التفكر في الموت

تقف القلوب مضطربة بين حياتين مختلفتين كلَّ الاختلاف، كالقشعريرة التي تنتاب الإنسان سرورا بالحياة والقشعريرة التي تهزُّ كيانه على أعتاب الموت، فالقشعريرة واحدة إلا أن الإحساس بها يختلف كل الاختلاف بين الحالتين.

ومن دون أن ندرك المعنى الحقيقي للحياة والموت اللذين يتعاقبان باستمرار لن نستطيع أن نعي سر الخلق وحِكَم الله فيه، ولن ندرك الماهية الحقيقة للإنسان.

فالموتُ – الذي يأتي خاتمةَ رحلةِ كلِّ امرئ في هذه الحياة – يظل لغزا عصيّا على الحل، ودون إدراك سر الموت والحياة التي يختمها لن ندرك حقيقة الإنسان وحكمة إيجاده وخلقه في هذا الكون.

يقول الله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك، 2)

ويقول سبحانه:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء، 35).

فالدنيا دار الابتلاء والاختبار الإلهي، وأما الموت فهو قانون انتقال الخلق من دارٍ إلى دار، كما يقول مولانا جلال الدين الرومي: (موتوا حتى تبعثوا)، فالقلب لا ينبعث من غيبوبته إلا عندما يتخلص من كل أهواء النفس التي تأسره، ولذلك كان يوصي النبي -صلي الله عليه وسلم- أمته:

(أكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ)[1].

والتفكر في الموت لا يكون إلا بتذكره، وهجر شهوات النفس وأهوائها قبل أن يأتي، والاستعداد – بدافع الإيمان – للقاءِ الله تعالى والوقوفِ بين يديه طوعا لا كرها.

سار الحسن البصري في جنازة، وبعد أن انتهى المشيعون من دفنها اتجه إلى أحدهم وسأله: أتظن هذا الميت يود لو عاد إلى الدنيا ليزداد من العمل الصالح ويتوب عما أجرم ؟، فقال الرجل: نعم، فرد عليه الحسن: عجبا لنا، فكيف لا نتعظ بالموت، أيكون الميت خيرا منا نحن الأحياء !!!

ولكن آمال الإنسان لا نهايةَ لها، وأمانيه الفانية لا يختمها إلا الموت، كورقة تلقيها الريح على جدار قبر.

والمقابرُ مليئةٌ بآباء وأمهات، وأبناء وبنات، وتغص بالكبير والصغير والعدو والقريب، وقد انتهت حياتهم واجتمعت كلها عند نقطة واحدة، فكل حياة في الدنيا – مهما اختلفت بين غنى وفقر – ستجتمع لا محالة عند الموت، فهو القنطرة الوحيدة للمرور من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.

وعندما يدهمنا الموت فلا مكان ولا زمان نلجأ إليه هربا منه، وتوضح الآيات لنا ذلك:

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجمعة، 8)

﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق، 19).

وإنَّ الكلماتِ – مهما ارتقت في سلم البيان – لَتَعجَزُ عن وصف الموت وهيبته، وإزاءَ هذا العجز يظلُّ الصمت المعقود على شفاه الموتى الجامدة أفصحَ واعظ، ويصير السكون الذي يكسو حجارة القبور المهجورة أبلغَ تعبير عن سر هذا الموت وهو يلفُّ الناسَ جيلا بعد جيل.

وفي المقابل لا تجد تأثرا بهذه الحال أعمق من تلك الشهقات التي تزفر بها قلوب الأحياء والدموع التي تحرق أحشاءهم ألما على الفراق.

ولذلك عمل أجدادُنا على تنظيم المدن بما يتوافق وهذه الغاية، فجعلوا المقابر داخل المدن وعلى قوارع الطرق وفي أفنية المساجد، حرصا منهم على تذكر الموت دوما وعلى كل حال.

فالدنيا – بما فيها من زينة وزخارف – سرابٌ خادع تأسِر الإنسانَ وتميت قلبه، أما الآخرة فهي – في الحقيقة – حياة لا موت فيه.

