التفكر في الإنسان

الدقائق الخارقة للعادة في الخلق

يقول الحق -عز وجل-:

﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات، 20 – 21)

فربُنا -عز وجل- قد خلق الإنسان خلقاً عظيماً، ورغم تلك الإكتشافات التي لا حصر لها والتي تمت في ظل التقدم العلمي والتقني في عصرنا، إلا أنه لم يستطع الوصول إلى آخر الحكم والأسرار الخارقة للعادة في الإنسان.حيث تقول الآيات الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار، 6 -8)

وفي تلك الآيات يذّكر الحق -عز وجل- الإنسان بماضيه ويدعوه إلى التفكر في خلقه. وذلك أن الإنسان الذي جعله الله تعالى أكرم مخلوقاته وصوره في أحسن تقويم قد خُلق من ماء مهين([1]).

وفي تلك الحال فإن عصيان الإنسان -الذي ظهر إلى الوجود من نقطة صغيرة لا تكاد ترى – لربه صاحب العلم والحكمة والقدرة اللامحدودة اغتراراً بقوته ووجوده الفاني تكون هذه حال عبثية ساخرة غير معقولٍ إلى أقصى حد. والواقع أن صفحات خلق الإنسان التي يكتشفها الطب حديثاً قد صورها القرآن في آياته الكريمة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا من الزمان([2]) حين قال الحق -عز وجل-:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون،12 – 16)

والأعضاء أيضاً مثل خلق الإنسان تدعوه بلسان الحال إلى التفكر. أي أن عيوننا وآذاننا وأيدينا وأقدامنا وعقولنا وقلوبنا باختصار كل أعضاء جسمنا تصيح قائلة -كساحة تفكير واسعة أعطيت لنا-:

«انظر بنظرة اعتبار وتدبر كيف أن الحق -عز وجل- نظم الأعضاء التي تتشكل من اللحم والأعصاب والأوردة، وكيف جعلها توجد وفق نظام مدهش متوازن فيما بينها. وكيف جعل الرأس مستديرة وفتح فيها نوافذ مثل الأذن والعين والأنف والفم. وكيف أنه سبحانه خلق اليد والقدم طويلة، وكيف فصل نهايتها إلى أصابع والأصابع إلى أنامل. وكيف خلق الأعضاء الداخلية مثل القلب والمعدة والرئة والأمعاء والطحال على أفضل شكل وأنسب كيفية. وأن أي منها لا تعمل بشكلٍ منفرد عن الأعضاء الأخرى، أو أن أحدها لا لزوم ولا فائدة لها. بل على العكس فإن لكل واحد منها وظائف مهمة جدًّا وأنها خُلقت في أفضل شكل يناسب تلك الوظائف» .

ثم أن كل واحد من هذه الأعضاء مقسم هو نفسه إلى أقسام. فمثلاً توجد طبقات في العين ولكل طبقة منها شكل ووظيفة خاصة بها. ولو تعطل واحداً منها أو فقدت إحدى وظائفها لكُفَّتْ العينُ عن الرؤية.

العظام

إن تشكيل العظام يستحق الإعجاب ويدعو للدهشة: فكيف أن الله -عز وجل- قد خلق من نطفة ضعيفة مهينة رقيقة هذه العظام القوية الصلبة لهذه الدرجة؟ ثم كيف جعل العظام هيكلاً عظميّاً قوياً ومتماسكاً ومتوازناً لأقصى قدر في أشكال ومقادير مختلفة. فبعضها صغير وبعضها كبير، وبعضها طويل وبعضها مستدير، وبعضها منحني وبعضها ممتلىٌ، وبعضها عريض وبعضها رقيق. والإنسان ليس مركّبا من عظمة وحيدة، بل إن العظام ترتبط مع بعضها البعض بأربطة ومفاصل متحركة. وكل واحدة منها قد أعطيت شكلاً تُلائم الحركة التي سيقوم بها. وآلية تزييت هذه المفاصل هي آلية بديعة وخارقة للعادة إلى حد بعيد؛ لأنه لا يمكن توضيحها بشكل تام بأنواع التزييت الثلاثة المستعملة في التكنولوجيا إلى اليوم.

والآن يجب أن نفكر لحظة فيما لو صنعنا أحد المفاصل التي في جسمنا فكم من المشاكل والمصاعب التي يمكن أن نواجهها.

فلو أن الله تعالى قد خلق عظمة واحدة زائدة في جسمنا لكانت هذه العظمة سبباً لعدم الراحة ومنبعًا للألم. وعلى العكس من ذلك فلو كانت العظام ناقصة عظمة واحدة لوجب علينا أن نبذل أضخم الجهد وأقصاه من أجل تلافي هذا النقص. ولما استطَعْنا مهما طال الوقت أن نتلافى هذا النقص.

