الخشوع

هو امتلاء القلب بحب الله تعالى وخوفه، واطمئنان الأعضاء والجوارح بهذه المشاعر.

فالخشوع له تجليان، أصله في القلب ومظاهره في الأعضاء، فأما الناحية القلبية فبجعل النفس تذعن لأمر الحق تعالى، وبالتخلق بآداب التعظيم والاحترام إلى أقصى الحدود من خلال إدراك الإنسان لعبوديته بين يدي عظمة الرب وجلاله، وأما ناحيته المتعلقة بالمظهر الخارجي فتسربل أعضاء الجسم -بتأثير هذه المشاعر- بالسكينة والوقار، فعلى سبيل المثال، إذا خشع قلب المؤمن في الصلاة اطمأنت أعضاؤه وثبَّت نظرَه على موضع سجوده ولم يلتفت يمنة أو يسرة.

ثم إننا نلقى أروع الأمثلة على الحياة وأداء العبادات بخشوع وإخبات في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحبه الكرام والتي تعد قدوة لنا، حيث إنه عليه الصلاة والسلام –إذ لم تغيب الآخرة عن أي لحظة من لحظات حياته- شد انتباهنا إلى لزوم تذكر الموت والدخول في عوالمه الروحية.

ثم إنه ذات صباح جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال:

«يارسول الله، عِظْني وأوجز، فقال:

إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودِّع، ولاتَكَلم بكلام تعتذر منه غداً، واجمع اليأس مما في أيدي الناس“».[1]

إن العبادات إنما تكتسب قيمتها إلا عندما تؤدى بيقظة القلب وخشوعه، وأهم خصلة للصحب الكرام وتابعيهم بإحسان إنما كانت الحصول على هذا الرقي المعنوي، وقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول لأصحابه: أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم كانوا أفضل منكم، قيل له: بأي شيء؟

قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة منكم».[2]

إن الخشوع في الصلاة من الأهمية بحيث يكون بمثابة قنطرة خلاص العبد ونجاته، يقول اللّه عزّ وجّل في سورة المؤمنون:

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِم خَاشِعُونَ} وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن العبد سيلقى معاملة على حسب اهتمامه بالصلاة بقوله:

«إن الرجل لينصرفُ، وما كُتب له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها ثُمُنُها، سُبْعُها سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثها، نصفُها».[3]

أي إن الصلاة الخاشعة هي التي يؤجر العبد عليها وينال ثوابها. ويوضح ربنا عزّ وجّل كيفية تأدية الصلاة بخشوع على النحو التالي:

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

}. (البقرة، 45 ـ 46)

أي إن الصلاة الخاشعة هي تلك التي يستشعر فيها العبد كأنه يقف بين يدي ربه عزّ وجّل يوم القيامة للعرض والحساب

ثم إن حالة الخشوع هذه حين تستمر خارج الصلاة تصير سلوكا يؤطر حياة المؤمن كلها، ولذا يقول مولانا قدس الله سره: “ينبغي أن تكون حالتك بعد الصلاة كما كانت في الصلاة”، في تفسير له لآية:

{الّذِين هُمْ على صلاتِهِمْ دائِمُون} (المعارج، 23)

ولبلوغ هذه الحالة لابد لنا من التشبه بالنبي والتخلق بأخلاقه السنية، من خلال رابطة الفؤاد الصادقة والعميقة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:

«…ويحب كل قلب خاشع حزين يعلم الناس الخير، ويدعو إلى طاعة الله، ويبغض كلَّ قلبٍ قاسٍ لاهٍ ينام الليل كله، ولا يذكر الله، فلا يدري يرد الله روحه أم لا؟».[4]

صور الفضائل 

عن عبد الله بن الشخير قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء».[5]

ومع أهمية إقامة الصلاة فقهيا وفق أركانها الصحيحة، إلا أنه يلزمنا أيضا الاعتناء بروح الصلاة وإقامتها وفق مراد الله منها كما أوضح النبي صلّى الله عليه وسلّم في أحاديثه الشريفة، فحين يهيء الفقه المؤمن للصلاة بالطهارة والوضوء يهيئه الخشوع إلى نيل الطمأنينة والسكينة للوقوف بين يدي الله تعالى ولقائه سبحانه.

