التفكر في الكون

إن كل شيء في العالم من الذرة إلى المجرة هو معجزة إلهية خارقة والكون في كل النواحي -بتجليات الحكمة التي لا حصر لها – هو معرض فني لنقوش ولوحات القدرة الإلهية تُعْرض أمام إدراك الإنسان.

والكون بخلقه ونظامه وتوازنه هو وسيلة اعتبار وتدبر مهمة لأهل التفكر من الناس. وتوجد آيات كثيرة تعبر عن هذا المعنى منها قول الحق -عز وجل-:

﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ، وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (ق، 6 – 8)

وقوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ( الزمر، 21)

فالماء الذي يبقى فوق الأرض يكون في خدمة الناس؛ فيستخدمونه في تصريف حاجاتهم المختلفة كالمأكل والمشرب والتنظيف. ولهذا السبب فإن هذا الماء يتلوث أحيانًا ولكن الحق -عز وجل- قد أكرم عباده بنظام معجز مدهش لتنظيف الماء مرة أخرى.

وما أجمل قول مولانا جلال الدين الرومي عندما يتحدث عن وجوب التفكير في تحول الماء فقال:

«عندما يتعكر الماء ويتلوث، ويصبح بالنسبة لنا مصدراً للقلق على الأرض بسبب تلوثه، ويُصاب الناس بالحيرة والدهشة فيبدأون بالإستغاثة والإبتهال والدعاء للحق -عز وجل-، فيستجيب الله تعالى لتلك الإستغاثات والإبتهالات ويبخّر الماء ويأخذه إلى السماء. ويمر هناك بطرق متنوعة حتى يتطهر تماماً، وبعد ذلك يُنزله إلى الأرض مطراً أو ثلجاً. وفي نهاية الأمر يوصل ذلك الماء إلى بحر واسع».

وقد أشار مولانا جلال الدين الرومي إلى تلك الحادثة الطبيعية التي تشاهد في كل وقت لكي يعتبر منها الإنسان فقال: «أيها الإنسان اُدنُ من الحق -عز وجل-، وطهر قلبك من كل الأدران مثلما يتطهر الماء في السماء، وكن أيضاً مثل المطر الذي ينشر البركة والرحمة».

ومن ناحية أخرى فإن الإعتبار من خلق الكون، ومشاهدة التوازن به يكفي لإدراك النظام الذي لا تشوبه شائبة أو نقصان، والأسرار والحِكم التي لا تُعد ولاتُحصى داخله. وإدراك أن كل شيء هو كتاب لقدرة منفردة متفردة لا حدود لها ولانهاية.

التفكر في السموات

إن المملكة الإلهية التي تتجلى في السموات وفي الأرض وفي النجوم هي واحدة من الأدلة على قدرة الحق -عز وجل- وعظمته. وعدم التفكر في تلك العجائب الخارقة للعادة التي في السموات يكون سبباً لبقاء إدراك الإنسان محروماً من مشاهدة تلك الحكمة العظيمة.

فالأرض مقارنة بالسموات تشبه قطرة في بحر، بل هي أصغر من ذلك. وليست هناك آية إلا وهي تتحدث عن عظمة السموات في آيات القرآن المختلفة. وتوجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تقسم بالسموات يقول الحق-عز وجل-:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ(البروج، 1)

وقوله تعالى:﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (الواقعة، 75 – 76) ([1])

كما أن اتساع الكون وحركة الأجرام فيه والمسافات التي بينها يُعبر عنها بأرقام كبيرة تفوق قدرة الإنسان وطاقته وحتى خياله. حتى أن رجال العلم لم يجدوا مفراً إلا أن يقولوا: «إن الكون يدهشنا أكثر من قدرتنا عن التخيل، ويحيرنا بشكل كبير للغاية. لأن الأجسام في الفضاء تتباعد عن بعضها البعض بسرعة رهيبة» ([2]) .

ويقدر علماء الفضاء نصف قطر الكون بـ 14 تريليون سنة ضوئية، ومن المعلوم أن سرعة الضوء تبلغ 300 ألف كم في الثانية الواحدة تقريباً.

المَجَرَّات

توجد في السماء مئات المليارات من المجرات التي يمكن رؤيتها بالتليسكوبات الحديثة. والمَجَرَّة هي عبارة عن تجمع نجمي عملاق يحتوي على عدد من النجوم ما بين عشرة ملايين نجم إلى مليار نجم أو ما تبقى من المواد الخام من تلك النجوم. ومجرة «درب التبانة» التي بها نظامنا الشمسي هي واحدة فقط من تلك المجرات.

يُطلق على التجمعات التي تجمع مئات أو الآف المجرات اسم « الحشود المَجَرَّية « أو «العناقيد المجرية». وتسمي التجمعات التي تتكون من الحشود المجرية اسم «الحشود المجرية العظيمة» أو «العناقيد المجرية العظيمة». ومجرة درب التبانة التي يوجد بداخلها نظامنا الشمسي والثلاثين مجرة تقريباً القريبة منها تشكل «عنقودًا مجريًا صغيرًا».

أما مجرة «المرأة العذراء» التي تعد واحدة من عنقود مجرى قريب إلى مجرتنا، والتي تقع على بعد 65 مليون سنة ضوئية تقريباً، فهي تحتوي تقريبا على 2000 مجرة.

أما العنقود المجري العظيم فيوجد به عشرات من العناقيد المجرية، ويبلغ قطر هذا العنقود 100 مليون سنة ضوئية. أما الأمر الآخر الذي يظهر العظمة الإلهية التي تنعكس في الكون فهو «تصادم المجرات». وتصادم المجرات هي حوادث تصادفنا كثيراً؛ وذلك عندما يتقاطع مسار أو مدار مجرتين، أو تقترب إحداهما من الأخرى بشكل كبير، فتقوم الجاذبية الضخمة لكل منهما بجذب إحداهما إلى الأخرى. وعلى الرغم من أن المجرات تحتوي على مليارات النجوم؛ إلا أنه بسبب الأبعاد والمسافات الهائلة بين النجوم، فإن النجوم في أثناء هذا التقاطع تمر وتعبر دون أن تتماس، أو يصطدم واحد منها بالآخر، ولكن المادة التي تبني النجوم والتي تتكون من الغاز والغبار تتراكم في أماكن معينة بتأثر هذا التصادم. وهذا الموقف يعجل بتكوين النجوم.

ولهذا السبب يتم رصد أثر الإنفجار في تكوين النجم في المجرات التي تصطدم ببعضها البعض. ويُعتقد أن انفجاراً كهذا سوف يحدث بعد ثلاثة مليارات سنة بين مجرة درب التبانة ومجرة «اندورميدا». لأن مجرة درب التبانة ومجرة اندروميدا يقتربان من بعضهما البعض بسرعة تبلغ 500 ألف كم في الساعة تقريباً وتبلغ المسافة بين المجرتين 2،2 مليون سنة ضوئية. وعلى هذا فسوف يصطدمان بعد ثلاثة مليارات سنة تقريباً.

ويوجد 200 مليار نجم تقريباً في مجرة درب التبانة، والشمس تعد واحدة فقط من هذه النجوم. وقطر مجرة درب التبانة يبلغ 100 ألف سنة ضوئية. وتدور حول نفسها بسرعة 274 كم في الثانية. وتتحرك مباشرة نحو نجم «فيجا» بسرعة 900 ألف كم. أما «عنقود هرقل المجري» فيتكون من 10 الآف مجرة صغيرة، ويبعد عن كرتنا الأرضية بمقدار 25 ألف سنة ضوئية.

النظام الشمسي

إن النظام الشمسي الموجود في مجرة درب التبانة يبلغ قطره 12 مليار كم. ويقدر عمر الشمس بـ 4،5 إلى 5 مليارات سنة. وتبعد الشمس عن مركز المجرة 30 ألف سنة ضوئية.

وفي الشمس يتم في كل ثانية تحويل 564 مليون طن من غاز الهيدروجين إلى 560 مليون طن من غاز الهيليوم. ومادة الغاز التي تبلغ أربعة ملايين طن والتي تشكل الفرق بينهما تنتشر على شكل ضوء وطاقة.

ولو أردنا أن نحسب كتلة الشمس عن طريق ما تفقده من ملايين الأطنان فإنه يمكن القول: إن الشمس تفقد أربعة ملايين طن من المادة كل ثانية، ولو أن الشمس تنتج طاقة بنفس السرعة والمعدل منذ 3 مليارات سنة فإن مجموع ما فقدته من كتلتها خلال هذه المدة سيبلغ 400 مليار ضرب مليون طن(أي رقم أربعة وأمامه سبعة عشر صفراً)، وهذه القيمة تعني أن كتلة الشمس الحالية تعادل فقط واحد على 5000 من كتلتها الحقيقية.

وتبلغ درجة الحرارة على سطح الشمس 6000 درجة مئوية. أما درجة الحرارة في مركزها فتبلغ 20 مليون درجة مئوية. وحرارة الشمس تزيد باستمرار ومساحتها تتضخم. وبسبب تمدد الشمس المستمر فإنها بعد مدة من الزمن ستنفجر، ويمكن أن تمحو الكواكب القريبة منها كعطارد والزهرة والأرض والمريخ.

وتبلغ كتلة الشمس 2 ×10 27 طن، أما نصف قطر الشمس فيبلغ 700 ألف كم. وحجم الشمس 324،529 مرة ضعف حجم الأرض([3]). يقول الحق -عز وجل-:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ (الفرقان، 61)

السموات تتمدد بشكل مستمر

إن الله تعالى قد أشار إلى أن السماء التي هي بناء قوى متين يتمدد بشكل مستمر فقال -عز وجل-:

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات، 47)

وقد اكتشف العلماء في عام 1929م تباعد السدم([4]) عن مجرتنا. وبعد ذلك الإكتشاف طرحوا نظرية تمدد الكون بشكل مستمر. وبحسب هذه النظرية التي أصبحت واحدة من أهم الإكتشافات العلمية في القرن العشرين، فإن المجرات تتباعد عن بعضهما البعض بسرعة تزيد بشكل يتناسب طردياً مع المسافات بينها.

وفي عام1950م طبق العلماء هذا القانون، واستطاعوا أن يحسبوا سرعة تباعد المجرات فوجدوا أن المجرة التي تبعد عنا بمقدار 10ملايين سنة ضوئية تتباعد عنا بسرعة 250 كم في الثانية، والمجرة التي تبعد عنا بمقدار عشرة مليارات سنة ضوئية تتباعد عنا بسرعة 250 ألف كم في الثانية.