وعلينا أن نفكر فيما لو أننا لم نستطع أن نستعمل الأصابع الخمسة في أحد الأيدي في مدى التأخر والصعوبة التي سنتعرض لها كي ننجز أعمالنا. وهذه الحال هي أمر يجب حقيقةً أن نفكر فيه.

أيضاً بعض الأسنان تكون مستويةً وبهذا تكون ملائمةً للطحن والهرس. وبعضها الآخر حاد فيكون ملائماً للقطع والتمزيق. وأشكال العضلات وحجمها يتغير تبعاً لمكانها واحتياجاتها. وتوجد عضلات كثيرة في العين ولو مرضت واحدة منها لفسدت صحة العين كلها.

إن الخوارق للعادة وبدائع الصنعة هي التي نرى فيها جميعاً أيضاً الصفات التي لا يمكن إدراكها بأي من الحواس الخمسة. أي الخصوصيات المعنوية مثل الشخصية والطبع والوجدان هي الأخرى عظيمة وجليلة القدر في ماهيتها.

كما أن الخوارق التي في جسم الإنسان هي صنعة الله تعالى وقدرته التي في قطرة الماء، فالإنسان عندما ينظر إلى رسم جميل يشعر بالحيرة أمام مهارة الرسام وذكائه ورقته. ويعظم هذا الفنان في عينه، مع أن الشيء الذي صنعه الرسام لم يوجد من العدم. فالأشياء التي استعملها الرسام لإتمام عمله كالورق والفرشاة والألوان كانت موجودة ولم يخلقها الفنان من العدم. وكانت اللوحة التي أبدعها الرسام هي عبارة عن انعكاس الانطباعات والتأثيرات التي أخذها الرسام من العالم الذي خلقه الله تعالى. ورغم ذلك فإننا نصاب بالدهشة والحيرة والإعجاب عندما نتمعن في عمل رسام ما.

وفي تلك الحال ألا يجب علينا أن نفكر بجوارحنا كلها ونتعجب أيما عجب من حادثة خلق الإنسان الذي هو بديعة فنية وإيجاد لا نظير له، خلقه الله تعالى الصانع المطلق والمبدع العظيم من نطفة إذا تُمْنى من قطرة ماء صغيرة؟!

الأعضاء

إن بنية الأذن، وفوائد الأنف، وحديث اللسان، وخروج كل حرف من مخرج منفصل عن الآخر، وتزيين الفم بالأسنان، وتصميم الأسنان المنتظم مثل حبات اللؤلؤ المنضودة، وخاصية تمييز صوت كل إنسان كمعرفة العميان الناس من أصواتهم. والشعرُ واللحيةُ، والحاجبُ والرمشُ، والمعدةُ والكبدُ والكليةُ والأوردةُ كل هذه الأشياء يجب أن نتأملها طويلاً ونفكر فيها ونتدبرها ملياً. فكل واحدة منها قد خُلق بعلم وحكمة وتدبير عال في أعلى درجات السمو، وهي تؤدي وظائفها في تناسب وتناغم مع بعضها البعض إلى أقصى حد.

فكُلْيتنا هي قطعة لحم صغيرة. ولكنها تفصل الأشياء السامة عن الأشياء غير السامة. فتطرد السام خارج الجسم، أما غير السام فتعيده مرة أخرى.

ويجب أن ننظر نظرة إلى يدنا كيف خُلقت طويلة لكي تتمكن أن نمدها إلى الشيء الذي نريده. وكيف أن راحة اليد قد قسمت إلى أصابع خمسة وكل أصبع إلى ثلاث عُقد. والخمسة أصابع أربعة منها في ناحية والأخير في ناحية أخرى. وهذا الأصبع الكبير يستطيع أن يهرع لمساعدة باقي الأصابع كلها. ولو جاء كل البشر قديمهم وحاضرهم ومستقبلهم وسعوا لأن يعطوا شكلاً أجمل من هذا الشكل الذي عليه الأصابع لما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

والإنسان لو فقد أحد الأظافر -الذي يبدو كعضو لا قيمة له- عندما يريد أن يحك مكاناً ما في الجسم فسوف يكون أعجز المخلوقات. ومن ناحية أخرى فإنه لو طلب المساعدة في هذا الأمر فإنه سيتمكن من حك المكان الذي يريد بعد تعريف طويل، وبعد عدة محاولات وتجارب.