ولكن عجبا للإنسان، كيف لا يستخلص العبرةَ إلا بعد أن تغيض نضارة كل حيٍّ على مذبح الزمان !

وكم هو مُرٌّ ذلك الخداع !!

حين ينغمسُ الإنسان في شهواتٍ فانية ورغباتٍ زائلة، فيَحرِمُ نفسَه في سبيلها من مستقبل حقيقي لا من سراب خادع، ومن حياة أبدية لا من لحظة عابرة !!!

ولكنَّ حياة الغفلة تستبد بالإنسان منذ أن تكون لَعِبَاً بريئاً في الطفولة إلى أن تصير شهوةً عارمةً في الشباب إلى أن تصبح انغماساً بالعمل في الرشد إلى أن تستقر حسرة وندامة في الشيخوخة.

إنَّ الموتَ قيامةُ كلِّ حيٍّ فينا، فلنستيقظ من غفلتنا قبل أن تقوم قيامتُنا حتى لا نكون من النادمين، فكلٌّ منا سيلقى ملكَ الموت – لا محالة – في زمانٍ ما ومكانٍ ما، ولا نملكُ حينها – مهما أوتينا من قوة – أن نَفِرَّ منه، ولا نستطيعُ بعدَ الموت أن نعودَ إلى الحياة من جديد أو أن نستجيرَ من شدائد يوم البعث فإنه لا مجير يومئذ من أمر الله، ومهما بحثنا فلن نجد إلا ملجأ الرحمة الإلهية، فعلينا ألا نضيع وقتنا في البحث عن غيره، وأن نستظل بظلال قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ…﴾ (الذاريات، 50).

وترسم الآياتُ الآتية لوحةً معبرةً لأولئك الذين يأملون في الغد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون، 9-11)

ولكنَّ الغريبَ أنَّ الإنسانَ يخادع نفسه في هذه الدنيا التي يحل عليها ضيفا فترة من الزمن، فهو مع أن جنازات الموتى تمرُّ أمام ناظريه كلَّ يومٍ إلا أنه يظن نفسه في منأى عنها، ويحسِبُ أنَّه يملك دنياه مع أنه سيفقدها في أي لحظة.

والإنسان يخدع نفسه حين يتعامى عن الموت مع أنه يرافقه منذ اللحظة الأولى التي استقرت فيها الروح في الجسد، فالإنسان جاء من العدم وسيعود إلى العدم، وهو في هذه الدنيا إنما يعبُر الطريق – الذي لا يغتنمه كثير من الناس – بين هذين العدمين.

وسيأتي يوم تنسلخ الروح عن الجسد الذي حلَّت فيه يوما لتبدأ رحلةً جديدة في القبر الذي هو أول منازل الآخرة، والآية الآتية تقدم لنا النصيحةَ على النحو الأمثل، وتعبر عن أن أي لحظة تمرُّ من حياتنا إنما تقربنا إلى لحظة الحقيقة أكثر فأكثر:

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ(يس، 68)

فأدقُّ وصفٍ توصفُ به الدنيا إنما هو الغدر، فهي لا تكاد تعطيك شيئا باليمين حتى تسترده منك بالشمال ثم تهوي بك في وادي سحيق، والدنيا كالظل، إن أدرت أن تقبض عليه هرب منك، ولكنه لا يتركك مهما حاولت أن تهرب منه.

وهكذا يمضي العمرُ أمامَ ناظريك بسرعةٍ خاطفة بينما أنت كلَّ يوم تمنّي نفسَك أن تحصّل على ما فاتك البارحة، فالدنيا كالعشيقة الخائنة كلما قدَّمتَ لها شيئا طلبت منك المزيد حتى توقِعُك في شراكها، ثم ما تلبث أن تغدُر بك، فهي لا وفاء لها ولا عهد، وتضحي بكل من يتعلق بها عند أقرب فرصة تلوح لها.

سأل رجلٌ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم-، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ)[2].

