أصل التصوف

لقد أفاض الله تعالى على الناس نعمًا لن يحصوها، ومن أسمى هذه النعم مدده الإلهي لجسد الإنسان وروحه، حيث نفخ فيهم من روحه، بقوله تعالى:

{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} (الحجر، 29)

وبهذا خص الله تعالى البشرية بأثمن جوهرة نزلت من السماء، ووهبهم أنبل المعاني، وأرفع القِيَم، والمقابل البسيط الذي أراده منهم -وفاءًا لهذا العطاء- أن يكونوا عبادًا محبين لذاته، مخلصين لوحدانيته؛ فيواصلون أخذ نصيبهم من معرفته، والنهل من نبع محبته، والوصال مع حضرته.

ومن المنح الإلهية لبني الإنسان أن كرَّمهم بمجموعة من الصفات الراقية التي تسمو بهم إلى طريق الهداية. ليس هذا فحسب، بل أمدهم مِن نبع فضله باختيار خاصة الخاصة من بينهم، وهم الأنبياء، وأنزل عليهم الوحي؛ ليكون البلاغ مهمتهم، وحين ينقضي زمن النبوة والأنبياء، يأتي دور ورثة الأنبياء، وهم العباد الصالحون الذين لا يخلو منهم زمان[1].

وقد بدأ إرسال الأنبياء الهداة مع بدء خلق الإنسان، فكان أول البشر هو أول الأنبياء، لتكون الهداية من البدء إلى المنتهى.

إن طريق الهداية المباركة هذا، الذي تدفق من فيض القدرة الإلهية كشعاع النور، وتسلسل عبر حوالي مئة وعشرين ألف نبي بدؤوا هذا الطريق، وواصلوه واحدًا تلو الآخر، جاء متوازيًا مع تطور حياة الإنسان ومكملاً لها، وهذه السلسلة التي استمرت في التبليغ -وبالتوافق مع خصوصيات كل عصر، ومستوى المخاطبين فيه- وصلت في نهاية الأمر إلى مستوى الكمال والذروة مع قدوم سيدنا محمد المصطفى -صلي الله عليه وسلم-.

لقد ظهر نبينا -صلي الله عليه وسلم- بنوره قبل سيدنا آدم -عليه السلام-، وكان آخر نبي بجسده، أي إنه يمثل الصفحة الأولى والأخيرة من كتاب النبوة، وبعبارة أخرى، بدأت رسالة النبوة بالنور المحمدي، ووصلت إلى نهايتها بالجسد المحمدي، وبهذا يكون النبي محمد -صلي الله عليه وسلم- النبي الخاتم زمنًا، والأول خَلقًا[2].

وبما أن الدافع لخلق الموجودات كلها هو النور المحمدي[3]، فإن الحق تعالى أحيا النبي محمداً -صلي الله عليه وسلم- حياة مثالية نموذجية، أو بالتعبير القرآني «حياة طيبة» لينال بجدارة لقب «حبيب الله»[4]. لقد أكرم ربنا الإنسانية جمعاء بأن جعل النبي -صلي الله عليه وسلم- هدية وهاديًا وسراجًا منيرًا، وذلك بعد أن ربَّاه في حياته الاستثنائية الخاصة ظاهرًا وباطنًا على أكمل وجه.

لقد جعل الله تعالى من السيرة النبوية المباركة، ومن شخصية النبي الكريم -صلي الله عليه وسلم- النموذج الأرقى والأسمى للسلوك البشري الذي تحاول الإنسانية الدنو منه والاقتداء به، كل إنسان حسب جهده واجتهاده، مهما كانت قدرته ومنزلته، فالله تعالى قد جعل الإنسان الكامل محمدًا -صلي الله عليه وسلم- هو «الأسوةَ الحسنة» للبشر جميعًا في الأخلاق والسلوك، وهو الذي رسم وسار في المنهاج الذي تستطيع البشرية كلها السير فيه.

لقد بدأ النبي -صلي الله عليه وسلم- حياته من أدنى نقطة، وهي العجز البشري عندما كان طفلاً يتيمًا، ومر بكل ما يمكن تخيله من مراحل ومحطات الحياة البشرية ومنعطفاتها؛ حتى أوصله الله تعالى إلى أعلى المستويات المادية والمعنوية؛ المادية من حيث النفوذ والسلطة والقدرة ورئاسة الدولة، والمعنوية من حيث النبوة والرسالة.

ووفق هذا المنهاج النبوي الذي يصلح لكل زمان ومكان، ويصلح لكل أنواع الناس، يستطيع كل بني البشر السير في هذا الطريق، ومواصلة هذا المنهاج؛ متخذين من النموذج النبوي المثالَ والقدوة، وآخذين منه المدد المادي والمعنوي؛ بل يستطيع الجميع أن يطمع ويطمح إلى الوصول إلى درجة النجم السماوي الذي يستمد نوره من الكوكب الدري المحمدي.

لقد خلق الله رسوله -صلي الله عليه وسلم- وجعل من مجمل حياته وتفاصيلها في الأفعال والأقوال والحركات والسكنات نموذجًا يُحتذى، وأسوة تُقتدى، فقال الله تعالى:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب، 21)

وذلك لكي تصل البشرية إلى حالة نموذجية في كمال السلوك الأخلاقي والإيماني، وبتعبير أدق إلى كمال السلوك الصوفي، لأن هذا الكمال يبدأ بالاتباع وفق مقدرة العبد وطاقته، ويتدرج ليصل في نهاية المطاف إلى إتقان الاتباع وحقيقة التأسي، ويكون ذلك بمقدار محبة النبي -صلي الله عليه وسلم-، واتباع سنته، ومن ثمَّ نكون أهلاً لتنزُّل الفيوضات الروحانية، والتجليات العلوية التي لا تنقطع، وذلك هو شرف الدنيا والآخرة.

