الحق والعدل ـ1

الأخلاق الإسلامية رفعت روح الإنسان إلى ذروة الفضيلة بما تحويه من جماليات وكماليات للبشرية جمعاء. بامتلاكها أساساً لا يتزحزح في جوهر الحق والعدل الاستثنائي، لأنه لا يمكن تأمين السعادة البشرية إلا بتحقيق التوازن في الحق والعدل.

إذاً ما هو الحق والعدالة؟

بتعريف عام:

التعامل مع الأشخاص والأشياء كما يستحقون، إعطاء الحكم الصحيح، التصرف بتعقـّلٍ وتوازن.

كما أن إعطاء الناس أكثر مما يستحقون يعتبر اِنتهاكاً لحقوق الآخرين، فالإنقاص من حقوقهم يعتبر اغتصاباً للحق وإخلالاً بالعدل. المؤمنون الحقيقيون يحجمون عن مثل هذه الآثام، يعني على المؤمن إعطاء كل ذي حقٍ حقه.

حيث نجد أن الإسلام أمر بالعدل في كل مناحي وأوجه الحياة، ولا يمكن تحقيق الحق والعدل إلا من خلال مراعاة التوازن بينهما، يعني مفهوم العدل هو في مركز الأمر والنهي الإلهيين.

على هذا النحو يتوجب على المؤمن أن يتصرف بعدالة تجاه خالقه أولاً، ثم تجاه المخلوقات، بعدها مع نفسه.

في هذه الحالة يتوجب على المؤمن أن يتصرف بعدالة، عند الإدلاء بالشهادة، وفي الكلام والحكم بين الناس والكتابة والكيل بالميزان. إلى جانب ذلك على المؤمن إبداء الاهتمام اللازم بالعبادات والحقائق الإلهية ورعاية حقوقها. لأنه دين وواجب على العباد، وحق لله -جل جلاله-.

إذا عاش المؤمن حياته ضمن الشعور بمقاييس الحق والعدالة، لأن الحق والعدالة من صفات الله، إن الله تعالى يعبر بأنه بالذات الصاحب المطلق للحق والعدالة فمن أسمائه الحسنى «العدل».

هذا الاسم السامي لله تعالى، في حالة تجلٍ دائم، خصوصاً سيتجلى بكل عظمته عند الحساب الإلهي في الآخرة، قال الله في الآية الكريمة:

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازينَ الْقسْطَ لِيَوْم الْقيَامَة فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء، 47)

جدير بالذكر، أن الله تعالى مع المظلومين دائماً، فأمر عباده بالحق والعدالة. فالمعتقدون من الذين خرقوا الحــق والحـــــقوق والعدالة في الدنيا بأنهم أُفلتوا من الحساب ، ذات يوم سيحاسبون ورؤوسهم محنية أمام الله تعالى «فهو أحكم الحاكمين».

يمكننا القول، بأنه سيتعرض الإنسان للحساب الكبير من بين جميع المخلوقات في موضوع الحق والعدالة، ووضع على عاتق الإنسان تحمّل مسؤولية حق وحقوق جميع الكائنات كونه أشرف المخلوقات.

من هذا الإعتبار فمهمة حماية حقوق كل الكائنات تقع على عاتق الإنسان إلى جانب الحقوق العائدة له، يعني مسؤولية المحافظة على حقوق النباتات والحيوانات والأشياء عائدة للإنسان.

من النظرة هولاء أولياء الحق -عز وجل-، أصبحوا نموذجاً بإبدائهم حساسية قصوى بخصوص رعاية حقوق الكائنات الأخرى. هذا المثال فيه دلالة عميقة: من أولياء الحق -عز وجل-، سيدنا أبي يزيدالبسطامي، أثناء ترحاله ارتاح تحت شجرة لتناول طعامه، بعدها تابع طريقه. بعد مدة لاحظ نملة على جعبته. عاد أدراجه قائلاً:

«أبعدت مخلوق الله عن موطنه» فتركها تحت تلك الشجرة.

جميلٌ قول الشاعر:

لا تؤذ حتى نملة تجر حبة!

لأنها تملك روحاً   والروح حلوة وبهيجة

يوم القيامة سوف تـُبعث المخلوقات الأخرى مع البشر ويستوفون حقوقهم الدنيوية المنتـَهكة. لذلك من محظورات الدين إيذاء الحيوان وإرهاقه أكثر من طاقته، حتى قطع غصنٍ أخضر بدون سبب، حتى لم يجزْ ظلم حيوان ضار أو قتله بحكم الضرورة. مثلاً أمر عند التخلـّص من الأفعى قتله بضربة واحدة دون إيذاء.

