أما بعد. ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به“.

فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال:

وأهل بيتي. أذكِّركم الله في أهل بيتي. أذكِّركم الله في أهل بيتي. أذكِّركم الله في أهل بيتي“.

فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟

قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ،

قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟

قَالَ: نَعَمْ. (مسلم، فضائل الصحابة، 36)

سلمان منا أهل البيت

هناك أيضاً من هم من أهل البيت معنوياً. كان سلمان الفارسي-رضي الله عنه-، يقدم في كل أحواله صورة جميلة جداً عن شخصية المسلم، فكان كل من المهاجرين والأنصار يتنافسون على حسبانه عليه قائلين: «سلمان منا». فما كان من رسول الله-صلي الله عليه وسلم-، إلا ان أكرمه قائلاً: “سلمان منا، أهل البيت” (الحاكم، جـ3، ص 196، 1456؛ ابن هشام، جـ3، ص 241).

هذا يعني أن الشرط الأهم للانتماء إلى أهل البيت هو التقوى. فإلى جانب الانتماء إلى أهل البيت، بالمعنى الظاهري، هناك أيضاً الانتماء إلى أهل البيت معنوياً وروحياً. وهذه هي المرتبة الأشرف بالنسبة للقلوب المؤمنة.

في هذا الإطار لدينا مثال جميل جداً في معاذ بن جبل-رضي الله عنه-، الذي عرف بين الصحابة بفضيلته وتقواه:

لما بعثه رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إلى اليمن خرج معه رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله -صلي الله عليه وسلم- يمشى تحت راحلته فلما فرغ قال:

يا معاذ انك عسى ان لا تلقاني بعد عامي هذا أو لعلك ان تمر بمسجدي هذا أو قبرى

فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال:

إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا“.[2]

ثمة مثال آخر وهو أسامة بن زيد -رضي الله عنه-. وفي يوم من الأيام قصد علي والعباس-رضي الله عنهما-، رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم- ذات يوم، وسألاه عمن يحب أكثر من أهله، فأجاب قائلاً:

فاطمة بنت محمد

فقالا له:«ما جئناك نسألك عن أهلك» فأجابهما الرسول قائلاً:

أحب أهلي إليّ من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه، أسامة بن زيد” (الترمذي، المناقب، 40\3819)

سيدنا محمد فخر الكائنات الذي قال:

وإنما أوليائي المتقون” (أبو داوود، الفتن، 1\4242)

أوضح الرسول -صلي الله عليه وسلم- إذن أن الشرط الأهم للتقرب منه هو التقوى. والتقوى أيضاً هو السبب الأهم لمكانة المؤمن عند الله تعالى.

ويبين المحدّث الكبير حكيم الترمذي أن المقربين من الله تعالى هم في ذكر دائم لله، ما يجعلهم من أهل البيت بصورة معنوية، موضحاً أنها ليست قرابة نسب بل . قرابة قلب وروح. يقول الحكيم الترمذي:

«بعث رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لإقامة ذكر الله وليبوّأ له مستقراً، وهو الذكر الخالص الصافي. فكل من آوى إلى ذلك المثوى فهم آله» (الحكيم الترمذي، كتاب ختم الأولياء، ص 345-346)

هذا يعني أنه لكي نكون قريبين من سيدنا محمد-صلي الله عليه وسلم-، كما يقضي الحديث الشريف: “المرأ مع من أحب” (البخاري، الأدب، 96)،

ليكون ضمن دائرة صحابته وأهل بيته، يجب على قلوبنا أن تمتلئ بمخافة الله ومحبته، قبل كل شيء، أي أن تكون قلوبنا مع الله ورسوله. وتتجلى هذه الحالة، بأوضح ما يكون، في عبادتنا وسلوكنا.

تربية أهل البيت

كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، يُرغِّبُ لأفراد عائلته الذين يغمرهم بمحبته ورأفته، أن يعيشوا حياة تقوى من شأنها أن تكون مثالاً للبشرية. فكان يحثُّ أهل بيته العزيزين جداً على قلبه، على التقوى العميقة والزهد والتواضع والبساطة واللطف والإخلاص الدائم، الذين من شأنهم أن يمنحهم حياة العزة في الدنيا والآخرة حتى كان حثه في المباحات احياناً لخوفه عليهم ان تميل قلوبهم الى الدنيا. فكان يقول عليه الصلاة والسلام: “لا عيشَ إلاّ عيشُ الآخرة” (البخاري، الرقاق، 1)

كان سيدنا فخر الكائنات يكنُّ محبةً خاصة لابنته فاطمة-رضي الله عنها-. ليس هناك من ابنة تحب أباها بقدر محبة أمنا فاطمة لسيدنا الرسول، وليس هناك من أبٍ يحبُّ ابنته، بقدر ما أحبَّ سيدنا الرسول ابنته فاطمة. لهذا السبب، نحن على قناعة بأن وجود اسم فاطمة في كل أسرة، هو وسيلة رحمة وبَرَكَة تُقَرِّبُنا من سيدنا محمد-صلي الله عليه وسلم-.