يفيد النبي عليه الصلاة والسلام وجوب أداء الصلاة ضمن حالة روحية من الخشوع والتضرع إلى الله تعالى بهذه الرواية:

عن الفضل بن عباس v، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«الصلاة مثنى مثنى، تشهد في ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك -يقول: ترفعهما- إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، وتقول يا رب! يا رب! ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا)، وفي رواية: فهو خداج».[6]

عن عائشة رضي الله عنها:

«أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال:

اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي“».[7]

ولما قام النبي عليه الصلاة والسلام بتعليم أمته أركان الحج عمليا في حجة الوداع بين لهم في الوقت نفسه لزوم الخشوع فيه كما هو الحال في باقي العبادات:

عن ابن عباس v: أنه دفع مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم عرفة، فسمع النبي صلّى الله عليه وسلّم وراءه زجرا شديدا، وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال:

أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاعِ”».[8]

ولما رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يعبث في الصلاة بلحيته قال:

«لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه».[9]

كان سيدنا سليمان عليه السلام على ما أكرمه الله من غنى كبير وملك عظيم يعيش حياة عبودية يملؤها الخشوع والتواضع، وبقلب مستغن عن الدنيا، وفي هذا الصدد: روي أن سليمان عليه السلام لم يرفع بصره قط إلى السماء حتى مات خشوعاً منه لربه تعالى على ما آتاه الله تعالى من ملك عظيم. [10]

وروي أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يصلي في حائط له، فطار دبسي، فطفق يتردد يلتمس مخرجا، فأعجبه ذلك، فجعل يُتْبِعُه بصرَه ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول الله هو صدقة لله، فضعه حيث شئت.[11]

وثمة حادثة رائعة في خشوع الصحابة الكرام في الصلاة، فعن جابر قال: «خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم -يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دما في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزل النبي صلّى الله عليه وسلّم منزلا، فقال: من رجلٌ يكلؤنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: كونا بفم الشعب، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله: ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها».[12]

ﻗﺎل ﻋﺒﺪﷲ ﺑﻦ ﻋﺮوة بن الزبير:

«قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سمعوا القرآن؟ قالت: ” تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله ” قال: قلت: فإن ناسا هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشيا عليه، قالت: ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ».[13]

يصف الله تعالى عباده الخاشعين أثناء تلاوة القرآن الكريم فيقول:

{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء، 109)

{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر، 23)

أصابت سهم قدم سيدنا علي رضي الله عنه في إحدى الغزوات، ولم يتمكنوا من إخراجها بسبب ألمه الشديد، فقال رضي الله عنه: أخرجوه بعد أن أقوم بالصلاة وفعلوا مثل ما قال، فنزع السهم من دون أية صعوبة، وبعد أن سلم سيدنا علي -وقد غاب في صلاة فلم يشعر بأي ألم- قال: «ماذا فعلتم؟، فأجابوم بأنهم نزعوا السهم.

قالت أم أويس القرني له: «يا بني، كيف تقوى على التعبد طوال الليل؟، فأجابها التابعي الجليل قائلا: يا أماه، أقيم صلاتي على أتم حال، وأغيب بخشوع جوارحي عن كل ما حولي، ولعظيم سروري ما أشعر بالصباح إلا قد طلع، فسألته: وما الخشوع يا أويس؟ فأجابها: الخشوع أن يغيب المرء بروحه عن كل ما حوله حتى لو انغرز في جسده رمح لم يشعر به».