وأخيراً واجب على كل مؤمن أن يستخدم ميزان العدالة باستقامة طوال حياته،وأن يدرك بشكل جميل المعنى العميق للحق والحقوق. من كبرى فضائل المؤمن لذلك يجب عليه أن يراعي الحق والعدالة في حياته وأن يسعى لنشرها. هناك فضيلة عليا للعباد الذين مضوا قدماً في طريق النضوج والإدراك وهي:

فضيلة العفو في العدالة…

المؤمنون الكاملون الذين وصلوا إلى أفق رؤية عالية في الأخلاق والإيمان، ، يفضلون مواجهة الأخطاء التي ترتكب بحقهم، بالرحمة والعفو، بدلاً من العدالة.

من أجل ذلك يأملون بأن يقابلهم الله تعالى بالإحسان واللطف والرحمة والعفو، لا بالعدالة والحق في الميزان الإلهي يوم القيامة. أثنى الله تعالى على هذه الأخلاق الجميلة في الآية الكريمة:

﴿وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل، 126)

والخلاصة، أليس الحق مقابلة كرم لطف الله تعالى في الآخرة؟ لأجل هذا، العباد الصالحون والعارفون، لا يميلون إلى القصاص والمقابلة بالمثل على الإيذاء والجفاء المرتكب بحقهم، ويتغلبون على غضبهم بصبرٍ من أجل الله و يسلكون طريق العفو والمسامحة دائماً. هكذا بإعفاء عباد الله مراراً، يحاولون كسب العفو الإلهي.

وبهذا الدستور عفا سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- عن الشخص الذي افترى على ابنته وأمنا عائشة-رضي الله عنها-، واستمر في إعطائه الصدقات.(من أجل تفاصيل الحادثة أنظر إلى الصفحة 60-61)

الآية الكريمة التالية تحمل دلالة عميقة في تشجيع هذه الأخلاق السامية:

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور، 22)

بهذا المعنى يعمل العباد العارفون بمقتضى الآية الكريمة:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت، 34)

من الأمثلة الأخرى الجميلة لهذه الأخلاق في القرآن الكريم، تعرُّضُ يوسف -عليه السلام- لظلمٍ كبير على يد إخوته. هذا النبي الكبير الذي قام بإكرام وإحسان إخوته طالبي العون منه دون أن يعرّف عن نفسه.

واستسلموا للحق بعد أن علموا بهوية يوسف -عليه السلام- أمام فضيلته العليا بشهادتهم عليها وإكرامه لهم بسخاء وجود:

﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ (يوسف، 91)

وقدم سيدنا يوسف-عليه السلام-، مثالاً كبيراً للعفو وقال:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف، 92)

وبقوله هذا أفاض من فضائله.

أيضاً وبقوله هذا برّأ إخوته وحمّل إبليساً الذنب:

﴿… نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي…﴾ (يوسف،100)

بعدها استعرض فضيلة تلو الأخرى وأثنى على إخوته قائلاً:

«ابتاعوني عبداً. بفضلكم عُلمَ في مصر أنني ابن النبي»

هكذا سامح إخوته على ما وقع منهم من ظلم واضعاً ستار العفو على أفعالهم. ونتيجة لذلك جعلهم ينتشون بفضل استعراضه للأخلاق والفضائل العالية.انطلاقاً من هذه الأخلاق العالية، يمكننا القول إن الصفح عن المذنبين وإبدال العدالة بالرحمة، لأسلوب فريد للإصلاح والإرشاد. طبعاً شريطة إحساس المذنب بالأسف والندم…

علينا ألاّ ننسى بأن العفو عن المذنب أفضل من معاقبته حينما يكون صادقاً في ندمه على أن لا يرتكب الجرم مرة أخرى، فيتحول العفو إلى عجز وضعفٍ حائدٍ عن الفضيلة, عندما لا يبدي المجرم ندماً كهذا، وتكون النتيجة وفق أسلوبه وحاله.

مثلاً العفو عن المذنب المصرّ على فسقه وظلمه، لا يفيد سوى تشجيعه على الخطأ، وحفزه على الظلم والتعسّف، وعندما يتم ذلك حق طبيعي للمتضرر طلب العقاب للمذنب لانعدام احتمال الإصلاح عند العفو عن أخطائه.

من جانب آخر في المسائل الشخصية والفردية، العفو عن الشخص المذنب لأجل إصلاحه يتناسب مع الفضيلة والتقوى معا. أما المسائل التي تخص العموم والآخرين، فيتوجب إحقاق العدالة بشكل تام. وعلى العكس الجرائم التي تبقى بلا عقاب، تتسبب في تمادي المذنبين، ومن ذلك يتضرر المجتمع بأكمله ويُظلم الجميع.

سيدنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- مرشد حياتنا، كان يعفو عن الأخطاء المرتكبة بحقه، لكنه لم يكن يحتمل الأخطاء المرتكبة بحق الآخرين. بذلك كان يؤمن العدالة المطلقة. هذا هو أحد مقاييس صاحب الحق والعدالة. القادرون على العدالة بهذا الشكل، بذات الشكل يفوزون بالتصرفات العادلة. لترقُّب العدالة من الآخرين، علينا أولاً أن نكون عادلين فيما يتعلق بأمور الناس.لأن سعادة وسلامة الحياة البشرية وقفٌ على مدى تماسك ميزان الحق والعدالة بتوازن.

أخيراً مفهوم العدالة حول كل هذه الحقائق، حاجة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها للسعادة والانسجام والنظام في المجتمعات.

بهذا المفهوم، يبغي الإنسان فحوى مختلفاً جداً في شعوره وأحاسيسه اللازمة لامتلاكها تجاه ربه.

في أيامنا هذه من المسائل المهمة وقوع الناس في الخطأ حول مفهوم العدالة الإلهية. لأن جميع الناس لا يملكون إمكانات متساوية في هذه الدنيا. منهم قصير العمر، ومنهم المعمر، منهم سليم الصحة, ومنهم السقيم، ومنهم معاق بالولادة، منهم الغني، ومنهم الفقير. ولكون الله تعالى هو الذي قدّر ذلك؛ وهذا الأمر إذا نُظر إليه عن بُعد بقلب جاهل وعقل جاف، تبدو العدالة الإلهية متناقضة. هذه الإدعاءات التي تبدو في صورة الحق قولاً نجد أن المسألة واضحة أمام الأعين إذا نظرنا إليها من نافذة الإيمان والحكمة، لأن:

العدالة قائمة بالإستحقاق!…

لا يوجد شخص خـُلقَ لأنه استحق ذلك، خلقُ الإنسان من العدم، والخروج من العدم إلى عالم الوجود, لطفٌ إلهي عظيم لدرجة يعجز عنه الشكر. ما أعظم الكرم الإلهي! خلقـُه كـ «إنسان» ليس عشباً وأوراق شجر أو حجراً أو تراباً أو أفعىً، بل أشرف الكائنات.

هذا ومكاسب أخرى عديدة مماثلة، أوليس عطاءٌ مجاني ولـطفٌ إلهي تام؟ ما المقابل الذي دفعناه كي ننال هذه النعم؟

بمثل هذا الحال، سيفنى كل طالبي العدالة وهم في ضلال وحاشا لله تعالى أن يُحاسب بسبب الحرمان المتقلب في حياتهم! لأن العبد لا يملك حقاً أو رأسَمالٍ مقابل خَلقهِ، كي يكون له الحق في مطالبة الله بالعدالة! من أجل هذا العدالة قائمة على أساس دفع الثمن وكسبها بالعمل، يعني استحقاقها.

علينا أن نفكر: أي ُّبدلٍ دفعناه كي نُخلق َ بشراً؟ بأي عمل وبأي كسب أصبحنا بشراً؟

رد الجميع معروف: “لا شيء! لا شيء بتاتاً…”

إذاً يجب أن ندرك جيداً:

أراد الله -عز وجل- أن تكون الحياة بصفحتين، الدنيا والآخرة وتجلّت بشكل بارز في صفته الثانية «العادل» والأولى «اللطيف». يعني خلق الله العالم والإنسان بصفة «اللطيف» لا بصفة «العادل» فكل ثمار الخليقة لطف من الله -عز وجل-.

حاشا لله -عز وجل- أن يكون ملزماً بتوزيع النعم بالتساوي، أصلاً لو كان بين المخلوقات اثنان متساويان بالمعنى المطلق لكان وجود أحدهم عبثاً، يعني بدون حكمة، إن الإنشغال بالعبث إنقاص من صفة الله تعالى «المتعالي» يعني أبعد من الخيال الذي خلق الكائنات ونظّمهم باتزان وحساسية قصوى. والله منزه عن كل عيب.

من هذا المنظور، لا يمكن لأحد القول: «قامتي قصيرة ماذا كان إثمي؟» أو «لماذا وُلدت طفلاً لجاهلٍ ولم أولد لعالِم؟» أو «لماذا جئت طفلاً لأب فقير ولم أكن لغني؟» لأن كل ذلك عبارة عن تجليات الفروق في قسمة لطف الله.