قال عليه الصلاة والسلام:

فاطمة قطعةٌ مني، من أحزنها كأنه أحزنني، ومن فرَّحَها كأنه فرَّحني[3] مُبَشِّراً بذلك بأنها أكثر سيدات الجنة فضيلةً[4].

لكنه، من جهة ثانية، كان يُذَكِّرُ فاطمة في كل فرصة، بألا تعتمد على كونها ابنة رسول الله، فتغفل عن حسابها في الآخرة:

يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملك لكم من الله شيئاً. غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها” (مسلم، الإيمان، 348)

يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت. لا أغني عنك من الله شيئاً” (مسلم، الإيمان، 351)[5]

وعلى الرغم من أَنَّ فاطمةَ هيَ أكثر مَنْ أحبَّها الرسول -صلي الله عليه وسلم- من بين أفراد أسرته الكريمة، فقد أراد لها رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أن تتمتع بالحد الأدنى من نِعَم الدنيا، في حال من القناعة، وأن تستخدم ما يفيض عن ذلك في الإنفاق على ذوي الحاجة. فكان لا يترك لابنته أي مجال لبروز أدنى تعلق بنعم الدنيا في قلبها، موجهاً كريمته المحبوبة دائماً إلى الله والآخرة.

رأى سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-، ذات يوم، عَقداً عند ابنته فاطمة. ولم تتأخر تلك السيدة الرقيقة والحساسة في ملاحظة استياء أبيها، فذهبت من فورها وباعت العقد، وبرغم حاجتها استغنت عن ثمنه فأنفقته على شراء عبد وإعتاقه. سُرَّ سيدنا محمد عليه السلام-، من سلوك ابنته المعبر عن الشفقة والرحمة والإيثار، أيَّما سرور. (النسائي، الزينة، 39)

كانت فاطمة-رضي الله عنها-، سيدةً نحيفة وهزيلة، وكانت الأعمال المنزلية ترهقها كثيراً. فكانت تشعل الموقد وتعمل على طهي الطعام. في بعض الأحيان، كانت الشرارات المتطايرة من النار عند نفخها عليها، تحرق ثيابها. وكان الغبار يغطيها بسبب كنسها للبيت. وكان يحدث أن تتقرح يداها من تدوير حجر الرحى، ويجرح ظهرها من حمل الماء.

حدث أنهم جاؤوا رسول الله ببعض أسرى الحرب، فطلبت فاطمة من أبيها أن يعطيها واحداً منهم لمساعدتها في أعمال البيت. فما كان من الرسول -صلي الله عليه وسلم-، إلا أن وجَّهَ ابنته الأحب إلى قلبه، إلى السعادة الأبدية، قال -صلي الله عليه وسلم-:

اتَّقِي اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ، وَأَدِّي فَرِيضَةَ رَبِّكِ، وَاعْمَلِي عَمَلَ أَهْلِكِ، فَإِذَا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَسَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ

فقالت فاطمة -رضي الله عنها- :

«رَضِيتُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَنْ رَسُولِه-صلي الله عليه وسلم- »

لقد استغنى الرسول -صلي الله عليه وسلم-، عن منح ابنته العزيزة على قلبه، خادماً. (أبو داوود، الخراج، 19-20\2988)

وفي رواية أخرى، يقال إن سيدنا، -صلي الله عليه وسلم-، قال أيضاً:

لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم” (أحمد، جـ1، 106/838)

لقد ربى سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-، ابنته في شروط حياة بهذا التواضع. إنها أمُّنَا فاطمة التي ستكون أماً لأهل البيت والسلسلة الذهبية من الأولياء الصالحين كالشيخ عبد القادر الجيلاني وبهاء الدين النقشبندي وأحمد الرفاعي وغيرهم الكثير من الأولياء والأصفياء والأبرار والمقربين، وقدوةً صالحة لنساء أمة الإسلام.

