التقوى

تأتي التقوى كمرآة تعكس التجليات الإلهية بصورة تحمي القلب من كل ما يبعد المرء عن الله تعالى، فالتقوى حماية المؤمن نفسه من الأشياء التي ستلحق به الضرر والألم يوم القيامة بالالتجاء إلى حفظ الله وحمايته، وتمسكه بالأعمال الصالحة باجتنابه المعاصي.

ويعلمنا فخر الكائنات النبي عليه الصلاة والسلام أن القيمة الوحيدة للمرء ومعيار تفاضل الخلق عند الحق إنما هي التقوى فيقول:

انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى“.[1]

وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

أنا أتقاكم وأعلمكم بالله“.[2]

ويعيش ذلك وقد كانت حركاته في كل مراحل حياته منبعثة من معين التقوى، ولذا كان من يتقيد بسنة النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقتفي أثره مؤمنا حقا ومتقيا لله تعالى حق التقوى.

وكم هو رائع قول عيسى عليه السلام يعرّف التقوى حين سأله أحدهم:

“يا معلم الخير، كيف لشخص أن يكون صاحب تقوى؟”

فأجابه عيسى عليه السلام:

“هذا عمل سهل، تحب الله تعالى من روحك وقلبك كما يستحق، وتعمل الصالح من الأعمال كلما استطعت، وترحم البشر جميعا كأنك الأم الشفوق بهم، وما لا ترغب بأن يُفْعَل بك فلا تفعله لغيرك، حينها تكون متقيا لله تعالى كما يجب “.[3]

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: “أما سلكت طريقاً ذا شوك، قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى”.[4]

ورأس التقوى أن تفر من الشرك والكفر فرارك من النار وجحيمها، ويتجلى ذلك بتأدية الفروض كما يجب واجتناب جميع المعاصي.

يقول عليه الصلاة والسلام:

اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن“.[5]

وقمة التقوى حين يتوجه العبد بكل جزء منه إلى الله تعالى، وحين يحفظ قلبه عن كل ما يغفله عن الله تعالى، ولا نهاية لهذه المرتبة، وهذه هي المرحلة الأخيرة من التوكل الحقيقي التي أمرنا بها:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران، 102)

ولبلوغ المرء كمال التقوى لا بدّ من اجتناب الشبهات، يقول عليه الصلاة والسلام:

لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس“.[6]

وينبهنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه بما يلي:

“لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر”.[7]

فينبغي على العبد -حتى يكون صاحب تقوى- محاسبة نفسه على الدوام، إذ إن شهوات النفس الأمَّارة بالسوء عدو القلب اللدود، ولا يمكن التوقي من آفاتها إلا بتقوية شعور التقوى.

فيوسف عليه السلام حين قال: “معاذ اللّه” -حتى لا يقع في شباك تلك المغريات المعروضة عليه- فقد بين لنا أن الخلاص منحصر في التقوى والالتجاء إلى الله تعالى.

وقد كان فخر الكائنات محمد عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى الله تعالى في دعائه أن يمنحه التقوى فيدعو:

رَبّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْر مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيّهَا وَمَوْلَاهَا“.[8]

اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى“.[9]

إن الأفضلية عند الله بين الناس لأكثرهم تقوى،[10]  يحب الله تعالى من عباده المتقين،[11]  وهو معهم في كل آنٍ،[12]  ويعِد الله تعالى المتقين بجنات عرضها السموات والأرض،[13]  وأيضاً فإنه تعالى يهب عبده المتقي نورا وحكمة يفرّق بها بين الخير والشر، ويعفو عن معاصيه،[14]  ويرشده إلى طريق الخلاص ويرزقه من حيث لا يحتسب، وييسّر أموره، ويعفو عن سيئاته ويكرمه بأجرٍ عظيم.[15]

وفيما روى أبو ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم، فقالوا: أية آية هي يا رسول اللّه؟ فتلا: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} “. (الطلاق، 2)[16]

ثم إن أقرب الناس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتقون، يقول معاذ بن جبل:

“خرج معي رسول الله لما ولاني على اليمن يوصيني وأنا راكب ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يمشي تحت راحلتي، فلما فرغ قال:

يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري“،

فبكى معاذ خشعاً لفراق رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم،

فقال: “لا تبكِ يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان”،

ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال:

{إنَّ أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا} “[17].

يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً:

إنِّما أوليائي المتقون“.[18]

والقلب الذي يبلغ كمال التقوى يرتقي بعد ذلك إلى الشهود الرباني، ويغدو موضعاً لنظر الله تعالى و يجلي أسراره.

صور الفضائل

إن أولياء الله تعالى العالمون بحق -أمثال الإمام الأعظم أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل- قضى جميعُهم حياتهم في ظلال التقوى، فقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يمضي يوماً في السوق، فتطايرت نقطة من الطين على ردائه، فذهب إلى شاطئ دجلة، وغسلها، فقالوا له: أيها الإمام، إنك تسمح بمقدار معين من النجاسة على الرداء، وتغسل هذا القدر من الطين! قال: بلى، فتلك فتوى وهذه تقوى”.