وقد روي عن سيدنا زين العابدين أنه كان يذهبُ لونه عند قيامه للوضوء، وترتعش قدماه عند الصلاة، ولما سئل عن السبب قال: «أولستم تعلمون بين يدي مَنْ سأقف؟».[14]

وذات مرة نشب حريق في بيته وهو يصلي، لكنه لم يعلم بذلك، فأخبروه بما حصل بعد فراغه من صلاته، وسألوه: كيف لم تلحظ احتراق بيتك، فقال سيدنا زين العابدين: إن نار الآخرة التي تنتظر الناس أنستني نار الدنيا الصغيرة.

وقد كانت صلاة مسلم بن يسار على هذا النحو أيضاً، فكان يصلي ذات مرة في مسجد بالبصرة، فانهار المسجد محدثا ضجة كبيرة، إلا أن مسلم بن يسار كان يواصل صلاته غير مدرك ما حدث، فسألوه بعد فراغه من الصلاة: لقد انهار المسجد ولم تحرك ساكناً، ما هذه الحال التي أنت عليها؟ فأجابهم -والحيرة تلفه-: وهل انهار المسجد!، مبيناً بذلك أنه لم يدرك شيئاً ما حدث.

ويقول ولي من أولياء الحق: «صليت خلف ذي النون المصري العصر،فلما أراد أن يكبر رفع يديه وقال: الله، ثم بهت، وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاماً لربه جل وعلا، ثم قال: الله أكبر، فظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره».

كان عامر بن عبد الله إذا صلى انقطع عن العالم من حوله، ولم يكن أي شيء مما سوى الله تعالى يفسد خشوعه في صلاته، وقد قال: «أرجح أن يصيب رمحٌ جسدي على أن ألاحظ كلام وحركات من حولي في الصلاة».

سئل بهاء الدين النقشبندي، كيف يصل العبد إلى الخشوع في الصلاة؟ فأجاب: بأربع: اللقمة الحلال، واستحضار عظمة الوقوف بين يدي الله وهو يتوضأ، وأن يستشعر الطمأنينة عند التكبيرة الأولى، وألا يغيب عن الحق تعالى خارج الصلاة مطلقاً، فالخشوع هو القدرة على الاستمرار في حالة الطمأنينة والسكينة والبعد عن المعصية بعد الصلاة أيضاً.

وأخيراً فإن الخشوع هو تلبية أوامر الله تعالى عن طوعية ورضا، والحرص على اجتناب ما نهى عنه مهما صغر، إن كلاً من الخشوع والتقوى والإخلاص أحوال متقاربة في معانيها، ومصدر هذه الأحوال حبُّ الله تعالى، وحبُّ الله مؤشر على مستوى المؤمن القلبي، وأما هذه السوية المعنوية فتظهر في العبادات حين تؤدى بخشوع وسكينة.

فينبغي أن يملأ الخشوع قلوبنا في العبادات جميعها -وعلى رأسها الصلاة- بل في كل لحظة من لحظات حياتنا، وأن ينعكس من أعضائنا على ما حولنا بحال من الطمأنينة والسكون.

[1]          ابن ماجة، الزهد، 15؛ أحمد، 5، 412.

[2]          ابن الجوزي، صفة الصفوة، بيروت 1979، 1، 420.

[3]          أبو داوود، الصلاة، 123 ـ 124/ 796.

[4]          الديلمي، 1، 158.

[5]          أبو داوود، الصلاة، 156 ـ 157/ 904؛ أحمد، 4، 25، 26.

[6]          الترمذي، الصلاة، 166/ 385.

[7]          الموطأ، الصلاة، 67؛ البخاري، الصلاة، 14.

[8]          البخاري، الحج، 94/1671؛ مسلم، الحج، 268.

[9]          علي المتقي، 7، 197/ 22530.

[10]         ابن أبي شيبة، المصنف، بيروت، دار الفكر 1989، 7، 118.

[11]         الموطأ، الصلاة، 69.

[12]         أبو داوود، الطهارة، 78/ 198؛ أحمد، 3، 344؛ ابن هشام، 3، 219؛ الواقدي، 1، 397.

[13]         البيهقي، شعب الإيمان، 2، 365.

[14]         أبو نعيم، الحلية، 3، 133.