الحادثة التي وقعت في عصر السعادة تجسد هذه الحقيقة:

طلب ثعلبة من رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أن يدعو له كي يصبح غنياً، فردّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قائلاً:

ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدِّي شكره، خير من كثير لا تطيقه

بعدها سأله من أجل إقناعه:

أما ترضى أن تكون مثل نبيِّ الله؟”

أما ثعلبة فقد أعمى بصره عن هذه الإشارات النبوية، وطلب الغنى بإصرار، فدعا له رسول الله -صلي الله عليه وسلم- كي يصبح غنياً. ثعلبة الذي أصرّ بعناد لدرجة الغفلة عن إدراك تنبيهات سيدنا رسول الله-صلي الله عليه وسلم-، وفي النتيجة أصبح ثرياً لكنه لم يتفاد حفرة نكران الجميل التي وقع فيها قارون. ثم ندم فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وعاش متأثراً بعدم تمثله لنصائح رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في أخريات أيامه، وقال على فراش الموت:

«آه ليتني أصغيتُ إلى نصح سيدنا الرسول» مقهوراً في ندم طمعه الذي سمم حياته الأبدية.[1]

لذلك علينا ألا ننسى أبداً الآية الكريمة:

﴿ثم لتسألنَّ يومئذٍ عن النعيم﴾ (التكاثر، 8)

إن رضاء العبد بما وهبه الله له، مسؤوليةٌ ومن موجبات النضج معاً.

لذلك فإن عدم المساواة في النعم الموهوبة لا يعني غياب العدل. يمكن لرب العالمين أن يخلق أحد عباده سليماً والآخر بعاهة. ويمكنه خلق أحدهما في غاية الذكاء والآخر منخفض الذكاء. فهو يخلق الثعبان فيزحف والطير فيطير. لا حق للمخلوقات في الاعتراض على هذه القسمة أبداً.

الواقع أن الحيوانات تملك من الذكاء والإدراك والإحساس فقط بقدر ما تحتاجه منها لإدامة حياتها، لذلك تراها راضية بحالها، لا هم لها غير إشباع جوعها ورغباتها الفطرية الطبيعية. لذلك ليس وارداً أن تحس بالشقاء لأنها لم تخلق من البشر.

وكما لا يحق لحيوان أو نبات أن يتظلما لأنهما لم يخلقا من البشر، كذلك لا يحق لذوي العاهات أو المرضى أو الفقراء أو المحرومين اتهام الله تعالى – وحاشَ لله – بعدم الإنصاف، فهذا مما يتناقض مع العقل والمنطق والضمير قبل كل شيء.

بقي القول إن في ميزان الآخرة سيتبين، أيهما أفضل كثرة النعم أم قلتها الممنوحة للعباد بكرم ولطف من الله. لذلك فالديون التي تخلفها قلة النعم قليلة، أما ديون النعم الكثيرة فتكون كبيرة.

والتسليم لتقدير الله أفضل طريق لإدراك الإنسان العاجز لأسرار وحكمة القدر بالشكل اللائق.

وفي هذا الخصوص، حال الصحابي أبو طلحة وزوجته أجمل مثال في الرضاء والقناعة. الحادثة باختصار جرت كما يلي:

كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَة،َ

قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟

قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ:

يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟،

قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ وَارُوا الصَّبِيَّ، قالَ:

«إنا لله وإنا إليه راجعون» (البقرة، 651)

فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَهُ،

فَقَالَ -صلي الله عليه وسلم-: “أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟” قَالَ: نَعَمْ،

قَالَ-صلي الله عليه وسلم-: “اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا

فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ:

احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ -صلي الله عليه وسلم-، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ -صلي الله عليه وسلم-، وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، َفأَخَذَهُ النَّبِيُّ -صلي الله عليه وسلم- فَقَالَ:”أَمَعَهُ شَيْءٌ؟”

قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ -صلي الله عليه وسلم- فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ ( مسلم، الأدب 23، فضائل الصحابة، 107)

إذا فهذا الشعور بالأمانة هو المطلوب تجاه نعم الله -عز وجل-، في هذه الدنيا دار الامتحان…وهذا الرضاء والقناعة المطلوبتين للنعم الممنوحة من الله تعالى والمعادة له. لذلك من أهم شروط العباد المؤمنين للتقرب من الله -عز وجل- أن يكونوا على الحال الذي كان عليه سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وقوله دائماً على الرغم من تغير شروط امتحانه:

«أسلمت لرب العالمين»[2]

ربنا!اجعل من نصيبنا العيش في رضاء وقناعة بمعان سامية وحقة!و لا تضللنا عن الحق والعدالة! وعاملنا بعفوك يوم الحشر وتوّجنا برحمتك وعفوك جميعاً بالحق والعدالة معاً! آمين….


 

[1]      انظر الطبري: جامع البيان، جـ 14، ص 370-372.

[2]      انظر: سورة البقرة، 131