وعلى ذلك فإن يد الإنسان نفسها تجد المكان المراد حكه بلا مساعدة ولا تجد صعوبة في الوصول إليه. حتى أنها تستطيع أن تجد ذلك المكان حتى في حال الإستغراق في النوم العميق.

فضلاً عن ذلك فإن أبسط الحركات التي نقوم بها بأصابعنا وأيدينا تتطلب حساباً هندسيّاً بالغ التعقيد والدقة في الحقيقة. فمثلاً لو فكرنا في مدى تخلف حركات الربوت(الرجل الألي) التي صُممت وصُنعت بأحدث الأساليب التقنية في عصرنا الحاضر مقارنة بحركة أعضاء الإنسان فلا يمكننا إلا أن نشعر بالدهشة والعجب لعلم الله تعالى وقدرته اللامحدودة التي يعرضها لنا في جسم الإنسان.

وما أجمل الشاعر (التركي شناسى) الذي عبر عن أن العين التي ترى والأذن التي تسمع فينا تعرض بلسان الحال، وتعلن في كل وقت أن الله تعالى هو الصانع المطلق فقال:

إن وجودي شاهد على وجود خالقي -عز وجل-

وكل برهان قوي غير هذا الشاهد هو زائد

شفقة الله تعالى ورحمته

انظر إلى رحمة الحق -عز وجل- وشفقته التي أخرت ظهور الأسنان عامين بعد الميلاد. لأن الطفل الرضيع لا يتغذى طوال هذاين العامين بالمعنى الحقيقي بشيء آخر سوى لبن الأم. ومن هذه الناحية فهو لا يحتاج إلى الأسنان؛ بل على العكس فإن وجود الأسنان في تلك الفترة سيكون سبباً لمعاناة الأم التي ترضعه.

وكلما كبر الطفل زادت حاجة جسمه للغذاء ولم يعد اللبن بمفرده يكفيه. وهذه المرة يشعر بالحاجة إلى الطعام الصلب ويلزم مضغ الطعام. وفي هذا الوقت بالضبط تبدأ الأسنان في التشكل ليس قبل ذلك الوقت ولا بعده. ولو ظهرت الأسنان قبل ذلك لمنعت رضاعة اللبن. والواقع أن إخراج الحق -عز وجل- تلك الأسنان الصلبة من لثة الأسنان الرقيقة الطرية يعد من الأعمال المحيرة والمدهشة حقيقةً ثم أن الله تعالى قد أعطى للأب والأم شعوراً مميزاً ومختلفاً من الرحمة والشفقة لرعاية الطفل، فالله تعالى صاحب الحكمة في كل عمل لو لم ينعم بالرحمة والشفقة على قلب الأم والأب فمن يتحمل مضايقة الطفل ؟!

والواقع أن جسد الإنسان هو ساحة مدهشة للتفكير. يقول الإمام الغزالي في الإحياء: «فهذه نبذة من عجائب بدنك التى لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك، وأجلى شاهد على عظمة خالقك، وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك، ولا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل، وتشبع فتنام، وتشتهى فتجامع، وتغضب فتقاتل.

والبهائم كلها تشاركك فى معرفة ذلك، وإنما خاصية الإنسان التى حجبت البهائم عنها هي معرفة الله تعالى بالنظر فى ملكوت السموات والأرض، وعجائب الآفاق والأنفس. إذ بها يدخل العبد فى زمرة الملائكة المقربين، ويحشر فى زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين. وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضى من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من البهائم بكثير. إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك، وأما هو فقد خلق الله -عز وجل- له القدرة ثم عطلها، وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً [3] (الغزالي، الإحياء، جـ4، ص 58 – 62)

وجه الإنسان وأنامله

ذات يوم جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال له:

«إني أتعجب من أمر الشطرنج، فإن رقعته ذراع في ذراع، ولو لعب الإنسان ألف ألف مرة، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب منه. وهو أن مقدار الوجه شبرٌ في شبر، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها كالحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير البتة. ثم إنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان. فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها».(الرازي، التفسير، جـ 4، 179 – 180)

ويشير الشاعر نجيب فاضل إلى تلك الحكمة قائلاً :

من هو الرسام الماهر الذي رسم هذا الوجه؟

ألا يوجد رجل ينظر إلى المرآة ويسأل عن ذلك؟

أما بصمة أصبع الإنسان فهي معجزة أكبر. واليوم تُستعمل بصمة الأصبع كشفرة لفتح أجهزة الحاسوب والأبواب؛ لأن كل إنسان لديه بصمة أصبع مختلفة حتى أن كل أصبع في اليد الواحدة لديه بصمة مختلفة.