إن الكون الذي تحدثنا عن اتساعه والذي يتمدد ويكبر بشكل مستمر يظهر لنا استحالة أن ندرك عظمة الله تعالى وأن نحيط بها بشكل كامل. وما أجمل قول الشاعر (علي حيدر بك) الذي عبر عن حيرته ودهشته أمام لوحات العظمة الإلهية التي لا تعد فقال:

أنت عظيم يا إلهي أنت كبير

وكل عظيم بجانب عظمتك يصير حقير

وهذا الكون العظيم سينتهي كما بدأ. يقول الحق -عز وجل-:

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء، 104)

ويوم القيامة يتغير حال ذلك الكون حيث يقول الحق -عز وجل-:

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ (إبراهيم، 48 ). ويشير قوله تعالى إلى أنه سيُخلق عالم جديد وتبدأ حياة جديدة.

السموات السبع

إن الحق -عز وجل- تحدث عن السموات السبع في آيات القرآن الكريم، وما ذكرناه فيما سبق هو ما يتعلق بالسماء الأولى أو السماء الدنيا. أما السموات الأخرى فكيف يمكن للإنسان أن يعقلها أو يدركها؟! يقول الحق -عز وجل-:

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (الملك، 3-5)

والآن ارفع رأسك وانظر بعين الإعتبار إلى السماء، وفكر لحظة في تلك الأجرام السماوية التي لا يحصرها العدد والتي تدور في نظام بديع وكلها تحمل الكثير جدّاً من الأسرار والحِكَم.

ولولا دوران الأرض حول نفسها فستجد قسماً منها منيراً وقسماً منها مظلماً. وحينها فإنه لا يمكن تمييز وقت العمل عن وقت الراحة.

وأيضاً أنّ دوران الأرض حول نفسها في مدة أربع وعشرين ساعة توجد بها حكم كثيرة. فلو طالت مدة دوران الأرض أكثر من ذلك فإن الأرض ستكون مثل كوكب عطارد الذي يبلغ الفرق في درجة الحرارة بين ليله ونهاره ألف درجة مئوية. ففي نهاره الطويل تزيد حرارته أكثر، وفي لياليه الطويلة تكون البرودة شديدة للغاية فتتجمد كل الأماكن.

وهكذا في ضوء هذه الحقائق انظر كيف أن الله تعالى جعل الليل يغشى النهار؟ وكيف جعل الليل للراحة والنهار وسيلة للمعيشة والحياة؟ وفكر في تجليات القدرة والرحمة الالهية في تعاقب كل منهما دون أي اختلال او خطأ.

وكذلك فإن الأرض لو لم تدر حول الشمس، ولم تكن درجة ميل الأرض في ذلك الدوران تبليغ 23 درجة و 27 دقيقة لما كانت هناك الفصول الأربعة، ولما ظهر الصيف ولا الشتاء ولا الربيع ولا الخريف. ولو لم تكن درجة الميل على هذا النحو الدقيق لضاع بخار الماء الذي يرتفع من المحيطات، ولصارت كل القارات قطعاً من الثلج.

أيضاً لو لم تكن المسافة بين الأرض والقمر على ما هي عليه الآن – والتي تبلغ 50 ألف ميل بالضبط- وزادت عن هذا القدر لتحول المد والجزر الذي نراه على الأرض كل يوم إلى كارثة، ولغطَّت المياه كل القارات مرتين كل يوم. وحتى الجبال كانت ستتآكل في زمن قليل وتنمحي من الوجود.

فانظر إلى عظم هذا الكون وكثرة نجومه فكر كيف خلقها الخالق -عز وجل-، ونظمها، وجعل هذه النجوم والأجرام العملاقة تتعلق في السماء بغير عمد؟!

واسألْ نفسك هل أصاب الشمس أو القمر أي عطل في أي يوم؟ وهل احتاجا للإصلاح مرة كما نفعل في حياتنا الدنيا؟ وهل خرجت يومًا عشرات الموجودات في السماء عن مدارها التي قدرها الله -عز وجل-، أو توقفت واصطدمت إحداها بالآخرى كما يحدث في حوادث المرور عندنا؟!

ترك التفكر ذنبٌ كبير

ما أعجب الانسان يصاب بالحيرة والدهشة إذا ما رأى قصرًا مزخرفاً مزيناً للغاية، فلا يستطيع أن ينسى ذلك القصر، ويظل يتحدث عن جماله طوال حياته. ولكنه لا يرى ولا يقف عند ذلك الكون العظيم الذي هو معجزة إلهية خارقة للعادة، ولا يفكر بالشكل اللائق في بديع صنعها ولا يتحدث بما يكفي عنها. ومن لا يقف على مثل تلك الأشياء ولا يمعن النظر فيها يكون مثل الأحجار الصلبة التي لا يكون لها أي نصيب من أمطار الربيع المباركة.

مع أن ذلك القصر الفاني الذي أصاب الإنسان بالدهشة والحيرة هو ذرة ضئيلة من ذرات الدنيا التي هي واحدة من أصغر جسيمات ذلك الكون المعظم الفسيح المعجز.

إن مثل الإنسان الغافل عن التفكر في قدرة الله -عز وجل- يشبه حال تلك النملة التي بنت لها بيتاً في أحد قصور السلطان المرتفعة الجدران المتينة الأساس المزينة بأجمل الأشياء والمزدحمة بالخدم.

وذات يوم خرجت النملة من جحرها والتقت بأصدقائها ولم تقص عليهم شيئاً آخر سوى الجحر الذي تعيش فيه! وظلت تلك النملة بعيدة عن التفكر في القصر الذي تعيش فيه، وقوة السلطان الذي بناه وعظمته وسلطانه. ومثلما غفلت النملة عن ذلك القصر فإنها قد غفلت أيضًا عمن يعيشون فيه.

فالإنسان الغافل ليس عنده خبر عن بدائع الصنعة الإلهية الخارقة وعن الملائكة وعباد الله الخواص الذين يعيشون في ملكه .

إن النملة ليست لديها القدرة على معرفة وإدراك القصر الذي تعيش فيه، والجماليات التي تحتويه. ولكن الإنسان يستطيع أن يطوف بعوالم كثيرة عن طريق التفكر والتخيل، ويستطيع أن يدرك بدائع الصنعة الإلهية الخارقة.

ومن لطف الله تعالى وإحسانه على الإنسان أن جعله يدرك عجزه وضآلته أمام نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وجعله يعرف سجدات الشكر التي بها وحدها يمكن أن يكون «إنساناً». وبتعبير آخر فإن من يسجدون سجدات الشكر هم وحدهم من يستطيعون حمل شرف الإنسانية وقيمتها وقدرها. لأن الإنسان هو كائن لديه استعداد وقابلية للتفكر بحسب فطرته وخلقه، ولو ترك الإنسان جذوة التفكر التي لديه لتنطفئ وتخمد فقد خان تلك الأمانة الإلهية، ولم يؤد حقها، وحُرم من واحدة من أهم صفات الإنسانية.

وقد عبر مولانا جلال الدين الرومي -حبيب الحق -عز وجل– عن حال الغافلين الذين يعيشون في هذه الدنيا بقلوب غليظة جافية في هذه الدنيا التي هي مجمع الأسرار والحكم التي لا تعد ولا تحصى، ويشاهدون الرسائل الإلهية التي في المخلوقات بوجه عابس بليد فقال:

«ذات يوم جاء ثور إلى مدينة بغداد مركز العلم والحضارة في زمانها، وعبر المدينة من أقصاها إلى أقصاها ولكنه لم ير أيّاً من جماليات المدينة وعظمتها. ولكنه رأى قشر الشمام والبطيخ على جانبي الطريق. وذلك لأن الشيء الذي يليق بثور أو دابة هو أن يرى التبن المنتشر على الطريق و الحشائش والمراعي الممتدة على جانبيه».

وقد ورد في الأثر أن رجلاً في زمن موسى -عليه السلام- كان قد عبد الله تعالى ثلاثين سنة. وكان الله تعالى قد سخر له سحابة تحميه وتحرسه من حر الشمس. وذات يوم لم تأت تلك السحابة فظل تحت حر الشمس المحرقة. وعندما سألته أمه عن سبب هذا الأمر قائلةً:

«ألم ترتكب ذنباً؟

قال: لا. لم أرتكب ذنباً.

فقالت الأم: هل نظرت إلى السموات وإلى الأزهار وعندما رأيتها هل تفكرت في عظمة الله تعالى وقدرته أم غفلت عن هذا؟!.

فقال الابن: «نعم يا أماه لقد رأيت بدائع صنع الله تعالى حولي، ولكني قصرت عن التفكر فيها. وعندها قالت الأم: « يا بني! وهل هناك ذنب أكبر من هذا الذنب؟!! تب الآن واقلع عن ذلك الذنب».

ولهذا السبب يجب على كل مؤمن لديه عقل في رأسه ألا يترك فريضة التفكر طرفة عين. فالإنسان عندما يعرف بدائع صنعة الله تعالى الكثيرة في خلقه، ويفكر فيها ويتدبر؛ فإن معرفته بالله تعالى وجلاله وعظمته تكبر، ويزداد قرباً إلى الله تعالى.

وقد قال علي -رضي الله عنه-:

«من قرأ القرآن وعلم شيئاً من علم النجوم زاد إيمانه بالله تعالى، وقربه منه. ثم قرأ قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ (يونس، 6)

إن كل مخلوق خلقه الله تعالى يؤدي وظائف معلومة داخل النظام الإلهي. والإنسان قد استطاع أن يدرك شيئاً قليلاً من عطاء الله تعالى اللامحدود في مخلوقاته التي لا تعد ولا تحصى. ومن المؤكد أن الحكم التي لم يفهمها ولم يدرك كنهها أضعاف أضعاف ما استطاع أن يدركه ويعلمه.لأن الإنسان إذا استطاع أن يسمع فذلك بسبب الجهاز الذي أعده الله له وهو الأذن. ولو استطاع أن يرى ويميز الألوان فذلك لأن الله تعالى أنعم عليه بنعمة البصر. والواقع أنه رغم وجود كثير جدّاً من التجليات الإلهية في مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى؛ إلا أننا لا نستطيع إدراك كل هذه التجليات بسبب عدم وجود الأجهزة والإمكانات لدينا التي تمكننا من معرفة وإدراك تلك التجليات ([5]).