لقد خلق الله تعالى فخر الكائنات سيدنا محمدا -صلي الله عليه وسلم- بأفضل فطرة ظاهريًا وباطنيًا، ورباه أحسن تربية، وقد بين سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- هذه التربية الإلهية حين قال:

«أدبني ربي فأحسن تأديبي»[5]

هذا الإنسان الكامل -صلي الله عليه وسلم- منذ أن شرف العالم بمولده، عاش أربعين سنة في مجتمع جاهلي مكتظ بالأرجاس والأدناس والظلمات، لكنه -صلي الله عليه وسلم- كان دائمًا محميًا في بوتقة الحماية الإلهية، يترعرع في كنف الرعاية الربانية، ولم يصبه قط لفح لهيب الجاهلية، ولا مسه قط هبوب سمومها، فقد حصَّنه الكنف السماوي ليعده الإعداد الرباني للمهمة النبوية، إذ شُقَّ صدره ومُلئَ بالحكمة، ثم استُخرِج قلبه وانتزع منه حظ الشيطان، ولم يعد في الصدر والقلب الشريفين مكان ولا أثر للمؤثرات الدنيوية؛ بل صار موئلاً للفيوضات الربانية والأنوار الإلهية، وموطنًا للسكينة والإيمان والحكمة، والرأفة والرحمة[6].

وعاش رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قبل نبوته حياة فحواها ومبناها ومعناها توحيد صادق، لا سيما في الأوقات التي قرب فيها تكليفه بالرسالة؛ حين نذر نفسه ليكون عبدًا خالصاً لله -عز وجل-، فقد كان يعتزل في جبل النور بين الحين والآخر، ويستغرق في تفكر عميق، وكان سبب الانعزال في الظاهر أنه باخع نفسه على آثار قومه، نتيجة انتشار الضلال والظلم والبؤس، إضافة إلى شعوره تجاههم بالرأفة والرحمة.

أما السبب الحقيقي للانعزال، فهو تهيئة الله تعالى له لتلقي الوحي الإلهي؛ ألا وهو القرآن الكريم من الله تعالى إلى القلب المحمدي الطاهر، وانتقاله للإدراك البشري، وحين وصل قلب سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- الدنيوي إلى النقاء الحقيقي بهذا التجلي والإلهام، ارتقى إلى مستوى يمكِّنه من تلقي الوحي.

وكان قبل البعثة يتلقى الإشارات المعنوية والإلهامات على شكل رؤى صادقة على مدى ستة أشهر، وبذلك كُشِفت له أسرار العالم الروحاني، وكانت هذه المرحلة مرحلة تهيئة استعداده الفطري لتلقي الوحي الإلهي، وحمل المسؤولية الثقيلة التي يستحيل أن يحملها الأشخاص العاديون، وكانت أشبه بعملية تحويل الحديد إلى فولاذ بواسطة المزايا الطبيعية التي يمتلكها المعدن، إنها المزايا البشرية نفسها، ولكن بمؤثرات ربانية.

بهذا التحول جمع سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- في شخصيته وسلوكه جميع فضائل الأنبياء، ومهامهم، وكراماتهم، وكفاءاتهم[7]، فقد وصلت أصالة النسب والأدب والسعادة الجمالية والكمالية فيه إلى ذروتها، وقد جمع -صلي الله عليه وسلم- في دعوته بين الحقيقة والشريعة، أي بين التكاليف الشرعية والحقائق الصوفية، وكان قدوة للعباد في العبادة؛ وقدوة للزهاد في تطهير القلب، وتزكية النفس، وعلَّم أصحابه السلوكين الظاهري والباطني، كما علَّمهم كيفية الدعاء والتعبد بالقول والعمل والسلوك الشرعي، وبالقلب والنفس والشعور الصوفي، وكان لهم وللبشرية كلها النموذج الأسمى في الطريقين، وكانت البشرية على موعد لتبلغ نقطة تحول جذري في مصيرها ومسيرها، عندما بلغ النبي -صلي الله عليه وسلم- عامه الأربعين، وتلقى التكليف بالرسالة الخاتمة.

***

والتصوف في جوهره هو الوصول إلى حالة يكون فيها القلب سليمًا، يتلقى فيها المعرفة عن الله تعالى، والمحبة من معيتها، ويدنو رويدًا رويدًا من الحضرة الإلهية لينعم بوصال الله تعالى؛ فهذا الدنو هو نضج إيماني على نار المحبة، ونور المعرفة، ولذة القرب، وهذا النضج هو طريق النجاة الذي اتخذه النبي -صلي الله عليه وسلم- وبدأه في غار حراء، ثم في غار ثور، وأورثنا إياه، ثم واصل -صلي الله عليه وسلم- طريق الرقي، ومعراج الوصول في أزمنة وأمكنة أخرى، ومواقف تربوية ربانية عبر الوحي، مما شكل الروافد الفياضة لتطهير القلب وتزكية النفس.

ومع أنه -صلي الله عليه وسلم- كان قد وصل قبل الوحي إلى درجة قلبية سامية، ومرتبة روحية سامقة، وعاش حياة منزهة في ظل أخلاق مثالية؛ إلا أنه انطلق بعد نزول الوحي إلى آفاق أرحب، ومن سماء إلى سماء، حيث اللانهائية في ملكوت الله، فقد اتصل بِربه جلَّ وعلا بقلب ثابت وجنان قوي، ويقين راسخ، واستوعبت جزئياته البشرية نور التوحيد الإلهي، فكان بشرًا رسولاً وصل إلى أقصى آماد التقوى والخشوع في عبوديته، ولم تمنعه هذه المكانة في العبودية من مواصلة العبادة في آناء الليل وأطراف النهار؛ حتى تنتفخ قدماه، وتفيض عيناه، فإذا كَلَّ الجسد ونامت العينان؛ ما كان الفؤاد لينام وإنما كان دائم اليقظة، ذاكرًا شاكرًا مراقبًا لله تعالى.

حتى إنه -صلي الله عليه وسلم- صار عبر حياته وسلوكه سلسلة لا تنقطع من المعجزات؛ بل امتدت هذه المعجزات من خلال أقواله وأفعاله وسنته عبر العصور والأجيال، وما تزال تتحدى العلوم الحديثة في كل تفاصيلها وحركاتها وسكناتها.