وبناء على ما تبين فإن التقوى هي إظهار المراعاة الشديدة لأوامر الله تعالى ونواهيه.

ويا لها من قصة مليئة بالعبرة قصة تلك المرأة التي لم تكن تتكلم إلا بالقرآن الكريم خوفاً من الوقوع في المعصية:

فروي أن الإمام عبد الله بن المبارك خرج ذات مرة للحج إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه صلّى الله عليه وسلّم يقول عبد الله بن المبارك:

وبينما أنا أسير في بعض الطريق إذا بي أرى سوادا، فتميزته فإذا بها امرأة عجوز عليها درع من صوف أسود وخمار من صوف، فلما اقتربتُ منها قلت لها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقالت: سلام قولا من رب رحيم،

فقلت: يرحمكِ الله يا أمةَ الله ماذا تصنعين في هذا المكان؟

فقالت: ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا،

قال: فعلمت من كلامها أنها ضلت الطريق،فقلت لها: فإلى أين تريدين؟

فقالت: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،

قال: فعلمت من كلامها أنها قد قضت الحج وتريد أن تزور بيت المقدس،

فقلت لها: منذ كم وأنتِ في هذا المكان؟

فقالت: ثلاث ليالي سويا،

فقلت لها: أنا لا أرى معكِ طعاما ولا شرابا، فمن أين تأكلين؟

فقالت: هو الذي يطعمني ويسقين،

فقلت لها: فبماذا تتوضئين إذا حضرتك الصلاة؟

قالت: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا،

فقلت لها: إنَّ معي بعض الطعام والشراب فهل أعطيكِ منه؟

فقالت: ثم أتمّوا الصيام إلى الليل،

فعلمت أنها صائمة، فقلت: لماذا لا تكلميني مثلما أكلمكِ؟

فقالت: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد،

فقلت لها: هل لي أن أحملكِ على ناقتي هذه؟

فقالت: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم،

قال: فأنخت لها الناقة لتركب عليها فلما أنخت الناقة

قالت: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم،

قال فغضضت بصري فلما ركبت

قالت: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين إنا إلى ربنا لمنقلبون،

قال: فسِرْتُ بها قليلاً فقلت لها: يا أَمَةَ الله هل أنتِ متزوجة؟

فقالت: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم،

قال: فسكتُّ ولم أتحدث معها حتى أدركنا القافلة فقلت لها: هذه هي القافلة، فمن لكِ فيها؟ هل لكِ فيها أحد فأناديه؟

فقالت: المال والبنون زينة الحياة الدنيا،

قال: فعلمت من كلامها أن لها أولادا في القافلة، فقلت لها: وما شأنهم؟ ما عملهم؟ ماذا يفعلون في القافلة؟

فقالت: وعلامات وبالنجم هم يهتدون،

قال: فعلمت أنهم أدلاء الركب، قال: فتحركت بها إلى العمارات والقباب التي يجلس بها المسافرون فقلت لها: نحن أمام هذه العمارات فمن لكِ فيها؟ من أنادي؟

فقالت: واتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، يا يحيى خذ الكتاب بقوة،

قال فناديت: يا إبراهيم، يا موسى، يا يحيى، فأقبل ثلاثة من الشباب كأنهم الأقمار، فلما جلسوا بين يدي أمهم قالت: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه، تريد أن تضيف عبد الله بن المبارك،

قال: فذهب أحدهم فجاءنا بطعام وشراب فوضعه أمامي، فقالت لنا العجوز: كلوا وشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية،

فقلت: طعامكم وشرابكم حرام علي حتى تخبروني ما شأن أمكم هذه؟ ما قصتها؟

فقالوا: إن أمنا هذه منذ أربعين سنة وهي لا تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن يزل لسانها فيسخط عليها الرحمن،

فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم”.[19]

ومن مقتضى التقوى اجتناب الأمور المشتبه فيها، بل حتى بعض الأشياء المباحة خوفاً من الوقوع في الحرام، ومن أمثلة ذلك:

“كان السلطان عبد العزيز خان قد وصل بالجيش وسلاح البحرية إلى مستوى باهر، وتخلص من المشاكل الداخلية بسياسة حكيمة، وبدأ بالترقي بالدولة نحو موقعها القديم المرموق الذي كان قد شد انتباه الدنيا بأسرها، ولذا دُعي إلى فرنسا وانجلترا.

وكان قد اصطحب معه طهاةً من مدينة بولو لأنه يرى أن طعام الأوروبيين محظور شرعاً، حيث كان سلطاناً يراعي الجانب الديني إلى حدٍ كبير.