والإنسان الذي لديه عقل محدود لا يستطيع أن يحيط بالمخلوقات ولا بالخصائص التي فيها بشكل كامل كيف يمكنه أن يدرك ويحيط بالله -عز وجل- خالق هذه الكائنات كلها؟!.

لذا فإن علماء الاسلام الذين أدركوا بعضاً من عظمته، وقدراً من تجليات صفاته قد أصابتهم الحيرة والدهشة حتى إنهم قالوا معبرين عن عجزهم: «عجزك عن الإدراك إدراك».

لإنه لا يوجد في المخلوقات التي خلقها الله تعالى أي تجل أو انعكاس أو قبس من حقيقة ذات الله تعالى. فكل شيء خلقه الله -عز وجل- قد تم بامتزاج تجلّي الصفات الإلهية. فالله تعالى لم يخلق مكاناً يستطيع أن يتحمل تجل الذات الإلهية عليه. فموسى -عليه السلام- عندما ألح في الطلب أن يرى الله تعالى كان جواب المولى -عز وجل- على هذا الطلب وتلك الرغبة أن قال له كما جاء في الآيات الكريمة:

﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف، 143)

ولهذه الأسباب فإن الإنسان الذي يظل عاجزاً عن إدراك حقيقة الصفات بشكل كامل يجب عليه من باب أولى أن يتوقف عند حقيقة الذات ولا يخوض فيها.

وما أجمل قول المرحوم نجيب فاضل الشاعر التركي:

السرور والزينة والسعادة في الذرات

وحولها النور يغمرها النور

إبداعك ياربي ممتزج بها

عرفت أنك أنت يا ربي أنت المعلوم المستور

الغلاف الجوي

توجد أسرار وحكم كثيرة في فراغ الهواء الذي يحيط بالأرض فالسحب التي تسبح فيه، والرياح التي تهب أحياناً شديدةً وأحياناً ضعيفةً، والرعد الذي نسمعه والبرق الذي نراه، والأمطار التي تسقط، والثلوج التي تهطل كل ذلك تجليات خارقة للعادة تتحقق بحسبان وقدر عظيم.

والقرآن الكريم يدعو الإنسان إلى التفكر في هذه التجليات التي بين السماء والأرض، ويدعوه إلى رؤية الأدلة التي تشير إلى القدرة الإلهية فيها، تقول الآية الكريمة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ( البقرة، 164)

والغلاف الجوي الذي يحتضن الأرض بحب وشفقة يعد أحد الأشياء التي توضح بجلاء رحمة الله تعالى اللامحدودة بعباده. فالغلاف الجوي يتكون من 78% نيتروجين و 21% أوكسجين و1% غازات أخرى كثاني اكسيد الكربون والأرجون والهيدروجين والهيليوم وغيرها.

ومن المعروف أن الأوكسجين سريع الإشتعال إلى حد بعيد فلو زادت نسبة الأوكسجين عن هذه النسبة بمقدار 1% لزاد احتمال حرائق الغابات نتيجة إحدى الصواعق بنسبة 70%. أما لو ارتفعت نسبة الأوكسجين عن 25% فإن ذلك يعني أن تحترق أغلب الأغذية النباتية التي نأكلها اليوم وصارت كومة من التراب.

ومن ناحية أخرى فإن هذا الغلاف الجوي يحافظ على توازن نسب الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون في الهواء رغم أننا نستعملهما باستمرار. ولو كان الإنسان والحيوان هما كل الموجودات في الدنيا لأسْتهلكا الأوكسجين كله الموجود في الطبيعة وحولوه إلى ثاني اكسيد الكربون. و كان ذلك سيؤدي إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون بعد مدة بشكل ملحوظ مما يؤدي إلى تسمم البشر والحيوانات وهلاكهما. ولكن القدرة التي أوجدت ذلك العالم خلقت النبات الذي يستعمل ثاني أكسيد الكربون ويحوله إلى أوكسجين ليستمر هذا التوازن المدهش العظيم في العالم، ولتستمر الحياة عليه.

فضلاً عن ذلك فان سُمْك الغلاف الجوي قد خُلق بميزان حساس؛ لأن هذا الغلاف لو كان أكثر سُّمْكاً لامتص الأوكسجين مع ثاني أكسيد الكربون، ولما نبتت النباتات، ولما خرج الزرع.

أيضاً ملايين عمليات التفاعل الحيوية التي تحدث في أجسامنا في كل لحظة تحتاج إلى الأوكسجين، فالرئة تستنشق الهواء وتعيده بعد ذلك بشكل مستمر. ووجود نسبة الأوكسجين في الغلاف الجوي بكثافة تتناسب تماماً مع التنفس ليوضح ويبين لنا أن هذا الأمر قد تم بتدبير بالغ ولم يُخلق عبثاً. فالله تعالى الذي خلق أجسامنا ويعرف سبحانه أنها تحتاج إلى الأوكسجين قد أكرمنا وأسبغ علينا نعمة الأوكسجين بشكل واسع، ووضعه بأفضل نسبة في الهواء ليسهل الحصول عليه وأن نتتفسه على أفضل شكل. وهكذا فمع كل نفس نأخذه ونخرجه توجد نعمة إلهية كبيرة معتبرة للغاية.

وعندما نركب إحدى الطائرات التي صُممت بأحدث التقنيات الفنية نسمع تحذيراً يقول: «إذا ما انخفض الضغط في الإرتفاعات العالية قم بوضع أقنعة الأوكسجين التي ستظهر بشكل آلي أمامك».

وإذا كان الحال هكذا فهل حدث أن تساءل أي شخص في تعجب وخوف هل سيزيد الأوكسجين في الغد وتصل نسبته إلى 25% بدلاً من 21% ؟! أم هل ستنخفض عن هذه النسبة؟! وهل يجب عليّ في تلك الحال أن أحمل أنبوباً من الأوكسجين كي أتنفس؟! الإجابة بالقطع هي: لا بالتأكيد. لأن كل فرد سواء كان من المؤمنين أو الكافرين يعيش في الدنيا ويسير حياته معتمداً على أن هذا الكون يحكمه نظام إلهي محدد فلا يحمل هماً. أما لو كان الأمر عكس تلك الحال فإن الإنسان لو انتبه لشتى أنواع الأخطار والمهالك الحياتية التي يقابلها فإن حياته تتأزم ولا تَمْضي في طريقها بسهولة.

ومن ناحية أخرى فإن الهواء يكون مثل مرآة تضئ ما حولنا فالضوء لا يعطي الضياء بدون أن يصطدم بالمادة. والضوء الذي يصطدم بقطعة صغيرة يتبعثر مثل الألعاب النارية وينتشر في الأطراف على شكل حرارة وضوء.

أما الفراغ الكوني خارج الغلاف الجوي فهو مظلم رغم أن الضوء يأتي من الشمس. والسبب في ذلك هو عدم وجود شتى أنواع الجزئيات والذرات. فمثلاً لا يوجد ضوء على القمر بسبب عدم وجود غلاف جوي له فيتبعثر الضوء القادم من الشمس. ولهذا السبب فإن القمر على الرغم من أنه ينير الأرض، ورغم أنه يقع تحت شلال ضوئي مستمر قادم من الشمس؛ إلا انه مظلم دائماً.

وهذه التجليات المعجزة هي أدلة واضحة للغاية على أن الله تعالى قد خلق الدنيا بقدر، وفق شروط خاصة تمكن الإنسان من المعيشة عليها. وفي نفس الوقت فإن هذه التوازنات الحساسة التي تجعل الحياة ممكنة إلى جانب أنها عطاء كبير جدّاً من الله -عز وجل- على عباده، فهي أيضاً من الدلائل على وجوده -عز وجل- وقدرته اللامحدودة.

والواقع أن حركة كل موجود في الكون تتم داخل نظام إلهي محدد، وأن كل شيء مخطط ومحسوب ومنظم بقدر. وكل ذلك يجعل من الضروري قبول وجود صاحب القدرة والنظام والتخطيط الذي أبدع كل هذه الأشياء.

وعلى ذلك فعندما يقول الملحدون أن الحياة والكون قد ظهرا من تلقاء نفسيهما، وأنهما قد جاءا بمحض الصدفة البحتة يكون ذلك من قبيل السفسطة المثيرة للضحك.

وقد أوضح إسماعيل فني ارطُغرل (1855-1946 ) هذه الحقيقة بذلك المثال فقال:

«عندما ترى حساباً وانتظاماً في مكان ما، فإنه من المقطوع به عقلاً وجود مدبر ومنظم في ذلك المكان. ولنفترض أن لديك حديقة، وأنك غرست فيها غرساً كثيراً بترتيب معين حول تلك الحديقة. وذات يوم ذهبت إلى هناك ورأيت أن بعض هذا الغرس قد تحرك للأمام وبعضها تحرك للخلف. وعندما سألت عن سبب حدوث ذلك الأمر أجابك البستاني قائلاً:

لقد هبت عاصفة شديدة فأحدثت هذا الأمر. فقبلت هذا الجواب. ولكن في يوم آخر ذهبت إلى هناك فوجدت أن الغرسة الرابعة بقيت في مكانها، واقتلعت الغرسة الخامسة، أو أن الرابعة بقيت وتحركت الغرسة الخامسة. وعندما سألت البستاني عن سبب حدوث ذلك أجابك البستاني بنفس الجواب فهل تصدق ذلك؟! بلا شك فإننا لن نصدقه وسوف نحيل هذا الجواب على سوء نية الشخص الذي يقول هذا القول الغريب. لإننا لو استطَعْنا أن نحمل الواقعة التي حدثت أولا على الصدفة فإننا لا يمكن أبدًا أن نفعل نفس الأمر مع الواقعة الثانية؛ لأن الواقعة في هذه المرة تدخل في إطار العمل المنظم المخطط المدروس»([6]).

أي أن كل إنسان لديه مَسَاحة من التفكير، وفي رأسه عقل لا يستطيع أن ينكر أن هذا الكون يسير وفق حسابات لا نهاية لها داخل توازنات حساسة بالغة الدقة. وسوف نعرض في الصفحات التالية بعضًا من تلك التوازنات الإلهية.