وصار القرآن الكريم الذي أُنزل على النبي الكريم -صلي الله عليه وسلم- إعجازًا في كل حرف من حروفه، وما احتواه من علوم وحكمة وهدى، ثم صار الاثنان – القرآن ومن أُنزل عليه القرآن – إعجازًا ربانيًا في التربية والسلوك والأخلاق، تتمنى البشرية كلها أن تصل إلى أعتابه.

كانت هذه التربية المعجزة على المنهج القرآني المعجز، هي التي أوصلت النبي -صلي الله عليه وسلم- إلى درجة متناهية من النضج القلبي والروحاني، وأهَّلته أن يصل إلى مكان ومكانة لم يصلها كبار الملائكة حتى أمين الوحي جبريل، وصار النبي -صلي الله عليه وسلم- «المسافر إلى الغيب» في رحلة المعراج، التي كانت هدية منقطعة النظير بين الحبيب والمحبوب، فتجاوز النبي -صلي الله عليه وسلم- جميع حدود الزمان والمكان، ونزل ضيفًا مكرمًا على ربه تعالى، ولم يكن ثمة وصف لهذه المكانة تصفه لغات الدنيا، إلا قوله تعالى:

{قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} (النجم، 9)[8]

إذ فاقت هذه الرحلةُ -رحلةُ الإسراء والمعراج- حدود الإدراك البشري، وفاقت حدود الزمان والمكان، وكانت الإرادة الإلهية فقط هي التي تضبط ما كان، وتعرفنا أنه بالإمكان فقط لرسول الله – الذي طويت له الآفاق والأعمار والأعصار، وتجاوز -صلي الله عليه وسلم- العوالم والكرسي والعرش وسدرة المنتهى، ثم كان التجلي الإلهي ورؤية عين الحق بعين اليقين- رؤية الله تعالى بغير ستار، ومخاطبته سبحانه بلا واسطة[9].

ونعود من أقصى آفاق ما بعد الأكوان إلى أسباب خالق الأكوان، وإلى واسطة الوصول ومعراج القبول؛ إنه النضج الروحاني والكمال القلبي، فقد استطاع النبي -صلي الله عليه وسلم- أن يواصل مهمته في تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وهداية البشرية جميعًا، وأن يواجه التكتل الظلامي الجاهلي الذي أراد أن يكبت هذا النور في مهده، ويطفئ جذوته، على أن الوعد كان سخيًا، والوعيد كان قويًا، إلا أن الرد المحمدي الواثق كان -على بساطته- قاطعًا وجليًا.

أخبر المشركون سيدنا محمداً -صلي الله عليه وسلم- بواسطة أبي طالب أنهم يريدون منه عودته عن دعوته، وكان الجواب النبوي على هذا الطلب دستورًا للثبات على الحق، ودليلًا على رسوخ الإيمان:

«يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر؛ حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» [10]

وبعد أن رُفض العرض الذي قُدّم عبر أبي طالب من المشركين زلزلوا من انبثاق نور الإسلام، جاؤوا هذه المرة إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وتجرؤوا على تقديم العرض التالي:

«فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نُبرئك منه، أو نُعذِر فيك».

فكان رد رسول الله -صلي الله عليه وسلم- على زعماء كفار قريش – وكذلك المساومين على الإيمان في كل زمان – بمثابة صخرة إيمان شامخة تتكسر على أعتابها كل موجات المساومة على الدين واليقين، فرفض جميع عروضهم الدنيوية التي قدموها، والتي سيقدمونها:

«ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أمولكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن ترُدُّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم»[11].

كان هذا الموقف والبيان الذي لا يعتريه أي شك قدوة للإنسانية جمعاء، وأظهر درجة الكمال التي وصل إليها في ثباته على الإيمان، وإدراكه للمسؤولية، وكانت عبوديته خالصة لا تشوبها شائبة، نقّاها الله تعالى كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس.

لأن الأصل في هذه العروض والنداءات التي قُدِّمت لسيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- -والتي ستقدم لكل السالكين على الطريق- كان التخلي عن الآخرة مقابل التنعم بالدنيا، وتاريخ الإنسانية مليء بالأمثلة عن أشخاص باعوا مسؤولياتهم ومثاليّاتهم، وأغراهم السعي وراء الأشياء الفانية والانغماس في الهوى والهوس، وضلوا طريق الحياة الأبدية.

وإذا تساءلت عن سر هذا الثبات، ومصدر هذه القوة، ونبراس هذا العالم من المثالية والنورانية؛ تجده القرآن الكريم والسنة النبوية، وما فيهما من المبادئ الجوهرية للإسلام، فالقرآن الكريم يأخذ بيدك إلى معرفة الله تعالى، والثناء عليه، ثم يبدأ معك طريق الهداية بتطهير القلب، وتزكية النفس، والإقبال عليه سبحانه، واللجوء إلى بابه، والاستئناس بجنابه، والاستسلام الكامل لإرادته؛ بعد الأخذ بأسبابه، ثم تأتي السنة المطهرة تطبيقًا عمليًا ميسرًا وكاملاً لمبادئ القرآن وهدايته، وأساليب التطهير وتزكية النفس، والوصول بها إلى عليين.

لقد أكرم الله تعالى البشرية جمعاء، وفي مقدمتهم سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- بإنزال القرآن الكريم الذي هو النداء الإلهي الموجه إلى البشرية، ليحفز حواسه وعقله وفكره، وليدرك ذاته، ويدرك الكون حوله، فيصل إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، عبر معرفة مخلوقاته وكونه المعجز، عبر التفكر والتأمل؛ إذ تصل إلى الصانع من خلال المصنوع، وإلى المسبب من خلال السبب، وتصل إلى الخالق من خلال مخلوقاته[12].

إنها الإشارة الإلهية لطريق الهداية، ولسبيل المحبة، ولأسلوب الذكر والفكر، ولوسيلة التقوى والإحسان، والعيش الدائم في معية الله ورؤيته تعالى بإدراك أنك دائمًا وأبدًا تحت الرقابة الإلهية.