وهنا مثال آخر على التربية المعنوية التي منحها سيدنا فخر الكائنات لأفراد عائلته، مهيِّئاً إياهم للحياة الأبدية:

من سورة الأحزاب:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، 32-33)

حين نزلت هذه الآيات، واظب رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، طوال ستة أشهر، على المرور على باب بيت فاطمة، في طريقه إلى صلاة الصبح، فكان ينادي قائلاً:

الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ ﴿…إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب،33)” (الترمذي، تفسير، 33\3206)

كذلك كان الرسول -صلي الله عليه وسلم-، يطرق الباب، في بعض الليالي، على علي وفاطمة -رضي الله عنهما-، لإيقاظهما على صلاة التهجُّد – واحد من أهم وجوه رأس مال السعادة في الحياة – خشية استغراقهما في النوم بفعل التعب.

يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-:

«لم أر من هو أكثر رأفةً من رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، بأفراد أسرته».

هذا الكلام يعني، في الوقت نفسه، أنه ما من أحد ربى أهل بيته كما فعل سيدنا الرسول عليه السلام-. نعم، لقد كان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يدفع أهل بيته إلى حياة التقوى الكاملة ويحثهم على أن يكونوا قدوةً للآخرين.

إنما بفضل هذا أصبح أهل البيت الذين تلقوا تربية الرسول بصورة مباشرة، سادة وسيدات بالنسبة للآخرين، تماماً كما كان الرسول -صلي الله عليه وسلم-، الذي تلقى تربية الله بصورة مباشرة، سيداً لجميع الأنبياء والمرسلين.

بالفعل، لقد تحلّقَ أهل البيت بالمحبة حول رسول الله الذي أرسل رحمةً للعالمين، وتحلوا بحاله. مثل نسمة صباح هبت على حديقة يزينها الورد والقرنفل والأزهار الجميلة، فحملت رائحتها الطيبة حيثما وصلت، حمل أهل البيت الذين نَشَؤُا على تربية رسول الله المعنوية، روحانياته إلى الأجيال التالية، بإخلاص ووفاء كبيرين.

وكمثل إشعال عدد غير محدود من الشموع من لهيب شمعةٍ واحدة، أصبحوا قناديل فيض وروحانية تحافظ على نور رسول الله متوهجاً على مدى الأجيال والعصور. بحيث أن من حظوا بالاستنارة بضوء أحد تلك القناديل، تذوقوا لذة التواصل مع المنبع الأول لذلك النور، سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-.

ويشكل إمام أهل البيت جعفر الصادق، بؤرة فيض جميع سلاسل المتصوفة المنحدرين عن علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-. كذلك فقد كان الإمام الأعظم أبو حنيفة -رضي الله عنه-، الابن المعنوي لجعفر الصادق وتلميذه الأكثر نجابة. وقد عبَّرَ الإمام الأعظم عن منبع الفيض الذي شكله جعفر الصادق بالنسبة له، فقال عن الزمن الذي أمضاه برفقته: «لولا السنتان لهلك النعمان» (الامام الألوسي، صب العذاب على من سبَّ الأصحاب، ص 751؛ محمد أبو زهرة، الامام الصادق، ص 73-93، 452)

أهل البيت إذن يمثلون ذروة استثنائية في نقل حال سيدنا، صلى الله عليه وسلم، وأوصافه وأخلاقه، عبر العصور والأجيال.

محبة أهل البيت

قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿… إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، 33) معلناً بذلك عن تزكيته لأهل البيت وتبرئته لهم. أي أن الله يمتدح أهل البيت بالذات.

وكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، يحب أفراد عائلته أيضاً من أعماق قلبه، ويريد لأمته أن يحبوهم أيضاً. قال -صلي الله عليه وسلم-:

أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي” (الترمذي، مناقب، 31\3789)

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، الذي أفنى ذاته في رسول الله، هو قدوةٌ في احترام أهل البيت ومحبتهم. فكان يقول:

«ارْقُبُوا مُحَمَّدًا -صلي الله عليه وسلم- فِي أَهْلِ بَيْتِهِ» «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّه -صلي الله عليه وسلم- أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» (البخاري، أصحاب النبي، 12)

إن محبة أهل البيت واجب من الأهمية بحيث أن الله تعالى أرادنا أن ندعو من أجلهم في الصلاة، بعبارة «وآل محمد» في دعاء «صلِّ وبارك» الذي يتلو «التحيات».

لا شك أن الدعاء الذي نؤديه في الصلاة من أجل آل محمد كخاتمة للتشهُّد، يشير إلى سمو مقامهم. فلا تحظى أي عائلة أخرى بإجلال واحترام مماثل.