الضغط الجوي

إن الغازات التي تشكل الغلاف الجوي تطبق الضغط بقوة 1 كجم تقريباً على كل 1 سم2 يعني أن جسد الإنسان يكون تحت ثقل قدره 15 طن تقريباً، وقد وازن الحق -عز وجل- هذا الأمر بتوازن عظيم أيضاً. فمهما يكن ضغط الهواء في الخارج فإنه يخرج من داخلنا نحو الخارج ضغط يعادل هذا الضغط تماماً. والفرق بين الضغطين عند انخفاض الضغط الجوي يكون السبب في عدم الراحة التي يعانيها من يصعدون إلى أعلى ويسبب نزيف الأنف. ولذا يرتدي رواد الفضاء ملابس خاصة لتحافظ على ضغط الهواء عندما يتجولون في الفضاء.

توازن الحرارة والبرودة

إن ذرات بخار الماء وثاني أكسيد الكربون المنتشرة بشكل كاف في الهواء تحقق توازناً مدهشاً مع طاقة الحرارة المرتفعة. وهذه الذرات تمتص قسماً كبيراً من الضوء القادم من الشمس نهاراً لتمنع ارتفاع درجة الحرارة في النهار بشكل مفرط. وعندما يكون الوقت ليلاً وتغرب الشمس وينقطع الضوء فإن الحرارة التي امتصتها ذرات البخار تحافظ على الحرارة مثل صوبة النبات، ولا تُفقد في فضاء الكون البارد. فمثلا القمر لكونه محرومًا من سقف حافظ كهذا السقف فإنه يلتهب من الحرارة نهاراً ويتجمد من البرودة ليلا.

الرياح

ينقسم الغلاف الجوي إلى طبقات مختلفة بحسب درجة الحرارة، والضغط، ومقدار الرطوبة، والأحداث التي تجري داخله. والطبقة الأولى في الغلاف الجوي هي طبقة «التربوسفير» وتجري بها أحداث مثل الأمطار والثلوج والرياح. وهذه الطبقة التي تبتعد عن سطح الأرض بمقدار 16كم تنخفض فيها درجة الحرارة حتى تصل إلى 56 درجة مئوية تحت الصفر، وفي هذه الطبقة من الهواء يتأسس نظام دوري متكامل .

وبسبب ميل محور الأرض فإن أشعة الشمس لا تتعامد على منطقة خط الإستواء فقط، وهكذا تتوزع الحرارة على المناطق الإستوائية. وفي هذه المناطق يتم تخزين الحرارة بمقدار واسع نتيجة سخونة الهواء، وسطح الأرض البالغ الشدة وهكذا يمكن القول أن تجمع هذه الحرارة يوفر القوة والطاقة اللازمة للرياح.

إن الآف من الأطنان التي تتبخر من البحار تركب على ظهر الهواء الرقيق. وتقوم الرياح بتجميع هذه المياه ونقلها إلى الأراضي التي تحتاجها. ونتيجة هذه الدورة المستمرة فإن كل منطقة في هذه الدائرة المكتملة المدروسة تأخذ نصيبها من الماء بتقدير الله تعالى ورحمته فلا تظل مناطق جافة ومناطق ممطرة بشكل مستمر.

كما أن نقل الحرارة يتم نتيجة دوران الغلاف الجوي وفق خطة مكتملة رائعة للغاية. فبينما الهواء البارد في المدارات الشمالية ينزل إلى المدارات المنخفضة أكثر، فإن الهواء الساخن يرتفع إلى المدارات المرتفعة التي في الجنوب. ويتم ذلك الأمر بسبب حركات نظم الضغط الجوية المنخفضة والمرتفعة في نواحي الشمال والجنوب، وأيضاً بمساعدة تيارات الرياح القوية التي في المستويات العالية.

أيضاً إمداد الشمس لسطح الارض بالحرارة بدرجات مختلفة يفتح الطريق لتسخين كتل الهواء التي في الغلاف الجوي بصورة مختلفة. فالهواء الساخن يصعد إلى أعلى وبعد ذلك يأتي الهواء البارد بدلاً منه.

وهكذا فإن وجود الضغط الجوي المنخفض في المكان الذي يوجد به الهواء الساخن على سطح الأرض، ووجود الضغط المرتفع في الأماكن التي يوجد بها الهواء البارد يشكلان مصادر الهواء المتحرك التي تُسمّي «مراكز الهواء».

وفي نهاية المطاف تبدأ ذرات المواد الدقيقة اللطيفة في التحرك على شكل رياح. ومن خلال هذه الرياح يتم نقل الرطوبة والحرارة والكثافة والطاقة التي في الغلاف الجوي، وتُنقل حبوب اللقاح التي تساعد على نمو النباتات إلى الأماكن التي تحتاجها.

وفي هذا يقول الحق -عز وجل- في كتابه الكريم:

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر، 22)

وهكذا فإن الرياح مثل كل المخلوقات التي في الكون تحني رقبتها بطاعة مطلقة لسطوة الحق -عز وجل- وقدرته وعظمته. فتكون الرياح إذا أراد الله تعالى وسيلة لرحمته -عز وجل-، وإذا أراد الله تعالى تتحول إلى تجل قاهر مهلك مدمر. والآية الكريمة التي تعبر عن كيفية هلاك قوم عاد بالريح هي مثال نموذجي يعبر عن هذه الحقيقة، يقول الحق -عز وجل-:

﴿إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ ريحاً صَرْصَراً في يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ، تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ (القمر، 19-20)

فوائد الهواء الأخرى

كما أن الهواء مثلما يحمل آلافَ الأطنان من الماء على أكتافه الرقيقة، فإنه يحمل أيضاً مئات من الطائرات الجوية، وينشر أيضاً الضوء والحرارة. وهو أيضاً يحمل إلى آذاننا الصوت بمئات الأطوال الموجية المختلفة، وتعد التليفونات المحمولة(الجوالات) أكثر الأمثلة اللافتة للنظر في زماننا الحالي على هذا الأمر.

ومن ناحية أخرى فإن الهواء يحمل إلى أنوفنا الروائح شديدة التنوع والإختلاط. ولولا وجود الغلاف الجوي لما اسْتَطَعْنا أن نسمع أصوات الأصدقاء الجالسين بجوارنا، ولما شع الضوء، ولما أنار النهار وملأ الضياء الأرض. فضلاً عن ذلك فإن الهواء يؤدي وظيفة حياتية عندما نتنفسه في رئتنا وفي عروقنا. وهكذا فإن الهواء يذّكر المؤمنين أهل التفكر بعظمة الحق -عز وجل- وقدرته وتجليات رحمته التي لا حصر لها ولا عدَّ.

تنقية إلهية

أما الطبقة التي تلي طبقة «التربوسفير» فهي طبقة «سترتوسفير» التي ترتفع عن سطح الأرض بـ 50 كم. ومرة أخرى فإن الحرارة ترتفع في هذه الطبقة التي تمنع مجئ الإشعاعات الضارة والطاقة المرتفعة إلى الأرض. كما أن طبقة الأوزون توجد في هذه الطبقة.

والأوزون هو جزيء به ثلاث ذرات من الاوكسجين، ويقوم الاوزون بتنقية أضرار أشعة الشمس. فالإشعاعات فوق البنفسجية التي تأتي من الشمس تقلل سرعة نمو النباتات، وتسبب سرطان الجلد للإنسان، وتسبب الضرر للعين، وتزيد من خطر الإصابة ببعض الأمراض المعدية. وهكذا فإن طبقة السترتوسفير تمنع الأشعة البنفسجية القادمة من الشمس وتعكسها، وتحول الأوكسجين إلى أوزون بهذا التوازن الكيميائي الخارق.

ورغم أن الأوزون هو في الأساس غاز شديد الخطورة وقاتل حتى أن استنشاق واحد على مائتين من جرام واحد منه تكفي لقتل أي إنسان، إلا أن رحمة الله تعالى وحكمته جعلت هذه الطبقة السامة لهذا الحد تمنع ضرراً حياتياً كبيراً للغاية يهدد الإنسان، وجعلت هذا الغاز بمثابة مصفاة إلهية لحماية توازن المناخ.

سقف الحماية

تعد طبقة “الميزوسفير” التي تمتد حتى 80 كم بمثابة الطبقة الوسطى للغلاف الجوي، وهذه الطبقة تؤدي وظيفة التصدي لسيول الشهب.

فالشهب التي تعبر عوائق المشترى و زحل والقمر تنجذب إلى الأرض بفعل الجاذبية الأرضية، وتدخل إلى الغلاف الجوي بصوره مدهشة. وفي تلك الحادثة التي تسمي “الانزلاق النجمي” تحترق تلك الشهب عندما تتلامس مع الهواء وتتحول إلى غبار داخل “الميزوسفير”.

فلو لم تكن هذه الطبقة الحارسة تحيط بالأرض أو كانت أقل سُّمْكاً لسقطت ملايين الشهب على سطح الأرض، واحترق وجه الأرض وامتلأ بالثقوب مثلما هو الحال في القمر.

وهكذا فإن تحول هذه الكرات الساقطة من السماء إلى غبار وتراب قبل أن تأتي إلى الأرض وتسقط على رؤوسنا هو أثر من آثار رحمة الله تعالى التي لا تنتهي.

وبعد ذلك فإن كل ذرة صغيرة من ذرات الغبار تلك تكون نواة لقطرة صغيرة من المطر.لأنه لكي تتشكل وتتكون السحب في السماء فلابد أن تكون الذرات صغيرة ودقيقة الحجم للغاية سواء التي مصدرها الأرض أو التي مصدرها الفضاء. ويجب أن تصل هذه القطع والذرات الصغيرة إلى الغلاف الجوي الأعلى.

وهكذا تبدأ هذه الذرات الصغيرة في التكثف والتراكم مع الرياح الرطبة التي حملتها إلى هناك وتتشكل نواة لإحدى السحب. ونواة السحب تلك ستتحول إلى قطرة مطر صغيرة للغاية وفق خطة فيزيائية وحسابية معينة، وتبدأ هذه القطرة الصغيرة الدقيقة في السقوط نحو الأرض.

وقبل أن تكتشف أي من خواص الغلاف الجوي فإن الله -عز وجل- الذي أوجد السموات والأرض قال في كتابه العزيز:

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء،32)

موجات الراديو والإشعاع

يطلق على الطبقات التي يمتد تأثيرها حتى ارتفاع 500-1000 كم اسم «الايونوسفير»، وفيها تكون الذرات والجزئيات متأينة أي محملة بشحنة كهربائية سواء بإعطاء الكترون أو بأخذ الكترون. ونتيجة تأيين الذرات بسبب ابتلاع إشعاعات الشمس ذات الطاقة المرتفعة فإن الحرارة في تلك الطبقة يمكن أن ترتفع إلى 2000 درجة مئوية.