فالإنسان هو صفوة المخلوقات التي تلقت النعم الإلهية، وذروة البشرية كلها في هذا السياق هو الوجود المحمدي.

والإنسان هو المثل الأعلى لجميع الكائنات، ومن خلال هذا الإنسان نستطيع أن نرى العالم المليء بالمكنوزات اللامتناهية، لهذا فهو يُدعى بـ«العالم الصغير».

فالإنسان يحمل في كينونته سر العالم الكبير، تمامًا كالبذرة التي تحمل سر الشجرة وأصلها، كذلك كالذرة والنواة التي هي اللبنة الأساسية في صرح الكون وسره الأكبر؛ وقد جعل الله الإنسانَ «أشرف المخلوقات» لأنه مدار هذا الكون ومركز حوادثه وأحداثه، فإليه نزلت الرسالات، وله خلقت النار والجنات، وعليه تقوم الساعة ومعه تحشر الكائنات؛ أي إنه محور كل الحادثات.

فإذا أدركت حقيقة الإنسان ومكانته في هذا الكون، استطعت أن تدرك مكانة وعظمة الوجود المحمدي الذي هو خير خلق الله تعالى وفخر الكائنات.

وإدراك هذه الحقيقة يعتمد على فطنة الإنسان واستعداده وإمكاناته.

فهذا هو أبو جهل يلتقي رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وهذان هما أبو بكر وعلي -رضي الله عنهما- يلتقيانه أيضًا، وشتان بين إدبار هذا وإقبال هذين، وهكذا حال الناس بين مقبل ومدبر على مدار الأزمان، فيكون إقبالهم أو إدبارهم وفق المحبة والاستعداد للترقي، لذلك فقد كانت المحبة والعشق من لدن أبي بكر وعليّ -رضي الله عنهما- هي التي جعلتهما ينالان شرف أول حلقة في السلسلة الذهبية للتصوف.

***

إن التصوف هو الاندماج الظاهري والباطني بمنهج سيدنا الرسول -صلي الله عليه وسلم-، ثم الغوص فى بحر محبته الواسع؛ فالتصوف هو تجليات الرسول -صلي الله عليه وسلم- الظاهرية والباطنية، الداخلية والخارجية؛ أي إنه «حال» الرسول. لذلك يرتكز هدف التصوف الأساسي على الأخذ بنصيب وافر وحظ وافٍ من قبسات الرسول -صلي الله عليه وسلم-، والاتصال معه في عالم الروحانية.

والتصوف بعبارة أخرى هو الإيمان الممزوج بالعشق الإلهي، والعبادة المضمخة بالوجد وجمال السلوك.

إن التصوف هو قطرات الندى التي تتساقط بالفيوضات على القلوب المفعمة بمحبة النور المحمدي المبارك، هذه الفيوضات التي بدأت «بالنفخ من روحه» في آدم -عليه السلام-، والتي وصلت إلى مستوى كمالها في سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-.

ولن تكون قادرًا على استيعاب حقيقة الأهلية والقدرة التي تشكل جوهر التصوف، والتي كانت تنتقل في حياة النبي -صلي الله عليه وسلم- من القلب إلى القلب ومن الفرد إلى الفرد؛ إلا من خلال معرفة عميقة ومفصلة عن حياة هذا النبي المبارك -صلي الله عليه وسلم- ومهامه.

وكما أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- هو القدوة الأسمى للبشرية في كل نواحي الحياة، فإنه أيضًا المثل الأعلى في تربية الناس وتزكية نفوسهم. وعلى المستوى النبوي، فقد كُلِّف سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- بالكثير من المهام والمسؤوليات، وتأتي في مقدمة هذه المهام التي كلفه الحق تعالى بها أربع مهام أساسية، وهي:

  1. تلقي الوحي الإلهي:

فقد تلقى الرسول الكريم -صلي الله عليه وسلم- الكلام الإلهي عبر جبريل، وتوقف تلقي الوحي الإلهي – الذي جاء طبقًا للإرادة الإلهية – حين انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى.

  1. تبيلغ أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة:

يشتمل القرآن الكريم على أحكام وحقائق أوضحها وطبقها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من خلال أحاديثه الشريفة وسيرته العطرة، وأخذ المجتهدون على عاتقهم هذه الأهلية العلمية، ومسؤولية البلاغ والتبيان بعد وفاة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-.

والغرض من شرح الأحكام الإلهية وإيضاحها، هو تقديمها في قالب عملي يتوافق مع الحياة البشرية للوقوف على حاجات العباد، ويسمى هذا العمل الذي يقوم به العلماء المسلمون الموثوقون بـ«الاجتهاد»، وهو عملية مستمرة، ويبقى الاجتهاد ضرورة دائمة حتى حين يغيب أهله، ويتولى وظيفة الاجتهاد هؤلاء العلماء المؤهلون.

  1. تنفيذ المسؤوليات الإدارية:

أي القيادة، والوقوف على تطبيق الأوامر والنواهي الدينية على مستوى المؤسسات والدولة، واستمرت هذه المهمة على يد الخلفاء (أولي الأمر) من بعده.

  1. تطهير أرواح البشر وتنظيم عوالمهم الداخلية بتزكيتها:

كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ينظم العالم الداخلي للناس، ويزكيهم، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ستستمر هذه المهمة دون انقطاع على يد المشايخ بالصورة نفسها التي يتطلبها استمرار المهام الأخرى، عدا تلقي الوحي الإلهي؛ لأن تطهير المؤمنين لا يقتصر على تطهيرهم من الظاهر فحسب؛ بل يتعدى ذلك إلى الباطن.

وعليه فإن سبب التصوف وأساسه هو استمرار هذه المهام النبوية في كل مكان وزمان، وهي مهام مستمدة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، لذا؛ فإن استمرار الشيوخ – أرباب التصوف – دون انقطاع هو أمر ضروري واحتياج دائم.

***

ونعود من جديد إلى سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فهو الحلقة الأولى في السلسلة الذهبية للتصوف.

