التوبة والإستغفار

الدنيا هي دار الإمتحان، يميل الناس فيها ويتجهون نحو الخير والشر. ومع مرور الزمن، تتكشف معالم هذا التوجه بالدعم والتشويق والإغراءات، فتتكون في نهاية الأمر هوية هذا الإنسان الشخصية.

أن يقوم أحدهم بتقديم كأس من الماء لمن هو أمامه، دون أن يكون مجبراً على ذلك، هو أمر يؤدي إلى ولادة واجب الشكر، كما أنه أمر يعتبر من الأمور الإنسانية والوجدانية. في الواقع، إن هذا الميزان يذكرنا بضرورة العيش وفق حس دائم يتزين بأحاسيس الشكر والمنة للحق سبحانه وتعالى أمام ما يقدمه لنا من نعم لا تُعد ولا تُحصى. وفي هذه الحالة، فإن التعامل وفقاً للصفات الإنسانية التي تولد معنا بالفطرة كالجهل والشهوة والكبر والغرور والحرص والبخل والحسد والإسراف والغضب، أو باختصار، أن يتعامل المرء حسبما تشتهيه نفسه فيجحد أمام نعم الله تعالى، فإن هذا التعامل هو خيانة كبرى للفطرة النقية التي نمتلكها.

ويميل الإنسان عادة إلى الخطيئة مستجيباً لرغبات نفسه عندما يفقد بريق الإيمان فيها. فعندما تضعف الأخلاق في وجدان البشر، يغيب معها التفكير السليم والعمق الروحي. ويظهر الضعف الشديد في الطريق نحو الإستقامة. فالخطايا هي كالنغمات الموسيقية التي تنساب إلى النفس البشرية بشكل عذب جميل، فكأنما يقع فيها المرء دون أن يشعر بثقل وبائها وشدته.

والخطايا التي يقع فيها المرء في ساعة غفلته في هذه الحياة الدنيا، تمزق شرفه وحيثيته الإنسانية. وهذا الأمر هو ما يجعل الروح تتلطخ بظلماء الخطيئة.

مع العلم أن ابن آدم يولد في هذه الدنيا طاهراً نقياً مفطوراً على الشرف. والدين هو التجلي الواضح للرحمة واللطف الذي تكرم الله به على البشرية حماية لهذه النقاوة الفطرية. ولهذا، إن تمكن العبد عبر هذين الدافعين من زحزحة أطراف ستار الخطيئة تكشف له في وجدانه ثقل هذه الخطيئة التي قام بها. فتصحو مشاعر الفضيلة المخبأة في عالمه الداخلي. ويحترق قلبه بندم كبير يجعل من قطرات الدمع تنساب طالبة مرضاة الله ومغفرته. هذا التحرق وهذه الندامة هي ما يسمى “التوبة”. وما يتبعها من رفع اليدين إلى السماء طلباً للمغفرة بكلمات تنبع من القلب التائب تسمى “استغفار”.

*

إن الله تعالى جل جلاله يفرح ويرضى باستغفار وتوبة وندامة العبد. ذلك أن الله هو الرحمن وهو الرحيم ولقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة، 222)

إن رحمة ولطف الله تعالى بعباده دون أدنى شك أكثر بكثير من رحمة الأم لابنها. فهو لا يحب العذاب لعباده. أما إن أصرَّ العبد على نكران الجميل وعلى الظلم، فإنه يستحق عند ها كل ما سيناله من عقاب. إن الرحمة التي وضعها الله في أسمائه الحسنى “الرحمن والرحيم” لهي أكثر بكثير من عذابه جَلَّ وعلا. علماً أن الحديث النبوي الشريف أدناه قد أخبر بشكل رائع عن رحمة الله تعالى أمام توبة واستغفار العبد حيث قال:

عن أنس رضي الله عنه: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ” (مسلم، التوبة، 7؛ الترمذي، القيامة، 94)

إن رحمته تعالى قد أحاطت بكل شيء، حيث يقول تعالى مبيناً عظمة رحمته بعباده:

﴿…وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ…﴾ (الأعراف، 651)

وفي إشارة منه إلى هذه الحقيقة الإلهية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: يقول الله تعالى:

لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي” (البخاري، التوحيد، 51)

ولهذا، سعى الأنبياء جميعهم إلى حثَّ أممهم دائماً على التوبة والاستغفار.

إن كل نفس بشرية، عدا الأنبياء المعصومين، هي بما تمتلكه من خصائص بشرية غير معصومة عن الخطأ، ولهذا فهي معرضة دائماً للوقوع بالخطأ قليله أو كثيره.

ولهذا، فإن القرآن يحمل بين أرجائه سورة كاملة يبتدئُ اسمها بعبارة الطهارة من الخطايا أي “التوبة”. إن كلمة “التوبة” قد ذكرت في القرآن الكريم في ما يزيد عن ثمانين موضعاً. كما يحتوي القرآن على مئات الكلمات التي تحمل في طياتها معنى المسامحة الربانية والمغفرة، ككلمة “غفور” التي ذكرت اثنين وتسعين مرةً، واسم الجلالة “الغفار” ذكر خمس مرات مختلفة، كما ذكر اسم الجلالة “الغافر” مرة واحدة. وجميع هذه الأسماء والكلمات تدل على أهمية التوبة وأن الله سبحانه وتعالى سيقبل بها من عباده ويحثهم بذكرها على الاستغفار والتوبة.