وطبقة «الأيونوسفير» تكون مثل مرآة مصنوعة من إيونات الغلاف الجوي. وهذه المرآة تنعكس عليها الموجات الكهرومغناطيسية التي ترتفع من الأرض إلى الفضاء معطية الموجات اللاسلكية والراديو التي تعود مرة أخرى إلى الأرض. وهذه الموجات المنعكسة تصل إلى كل بقعة من بقاع الدنيا. وهكذا يمكن رصد وتعقب هذه الموجات المنتشرة في كل مكان بسهولة.

ومثلما رأينا فإن الحق -عز وجل- قد جعل الأرض -التي تسبح في فضاء مظلم بارد- عُشاً وملجأً مملوءً بالحياة والدفء المناسب. فكل شيء يسير بقدر وحكمة فحتى أصغر نسمة هواء على وجه الأرض تجعل المناخ معتدلا لا تخلو من الحكمة، وحتى أصغر ورقة في أية شجرة لا تسقط من تلقاء نفسها.

إن كل شيء من أصغر مخلوق إلى أكبر مخلوقات هو عبارة عن لوحة رائعة تعرض عظمة الصنعة الإلهية وإبداعها، يقول الحق -عز وجل-:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾(لقمان،20)

فَيَا لَسعادة من يقرأ سطور كتاب الكون المملوءة بالحكم، والمحملة بالحقائق، ويفهم ما بها من أسرار وعظات، ويتعمق في آفاق التفكر فيها.

السحب والمطر والثلوج

فكر في السحب تسبح في هواء البحار العظيمة الضخمة. ومن وظائفها منع الحرارة الشديدة عن الدنيا. حيث تتبخر المياه كلما زادت الحرارة أكثر فتتكون السحب أكثر. وتقوم هذه السحب بعكس هذه الإشعاعات القادمة من الشمس كأنها مرآة عاكسة. وهكذا تبقى حرارة الأرض متوازنة.

إن الله تعالى الرحيم عندما يريد أن ينزل المطر يرسل الرياح مبشرات، وبعد ذلك تحمل هذه الرياح السحب مثل موجات البحر، وتدفعها بأمر الله تعالى إلى البلاد والأماكن حيث يريد سبحانه.

فالله تعالى -الذي ينشر السحب في السماء مثلما يريد ويجمعها- هو الذي يخرج المطر من بينها فتنمو أنواع الثمار المختلفة في الأرض. وهذا الأمر يذّكرنا بأن الله تعالى سيُحْيي الموتى مرة أخرى بنفس الطريقة، ويطلب من البشر أن يحصلوا على نصيبهم من تلك اللوحة المعبرة العظيمة([7])

والله -عز وجل- ينزل رحمته مطراً على عباده، ومن يعيشون في بلاد صحراوية جافة تغمرهم السعادة والفرحة بهذا النعمة، ويعود إليهم الأمل بعد اليأس؛ لأن الحق -عز وجل- يقول:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ (الشورى، 28)

فالله -عز وجل- يربي عباده المذنبين أحياناً بالقحط وأحياناً بالمطر، فيعذبهم بما يشاء ويحفظهم بما يشاء. يقول الحق -عز وجل- في كتابه العزيز:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار﴾ (النور، 43)

أي أن ربي -عز وجل- -عندما يريد- يشّكل علاقات السماء والأرض تبعاً لتصرفات البشر وعوالم قلوبهم.

وهو سبحانه يُرسل المطر على شكل قطرات فلا تتصل أي منها بالأخرى ولا تتحد معها أبداً. وكل قطرة من المطر تذهب إلى طريق مرسوم لها فلا تحيد عنه أبداً فلا تتأخر واحدة ولا تسبقها من تأتي بعدها. ولو اجتمع الأنس والجن كلهم كي يعدوا قطرات المطر التي تسقط على قرية ما، أو أن يحسبوا كم قطرة تشكل هذا الماء لعجزوا عن فعل هذا الأمر وحسابه. فالله تعالى وحدة -عز وجل- الذي خلقها وهو الذي يعرف عددها.

ومع هذا فإن هناك تجليات إلهية لا يمكن حسابها وإحصاؤها في ذلك الكوب المملوء بالماء العذب، وفي حبات الثلج التي تتساقط مثل نتف القطن البيضاء.

فمن يجعل أصغر فرع في قمة الأشجار يستفيد من ماء المطر والثلوج النازل من السماء إلى الأرض؟! فالماء الذي ينتشر على كل أجزاء أوراق الأشجار ولا يُرى يكون غذاءً لكل ذرة في تلك الشجرة عن طريق الشعيرات التي في تلك الأوراق. فالماء الذي من طبيعته أن يهبط من أعلى لأسفل يا للعجب كيف يرتفع لأعلى؟!!.

ولو نزلت قطرات المطر بحسب قانون الجاذبية الأرضية فإن كل قطرة منها كانت ستضرب الأرض بسرعة تبلغ سرعة رصاصة تخرج من فوهة بندقية. ولكن لأن ذلك المطر يحمل الحياة للأحياء، فإن كل حبة من ذلك المطر تسقط على الأرض بسرعة ثابتة بحسب الاصول دون أن تؤذي أحداً أو تهدم بيتاً أو تتلف زرعاً. وذلك لأن القطرات تتشكل تبعًا لمقياس معين وتتحول إلى قطرات مطر صغيرة للغاية. وبعد ذلك فإن قوة رفع الهواء تعادل تأثير قوة الجاذبية الأرضية وتجعل هطول المطر على الأرض يتم بسرعة ثابتة.

وهكذا ألا تكفي هذه الحقائق وحدها لكل من ينظرون بعين الإعتبار لكي نعرف مدى عظمة ذلك النظام الإلهي، وذلك التوازن الدقيق الذي وضعه الله تعالى في الكون الذي نعيش فيه لندرك أن علم ربنا -عز وجل- وقدرته وحكمته لا نهاية لها.

التفكر في الأرض

إن العباد الأتقياء يتعمقون في التفكير فيعرفون لغة الزهور التي تَتَفتَّح، والطيور التي تغرد، والأشجار التي تثمر. والجمال والرقة واللطافة جميعها التي في تلك الأشكال تنعكس على حياتهم الروحية فتجعلهم أصحاب أرواح رقيقة مثل الزهور، وأصحاب كرم مثل الأشجار المثمرة، وهؤلاء هم السعداء الذين استحقوا ثناء الله -عز وجل- عليهم في كتابه العزيز.

فالحق -عز وجل- قد أبدع الأرض في أجمل شكل وجهزها لتساعد البشر على الحياة فيها. فقد خلق الله تعالى الأرض في وضعية حركية معتدلة ليتمكن الإنسان من شق الطرق والسير عليها، وفي ذلك يقول الحق -عز وجل-:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، 22)

ويقول أيضاً:

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً، وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾(النبأ 6- 7)

ويقول -عز وجل-:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك،15)

فالله تعالى يتحدث كثيرًا في كتابه العزيز عن الأرض لكي يلفت نظر الإنسان وبصره للحكم الكثيرة التي فيها. فظاهر الأرض مكان للأحياء، وباطنها مكان للأموات. وفي ذلك يقول الحق -عز وجل-:

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً(المرسلات، 25-26)

انظر إلى الأرض الميتة كيف تحيا عندما ينزل عليها الماء فتخضّر وتنبت من كل زرع بهيج، وتخرج من جوفها من كل نبات مختلف أُكله ولونه؟! وانظر كيف ثبّت الله تعالى الأرض بالجبال الرواسي الشامخة؟! وكيف يُحفظ الماء تحت تلك الجبال ؟! وكيف تتفجر الينابيع والأنهار على سطح الأرض؟! وكيف يخرج الماء العذب الفرات من تلك الحجارة الصلبة والتراب المتسخ ؟! وكيف يهب الماء الحياة لكل شيء؟! وكيف تنبت الأشجار والزروع المتنوعة التي لا تعد ولا تحصى كالقمح والعنب والزيتون والنخيل والرمان؟! وكيف أن هذه الثمار المتنوعة مختلفة اللون والطعم والرائحة والشكل والهيئة؟! وكيف أن الله تعالى فضل بعضها على بعض في الأكل مع أن هذا كله يسقى بماء واحد، وينبت في أرض واحدة؟!!.

النباتات

عندما تسقط بذرة على الأرض وتؤثر فيها رطوبة الأرض تبدأ في النمو والكبر. وأثناء هذا النمو تنشق تلك البذرة فيخرج من القسم العلوي تلك الشجرة التي تمتد فوق الأرض، ويخرج من القسم السفلى تلك الجذور التي تمتد وتتعمق في باطنها. وهذا أمر مثير للدهشة لأن طبيعة هذه البذرة واحدة، والتأثيرات الخارجية واحدة إلا أنه يخرج منها جزء يرتفع في الهواء ويمتد إلى السماء، وقسم يدخل في الأرض ويتعمق فيها. ونشأة شيئين متضادين متداخلين من شيء ذي طبيعة واحدة هو أمر مثير للحيرة والدهشة. لكننا نعرف وندرك أن هذا يكون بإرادة خالق عظيم له حكمة في كل شيء.

ثم بعد ذلك تنمو من تلك البذرة شجرة وارفة الظلال كثيفة الأوراق والأغصان، وتتفتَّح الأزهار وتبتسم على تلك الأغصان، ثم بعد ذلك تتحول تلك الأزهار إلى ثمار يانعة. فضلاً عن ذلك فإن هذه الثمار تكون ذات طبيعة متنوعة تحتوي في داخلها على مواد مفيدة لجسم الإنسان. وفي كل ثمرة منها توجد خواص مختلفة فمثلاً بينما بذور العنب يابسة جافة، فإن ثمرة العنب تكون رطبة طرية. ومن المؤكد فإن ظهور أطعمة ذات خصوصيات مختلفة من بذرة واحدة تعرضت لنفس التأثيرات لهو بالقطع تدبير وُجُودي من صاحب القدرة والحكمة البالغة.