فبعد ثلاثة عشر عاماً من الجهاد في التربية والتزكية والتبليغ والرسالة في مكة المكرمة، كانت الهجرة المباركة، وكان غار ثور إحدى محطات الحياة والطريق، وأحد محاضن التربية والإعداد الإلهي.

ففي هذا المكان ظهرت بعض التجليات الإلهية، حيث إن هذا الغار بات مدرسة تفيض بالحكم الإلهية النوعية والانكشافات القلبية.

واستمرت الاستضافة فيه ثلاثة أيام بلياليها، ولم يكن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وحده هناك، فقد كان بصحبته سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه-، وهو أشرف الناس بعد الأنبياء، وهو الذي نال شرف وفضيلة الصحبة مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في الغار على مدى الأيام الثلاثة، فقد كان «ثاني اثنين»، وخاطبه سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- قائلاً له:

{لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} (التوبة، 40)

تشير هذه الآية الكريمة إلى أن النبي -صلي الله عليه وسلم- علّم أبا بكر -رضي الله عنه- سر وجود العبد في معيَّة الله، وهذه الحادثة -وفقًا للعارفين- كانت الظاهرة الأولى لتذكُّر الله تعالى في السر، أي الذكر الخفي، ودلالة على اطمئنان القلب بالله تعالى.

وتركز الصوفية على أن غار ثور يعد المكان الذي بدأ فيه انتقال الأسرار الروحية من القلوب إلى القلوب الأخرى، حسب المفهوم الصوفي.

لذا فإن سيدنا أبا بكر -رضي الله عنه- هو أول شخصية مسلمة تتلقى التدريب الروحاني مباشرة من الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وهذا -فيما يرى الصوفية- هو أحد أهم الأسباب التي تجعل منه الحلقة الأولى بعد الرسول -صلي الله عليه وسلم- في السلسلة الذهبية إلى قيام الساعة.

وعليه بات غار ثور مكانًا خاصًا تواصل فيه العبد مع الله المنزّه عن جميع المفاهيم الزمانية والمكانية، وكان مرحلة مهمة في التربية القلبية الأساسية.

ويرى الصوفية أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قد علّم الذكر الجهري لسيدنا علي -رضي الله عنه-، ويجب أن يعرف المرء أيضا أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قد أعطى أورادًا متنوعة لعدد من الصحابة[13]، وأحيانًا شجعهم على ذكر الله تعالى في جماعة[14].

وهكذا فإن تنوع تطبيق واختيار الأوراد والأذكار، التي هي أهم وسائل التربية الصوفية، هو السبب الأساسي في تنوع أصول وطرائق التربية المعنوية، وهذا يُظهر أن مصدر الطرق الصوفية هو نفسه مصدر المذاهب الفقهية؛ ألا وهو الكتاب والسنة.

والتصوف من ناحية تشكيله لجوهر الدين موجود منذ سيدنا آدم -عليه السلام- حتى سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم-، وتظهر الكثير من مفاهيم التصوف بالفعل في حياة الأنبياء جميعًا، إلا أن ظهوره علمًا مقررًا، وطريقة نظرية وعملية -كما هو معروف اليوم- وُضع لأول مرة في القرن الثاني للهجرة.

ومع أنه لم يكن هناك أي مذهب من مذاهب الكلام أو الفقه في عهد رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، لكن في الوقت ذاته طبق النبي -صلي الله عليه وسلم- الأحكام العقائدية والفقهية وعلمها لأصحابه، إذًا فالفقه كان موجودًا، وإن لم تُدون هذا الإرشادات، أو تجمع كمبادئ علمية منظمة خلال عهده -صلي الله عليه وسلم-. لكن فيما بعد بدأ تلامذة كبار العلماء -مثل علماء الفقه الإسلامي- بجمع اجتهادات المجتهدين، وتصنيفها بعضها إلى بعض، وشكلت هذه العملية بداية ظهور المذاهب الإسلامية؛ حيث جُمعت آراء كل عالم كبير تحت اسمه، ومن هنا نشأ الإرث الإسلامي الذي عرف بمذاهب أهل السنة في الفقه الإسلامي، وهي: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، ثم اتبع المسلمون فيما بعد هذه المذاهب.

وكذلك التصوف، يشجع الناسَ على اتباع الأجيال المسلمة الأولى في زهدهم وتقواهم؛ هذه الأجيال التي مارست جوهر التصوف خلال حياة الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وإن لم تقنن قواعده، وتجعله أسلوبا تربويا ذا معالم ثابتة ومكتوبة، فالتصوف إذًا قديم قِدَم الفقه.

ومع طول الأمد، ركن المسلمون إلى الدعة، وتركوا جهاد النفس فقست قلوبهم إلا من رحم اللهُ، فثبت على الحق ثلة من الأفذاذ الذين لم يجرفهم تيار الدنيا وخضم الحياة، ووقفوا سدوداً منيعة أمام سيل المادية العارم لينقذوا البشرية ويستأنفوا حياتها من جديد ويمدوا الناس بما يحييهم من دين الله تعالى، فحملوا الأمانة الثقيلة بشموخ كالجبال، ثم أدوها في صبر وتؤدة وموعظة حسنة، وأخذوا بأيدي الناس إلى طريق الله وإلى مجاهدة حظوظ النفس والمكابرة ضد شهوات الدنيا، فصنعوا رجالاً بل أجيالاً من العبَّاد والزهَّاد، ولم يكن هدف هؤلاء العلماء اصطناع طرائق جديدة في التربية والتزكية والتصوف، بل كان هدفهم مجرد التربية والتزكية بأداء العبادات وإجراء المعاملات، والتخلية من الأخلاق الذميمة، والتحلية بالأخلاق الحميدة في ضوء مبادئ القرآن وهدي السنة؛ وصولًا إلى «الإحسان» عبر «الخشوع»، فكان ذلك السلوك من العلماء العاملين، وذلك الاتباع من المريدين السالكين، وهذه الجلسات والحلقات من التوجيه والإرشاد والوعظ والإمداد، فجُمعت هذه الكلمات والمواعظ والإرشادات والسلوكيات والمجاهدات، وتشكَّل من خلالها نظام روحي، هذا النظام كان هو الطرق الصوفية التي كانت كالمدارس والمناهج التربوية التي حملت أسماء مشايخها وأصحابها، فظهرت الطرق التالية: النقشبندية، والقادرية، والرفاعية، والمولوية، والخلوتية، والجلوتية،… وغيرها.