إن اعتراف العبد بذنبه عند الخطيئة أو الغفلة هو عرفان بالجميل، وطلبه العفو من هذا الذنب هو دين وجداني. كما أن الغفلة التي هي انعدام الرؤية للخطيئة ضمن إطار الذنب، وبالتالي الغفلة عن إدراك ضرورة التوبة عنها، وهي بالتالي والعياذ باللَّه إفلاس للقلب وعلامة الدخول إلى جهنم. ولهذا، فإن الله يحذر هؤلاء بشكل واضح فيقول:

﴿…وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات، 11)

وفي الحديث النبوي الشريف: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ” (الطبراني، المعجم الكبير، جـ22، ص 306، 577)

ولا يجب على العبد في معصيته للّه أن يتذرع بأن الله سيغفر له فيؤجل من هذه التوبة والمغفرة، بل يجب عليه أن يباشر فوراً إلى التمسك بحبل التوبة. وفي هذا السياق، يحدد الله سبحانه وتعالى التعجيل في التوبة شرطاً للقبول بها فيقول جَلَّ وعلا:

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(النساء، 71)

كما يبشر الله تعالى من يؤخر التوبة مستمعاً لوسوسة الشيطان بعاقبته الوخيمة فيقول:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء، 81)

ويوضح بعض علمائنا طرق النجاة من هذا التهديد والتنبيه في الآية الكريمة بقولهم: “عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وعجلوا بالتوبة قبل الموت” (المنافي، فوز القادر، جـ5، 56)

كما أن ذكر اللسان لكلمة “أستغفر الله” ليست أمراً كافياً لقبول هذه التوبة. إذ يجب مع هذا القول أن يهتز القلب وأن يعقد المرء نيته على عدم تكرار نفس الذنب مرة أخرى.

ولقد بين حضرة مولانا جلال الدين الرومي الحالة الروحانية الضرورية لتحقق هذه التوبة حين قال:

“تب بقلب مليء بنار الندامة وعيون رطبة! علماً أن الأزهار تنبت في الأماكن المشمسة والرطبة!”

إن التوبة والإستغفار تصل بالفرد والأمم إلى بر السلامة والأمان. وتعزلهم عن البلاء والمصائب. والحديث الشريف الآتي مهم جداً في تنظيم تصرفات المؤمنين. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ” (مسلم، التوبة، 32)

ومن هذا المنطلق يجب على المؤمن أن يحيا  بين “الخوف والرجاء”. فإن قيل “سيدخل النار رجل واحد” عليه أن يسأل نفسه بخوف “هل ذلك أنا؟” وإن قيل: “سيدخل الجنة رجل واحد!” عليه أن يسأل بأمل “هل أنا ذلك؟”.

وكما أن مراحل الخوف هي متعددة، فإن مراحل الرجاء أيضاً هي الأخرى متعددة المراحل. فأهل الخطيئة هم أهل الله إن خافوا من عذاب الله تعالى، هم الذين يخافون من أذية محبوب القلوب سبحانه وتعالى والخائفون من أن يحرموا محبته.

لا يجب علينا أن ننسى أن الأنبياء حتى لم يعصموا من الزلاّتِ، وعاشوا ألم التوبة والإستغفار، فأذاقهم الله بذلك عجز نفوسهم البشرية. ذلك أن التفوق المطلق هو للّه وحده. والمستثنى والمنزّهُ عن العجز هو وحده لا شريك له.

إن أول من تاب إلى الله تعالى هو نبيه آدم . وتوبته التي تابها مع أمنا حواء هي هذه التوبة المشهورة:

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف، 32)

هذا الدعاء هو أجمل نموذج للإستغفار يستفيد منه أولادهم من بعدهم إلى أن تقوم الساعة. ويدعو الله تعالى في العديد من الآيات الكريمة عباده للتوبة والاستغفار استفادة من رحمته، ويبشرهم فيها بأنه سيقبل هذه التوبة فيقول:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابً﴾ (الفرقان 07-17)

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران، 531-631)

تؤكد هذه الآية الكريمة أن المحسن هو من يعيش حياته بعيداً عن الإصرار على المعصية وإن زل بأحدها سارع يطلب التوبة. فهم يتحركون ضمن أطر الحكمة التي تقول:

لاَ صَغِيرَةَ مَعَ اْلاِصْرَارِ وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ اْلإِسْتِغْفَارِ

ويقول الله تعالى في الآيات الكريمة:

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُُ﴾ (التوبة، 401)

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ…﴾ (الفرقان، 77)

والأصل في الدعاء هو الإخلاص والمناجاة والصدق. فالأدعية الصادقة هي من مظاهر المناجاة. والآية التي تلى ذكرها تبين أن من يدعو الله مناجياً هو العبد الذي يكسب قيمة ودرجة عند ربه. ولهذا فإن التوبة يجب أن تتزين بالعمق الروحي. يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (التحريم، 8)