فضلاً عن ذلك فإن الله تعالى قد جعل من تلك النباتات صيدلية طبيعية لشفاء كثير من أمراض بني البشر. فبعض تلك النباتات شفاء، وبعضها غذاء، وبعضها يعطي القوة للجسم، وبعضها يحي الإنسان، وبعضها سام يقتله. وبعض النبات عندما يتجدد ينقلب إلى مادة أخرى، وبعضها الآخر يعطي الإنسان السعادة والحياة، وبعضها يهدئ الإنسان ويخدره.

إضافة إلى ذلك فإن تلك النباتات تجهز الغذاء اللازم لها عن طريق ثاني أكسيد الكربون والماء، وتطلق الأوكسجين اللازم لتنفس المخلوقات كلها فما أعظم هذه الأحداث لمن اعتبر.

والحاصل أنه ليس هناك ورقة تنمو ولا حطب يتبقى إلا وفيه فوائد جمة للبشر، ولكن الإنسان لا يبذل طاقته وجهده للوقوف على كنه هذه الفوائد.

إن أوراق النباتات التي تنبت من الأرض بأشكال وألوان وروائح وطعوم متنوعة مختلفة، تستطيع -مهما صغرت وقل شأنها- أن تجري عمليات كيميائية لا يستطيع أي كيميائي مقتدر على القيام بها، فيالها من أشياء عظيمة معجزة.

والواقع أن النظام والتوازن في نمو النباتات هو تجل مختلف للعظمة الإلهية. فعلى سبيل المثال فإن شجرة الدلب تننج ملايين البذور كل عام. ويكون لكل واحدة منها ما يشبه المظلة من الوبر والزغب كي تتوزع وتتفرق في سائر الأنحاء. وتحمل الرياح هذه البذور إلى الأماكن البعيدة. فلو نبتت شجرة دلب جديدة من كل بذرة من بذور تلك الشجرة الأولى الأم لَغَطَّى شجر الدلب وجه الأرض، واحتل كل مكان فيها بعد وقت قصير. أي أن شجرة دلب واحدة يمكن أن تضّيق الأرض على أهلها وهذا المثال يمكن أن يشمل الأحياء الأخرى كلها.

فعلى سبيل المثال قبل سنوات عدة أراد الاستراليون أن يصنعوا سياجاً من نبات من فصيلة الصبّاريات. ولكن بسبب عدم وجود حشرة تتغذى على هذا النوع من الصبار في استراليا فقد بدأ هذا النبات ينمو بسرعة كبيرة.

وفي نهاية هذا التطور الذي أصاب الاستراليين بالاضطراب والبلبلة غطى نبات الصبار هذا مساحة تعادل مساحة انجلترا!. وأجبرت أهالي المدن والقرى التي صادفتها على الطريق على ترك أماكنهم ومحت مزارعهم وقضت عليها.

وقد قلب علماء الحشرات في استراليا الدنيا رأساً على عقب ليجدوا وسيلة للقضاء على هذا الصبار حتى وجدوا حشرة تعيش على ذلك النوع من الصبار ولا تأكل شيئاً غيره. وعلى الفور أحضروا تلك الحشرة إلى استراليا وبدأت تلك الحشرة في النمو بشكل سريع، ولم يمض وقت طويل حتى استطاعت تلك الحشرة أن تتغلب على ذلك الصبار. وانحصر الصبار اليوم في مساحة ومنطقة محددة للغاية. وتم التخلص من هذا البلاء وتلك المصيبة وتم الابقاء على تلك الحشرة بمقدار يكفي فقط لأن يظل الصبار تحت السيطرة.

وهذا المثال السابق يظهر أن الكون يسير وفق توافق وتوازن بيئتي منتظم ومحدد لا يستطيع العقل أن يدرك سره بسهولة. وعلى ذلك فإن أي عقل أو منطق لا يستطيع أن ينكر وجود قدرة تمنع نمو بعض النباتات، وتكاثر الحيوانات على هذا النحو المفرط مما يهدد الحياة على الأرض.

ومن ناحية أخرى فإن ما يثير الدهشة هو نمو ملايين الأنواع المختلفة من الزروع والفواكه في تربة واحدة، ذلك أن ربنا الرازق العاطي قد أعد موائد متنوعة لمخلوقاته من كل جنس ونوع.

فمثلاً لا يأكل الإنسان كثيرًا مما يأكله الضـأن، ولا يأكل الضأن كثيرًا مما يأكله الإنسان، وذلك يعني أن نعم الرزق قد قُسمت بين المخلوقات بتوازن دقيق للغاية. وهذه الآية التي تعرض قدرة الله تعالى في توفير الرزق لمخلوقاته وتقسيمِهِ تدعونا للتفكر إلى أقصى حد. ويقول الحق -عز وجل-:

﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (العنكبوت، 60)

وفي الحقيقة فإن إحضار الطائر السليم لحبات العلف ليضعها في فم طائر مريض لهو تجلٍ للرحمة الإلهية وما أعظمه من تجلٍ.

كما أن إعداد الحق -عز وجل- لموائد إلهية لا تحصى تتسع لكل مخلوقاته منذ خلق الدنيا وإلى اليوم، واستمرار هذا الأمر في كل وقت لهو عبرة ما أعظمها من عبرة.

لأننا لو تمعنا في هذا الأمر لوجدنا أن ثلاثة أرباع الأرض مغطى بالماء، وقسم كبير من هذا الربع من تلك اليابسة مناطق قاحلة أو صحراء غير صالحة لنمو النبات والقسم القليل جدّاً المتبقي هو التربة الصالحة للزراعة.

ولكن ما أعظم قدرة الله -عز وجل- الذي جعل هذه الأرض -بتغيرات لا تنتهي- مصدرًا للغذاء الذي يكفي لإشباع الأحياء كلهم.

البحار الواسعة

من المعلوم أن ثلاثة أرباع اليابسة مغطي بالمياه. وفي ظل هذا الوضع فلا بَرْد الأقطاب المتجمدة للأرض يستطيع أن يؤثر في الدنيا كلها، ولا حرارة المنطقة الإستوائية تستطيع أن تحرق تلك المناطق. فاليابسة التي تسخن بإشعاعاتِ الشمس نهاراً توزع هذه الحرارة المتجمعة إلى الأطراف مثل الرادياتور([8]) تماماً.

أما البحار فرغم أنها تأخذ ملايين السعَّرات الحرارية من الشمس، إلا أنها يمكن أن تسخن بدرجات قليلة للغاية. ولكن عقب هذا التسخين لا تبرد البحار بسهولة.

أي أن كون البحار أكثر من اليابسة هو بمثابة منظم الحرارة في النظام المناخي الذي يمنع السخونة الزائدة والبرودة البالغة. وفي نفس الوقت فإنه عن طريق التَّبخُر يتم تأمين احتياجات اليابسة من الماء. فلو كانت البحار على الأرض أقل من حجمها الحالي لقلت نسبة التَّبخُر وقَلَّ الماء وتسبب ذلك في تحول الأرض إلى صحراء جرداء بسبب الجفاف.

والواقع أن خصائص الأحياء والكنوز التي في أعماق البحار لا تقل عن التي توجد على سطح الأرض. فمن البحر يُستخرج اللؤلؤ والمرجان وأحجار الزينة الأخرى، ومنه تستخرج الأغذية الطازجة التي لها مكانة مهمة للغاية في تغذية الإنسان.

الماء

إن حياة كل الأحياء على ظهر الأرض ترتبط بالماء، ولو أن الإنسان احتاج شربة ماء ولم يستطع أن يجدها، وكان يملك خزائن الأرض كلها لما تردد لحظة أن يدفع خزائنه كلها مقابل تلك الشربة. ثم بعد ذلك لو لم يستطع أن يخرج ذلك الماء الذي شربه لما تردد أيضاً أن ينفق كل ما يملك ليتمكن من إخراجه. فما أعجب الإنسان كيف يعظم في عينه الدرهم والدينار والجواهر ويغفل عن إدراك عظيم نعمة الله تعالى التي في شربة ماء.

والواقع أن أي إنسان يستطيع أن يفكر في تلك الحقائق التي لا حصر لها -مثل تلك الحقائق- بما يليق لن يتأخر عن إدراك مدى احتياج الأحياء كلهم على ظهر الأرض إلى مساعدة علم واسع، وقدرة بالغة من أجل أن يتمكن من الحياة والعيش. ويفهم أنه يعيش في عالم من المعجزات والخوارق الإلهية داخل ظروف تساعده على الحياة في تلك الظروف التي لا تستطيع أية قوة بالقطع على تحقيقها بمفردها. وأيما عقل يفهم هذا الأمر ويدركه ويذعن له لا يمكن أن يقع في جحود و انحطاط أن يعصي الله تعالى خالق هذه العوالم ومنظمها.

الحكم والأسرار في الحيوانات

يجب أن ننظر بعناية إلى الطيور التي تطير في السماء، وإلى الحيوانات البرِّية الوحشية والمستأنسة، وإلى الحشرات الدقيقة التي ترى بصعوبة؛ لأنه توجد فيها عجائب عظيمة. ولا تملك إلا أن تتعجب وتندهش لعظمة الله تعالى الذي خلقها وقدرته وعظمته.

فكيف رَكَّب الحق -عز وجل- تلك الأعضاء المدهشة في تلك الحيوانات الصغيرة التي تراها العين بصعوبة ؟! وكيف جعلها تؤدي وظائفها دون أي نقصان ؟! وما هي خصوصيات تلك الحيوانات التي استطاع الإنسان أن يكتشفها، والتي هي كيفيات فوق إدراك الإنسان وتصوره؟!.

والإنسان لو نظر بعناية ودقة إلى الحيوانات التي في الطبيعة وإلى أشكالها وصورها، ثم يعيد الكرة وينظر بنظرة اعتبار إلى الفوائد التي يحصل عليها منها مثل الجلد والصوف واللبن واللحم فسيرى رحمة الله -عز وجل- ولطفه الذي لا نهاية له . فالله تعالى ربنا العلي القدير قد أعطى لهم جلداً خاصاً لحمايتهم من البرودة، وأنعم عليهم بأظفار غليظة ليحافظ على أقدامهم، ومواجهة إحتياجاتهم كلها بأجمل شكل وأفضله.

فمثلاً الفراشات التي تعرض جسدها داخل إطار من النقوش الرائعة الفاتنة تحكي مراراً وتكراراً بلسان الحال ما تعجز عنه الكلمات. وهذه واحدة فقط من البدائع الإلهية اللامحدودة التي تُعرض لتنظر العيون، وتدرك العقول، وتشعر القلوب.