وكانت تُطلق كلمة «طريقة» على كل أسلوب يسعى لمنهجية التفكر والإحسان والوصال مع الله تعالى في كل فرع من فروع التصوف، ويمكن تقسيم هذه الطرائق إلى ثلاثة أقسام:

  1. طريق الأخيار: وهي الطرائق التي تركز على العبادات والتقوى.
  2. طريق الأبرار: وهي الطرائق التي تركز على تربية النفس من خلال المعاناة وتقديم الخدمات الإسلامية.
  3. طريق العشاق: وهي الطرائق التي تسعى للوصول إلى الغاية من خلال العشق والوجد.

والسبب وراء ظهور الطرائق المتنوعة في هذا الميدان مع مرور الوقت، هو الحاجة لذلك، وليس من باب الاختلاف؛ حيث إن الناس مختلفون في مزاجهم وشخصياتهم وطبائعهم، لهذا فإن تنوع الطرائق يضمن تربية النفس بحسب ما يوافق طبيعة الشخص، لكي يطهر قلبه، ويصل إلى الكمال الروحي.

فالله تعالى يقول في القرآن الكريم:

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة، 48)

إن كلمة «منهاج» هنا تعني لغة «الطريق المنوَّر»، وهي تشير إلى طريق العبودية الذي يتخذه العبد كي يتقرب من الله تعالى، ويقول كبار المتصوفة:

«إن عدد الطرق إلى الله تعالى كثيرة كثرة عدد أنفاس المخلوقات».

فعلى سبيل المثال؛ يجد الشخص ذو المزاج الجيَّاش سهولة في الارتقاء وفق الأصول المتبعة في الطريقة القادرية، في حين يجد الشعراء والفنانون والرومانسيون ضالتهم في المولوية، أما الأشخاص الذين يسيطر عليهم الوقار والمزاج الهادئ، ولديهم استعداد داخلي عالٍ، يرَون النقشبندية مناسبة لهم، ولهذا يجدون سهولة في تلقي الفيوضات باتباع هذه الطريقة، والسير وفق أصول التربية فيها، وهذه القاعدة تُطبَّق على الطرائق كلها حسب خصائصها.

وهكذا نجد أن تنوع الطرائق هي رحمة من الله تعالى، لكن المهم هو أن تكون وفقًا لحدود القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.

ومن ناحية أخرى تنقسم الأحكام القرآنية إلى ثلاثة أقسام:

  1. العقيدة.
  2. الفقه:

أ. العبادات.

ب. المعاملات.

ت. العقوبات.

  1. الأخلاق (الفقه القلبي).

والفقه القلبي هو الذي يتولى إصلاح العيب الداخلي؛ أي هو إتمام مكارم الأخلاق، وهو يشكل بطانة العقيدة والسلوك العملي، وبالأخلاق ترتقي الأعمال لتصبح «أعمالاً صالحة» حسب القرآن الكريم، والصفات الأهم التي تشير إلى وصول القلب إلى حالة القبول الإلهي هي: التقوى والزهد والإحسان.

فالتقوى: هي الإحساس الداخلي بالمسؤولية أمام الله تعالى، وحماية القلب عبر المراقبة الدقيقة للأوامر والنواهي الإلهية، وهي الشعور الدائم في القلب بأن العبد تحت الرقابة الإلهية؛ أي تحت سمع الله تعالى وبصره، وذلك بالترفع عن الرغبات النفسانية، وتنمية الاستعدادات الروحية.

والزهد: هو امتلاء القلب بالله، وخلوه من كل ما سواه.

والإحسان: هو إحساس المؤمن دائمًا أنه تحت الرقابة في كل وقت، وتصرفه وفقًا لذلك.

وقد ورد في الحديث الشريف:

«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[15].

أي إن الإحسان هو إدراك الروح أنها تحت مراقبة الله تعالى دائمًا، وعندها يصير ارتقاء القلب إلى درجة أعلى ممكنًا حين يستمر هذا الإحساس والشعور، وتنظيم الحياة على هذا الاعتقاد والأساس. وبالوصول لهذه الحالة يتم تصفية القلب، والتصوف من هذا الجانب يعني وصول القلب إلى حالة الصفاء هذه.

***

فغاية الدين وهدفه ومرماه بناء إنسان متسق مع الكون بجماله الذي خلقه الله عليه، جميل في روحه وأخلاقه وعالمه الداخلي، وذلك بإخلاص العبودية لله وحده، والتخلق بأخلاق الإسلام المثالية، ولا يتأتى ذلك إلا عبر تنقية القلب.

والذكر هو أنجع وسائل التخلية والتحلية، تخلية القلب من دنايا الزخم، وتحليته بفضائل القيم؛ حتى يصير موضعًا لتنزل الفيوضات الربانية، ومرآة صافية تنعكس عليها تجليات الحق تعالى.

وقد فتح الله تعالى طريق الوصول إلى عليين على مصراعيه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فبوسع السالكين والمجاهدين على الطريق أن يبلغوا أعلى درجات المعراج في الترقي الروحاني، بعد الانطلاق من حدود الأحكام الظاهرية والأحكام الفقهية، والبناء على أساسها؛ صروح جدرانها هي: «الزهد»، و«التقوى»، و«الإحسان»؛ ما تزال جدران هذا الصرح تتعالى حتى تبلغ الأسباب، أسباب السماوات، فتطلع إلى عالم الملكوت بعدما تصل إلى الكمال الإنساني، وهو طريق مفتوح لكل الناس؛ كلٌ حسب قدرته واستعداده، إنه طريق الترقي المعنوي الذي فتح الله تعالى مسالكه للجميع، وفق حكمته تعالى.