وقال كذلك: (… وَلْتَذْكُرِ الموْتَ والبِلَى، ومَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِيْنَةَ الدُّنيَا…)[3].

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال:

(أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)[4].

وكان مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى وهو من كبار علماء التابعين يقول: كانَ ابْنُ عُمَرَ ، يَقُولُ:

(إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَْتِكَ)[5].

وقد روي عن سيدنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: إن الأرض تنادي كل يوم عشر كلمات وتقول: يا ابن آدم، تسعى على ظهري ومصيرك في بطني، وتعصي على ظهري وتُعذَّب في بطني، وتضحك على ظهري وتبكي في بطني، وتأكل الحرام على ظهري وتأكلك الديدان في بطني، وتفرح على ظهري وتحزن في بطني، وتجمع الحرام على ظهري وتذوب في بطني، وتختال على ظهري وتَذِلُّ في بطني، وتمشي مسروراً على ظهري وتقع حزيناً في بطني، وتمشي في النور على ظهري وتقعد في الظلمات في بطني، وتمشي في الجماعة على ظهري وتقعد وحيداً في بطني).

فالموت هو المشهد الأخير في مسرحية الحياة، وهو المرآة التي تعكس للمرء عاقبته، فمن عاش في الدنيا في إسار الشهوات ظهر له القبر دهليزا مظلما، ويصير – في هذه الحال – مجردُ تَذَكُّرِ الموت ألما وعذابا لا يألو المرء جهدا أن يتهرب منه.

أما إذا انعتق المرء من إسار شهواته وأهواء نفسه، وأطلق العِنان لروحه تسبح في عوالم الآخرة، فيكون الموت في هذه الحال هو الشرطَ الحتمي للقاء الله تعالى، ويصير الانفعال به كاضطراب الحبيب قبل لقاء حبيبه.

وهذا الموت هو الذي يسميه مولانا جلال الدين الرومي بــ (ليلة الزفاف)، فالموتُ عند الصوفية لحظةُ سعادة لما ينتظرك بعدَها من لقاءٍ بالحبيب، بينما يراه كثيرٌ من الناس حادثا مُفزِعَا لما يكتنفه من مجهول.

ولا يصل المرء إلى هذه المرتبة – من اعتبار الموت لحظةً سعيدةً من لحظات حياته الطويلة – إلا حين يتخطى عوائق النفس، ويطهرها بالتوبة والزهد والقناعة والتوكل والذكر والصبر والمراقبة والرضا عن الله تعالى.

ولكن هذا الرقي الروحي يظلُّ رهنا بأن يتفكر الإنسان بالموت دائما كلما أحس بخِنَاق الغفلة يشتد من حوله، ولذلك كان يقول الربيع بن الحسين: (أخاف أن يفسد قلبي إن خلا من ذكر الموت، ولولا اتباع الصالحين قبلي لاعتزلت الناس وجلست في المقابر أنتظر الموت)

فالإنسان في هذه الدنيا يعيش مضطرباً بين أحوال النفس وتجاذباتها، فإذا جاء الموت انتهى كل ذلك، فالموتُ بدايةٌ حتميةٌ لرحلةٍ جديدة، ولابدَّ لنا قبل المضي في رحلتنا هذه أن نعد النفس لها جيدا، فنراجع صحة القلب وسلامة معداته، ونتخلص من شوائب الفزع والقلق التي تخوفنا منه.

وعندها نتمثل بقولهم (موتوا قبل أن تموتوا) فنرحل عن أهوائنا وتعلقنا بالدنيا، لنستعد لرحيل الدنيا عنا، فنحقق بذلك رضا الله تعالى وننال شرف محبته ونتهيأ للقائه.

[1]      سنن الترمذي، أبواب الزهد، 2307.

[2]      سنن ابن ماجه، باب ذكر الموت، 4259.

[3]      سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة، 2458.

[4]      صحيح البخاري، كتاب الرقاق، 6416.

[5]      صحيح البخاري، كتاب الرقاق، 6416.