وقد اُكتشف في نهاية القرن التاسع عشر أن لكل إنسان بصمة أصبع له شكل مختلف وخاص به، وقد شُرع في استعمال هذه الخاصية من أجل تحديد الهوية في القضاء والأمن. وفي يومنا الحاضر يوجد فرع علمي يهتم ببصمات الأصابع ويسمى «دكتيلولوجي»

والحق -عز وجل- الذي أنعم على الإنسان بهذه الخاصية يلفت النظر إلى هذه المعجزة الإلهية في آيات القرآن الكريم التي نزلت قبل 1400 عاماً. وقد أخبرنا أنه سيعيد أنامل الأصابع إلى حالتها القديمة بعد أن يحيى جسد الإنسان مرة أخرى يوم القيامة فيقول في تلك الآيات الكريمة:

﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّـسَوِّيَ بَنَانَه﴾ (القيامة، 3 – 4)

ومثلما نرى فإن القرآن الكريم يتقدم دائماً ويأتي العلم البشري بعد ذلك ليصدقه.

ومثلما تختلف بصمة الأصبع من فرد لآخر، فإن عيون الإنسان تختلف من شخص لآخر. والآن تستعمل بصمة العين كشفرة في التعرف على الأشخاص، وأصبحت تلك التقنية تُستخدم وتُطبق في الحياة اليومية. فما أعظم الخالق -عز وجل- الذي خلق هذه الإختلافات التي لا حصر لها في مساحة صغيرة لا تتجاوز واحد سم2.

معجزة الجينات

إن الاكتشافات الجديدة في علم الجينات قد طرحت حقيقة «أن كل إنسان لديه شفرة جينية تختص به وحده وتميزه عن باقي البشر».

فضلاً عن ذلك فإن هذا الشيء الذي يسمى «الجين» هو صغير صغير إلى أقصى حد، حتى أننا لو جمعنا جينات المخلوقات كلها التي تعيش على الأرض فلن تستطيع أن تملأ علبة الخياط الذي يضع فيها الأبر والخيطان.

وهذه الجينات -التي لا ترى حتى بالميكروسكوبات- تستقر في خلية كل كائن حي وتعطي الخواص لكل إنسان ونبات وحيوان.

وقد تبدو علبة الخياط تلك صغيرة على أن تستوعب الصفات والخواص الفردية المتميزة لسائر البشر الذي يتجاوز عددهم الستة مليارات نسمة، ولكن الحقائق العلمية في هذا الشأن لا تدع مجالاً للشك أو الريبة.

حسناً جدّاً فإن كان الأمر كذلك فكيف لهذا الشيء المسمى «جيناً» أن يخفي في داخله خصائص أحياء كثيرة يعجز العد عن حصرها؟! وكيف يمكن له المحافظة على هذه الخصائص والصفات كلها حتى النفسية منها لكل فرد على حدة في مكان صغير إلى حد لا يمكن تصديقه؟!

والكيفية التي يمكن أن تدار بها عدة ملايين من الذرات أمكن حسابها داخل جين صغير لا يمكن رؤيته حتى بالميكروسكوب، يمكن أن تتحقق فقط نتيجة علم وقد أشار ربنا -عز وجل- إلى تلك الحقائق فقال:

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف،172)

ولكن هذه وغيرها من مظاهر القدرة والعظمة الإلهية -التي اكتشفت في عصرنا الحاضر- قد أعجزت العقول والألباب. ولهذا السبب فإن الشاعر ضياء پاشا قد كتب بيتاً حكيماً من الشعر في القرن التاسع عشر يقول:

سبحان من تحيرت في صنعه العقول

سبحان من بقدرته يُعْجِزُ الفحول

من الذي يُشغّل مصنع الجسم؟

يجب على الإنسان أن يرى أن الأحياء كلها، وكل شيء في السموات والأرض – وعلى رأسها هو – يحتاجُ دائماً إلى الله تعالى. وعليه أن يرى ذلك من أبسط شيء؛ فكل العمليات التي تتم داخل أجسامنا تتم وتدار تماماً بلا إرادة منا. فمثلاً نبضات القلب والتنفس، وسائر العمليات الحيوية الأخرى، والتفاعلات الداخلية للخلايا تتم هكذا فيما بينها دون إخبار أو مساعدة.

ومن المؤكد أنه لو ترك لنا ليوم واحد أن ندير ونتحكم في مئات العمليات الكميائية الحيوية في خلية نسيج واحد فقط، أو في الأعضاء التي تعمل بتوازن مدهش وفق نظام إلهي في جسم الإنسان، فربما لن نستطيع أن نتحمل حتى لعدة دقائق. ومن يعرف كم من الأعطال سنتسبب فيها؟.