الإمام الشافعي الذي قال رداً على اتهامات بعض المغرضين وأهل الغفلة بالقول: «إذا كانت محبة آل محمد من الرافضية، فليشهد الإنسُ والجِنُّ على أنني رافضي» عبّر عن مشاعره نحو أهل البيت بالقول:

«يا أهل بيت رسول الله، إن محبتكم فريضةٌ أنزلها الله في كتابه العزيز. يكفيكم فخراً أن من لا يصلي عليكم لا تقبل صلاته» (محمد پارسا، فصل الخطاب، ص 522)

الجريمة التي هزت السماوات

(كربلاء، العاشر من شهر محرم)

الجريمة التي ارتكبت بقتل الحسين -رضي الله عنه-، الحفيد المحبوب لسيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-، الذي كان يضمه بشوق إلى صدره ويقبِّله ويلاعبه ويركبه على ظهره المبارك حتى وهو يصلي، هي واحدة من أشد المصائب مرارةً في تاريخ الإسلام. الجرح الذي فتحته هذه الجريمة الفظيعة في صدر العالم الإسلامي، ما زال ينزف. كل واحد من المشتركين في ارتكاب هذه الجريمة الوحشية، تعرَّض لغضب الله تعالى على حدة.

لقد تلقى المسلمون مقتل سيدنا الحسين بتلك الخسة، بكراهية بلغت اعتياد المسلمين على استخدام اسم حاكم ذلك الزمان يزيد كوسيلة للإهانة. لأن قلوب كل المسلمين، بصرف النظر عن مذاهبهم، تبكي أمام تلك الجريمة النكراء. من هذا المنظور، فلا يوجد أي سبب للخصومة بين السُّنَّة والشيعة. أما افتعال خصومة من هذا النوع فلا يعدو كونه تحريضاً من سيئي النوايا. وبالتالي على الطرفين ألا ينظرا اليوم بخصومة أحدهما إلى الآخر. يتوجب اليوم التمسك بمبدأ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ (الحجرات، 10)

لذلك فإن مكافأة المنازعات المفتعلة التي من شأنها ضرب وحدة أمة محمد -صلي الله عليه وسلم-، والدخول في صراعات مماثلة، هي أولاً مما يجرح الأرواح العزيزة لتلك السلسلة المباركة.

إن ضروب التعصب غير المبررة بخاصة، كانت مؤذية طوال التاريخ. لأن أقل احتكاك من هذا النوع إنما يصب الماء في طاحونة أعداء الإسلام الذين يريدون تفتيت أمة محمد عليه السلام-.

أفضل ما يخلق بنا، بهذا الصدد، هو التصرف بتيقظ بفراسة الإيمان، والنأي بأنفسنا عن ضروب الغيبة والمجادلات التي لا جدوى منها. إلى جانب القرآن الكريم والسنة الشريفة، نملك عنصراً مشتركاً لا يهتز، من شأنه أن يعيننا على النجاح في ذلك، ألا وهو محبة أهل البيت. هذه المحبة التي أمرنا بها سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم- بالذات، هي مما يتوجب على كل مسلم التحلي بها.

إنما لهذا السبب حافظ أجدادنا العثمانيون على احترام أهل البيت، ولم يكتفوا بذلك، بل أتوا أفعالاً جميلة من شأنها أن تشكل قدوةً للأمة في كيفية محبتهم واحترامهم. فقد اعتبروا خدمة أهل البيت واجباً رفيعاً، فطوَّروا مؤسسةً رسمية باسم «نقابة الأشراف» وظيفتها الحفاظ على كرامة أهل البيت وعزَّتهم.

وبوصفنا أحفاد أولئك الأجداد المباركين، وكي نكون جديرين بسيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-، علينا أن نحيي قلوبنا بالقرآن الكريم ومحبة أهل البيت، الأمانتين الكبيرتين اللتين تركهما لنا، عليه الصلاة والسلام.

علينا أن نتخذ منه قدوة لنا في الأخلاق الجميلة والمعاملات. ولكي نحقق ذلك، علينا، قبل كل شيء، أن نقايس حالنا دائماً بحال سيدنا الرسول وآله وأصحابه.

يا ربِّ.. أكرم على قلوبنا بنصيب من روحانيات سيدنا الرسول وأهل بيته وصحابته المقربين وأصحاب الحق ممن ساروا في أعقابهم.آمـين..


 

[1]      الترمذي، المناقب، 31\3789

[2]         أحمد، جـ5، ص 235/22105؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، بيروت 1988، جـ9، ص 22.

[3]      مسلم، فضائل الصحابة، ص 93-96

[4]      أحمد، جـ1، ص 293

[5]      انظر أيضاً: البخاري، تفسير، 26\2؛ الترمذي، تفسير، 27\2.