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء، 641)

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء، 72)

إن محاولة الإبتعاد بشكل كلي عن الخطيئة التي هي في مضمونها معارضة للأوامر الإلهية، لا تكون أمراً كافياً لإستثناء العبد من التوبة والإستغفار، وذلك لأنه لا يمكن لأحد من الناس أن يشكر الله تعالى بشكل كاف على ما أنعم عليه من نعم. وهذا العجز البشري هو للجميع بدون أي استثناء. علماً أن التمكن من الشكر هو بحد ذاته مدعاة للشكر أيضاً. وهكذا فإن عملية الشكر هي عملية مستمرة إلى ما لا نهاية.

من الخطأ الإعتقاد بأن العبد بإمكانه الإبتعاد عن الخطايا بشكل كامل. فالعبد لا بد وأن يقع في الخطأ حتى ولو في لحظة غفلة، وسيشعر بعجزه وبالتالي سيلجأ إلى ربه جَلَّ وعلا. إن إدراك الإنسان لضعفه أمام عظمة ربه هو أمر ينبع من هذه النظرة والكيفية. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ. وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ(ابن ماجه، الزهد، 03)

حتى الأنبياء لم يستثنوا من كيفية ارتكاب الخطأ. فهم ارتكبوا الأخطاء بين الفينة والأخرى وتابوا واستغفروا الله على ذلك. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ” (مسلم، الذكر،14؛ أبو داوود، الوتر،62)

‏”‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ‏” ‏(أحمد، 4، 261)

ولكن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوبته هذه هي في معظم الأحيان ليس لخطأ أو ذنب اقترفه، وإنما هي زيادة في التقرب من الله تعالى وسعياً لكسب رضاه. ولكون رسولنا صلى الله عليه وسلم كان في حالة ارتقاء دائم ومستمر، فإنه كان يستغفر الله على حاله التي هي أقل من الحالة التي سيكون عليها بعد هذه المرحلة والحالة. وقد علم أمته صلى الله عليه وسلم أنواع الإستغفار المتعددة. وأهمها: “سيد الاستغفار”.

عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ:

اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ –ويكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه- فيقول:

وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ” (البخاري، الدعوات، 2،61؛ أبو داوود، الأدب، 001-101؛ الترمذي، الدعوات،51؛ النسائي، الإستعاذة، 75)

مما لا شك فيه أن نعم الله تعالى علينا هي بقدر واسع لا يمكن لاستغفارنا أن يصل إليها أبداً. تقول الآية الكريمة:

﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم، 43)

ويتحدث عطاء بن أبي رباح أحد أشهر علماء التابعين رحمة الله عليه عن شكر واستغفار نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: دخلت انا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال لها عبيد بن عمير:

“حدثينا بأعجب شيء رأيتِه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!”

فبكت عائشة رضي الله عنها ثم قالت:

“قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فقال:

يا عائشة ذريني أتعبد لربي” قالت: فقلت:

“واللَّه اني لَأحب قربك وأُحِب ما يسرُّكَ”

قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى،  فلم يزل يبكي حتى بل الارض وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال:

“يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟”

فقال صلى الله عليه وسلم:

أفلا أكون عبداً شكوراً؟! لقد نزلت عليّ الليلة آيات،  ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها

وقرأ هذه الآية:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ِ (آل عمران،091-191) (ابن حبان، 2، 683)

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر كلماته هذه أن ما ذكره الله جَلَّ وعلا من نعم لم تكن أبداً لانتقاص العبودية وإنما هي على العكس تماماً لكي تكون سبباً في زيادة الشكر.

وفي هذا الشأن ركزت الآيات الكريمة على ثلاث جوانب مهمة. أولها التفكر في العظمة الإلهية، فيدرك المرء من خلال ذلك عجزه أمام هذه العظمة وهو الأمر الذي يؤدي بنتيجته إلى التجائه إلى بارئه والتقرب منه.

ففي الليلة التي أنزلت هذه الآية الكريمة، أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته باكياً بشدة اهتزت لها النجوم. إن لطف الله تعالى ودموع المؤمنين هي بدون أدنى شك زينة الليالي الزائلة، وضياء القبور المعتمة، وأريج حدائق الجنة في الآخرة.

وأهم أوقات التوبة هي أوقات السحر. فقد خص الله تعالى أصحاب التقوى ممن يقومون الليل عبادة لله بالنعم الإلهية الظاهرة في قوله تعالى:

﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات، 71-81)

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان، 46)

فكما أن فترة ما بعد السحر هي الفترة التي تذوب فيها الظلمة عند الشفق، فإن الإستغفار كذلك في فترة السحر أيضاً هو الوسيلة التي توصل المرء أيضاً إلى الشفق الذي تذوب فيه ظلمة الذنوب بين أشعة نور المغفرة والرحمة.

نسأل الله تعالى أن يمن علينا بقلوب صاحية وأن يمن  علينا بالسعادة بين أرجاء المغفرة.  

آمين…