والمعراج الحقيقي أو الوسيلة الأسرع في هذا الطريق هو «الإحسان»، والإحسان أن تجعل الله في دوام معيتك، سميعًا بصيرًا؛ رقيبًا شاهدًا على كل همساتك ولمحاتك وإسرارك وإعلانك. وباستيقان دوام مراقبة الله تعالى عليك، والوصول إلى تلك الحالة الدائمة من المراقبة؛ تدرك روحك الحقيقة، والسر الإلهي الذي ندعوه «الإحسان»، وهو الهدف الذي يرمي المتصوفون الوصول إليه، وإدراك كنهه.

إنه معية الله والوصال مع أنس حضرته، ومن وصل إلى هذه الدرجة أدرك درجة الولاية، وأدرك مثالية الأخلاق التي يرضى الله تعالى عنها.

هكذا كانت أخلاق النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهكذا كانت حياته الروحية، لم يكتفِ -صلي الله عليه وسلم- بإحدى الطريقتين؛ بل علَّم وورَّث الصحابة والتابعين والأمة جميعًا الحياة الظاهرة والباطنة، والسلوكيات والمجاهدات المفسرة وغير المفسرة، فمن اكتفى بالظاهر فقط قصر باعه، ومن تعدى للباطن طال ذراعه، فنال الآمال ووجد الإقبال.

والمسلمون الأوائل ومن تبعهم أدركوا حقيقة التصوف وتشربوا روحه، ووقفوا على مفهومه وكنهه. ولما طال الأمد كان هناك من ساء فهمه، وتسطحت معرفته، وقصُرَ علمه عن إدراك حقيقة التصوف، ومن ثم اتخذ منه موقفًا سلبيًا؛ بل عدائيًا، راميًا إياه بشبهات ومثالب؛ لعل أبرزها هو منشأ التصوف وبدايته.

فقد تنوعت الآراء حول أصل التصوف، وهي آراء لا أساس لها، فمنهم من قال إن أصل المصطلح من الكلمة اليونانية «صوفيا» أي «الحكمة» فقط لتشابه أصوات الكلمة، ومنهم من رأى أن أصل التصوف أصل يهودي، وبعضهم قال إن له علاقة بالروحانية الهندية. وهذه الآراء كلها آراء خاطئة بُنيت على أساس تشابه الكلمات أو المحتوى.

أما في حقيقة الأمر؛ فقد رأى علماء الإسلام أن أصل كلمة «التصوف» هو من مصدر إسلامي بحت، ومن بين الآراء المختلفة حول هذا الموضوع أن منشأ كلمة التصوف هو التصفية والاختيار، أي أنها نشأت من «الصفاء»، و«الصفوة»، و«الاصطفاء».

ومنهم من رأى أنها تعود «لأهل الصُّفَّة»، وهو أول شكل من أشكال التصوف، و«أهل الصُّفَّة» هؤلاء هم بعض العباد والزهاد من الصحابة الذين كانوا يلبسون الصوف دائمًا، ويجلسون في «الصُّفَّة» وهو المكان المظلل في مسجد المدينة الذي كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ومن هنا جاء هذا الاسم، وقد نال الرأي الأخير القبول العام.

كان هؤلاء الصحابة الذين أطلق عليهم «أهل الصُّفَّة» قد أقاموا في المسجد النبوي من أجل العلم والعرفان والروحانية، وكانوا مميزين في زهدهم وتقواهم بسبب حضّ النبي -صلي الله عليه وسلم- على ذلك؛ حتى إن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- طلب من أغنياء الصحابة إعالة هذه الزمرة ومساعدتهم، وتشير هذه الحقيقة التاريخية إلى أن السلوك الصوفي يطابق السنة النبوية، ولم يعترض عليه النبي -صلي الله عليه وسلم- بل حث عليه.

وحين ظهرت الخلافات السياسية بين الصحابة بعد وفاة النبي -صلي الله عليه وسلم- لم يؤيد «أهل الصُّفَّة» أبدًا أي جانب من الجانبين؛ بل بقوا على الحياد، وأخذوا العبرة من اختلاف المؤمنين، وما نتج عنه من ضعف مشاعر الأخوة، وازدادوا زهدًا وتقوى، وبات هذا الحال وسيلة لزيادة النشوة. وقد رأى بعض الصحابة الآخرين في دخول هذه الخلافات خطرًا معنويًا، ومشوا على خطى أهل الصُّفَّة، وهكذا زاد عدد المتمسكين بطريق الزهد والتقوى.

ومع مرور الوقت أخذ مصطلح «أهل الصُّفَّة» المشتق من «صُّفَّة»، وكلمات «تصوف»، و«متصوف» المأخوذة من رياضتهم الروحية، وتقواهم، ينتشر بعد نشأتها، وأخذت الصوفية مكانها في مجرى التاريخ، وبدأت تتأسس الطرق الصوفية.

***

لقد كان الأصلان -القرآن والسنة- هما عماد التصوف وركيزته، ومنهما انطلق المتصوفون الأوائل في المجاهدة والسلوك، وفاضت إرشاداتهم وعظاتهم ومؤلفاتهم بالتأكيد على أسس الطريق ومنطلقاته، وحدوده وقيوده، فكانت كتاباتهم وآراؤهم، التي لقيت انتشارًا وتأييدًا وإقبالاً واسعًا، مثلها مثل آراء المجتهدين من الفقهاء أصحاب المذاهب.

لكن التصوف -شأنه شأن كل العلوم والأفكار والمذاهب- وجد من أساء تطبيقه، تمامًا كما وجد من أساء فهمه، فقد وقعت بعض الزلات -أو الكثير من الزلات والشطحات- من المريدين والسالكين؛ بل حتى من بعض المشايخ وأصحاب الطرق؛ الذين ربما قصر فهمهم عن إدراك حقيقة الدين باطنيًا وظاهريًا، وربما غلبهم «الحال»، فأساؤوا السلوك؛ إذ غلبتهم «النشوة الصوفية»، فأساؤوا العلم والفهم.