وكيف أراد الله تعالى في القران الكريم أن ننظر إلى الإبل ونفكر كيف خُلقت، فقال -عز وجل-:

﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية، 17-21)

أي أننا عندما نمعن التفكير في كيفية خلق الحيوانات والمخلوقات الأخرى سنرى كثيراً من تجليات العظمة الإلهية.

فالحق -عز وجل- قد أعطى خصوصيات وخواص لسائر الأحياء التي تعطي نواتج مختلفة رغم أنها تتغذى بأغذية متشابهة. وكلها تكمل بعضها البعض بشكل يجعل الحياة ممكنة بتكاملها.

فمثلاً عندما تأكل البقرة أو الضأن ورقة توت خضراء تنتج منها اللحم واللبن والصوف. وعندما تأكلها دودة القز الصغيرة تنتج منها الحرير. وإذا ما أكلها الغزال تخرج منها رائحة منها المسك، وينتج النحل العسل من حبوب لقاح الزهرة.

وكل هذه الأشياء فوق إدراك الإنسان الذي هو أكمل مخلوق في الكون. كما أن الأوراق الحائزة على ألوان وروائح متعددة -والتي تخرج الزهور المتنوعة من تربة واحدة- هي أحوال وصور خارقة لن يستطيع أن يصنعها أي كيميائي مقتدر مهما بلغ شأنه وعلا قدره.

والحيوان الذي يستطيع صناعة اللحم واللبن من العشب بالنظام الإلهي الذي منحه الله تعالى له لن يستطيع الإنسان -الذي هو أكمل المخلوقات- أن يصنعه. فلو أحضر الإنسان الآف الأطنان من العشب والحشائش ووضعها في أفضل المعامل الكيميائية واستخدم أعلى التقنيات الحديثة لن يستطيع أن ينتج جراماً واحداً من اللحم أو اللبن.

يقول ربنا -عز وجل-:

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ﴾ (النحل، 66)

نحل العسل

قال الحق -عز وجل- في كتابه الكريم:

﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل، 69 )

     وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في حديثه الشريف:

وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ الْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ نَفَخَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا فَلَمْ تَغَيَّرْ وَلَمْ تَنْقُصْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ فَلَمْ تُكْسَرْ وَلَمْ تَفْسُدْ” (أحمد، المسند، جـ2، 199؛ الحاكم، 1، 147؛ البيهقي، الشعب، 4، 58)

يريد -صلي الله عليه وسلم- نحلة العسل ووجه الشبه حذق النحل وفطنته وقلة أذاه وحقارته ومنفعته وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله وأنه لا يأكل من كسب غيره وطاعته لأميره وأن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار ، وكذلك المؤمن له آفات تفقره عن عمله ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام ونار الهوى

وبينما ذكر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أوصاف المؤمن هنا فإنه أشار في نفس الوقت إلى الجمال والحكم الموجودة في النحل.

يقول المفسر حسين الكاشفي: «إن من يفكر يعرف أن الله تعالى العليم بكل شيء القادر على كل أمر قد خلق النحل -هذا الكائن الضعيف- وجعل فيه حكم كثيرة. فالنحل متواضع لا يحيد عن الطريق المستقيم، وهو يأكل الفواكه الحلوة والمرة ولكنه يعيدها عسلا لذيذاً حلواً.

وهو أيضاً صاحب تقوى وورع لا يأخذ منه الآخر سوى النقاء والطهارة. وهو كذلك الطائع التي لا يخرج أبداً عن أمر الله تعالى. وهو المحب لسكنه ووطنه المتمسك به دائماً، فهو يذهب إلى الأماكن التي تبعد مئات الفراسخ ثم يعود مرة أخرى إلى وطنه. وهو كذلك نظيفٌ طاهرٌ لا يقف على القاذورات ولا يأكلها. وهو صاحب فن ومهارة لو اجتمع فنانو ومهندسو الدنيا كلها ما استطاعوا أن يقوموا بالعمل الذي يعمله. أما العسل الذي ينتجه ففيه الشفاء للأمراض الظاهرية كما فيه الشفاء للجهالة التي هي مرض باطني».

معجزة الفطرة

لقد عبر إسماعيل فنّي ارطُغرل عن تسيير الحيوانات لحياتها وفق نظام إلهي يُسمّى «الفطرة» فقال:

«إن الحيوانات تعرف بالفطرة دون أي تعليم الأغذيةَ المفيدة لها، والأشياء اللازمة للحفاظ على حياتها واستمرار التناسل. فالطيور تبني الأعشاش الجميلة والطيور المهاجرة تتجمع في يوم معلوم استعدادًا للسفر. وبعض الحشرات قبل أن تموت تقوم بتخدير وتعطيل بعض غدد الحشرات الأخرى دون أن تقتلها، وتضعها بجانبها مشلولة دون أن تستطيع الحراك ليتغذى عليها صغارها عندما يخرجون من البيض.لكن ما أعجب هذا التجلي لأن هذه الحشرات المشلولة المخدرة تكون هي الغذاء لصغار الحشرات حتى تكبر.

أما النحل فله القدرة والإستعداد على تحديد نوع المولود بجعله ذكراً أو أنثى وذلك عن طريق تغيير أغذية الشرنقة. والخلية عندما تُحرم من سيِّدَتها بسبب حادثة ما فإن النحل يستطيع أن يحول إحدى الشرنقات إلى ملكة لتحكم الخلية»[9]

فما أعظم تلك العبرة لمن اعتبر ذلك أن النحلة البرية تسيطر على الجرادة وتفتح لها حفرة في الأرض وتدفعها فيها، فلا تقتل الجرادة لكنها تجعلها في حالة إغماء حتى تكون الجرادة مثل اللحم المحفوظ.

ثم بعد ذلك عندما تضع بيضها في الزمان والمكان المناسبين، ويخرج الصغار تحضر لهم اللحم الطازج ليتغذوا عليه. وبعد ذلك تذهب تلك الأم وتطير بعيداً وتموت قبل أن ترى صغارها. وهكذا فإن هذه التقنيات والأسرار لا يمكن إيضاحها أو إرجاعها إلى كلمات مثل الإنطباع والتعليم المتوارث، بل أن هذا منحة إلهية لهم من قبل الحق -عز وجل-.

وسمك السلمون بعد أن ظل في البحر لمدة سنوات يعود إلى النهر إلى وطنه الأصلي حيث يصل إلى مكانه من النهر حيث ولد تماماً. فمن أعطاه الإحساس الذي يقوده إلى مكانه القديم بالضبط؟! ولو أخذنا هذه السمكة ووضعناها في نهر آخر يصب في نفس النهر فإنها في الحال ستعرف أنها تسير في الطريق الخطأ وترجع مرة أخرى وتعود إلى نهرها الأصلي الحقيقي فتسير عكس اتجاه التيار، وتأخذ طريقها مباشرة نحو النهر الذي ولدت فيه.

أما حل سر ثعبان السمك فهو أكثر صعوبة؛ فهذه المخلوقات تصيب الإنسان بالحيرة والدهشة ذلك أنه عندما يحين ميعاد وضع البيض تأتي من أنهار وبحيرات الدنيا كلها لتضع بيضها في الأعماق التي بجوار جزر برمودا في المحيط الاطلسي وتموت.

فالأسماك التي تعيش في أوربا تعبر آلاف الأميال في المحيط وتأتي إلى نفس المكان. وصغار السمك التي تخرج من البيض -والتي يظن البعض أنها لا تعرف شيئًا آخر سوى أنها تعيش داخل ماء لا حد له ولا قرار- يسلك طريقه ويعود من حيث جاء، وفي النهاية يصلون إلى نفس الساحل الذي جاء منه آباؤهم وأمهاتهم. ولا يكتفون بهذا بل يذهبون إلى النهر أو البحيرة الصغيرة التي كان هؤلاء الأباء والأمهات يعيشون فيها.

وحتى الآن لم نصادف أي سمكة أمريكية من نوع ثعبان السمك تعيش في أوربا، أو أية سمكة أوربية من نوع ثعبان السمك تعيش في أمريكا. وسبحان الله تعالى فإنه قد زاد من عمر ثعبان السمك الأوربي وذلك بسبب طول المسافة.ولنا أن نسأل في عجب من علم هذه الأسماك كل هذه الأمور ورسم لها ذلك القدر المعلوم؟!.

والواقع أن الأحوال الخارقة للعادة التي تبدو في الحيوانات تُظهر بشكل واضح جلي أنها لم توجد مصادفة، ولا تتحرك خبط عشواء. بل على العكس تماماً فهذه الحيوانات كلها تتحرك وفق منظومة محددة رسمتها قدرة الخالق الذي خلقها. ومن الأدلة الواضحة أيضاً عن وجود ربنا -عز وجل- وقدرته وعظمته الإلهية هو توجيهها وفق شعور فطري عال.

وربنا -عز وجل- يعرض هذه الأدلة للبشر فيرى بعضُهم الحقيقة ويسلم للحق -عز وجل-، وبعضهم رغم تلك التجليات المعجزة التي تعرض أمام عينيه يصيبُه العمى، ويعناد بإصرار أمام الحق والحقيقة وقد وصفت الآية الكريمة تلك الحال فقالت:

﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهَُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ﴾ ( البقرة، 26 )

خلق الكون أزواجاً

إن الله تعالى قد خلق المخلوقات كلها أزواجاً، وخص نفسه فقط بالوحدانية، فقال -عز وجل- في كتابه الكريم:

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات، 49)

وقال أيضاً:

﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (لقمان،10)

وحقيقة زوجية المخلوقات التي أثبتها العلم الحديث منذ زمن قريب قد أخبرنا بها القرآن الكريم في آياته الكريمة منذ أربعة عشر قرنًا وقدمها كهدية علمية للإنسانية .

إن هذه الكائنات -التي تزينت وجُهزت باعتناء وإحساس يفوق الإدراك البشري- تتبع كلها من البشر والحيوانات والنباتات والذرات وحتى العناصر الخفية مثل الألكترون والبرتون التي في داخل الذرة -كل حسب شخصيته وحاله- ذلك القانون العجيب «قانون الإزدواج» وهذا الأمر يفتح لنا أفقاً واسعاً وعظيماً من التفكر.