ثم إن السلطان عبد العزيز خان يُعرف عنه أنه كان رجلاً صالحاً يقضي حياة دينية ومنضبطة، وكان من التقوى بحيث كان يشرب طوال حياته ماء زمزم بدل الماء، ويروى عنه أنه كان يأخذ ماء وضوئه معه في أسفاره إلى أوروبا، إلى جانب حرصه على تأديته صلاته وقراءته القرآن الكريم كثيراً، وعندما قتل بوحشية وجد المصحف الكريم في غرفته مفتوحاً على صفحة سورة يوسف عليه السلام، ويحتفظ بهذا المصحف الشريف المصطبغ بلون دمه في قصر توب كابي في اسطانبول الآن.

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف:

يموت العبد على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه“.[20]

وأما الشخصية التاريخية الأخرى التي تحيا بناءً على مقاييس التقوى الحساسة فهي السلطان عبد الحميد خان، حيث كان يطلب إيقاظه في أي وقت كان بالليل إن طرأ أي أمر مستعجل، فلم يكن يرضيه تأجيل الأمر إلى غد، ويقول المدير العام للتشريفات الملكية السيد أسعد في مذكراته في هذا الشأن:

“ذات مرة طرقت باب السلطان منتصف الليل للتوقيع على أمر مهم، ولكن الباب لم يُفتح، وعاودت الطَّرْق بعدما انتظرت فترة، ولكنه لم يُفتح أيضاً، فراودني قلق على حياة السلطان؟، وبعد فترة قليلة طرقت الباب مجدداً، وفي هذه المرة فُتح الباب، وظهر السلطان وبيده منشفة، يجفف وجهه بها، فابتسم قائلاً:  “يا بني! لقد عرفت مجيئك لأمر غاية في الأهمية في هذه الساعة، وكنت قد استيقظت في طرقكم الباب لأول مرة، إلا أني تأخرت بسبب الوضوء، إذ إني لم أوقِّع ورقة من الأوراق الخاصة بالدولة من غير وضوء … أعطنيها أوقعها ! …” ووقعها بعد أن سمى باللّه.

وقد نقلت زوجة السلطان عبد الحميد خان لنا ما يلي فيما يتعلق بمراعاته لهذا الأمر:

“كان عبد الحميد يضع أعلى سريره لَبِنَةً نظيفة على الدوام، حيث كان يتيمم بها عندما يستيقظ كيلا يضع قدمه على الأرض من دون وضوء إلى حين ذهابه إلى مكان الوضوء، وعندما سألته مرة عن السبب في ذلك أجابني:

” إن لم نراع نحن –باعتبارنا خليفة لكل المسلمين- مقاييس السنة، لَلَحِقَ الضرر بأمة محمد عليه الصلاة والسلام”.

فحياة التقوى أوصلته في السياسة أيضاً إلى الدهاء، حيث سطرت فراسته في تاريخ الدنيا بإدارته الدولة في أصعب وأخطر السنوات.

وختاما فإن التقوى جوهر الدين ورأس المحامد كلها في الحياة، والتقوى أعظم رأس مال لسعادة الدار الآخرة، وحياة من غير تقوى تحفّها المخاطر من كل جانب، وحياة لم تعش بالتقوى تتسبب بسوء الخاتمة، والخسران الأبدي بمقتضى قول النبي عليه الصلاة والسلام: “يموت العبد على ما عاش عليه“، ولذا من الضروري تمضية الحياة باعتناء ودقة في هذه الدنيا الفانية للوقاية من شر الشهوات النفسية كحال الماشي في أرض ملغومة.

تجري الحروب في أزمان وأمكنة معلومة ثم ما تلبث أن تنتهي، وأما الذي يجاهد نفسه فعليه الاستمرار في جهاد التقوى طوال الحياة دون انقطاع، يقول تعالى في الآية الكريمة:

{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِيْنُ} أي الموت.(الحجر، 99)

أكرمنا الله تعالى وإياكم باليقظة الدائمة التي تحجب عنا غفلات النفس ومكائدها، ومَنَّ علينا جميعا بإقامة عبوديتنا على أساس التقوى. آمين.

[1]          أحمد، 5، 158.

[2]          البخاري، الإيمان، 13؛ مسلم، الصيام، 74.

[3]             أحمد، الزهد، ص: 59.

[4]          ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، بيروت 1988، 1، 42

[5]          الترمذي، البر، 55/ 1987.

[6]          الترمذي، القيامة، 19/ 2451؛ ابن ماجة، الزهد، 24.

[7]          البخاري، الإيمان، 1.

[8]          مسلم، الذكر، 73.

[9]          مسلم، الذكر، 72.

[10]         انظر: الحجرات، 13

[11]         انظر: آل عمران، 76

[12]         انظر: النحل، 128.

[13]         انظر: آل عمران، 133

[14]         انظر: الأنفال، 29

[15]         انظر: الطلاق،2 ـ 5.

[16]         ابن ماجة، الزهد، 24.

[17]         أحمد، 5، 235؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، بيروت 1988، 9 ، 22.

[18]         أبو داوود، الفتن، 1/ 4242.

[19]         م. عاصم كوكسال، الكتاب والسنة، اسطنبول 1999، 21 ـ 25.

[20]         انظر: مسلم، الجنة، 83؛ المناوي، فيض القدير، بيروت 1994، 5، 663