فما أعظم العبرة التي نشاهدها من ناحية في تسخير الحق -عز وجل- فيلاً يزن عشرة أطنان لطفل صغير يبلغ العاشرة من العمر. أما من ناحية أخرى فإن الله تعالى يبين للإنسان عجزه فجعل فيروساً صغيراً لا يُرى بالعين المجردة يطرح الأجساد القوية الشديدة على الفراش!

ويمكن القول إن الإنسان يجب عليه ألا يعظِّم نفسه بالقدرة والقوة التي أعطاها الله تعالى له، وألا ينسى صاحب النعمة الحقيقي، وأن يظل دائماً بداخله أحاسيس الشكر، وأن يلتجأ دائماً إلى الله تعالى مستشعراً أنه لا يساوي ذرة غبار أمام القدرة الإلهية.

والحاصل أننا هنا لمسنا باختصار عدة مسائل من تجليات القدرة والحكمة الإلهية التي لا حد لها والتي تُعرض في الإنسان. وعندما نفكر في الإنسان فإنه سيتضح لنا أن الله تعالى قد وضع فيه كثيراً من الحكم والأسرار. أي لو كُتب كتاب لكل ذرة من ذرات الإنسان فلن يكفي.

لماذا خلق الإنسان

ما هي الوظيفة الحقيقية للإنسان في هذه الدنيا ذلك الإنسان الذي خلقه الله تعالى في أجمل شكل وكرمه وجعله مظهراً لمنح وعطاءات إلهية لا حصر لها ؟ وما هو المأمول والمنتظر منه؟ وما هي مسئولياته؟

يقول الحق -عز وجل-:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون، 115)

ويقول -عز وجل-:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾(الذاريات، 56)

فالإنسان عليه أن يسجد آلاف المرات على كل خلية في جسمه. ويجب عليه أن يظهر هذا الشكر في صورة عبادة وصدقات، وتواصي بالحق وتواصي بالصبر، والقيام بأفضل الحسنات. لأنه يوجد مقابل لكل نعمة، وكل نعمة تتطلب الشكر.

يقول رسول الله -صلي الله عليه وسلم- :

كُلُّ سُلاَمَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ‏”‏ ‏(البخاري، الجهاد،72)

عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلي الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ:

يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى” (مسلم، المسافرين، 84)

وفي رواية أخرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-:

‏”تعدل بين الإثنين صدقة… وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة“‏‏ ‏(مسلم، الزكاة، 56)

ويمكن القول أنه يجب عليك أن تسعى بجد وحماسة في هذه الدنيا لتكون عبداً جميلاً لله -عز وجل-. ويجب أن تعيش حياة مملوءة بالعبادة والطاعة والخير والحسنات وأن تستعد في أجمل شكل للآخرة.

[1]       انظر: عبس، 17–22؛ الروم، 20؛ الإنسان، 21 ، القيامة 36 – 38؛ المرسلات، 20 – 22؛ يس ، 77.

[2]     إن القرآن الكريم الذي نزل من 1400 سنة تؤيده تلك الاكتشافات العلمية كل يوم. فذلك الكتاب الذي نزل على نبي أمي -صلي الله عليه وسلم- ليبلغه للناس. ومع أن القرآن يتناول كثيرًا من القوانين الإلهية الجارية في الكون والآف الحوادث التي تعكس تلك القوانين، ومع عدم تكذيب أي من الاكتشافات الحديثة لحرف فيه فإن ذلك يعد واحدًا من الأدلة على صدق هذا الكتاب، وأن الله تعالى قد أوحى به لرسوله -صلي الله عليه وسلم-. أي أن القرآن كان دائمًا يسبق العلم البشري وتأتي الاكتشافات كلها لتؤيده. وبعض المفكرين الغربيين الذين لم يقفوا موقفًا سلبيًا تجاه الإسلام قد سلكوا طريق الهداية عندما أصابتهم الدهشة والحيرة بعدما درسوا ما ورد في تلك الآيات التي نزلت قبل 1400 عام مثل تلك الآيات التي تتحدث عن مراحل خلق الإنسان، والتي لم يُتوصل إلى الحقائق التي احتوتها إلا في زماننا الحاضر. ومن بين هؤلاء العالم الفرنسي موريس بوكاي المتخصص في عالم الأجنة الذي تشرف باعتناق الإسلام بسبب هذا التصوير القرآني البديع والخارق للعادة، والف كتابا اسمه: التوراة والأنجيل والقرآن والعلم، إذ أوصي قرائي الأعزاء قراءة هذا الكتاب.

[3]           انظر: الغزالي، الإحياء، جـ4، ص 58 – 62.