التفكر في نعم الله -عز وجل-

إن أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها علينا هي أنه صورنا في صورة بشر، وجاء بنا إلى الدنيا في بيئة مسلمة. أما النعمة التي هي أكبر من ذلك فهي أن جعلنا من أمة رسولنا الكريم -صلي الله عليه وسلم- وخاطبنا في القرآن الكريم.

فرسول الله -صلي الله عليه وسلم- كان بالنسبة لنا النموذج القرآني الكامل والفعلي الذي انعكس على السلوكيات والتصرفات. فهو قد علمنا الكتاب والحكمة وطهر وجداننا ونقى قلوبنا، فلو أدركنا قدر هذه النعم فقط حق قدرها لما رفعنا رؤسنا أبداً من سجود الشكر.

وعطاءات الله تعالى ليست محدودة بهذا فقط، بل نعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى كأنها سيل هاطل يغمرنا نحن عبيده. وفي ذلك يقول رَسُولَ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-: ‏

قَالَ اللَّهُ -عز وجل- أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ـ وَقَالَ ـ يَدُ اللَّهِ مَلأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ـ وَقَالَ ـ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ” (البخاري، التوحيد، 22)

فحق النعمة هي أن تفكر في تلك النعمة، وتستدل   بها على وجود الخالق، وتفكر في قدرته -عز وجل- وعطائه، وتشكره عليها.

يقول عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه-: «الكلام بذكر الله -عز وجل- حسن والفكرة في نعم الله أفضل العبادة» (أبو نعيم، الحلية، جـ 314،5)

أما كفران النعمة أي الجحود فهو إهمال شكر النعمة، واستهلاكها في شهوات الجسد والنفس الدنيئة واتلافها. وهذه الأحوال تبعد الشخص عن الحق -عز وجل- واهب النعم والإحسان.

والشكر ثلاثة أقسام:

شكر القلب: التفكير في النعمة.

شكر اللسان: هو حمد النعمة والثناء عليها.

شكر الأعضاء: أي مقابلة النعمة بما تستحق.

ومن ناحية أخرى فقد قيل: “شكر النعمة يكون من جنسها”. أي أن الحق-عز وجل- لو أنعم علينا بنعمة معينة فيجب أن نفيض بها على المحرومين منها. وفي ذلك تقول الآية الكريمة:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ (القصص، 77)

التفكر بكل الوسائل

يقول الشاعر التركي ضيا پاشا:

كل ورقة في الكون يُقرأ فيها آلاف دروس لمعرفة الله

يا رب ما أجمل تلك المدرسة مدرسة الكون

وفي صدد بيان وإيضاح تلك الحال كان سفيان بن عيينة أحد كبار علماء الإسلام يردد مراراً وتكراراً ذلك البيت من الشعر الذي يقول:

إذا المرء كانت له فكرة  ففي كل شيء له عبرة

ولهذا السبب كان العرب يقولون:

«كثيرة هي العبر وقليل جدّاً من يعتبرون»

كل ذرة تذكر الله -عز وجل- وتحكي عنه

إن الإنسان لو استطاع أن يقرأ كتاب الكون متأملاً متفكراً لأخبرته كل ذرة يراها بعظمة الحق -عز وجل-، وقربته من معرفة الله تعالى. وما أجمل قول الشاعر التركي فضولي البغدادي:

لو كانت للعارف قدرة أن تدرك الوحي

لكانت كل ذرة في الكون جبريل يوحي أمر الله إليه

ويقول الحق -عز وجل- في كتابه الكريم:

﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا   لاَ تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (الحاقة، 38 – 40)

ولعل إحدى الحكم من القسم في القرآن الكريم هي لفت النظر إلى العبرة والفائدة والحكمة التي في المخلوقات التي يقسم الله تعالى بها. وهي أيضاً تريد أن تعمق مشاعر العبد عن طريق تلقينه والإشارة إلى تلك العظمة.

وعلى ذلك فإن المخلوقات كلها – التي يمكن رؤيتها والتي لا يمكن رؤيتها – هي آيات قدرة الله تعالى وربوبيته. وإذا ما فكر الإنسان فيها سيعتبر وسيجد حكمًا لا تحصى ولا تعد.

والواقع أن الأسرار والحكم والعبر التي يُتوصل إليها نتيجة تقوية التفكر والتدبر وتغذيته من روح القرآن الكريم ستصير عظيمة مثل بذرة شجرة الدلب الصغيرة التي تكتسب عظمة عندما تتحول إلى شجرة ضخمة عن طريق الأرض المنبتة.

يقول الحق -عز وجل-:

﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الجاثية، 3 – 5)

وتكثيف القلوب والعقول ووقفها عند هذه الأمثلة المتعقلة بالتفكر في القرآن الكريم سيحمل العبد إلى مناخ «التقوى». فكما أن الزهور تحتاج إلى الهواء والماء والتربة والضوء، فإن إكساب التفكر المسْتوى اللائق يكون مرتبطًا بالتقوى.

إن الحق -عز وجل- يريد من عباده أن يكونوا بشرًا أذكياء، أصحاب فطنة، مفكرين متدبرين. ولهذا السبب فإن أي مسلم عليه أن يتوجه إلى التفكر كأنه في عبادة بكل وسيلة وداخل شعور وجداني. وهذه المقولة لرابعة زوجة أحمد بن أبي الحوارى تقدم مثالاً رائعاً لتلك الحال قائلةً:

«ما سمعت الآذان إلا ذكرت منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصحف، ولا رأيت جرادًا إلا ذكرت الحشر»

ويروى أن الخليفة هارون الرشيد دخل الحمام ذات يوم فصب عليه خادم الحمام الماء المغلي بطريق الخطأ. وعندما خرج هارون الرشيد من الحمام مسرعاً من شدة الألم وزع آلاف الصدقات ولما سُئل عن ذلك قال:

«لم أستطع أن أتحمل ماء الحمام فكيف سيكون حالي لو كنت من السائرين إلى جهنم يوم القيامة؟!».

وكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يتوجه إلى ربه بالحمد والشكر ويستخرج العبرة من كل شيء يراه. ونحن علينا أن نسعى بحماس وجد لأن نرى العظمة الإلهية في كل شيء، وأن نأخذ زاداً معنوياً لأحاسيسنا وأفكارنا ومشاعرنا. فالمسلم إذا نظر إلى القمر أو الشمس أو الغلاف الجوي، وإلى خلقه نفسه، وإلى أولاده وإلى أجداده، أو أينما نظر يجب عليه أن يقرأ بعين القلب الرسائل الإلهية التي أعطيت له عن طريق هؤلاء الذين ذكرناهم. ويجب عليه أن يفكر كيف جاء ومن أين جاء؟ وكيف يستطيع أن يستمر في الحياة ؟ ومن أعطاه شكله وحجمه؟ ومن حدد له عمره؟ وإلى أين يذهب بعد الموت؟ وأن الحياة والكون يسيران بحكمة وأن لا شيء خلق عبثًا. ويجب عليه ألا يترك نفسه تسير على هواها بلا قيد ولا ضبط.

لماذا خلق الله تعالى هذا الكون؟

يقول الحق -عز وجل-:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان، 38 – 39)

لذا يجب على الإنسان الذي يفكر في الكون أن يتصرف على مراد الرب -عز وجل- وأن يدرك أن الله تعالى قد خلق كل شيء لغاية معينة، وأن يكون في خدمة عباد الله تعالى. وبعد ذلك يجب أن يفكر في مسئولياته تجاه الحق عز وجل وأن يسعى باهتمام ودأب لتأدية وظائف العبودية؛ لأن بقاء هذا الجحود والإنكار تجاه عطاءات الحق -عز وجل- وكرمه العظيم يعد غفلة مريرة لا تليق بشرف الإنسانية وعزتها.

ويجب على الإنسان ألا ينسى أنه سيحاسب على هذه النعم كلها التي أعطيت له، حيث يقول الحق -عز وجل-:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر، 8)

والحاصل أن في عنقنا دين هو دين العبودية والشكر -الذي لا حد له- لربنا -عز وجل- على النعم الإلهية كلها التي نعيش فيها، والتي نلاحظها أو لا نلاحظها. ما أسعد القلوب العارفة التي تدرك هذه المسئولية، وتعيش في هذا الشعور، وتسعى بحماس في طريق الوفاء بهذه المسئولية.

[1]   انظر أيضا: الذاريات، 7؛ النجم، 1؛ التكوير، 15؛ الطارق، 1؛ الشمس،1 ، 2 ،5

[2] يوسف الحاج، موسوعة الإعجاز العلمي، دمشق، 3002، ص 413

[3]         أنظر: يوسف الحاج، موسوعة الإعجاز العلمي، ص 413-417؛ أكرم أحمد أدريس، الفلك والطب أمام عظمة القرآن، 190-112 .

[4]       السدم: هي أجرام سماوية ذات مظهر منتشر مكون من غاز متخلخل من الهيدروجين وغبار كوني. ويتجلى دور السدم في تشكل النجوم عندما تنهار تلك السدم جاذبيًا مكونة مجموعة نجمية. وربما تكونت المجموعة الشمسية انطلاقًا من سديم يسمى سديمًا شمسيًا.

       انظر: زغلول النجار، السماء، ص 28-39.

[5]       إن الكون بحسب العلماء المسلمين هو عبارة عن «أعراض وجواهر». فالجواهر هي الموجودات المادية، أما الأعراض فهي الأشياء التي يمكن إدراكها بوجود مادي. فمثلاً اللون أو الرائحة يشكل كل منهما أحد الأعراض. ويمكن إدراك هذا العرض فقط عن طريق وجود مادي. ومثلما ذكرنا في السابق فلو لم تكن العين لما تمَّ إدراك اللون، ولو لم يكن الأنف لما تم إدراك الرائحة. أما في الآخرة عندما تبدأ حياة أخرى بأوصاف أخرى مختلفة فإنه من الممكن إدراك موجودات لها ماهية الأعراض لم يكن في مقدورنا إدراكها في الدنيا. كما أنه من الممكن وجود أعراض أخرى لم يكن في استطاعتنا أن نعرفها بسبب عدم إعدادنا في الدنيا بالأجهزة اللازمة لاستقبال ومعرفة تلك الأعراض .

[6]       أجوبة حول حقائق الإيمان، ص21- 22، دار سبيل للنشر، استنابول 1978

[7]     انظر: الأعراف، 57؛ فاطر، 9

[8]     الرادياتور: هو جهاز حفظ توازن الحرارة في المحركات

[9]       أجوبة حول حقائق الإيمان، ص58-59.