لكن الجواد الأصيل سرعان ما يقوم من كبوته، ويتعافى من عثرته، فتداركت «الطرق» زلاتها، وتدارك «الشيوخ» أخطاءهم، وقوَّموا انحرافاتهم، وجاء على رأس الطرق أناس من أهل العلم الحقيقي ظاهرًا وباطنًا، ففهموا حقيقة الدين، ومن ثم أدركوا كنه التصوف، وصحَّحوا الطريق والطريقة.

وكانت الطريقة النقشبندية -وأضرابها- إحدى هذه الطرق التي كان القرآن والسنة منطلقها وركيزتها، ولكي تعبر عن ولائها المطلق للحقائق الشرعية باتت العبارة المعروفة المشهورة:

«الشريعة هي الذراع الثابت للفرجار» قاعدة غير مكتملة، فقد زاد عليها أعلام الطريقة وعدلوها.

فيقول مولانا جلال الدين الرومي: «إننا مثل الفرجار، قدمنا ثابتة في الشريعة، وقدمنا الأخرى نجول بها عبر اثنتين وسبعين قومًا»[16].

«الشريعة كالشمعة؛ تدل على الطريق وتنيره، لكن لا يمكنك عبور الطريق بمجرد وضع شمعة في يدك، كما لا يمكنك السير على الطريق دون شمعة ولكن إذا بدأت السير على الطريق في ضوء الشريعة، فأنت بالتالي تتبع طريقة»[17]

[1]       انظر : البخاري، العلم، 10؛ أبو داود، العلم، 1.

[2]     انظر: الترمذي، المناقب، 1؛ أحمد، جـ 4، 127؛ ابن حبان، الصحيح، جـ 14، 313؛ العجلوني، كشف الخفاء، جـ 1، 265

3 انظر: الترمذي، المناقب، 1؛ الحاكم، المستدرك، جـ 2، 672 / 4228؛ البيهقي، دلائل النبوة، جـ 5، 489؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، جـ 8، 253؛ السيوطي، الدر المنثور، جـ 1، 60، البقرة، 37.

[4]      انظر: الترمذي، المناقب، 1؛ الحاكم، المستدرك، جـ 2، 672 / 4228 ؛ البيهقي، دلائل النبوة، جـ 5، 489؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، جـ 1، 71، جـ 9، 29؛ البزار، المسند، جـ 17، 11؛ قاضي عياض، الشفاء، جـ 1، 160.

[5]     السيوطي، الجامع الصغير، 1، 12؛ المناوي، فيض القدير، 1، 224؛ ابن الأثير، النهاية، 1، 4.

[6]   انظر: البخاري، بدء الخلق 6، الأنبياء، 22، 43؛ مسلم، الإيمان، 264؛ أحد، جـ 2، 317 ، جـ 5، 139، جـ 4، 184 – 185؛ الحاكم، 2، 673؛ الهيثمي، 8، 222-232؛ مسند الطيالسي، 3، 125/ 1643؛ ابن كثير، البداية، 2، 280.

[7]     انظر: القاضي عياض، الشفاء، 1، 48.

[8]   قاب قوسين أو أدنى : لقد عبر سيدنا محمد -صلي الله عليه وسلم- في ليلة المعراج سدرة المنتهى، وهو المكان الذي لم يتجاوزه أي مخلوق بما فيهم جبريل -عليه السلام-. وقد بينت الآية: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} المسافة للإدراك البشري، وحدث اللقاء الذي يستحيل أن يدركه أي عبد. انظر: سورة النجم، الآية : 9.

[9] قال القاضي عياض: «وأن هذا الدنو والقرب من الله -عز وجل- ليس بدنو مكان ولا قرب مدى، وليس بدنوِّ حدِّ، وإنما دنو النبي -صلي الله عليه وسلم- من ربه، وقربُه، إبانة عظيم منزلته، وشريف رتبته، وإشراقُ أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرةٌ وتأنيسُ وبسط وإكرام، يتأول فيه ما يتأول في قوله -صلي الله عليه وسلم-: (يَنْزِلُ ربُّنا إلى سماء الدنيا). نزول إفضال وإجمال وقبول وإحسان». انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، جـ 1، 178.

[10]   ابن هشام 1، 265-266؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، جـ2، 64.

[11]   ابن هشام 1، 295-296.

[12] كما أجاب به الأعرابي ببداهته الأصمعي عن دليل سؤاله: بمَ عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير. (السفاريني، لوامع الأنوار البهية، دمشق 1402، 1، 272).

[13] انظر: البخاري، فضائل أصحاب النبي، 9، الدعوات، 11؛ مسلم، الذكر، 79، ، 80 المساجد، 177، 145؛ أبو داود، الوتر 26/1522؛ الترمذي، الدعوات، 4/3375، القيامة 23/2457؛ النسائي، السهو 60/1301؛ ابن ماجة، الأدب، 56؛ أحمد، جـ 4، 188، 244 – 145؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، جـ 10، 74.

[14]   انظر: أحمد، جـ 4، 124، جـ 3، 265؛ البخاري، الدعوات، 66؛ مسلم، الذكر، 40؛ أبو داود، العلم، 13/3667؛ الترمذي، الدعوات، 82/3510؛ الحاكم، جـ 1، 210 / 419؛ ابن أبي شيبة، مصنف، جـ 6، 59؛ الهيثمي، جـ 10، 76، 77؛ أبو نعيم، الحلية، جـ 5، 118.

[15]   انظر: البخاري، الإيمان، 37؛ مسلم، الإيمان، 1.

[16]   أي إن ركيزتنا الأساسية التي لا نحيد عنها هي الشريعة، ومع ذلك فقد تتشابه بعض مظاهرنا أو سلوكياتنا أو أساليبنا مع إحدى هذه الملل الاثنتين والسبعين.

[17]   أي إن دور الشريعة إنارة الطريق كالشمعة، ودور الصوفية كالمركبة التي تسير بك في هذا الطريق، ولا يمكن السير في الطريق دون الشريعة والصوفية معا. (المترجم)